| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 17/6/2026
يمكن، بل يجب، على ترامب أن يكون اكثر جرأة
بقلم: ألوف بن رئيس تحرير صحيفة هآرتس
اتفاق الاطار الذي تم التوصل اليه بين الولايات المتحدة وايران ليس الا الخطوة الاولى. يجب ان تنتهي الحرب بين اسرائيل وايران باتفاق سلام، بالضبط مثلما ادت حرب اكتوبر الى السلام مع مصر، التي كانت في حينه العدو الاقوى والاكبر لاسرائيل. كان الاتفاق بين مصر واسرائيل، وما زال، الركيزة الاستراتيجية للنظام الاقليمي برئاسة الولايات المتحدة، وقد حان الوقت الآن لتوسيعه شرقا، حتى يشمل ايران. ان فكرة قدرة اسرائيل وايران على المصالحة بعد عقود من العداء، الذي بلغ الذروة في التفجيرات والهجمات بالصواريخ التي شاهدناها في السنة الماضية، لم يتم طرحها حتى في المحادثات الدبلوماسية لانهاء الحرب، ولم تتم مناقشتها في اسرائيل، بل العكس، اظهر “مسؤولون في اسرائيل” خيبة الامل من التقارير التي تحدثت عن الاتفاق بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب وبين حكام طهران. حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تخريب الاتفاق من خلال مهاجمة الضاحية ومواصلة الحرب لتبرير بقاء حكمه ومنع مناقشة اخفاقاته. ولكنه مخطيء. فبدلا من المزيد من القتل والتدمير، يفضل اقامة سفارات واعادة فتح خط رحلات الطيران من مطار بن غوريون الى طهران.
حتى ترامب الذي يدعو الى السلام ويميل للدبلوماسية الطموحة، خلافا لنتنياهو، اكتفى بخطوات صغيرة في هذه المرة. واتفاقه مع ايران يركز على بنود فنية تتعلق بالمشروع النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وليس على اتفاق شامل لاستئناف العلاقات مع ايران التي قطعت بعد الثورة الاسلامية في العام 1979. ترامب اقترح توسيع اتفاقات ابراهيم والتطبيع بين اسرائيل ودول الخليج كركيزة لاعادة تشكيل الشرق الاوسط بعد الحرب. ولكن يجب عليه، بل ويمكنه، اظهار جرأة أكبر، بالاشارة التوراتية الى اتفاقات ابراهيم، والاعلان الان عن اتفاقات “كورش” أو اتفاقات “عزرا ونحاميا”.
مثل حرب اكتوبر، انتهت الحرب التي بدأت بهجوم حماس في 7 تشرين الاول 2023 بالتعادل. فشلت ايران ووكلاؤها في قطاع غزة وفي لبنان وفي اليمن، في غزو اسرائيل واسقاط “الكيان الصهيوني”. لقد الحقوا باسرائيل اضرار كبيرة وضربة معنوية وانقسام داخلي وعزلة دولية وهجرة الادمغة. ولكن اسرائيل ما زالت تقاتل، واقتصادها قوي، ولم تضيف عملياتها لضم الاراضي وتهجير الفلسطينيين الا حدة. في المقابل، فشلت اسرائيل في اسقاط “النظام الارهابي” في طهران، حزب الله، حماس والحوثيين، حتى بعد استخدام قوة غير مسبوقة ضدهم واغتيال قادتهم وتجنيد امريكا للقتال الى جانبها. في نهاية المطاف، مثلما فعل كيسنجر الذي اوقف الجيش الاسرائيلي في الطريق الى القاهرة في العام 1973، منع ترامب ايضا نتنياهو من المزيد من التصعيد وفرض وقف اطلاق النار على اسرائيل.
نتائج الحرب تؤدي الى استنتاج يقول بانه يستحيل هزيمة العدو واجباره على الاستسلام، وانه من الافضل التعايش معه، حتى لو لم يكن بحماس أو اخوة. لا توجد حدود مشتركة بين اسرائيل وايران، أو مصالح وجودية تمنع السلام. لقد كانت الدولتان حليفتان في فترة عهد الشاه. ومنذ سقوطه يدور صراع على السلطة والنفوذ بينهما، متشابك مع صراعات ايديولوجية يمكن تهدئتها. ايضا يمكن حل الصراع المالي حول انبوب النفط ايلات – عسقلان.
هذا الاتفاق سيعود بالنفع على الجميع. فحتى السلام البارد مع ايران، مثلما هي الحال مع مصر والاردن، سيعطي اسرائيل الاستقرار الامني ويمكنها من توجيه مواردها نحو نمو الاقتصاد، بدلا من زيادة الميزانية العسكرية. وايران ستستفيد من انتعاش اقتصادها والاستقرار في المنطقة والدعم الامريكي، وستكسب الولايات المتحدة موطيء قدم جديد لها في الشرق الاوسط، مبعدة بذلك قوة اقليمية عظمى عن دائرة نفوذ الصين وروسيا.
الان توجد حاجة الى زعيم بمستوى الرئيس المصري انور السادات من اجل تحويل هذه الرؤية من خيال الى واقع. والاكثر اهمية، خلافا للاتفاقات المنفصلة مع مصر والاردن، أو اتفاقات ابراهيم، اتفاق “كورش” سيضع ايضا الاساس للسلام مع الفلسطينيين.
——————————————
هآرتس 17/6/2026
الدفاع ضد اتفاق اشكالي يرتكز على ثلاثة اركان، وقد حطمها نتنياهو كلها
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
هل كان دونالد ترامب هو الذي زج اسرائيل تحت اطارات الحافلة (التي كان يقودها هو نفسه)، أو ان نتنياهو هو الذي قرر بان هذه الطريقة الاسلم للانتحار السياسي؟. لو ان المسالة كانت قانونية لكان لها جواب في القانون. فبحسب القانون يتم اعفاء سائق الحافلة من المسؤولية اذا ثبت انه انتحار متعمد ولم يكن لديه وقت معقول للتصرف ومنع الضرر. ولكن في الساحة السياسية، الدراما معقدة اكثر.
لنتخيل ان عائلة منفذ الهجوم الانتحاري، أي دولة اسرائيل في هذه الحالة، ستقاضي ترامب بتهمة تشجيع نتنياهو على ارتكاب هذا العمل اليائس. ففي نهاية المطاف سار الاثنان جنبا الى جنب في حرب محكوم عليها بالهزيمة ضد ايران. وضغط الرئيس الامريكي على الدواسة تحت تاثير نشوة السلطة. ولكن عندها ستجد الدولة نفسها في مواجهة جيش ترامب من المحامين المتعطشين للدماء، الذين سيقدمون دعوى قضائية كبيرة، في السعي الى اثبات ان نتنياهو هو الذي جر الرئيس الامريكي، واقنعه، وضلله الى حملته الانتحارية في ايران. ولا يمكن للمرء الا تخيل حجم التعويضات المطلوب، تخصص ترامب.
لحسن الحظ هذا فقط سيناريو نظري. ولكن للاسف، الضرر السياسي الحقيقي ملموس وكبير ودموي، بما في ذلك انهيار مكانة اسرائيل الدولية، وتآكل شديد لقدرة ردعها، وقطيعة استراتيجية مع واشنطن والرأي العام في امريكا. لقد تقلص نطاق رد اسرائيل العسكري بشكل غير مسبوق، وتدهورت الثقة الدولية التي ستحتاج اليها اسرائيل بشدة عندما ستخرق ايران الاتفاق.
قد تكون الشكاوى بشان “المضمون المسمم” لمذكرة التفاهم، التي لا يعرف أي احد في اسرائيل، بما في ذلك نتنياهو نفسه، ما تخفيه، قد تكون مبررة. ولنفترض ان الاتفاق النهائي سيكون سيء جدا، وان آلية الرقابة ستكون ضعيفة، وان ايران ستستغل أي غموض، وان العقوبات سيتم رفعها بسرعة مقابل ثمن زهيد. في مثل هذه الحالة لا يجب ان يكون السؤال اذا كان الاتفاق ناقص، بل اذا كانت اسرائيل تستطيع مواجهة عواقبه السلبية. والجواب، بفضل نتنياهو، هو أنها غير قادرة على ذلك.
“يرتكز الدفاع ضد اتفاق اشكالي على ثلاثة اركان وهي معلومات استخبارية موثوقة حول الانتهاكات، وتعاون كامل مع الولايات المتحدة، والحرية العسكرية في حالة فشل الدبلوماسية. لقد حطم نتنياهو هذه الاركان الثلاثة. فالمعلومات الاستخبارية تعتمد على الثقة، التي تعتمد على الشراكة”. ولكن الشراكة تآكلت سنة تلو سنة. ففي خطاب الكونغرس في 2015 الذي القي في غياب اوباما والازدراء العلني لعلاقات العمل مع ادارة بايدن، وفي السلوك الذي دفع حتى ادارة ترامب الى التفاوض مع ايران، وتجاهل نتنياهو بشكل صارخ. عندما ستخرق ايران الاتفاق فانه من الضروري ان تصدق واشنطن اسرائيل على الفور وان تتحرك بسرعة وان تقدم دعمها لها. فهل سيصدق أي احد في العاصمة الامريكية شخص وعد باسقاط النظام في رمشة عين؟. لم يكن التعاون العسكري اقل تضررا. فامدادات السلاح هو الجزء الاسهل. ولكن قدرة اسرائيل على العمل ضد المنشآت الايرانية تعتمد على التنسيق اللوجستي والمعلومات الامريكية وموافقة ضمنية على الاقل من واشنطن. كل ذلك مشروط بعودة العلاقات الى طبيعتها. ومع ذلك فان السياسة الاجرامية في المناطق المحتلة وتقويض اسس الديمقراطية في اسرائيل – القيم المشتركة التي يقوم عليها هذا التحالف – جعلت أي تعاون كهذا مستحيل سياسيا لاي رئيس امريكي، بمن فيهم ترامب الذي وجهت له انتقادات في السابق بسبب استسلامه لاهواء اسرائيل. أما فيما يتعلق بحرية العمل العسكري فان أي عمل عسكري بدون دعم امريكي واقليمي، وفي ظل عزلة سياسية، يعتبر مغامرة انتحارية وغير مسؤولة.
النتيجة هي ان نتنياهو لم يفشل فقط في التاثير على الاتفاق بين الولايات المتحدة وايران، بل هو ضمن ايضا ان تاتي اسرائيل الى الاتفاق بدون ان تملك الادوات المطلوبة للتعامل مع فشله، على الاقل يجب أن تبقى لها مخالب لتحارب بها.
——————————————
إسرائيل اليوم 17/6/2026
سجل من الفشل حيال ايران
بقلم: داني سترينوفيتش، باحث في برنامج ايران في معهد بحوث الامن القومي، رئيس قسم ايران في دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات سابقا
في المسألة الإيرانية وفي الساحة اللبنانية على حد سواء يؤدي انعدام التفكير الاستراتيجي وعملية اتخاذ قرارات مرتبة الى تبني قرارات دون فحص معمق لتداعياتها. بدلا من دراسة مرتبة وفهم قيود القوة الإسرائيلية، تتخذ المرة تلو الأخرى قرارات تعتمد على الحدس، الارتجال والثقة المبالغ فيها في قدرة القوة العسكرية على أن تحل مشاكل سياسية مركبة.
تجسد القصة اللبنانية هذا اكثر من أي شيء آخر. فقد كان واضحا منذ المرحلة المبكرة بان وجهة الولايات المتحدة نحو اتفاق مع ايران، وان مثل هذا الاتفاق سيتضمن الساحة اللبنانية أيضا. في مثل هذا الواقع كان ممكنا التوقع ان تعمل إسرائيل مسبقا على استخدام التطورات في صالح الجهات المعتدلة في لبنان – وعلى رأسها حكومة لبنان التي تسعى لان تعمل لاجل اضعاف حزب الله.
أما عمليا فقد حصل العكس. فبدلا من منح حكومة لبنان إنجازات تعزز مكانتها وتسمح لها بان تعرض نفسها كبديل لحزب الله، إدارت إسرائيل الاحداث بشكل عزز الادعاء بان ايران وحزب الله فقط هما القادران على فرض وقف النار. وهكذا، بدلا من استغلال شر القضاء في السياق الإيراني لمساعدة الجهات المعتدلة ساهم سلوكها بالذات في تعزيز مكانة ايران وحزب الله.
في السياق الإيراني أيضا من الصعب تجاهل سلسلة فرضيات أساس تبينت منقطعة عن الواقع. فالفرضية بشأن ضعف الساحة الإيرانية والقدرة على احداث تغيير للنظام من خلال استخدام القوة العسكرية تبينت جماعات من المعارضة وقوات من الأقليات كأمنية اكثر منها تقدير مسنود. فهي تستند بقدر كبير الى الغرور والأمل – وليس الى دراسة جذرية.
الكابنت – ختم
لكن لعله ليس في ذلك مفاجأة. في إسرائيل اليوم يكاد لا يكون موجودا جسم مهمته طرح علامات استفهام أمام المستوى السياسي. وتحول الكابنت في حالات عديدة الى ختم. هيئة الامن القومي تجد صعوبة في تأدية واجبها. جهاز الامن يحذر من أن يبدو كمن يعيق المستوى السياسي. وزارة الخارجية اضعف من أن تؤثر حقا على البحث. فلئن كان يئير دغان وغابي أشكنازي هما اللذان وضعا قبل نحو 15 سنة الحواجز في وجه خطوات بدت لهما خطيرة اكثر مما ينبغي، فقد انقلبت الأمور اليوم رأسا على عقب.
ان ضعف المنظومات الاستشارية والسيطرة المتزايدة لرئيس الوزراء خلقا فجوة خطيرة. يضاف الى ذلك الخوف المتزايد في المستويات المختلفة من الاعراب عن موقف يتعارض ومفاهيم القادة العسكريين او المستوى السياسي الرفيع. اما النتيجة فهي منظومة يتآكل فيها النقد الداخلي وتتقلص فيها القدرة على اجراء بحث حقيقي.
وهكذا، رغم انه كان واضحا بان حملة “الأسد الصاعد” بعيدة عن الأهداف التي عرضت على الجمهور تكاد تكون لم تسمع أصوات نقد داخل المنظومة. حتى عندما كان واضحا بان الفرضيات الأساس إشكالية وان جزءا من الاستراتيجية تقوم على أساس فهم جزئي للعدو الإيراني مشكوك ان يكون هناك جهة ذات مكانة كافية يمكنها أن توقف، تحذر او تفرض بحثا استراتيجيا حقيقيا. دون مثل هذه الجهة، وحين يكون صاحب القرار المركزي محوط باناس مدينون له او من تعيينه، من الصعب توقف بحث نقدي حقيقي.
إنجازات عملياتية، ضرر استراتيجي
لقد تآكل الردع الإسرائيلي بقدر كبير عندما نجحت ايران في النجاة من المعركة، في إعادة بناء مكانتها بل ونيل تسهلات اقتصادية. بالتوازي تضررت شرعية إسرائيل في واشنطن ونشأت توترات زائدة مع إدارة كانت شريكا مركزيا على مدى الطريق. هذه اضرار استراتيجية بعيدة المدى كان ممكنا على الأقل البحث فيها قبل بدء المعركة وبالتأكيد في اثنائها.
ان المحاولة الإسرائيلية والتشكيك بالاتفاق المتبلور والتسبب بالمواجهة الجبهوية مع البيت الأبيض تبدو عديمة الجدوى الاستراتيجية. من الصعب الا يأخذ المرء الانطباع بان الحديث يدور عن سياسة ولدت في دائرة ضيقة جدا من أصحاب القرار دون أن يجرى بحث حقيقي في البدائل وفي الاثمان التي تنطوي عليها.
في السطر الأخير، تحولت دولة إسرائيل الى دولة تتخذ فيها أحيانا قرارات استراتيجية ثقيلة الوزن دون مسيرة مرتبة، دون دراسة كافية ودون نقد داخلي حقيقي. من الصعب ان نشرح بشكل مختلف الفجوة الهائلة التي نشأت بين الإنجازات العملياتية المبهرة وبين نتائجها الاستراتيجية مخيبة الآمال. هذه الفجوة تستوجب استخلاص عميق للدروس – وأساسا إعادة بناء آليات اتخاذ القرار. على الأقل من ناحية الحكومة القادمة، ينبغي لهذه ان تكون احدى المهام الأكثر أهمية.
——————————————
هآرتس 17/6/2026
الهدف السيطرة شمال الضفة؛ والانفجار على الطريق
بقلم: يردين ميخائيلي، متان غولان وينيف كوفوفيتش
يشهد شمال الضفة الغربية ثورة. مشروع بعيد المدى للمستوطنين يتم تنفيذه بوتيرة متسارعة، ويجني ممثلو المستوطنين في الحكومة مكاسب سياسية، في حين يسهل الجيش هذه الثورة ويدعمها. بدأت الثورة تتشكل فور اداء الحكومة اليمينية لليمين وتسارعت وتيرتها في 7 اكتوبر.
يكمن جوهر هذه الدراما في اعادة بناء المستوطنات التي تم اخلاءها خلال عملية الانفصال. وفي منطقة ماهولة بالسكان الفلسطينيين لم يشاهد فيها اسرائيليون خلال العشرين سنة الاخيرة، يبلغ عدد هذه المواقع الاستراتيجية التي سيطر عليها المستوطنون 18 موقع، الامر الذي يهدد استمرار حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية.
تشمل عودة اسرائيل الى المنطقة نشر القوات العسكرية وانشاء قواعد لحماية المستوطنات وشق الطرق ومصادرة الاراضي وتخويف الفلسطينيين. ويدرك كبار الضباط في الجيش الاسرائيلي ان هذه الخطوة قد تشعل فتيل التوتر في المنطقة، لكن المستوطنين يشيدون بذلك ويقولون: هكذا يبدو الخلاص.
720 الف فلسطيني
يعيش اكثر من 720 الف فلسطيني في شمال الضفة الغربية، وفي خطة الانفصال في العام 2005 اخلت الحكومة اربع مستوطنات معزولة في المنطقة، حيث كان يعيش فيها عدد قليل من المستوطنين الذين كانوا بحاجة الى حماية. ومنذ ذلك الحين يكاد ينعدم وجود المستوطنين هنا، وبالتالي، انخفض عدد الجنود. ويعيش الفلسطينيون في المنطقة بسلام مقارنة مع مناطق اخرى في الضفة الغربية.
مستوطنون في العمق
سلسلة دراماتيكية من القرارات التي اتخذتها حكومة نتنياهو تغير الوضع. سيسمح الغاء قانون الانفصال الصادر في آذار 2023 للمستوطنين بالعودة الى قلب التجمعات السكانية الفلسطينية. وقد تمت اعادة توطين مستوطنين بالفعل وهما حومش وسانور، وهناك مستوطنتان على الطريق. يتوقع ان يعيش في غانيم مجموعة من خريجي مدرسة بني دافيد – عيلي الدينية، وكاديم ستعيش فيها نواة دينية من تل ابيب. وستكون مساحة هذه المستوطنات اكبر مما كانت في السابق.
18 مستوطنة جديدة
لم تكتف الحكومة بتجديد اربع مستوطنات تم اخلاءها، بل وافقت على اقامة 14 مستوطنة اخرى من اجل تعميق تجزئة الفضاء الفلسطيني وحصاره من كل الجهات. يوجد الكثير منها في مواقع استراتيجية لم يسكنها الاسرائيليون أبدا.
كل شيء بدأ في حومش
بدأ هذا المشروع الضخم في حومش التي شكل تجديدها خط النضال السياسي. خلال سنوات انتهك اعضاء “حومش اولا” القانون ودخلوا الى المنطقة المحظورة على الاسرائيليين، وتمكنوا في مرحلة معينة من الضغط على الكنيست. في نهاية المطاف سيطر المستوطنون على مراكز نفوذ تكفي لتغيير الواقع.
كان يعيش في حومش تقريبا 70 عائلة عشية الاخلاء في آب 2005. كانت المنطقة المعزولة خطيرة، خاصة اثناء الانتفاضة الثانية. لذلك غادر المستوطنون العلمانيون المستوطنة وازداد عدد المستوطنين المتدينين. اثناء عملية الانسحاب تحصن عشرات الاشخاص في المكان، وكافحت السلطات من اجل اخلائهم.
ورغم عملية الاخلاء انشأ اعضاء حركة “حومش اولا” مدرسة دينية هناك، وجروا معهم الجيش الذي انشأ موقع عسكري. والان، بعد مرور ثلاث سنوات على الغاء الاخلاء، توجد مباني سكنية في الموقع وتم شق طريق للمستوطنين. ولكن هذا ليس كل شيء.
ستمتد المستوطنة المجددة على بضع تلال، وهي تبعد حوالي 220 متر عن القرية الفلسطينية المجاورة. وقد تمت اقامة حي جديد هناك مؤخرا.
في شهر نيسان تم توطين مستوطنة سانور، وحضر الاحتفال ستة وزراء، من بينهم وزير العدل ياريف لفين، وجلس معه الامين العام لجمعية “امانة” زئيف حيفر. ويعيش رئيس المجلس الاقليمي يوسي دغان هنا.
اقام المستوطنون ايضا بضع بؤر استيطانية في المنطقة التي تتصدر الجهود التي ترمي الى طرد الفلسطينيين من اراضيهم وتقويض اتفاق اوسلو. واحدة من هذه البؤر هي شوفا يسرائيل، وهي امتداد لمستوطنة حومش. ومثل المستوطنات الاخرى اقيمت هذه المزرعة في السنة الماضية بفضل الغاء قانون الانفصال.
وتظهر صورة للاقمار الصناعية في أيار سبعة مباني على الاقل في مستوطنة شوفا يسرائيل وبنى تحتية محتملة لعشرة مباني اضافية. في شهر آذار دخل مستوطنات من البؤرة الاستيطانية الى قرية بيت امرين القريبة على تراكتور في المناطق أ، المحظورة على الاسرائيليين وفقا لاتفاق اوسلو. وهناك تواجها مع سائق فلسطيني، قتل احدهما واصيب الثاني. واعلن الشباك والشرطة بان الهجوم كان ارهابي وانه سيتم توجيه لائحة اتهام ضد السائق. وقد قدم نتنياهو التعزية لعائلة المستوطن القتيل وقال: “ستبقى ذكراه خالدة في قلوب الامة لاجيال قادمة”.
بعد وفاته شن المستوطنون حملة انتقام طويلة، وطالبوا بمحو القرية التي قتل فيها، واقتحموا اكثر من 20 موقع في ارجاء الضفة الغربية، واعتدوا على الفلسطينيين واصابوهم، واشعلوا النار بسيارات وبيوت، وخربوا ممتلكات وكتبوا شعارات انتقام على الجدران. وقال احد سكان قرية سيلة الظهر لـ “هآرتس”: “لقد شقوا راس احد سكان القرية وحاولة احراق بيته مع عائلته. ومنذ ذلك الحين يقوم الناس ببناء الجدران ونحن نعيش في خوف، يستحيل معرفة اين سيكون الاولاد في الهجوم القادم”. واظهرت كاميرا عشرات المستوطنين في ليلة اعمال الشغب في قرية جالود في جنوب نابلس.
حتى الان يوجد ليس اقل من 9 بؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية، وباستثناء مستوطنة شوفا يسرائيل كلها توجد على اطراف المنطقة. ولكن هذه ليست البؤر الاستيطانية الوحيدة التي تثير التوتر في المنطقة. فظهور المستوطنات والجيش يؤدي الى تدهور ظروف حياة الفلسطينيين من خلال منع وصولهم الى اراضيهم واقامة الحواجز وحظر البناء والاقتحامات العسكرية واقتلاع الاشجار وما شابه. وقد اجبر مستوطنون من مستوطنة سانور سكان قرية عساسة على اخراج من الارض جثة رجل مسن ونقلها الى مكان آخر. وقال احد ابناء العائلة لـ “هآرتس”: “لقد اصبنا بالصدمة. أي نوع من الجيران هؤلاء”.
اضافة الى ذلك تؤدي عودة المستوطنين الى المنطقة الى ازدحام على الطرق الرئيسية في قلب التجمعات السكانية الفلسطينية، وهم يعدون بالفعل للتنقل في المنطقة بسيارات مصفحة. وقد حذر قادة سابقون للمنطقة الوسطى بان وجود حومش وحدها سيشكل عبء امني يلحق الضرر بالفلسطينيين. وقال ضباط كبار في الجيش للصحيفة بان هذه الخطوة ستحتاج الى نشر قوات كبيرة. وقال احدهم: “يبدأ الامر بتامين الطرق وينتهي بقوات الرد والاستخبارات والمراقبة والدوريات وحماية العائلات والاطفال في حالة وقوع هجوم”. وتحذر منظمات حقوق الانسان من انه في حالة اصابة أي مستوطن سيرد الجيش بقسوة ضد السكان، الامر الذي سيؤدي الى تدهور كل المنطقة الى العنف. اضافة الى ذلك تحذر المنظمات من ان المستوطنين سيعملون على شق طرق جديدة للمستوطنات، التي تمر في المناطق أ المحظورة على الاسرائيليين. وقد تم رسم هذا المسار بالفعل على الخارطة التي عرضها رئيس المجلس دغان.
وتظهر المعلومات التي جمعتها “هآرتس” ان عملية توسع الاستيطان الضخمة في شمال الضفة تنفذ باستثمار كبير جدا من قبل الجيش. وقال قائد قيادة المنطقة الوسطى مؤخرا في جلسة مغلقة: “سنشاهد تغيير كبير جدا في شمال السامرة. سيتعين عليهم التفكير جيدا، في ظل هذا التحدي الكبير، اذا كانوا يرغبون في الابقاء على يهودا والسامرة كفرقة واحدة أو فرقتين”. ولكن الضباط الذين تحدثوا لـ “هآرتس” اكدوا على ان المستوى السياسي نادرا ما يناقش مع الجيش الاهمية العملياتية لهذه الخطوة. واضافوا بان الجيش الاسرائيلي متعب بالفعل في غزة ولبنان وسوريا وعلى الحدود مع الاردن وفي الجبهة الداخلية، والان تضاف مهمات اخرى بدون أي تعزيز اضافي للقوات.
قواعد جديدة
يتم اعادة بناء مقر اللواء المسؤول عن جنين في قلب المنطقة، على تل دوتان قرب قرية عرابة الفلسطينية. وقد اقيمت قاعدة اخرى في سانور تبعد 50 متر عن بيوت الفلسطينيين. أما قاعدة حومش فقد اقيمت في 2021 بعد قتل ناشط في هجوم مسلح. ويجري حاليا اقامة قاعدة جديدة على مدخل غانيم، وستقام قاعدة اخرى الى الشرق قرب مستوطنة غودار.
تدمير مخيمات اللاجئين
حسب اقوال وزير الدفاع يسرائيل كاتس فان “مخيمات اللاجئين كانت تشكل دفيئات ارهابية تم تمويلها وتسليحها على يد ايران”. ومن فهم تصريحات وزير الدفاع يجب النظر الى مخيم جنين للاجئين الذي يقع على بعد 1400 متر عن موقع بناء مستوطنة كاديم.
لقد انشيء المخيم في 1953 للاجئين الفلسطينيين، معظمهم من حيفا، وكان يعيش فيه حتى فترة قصيرة اكثر من 12 الف شخص حسب “الاونروا”. وقد صرح نتنياهو بان احد اهداف عملية جنين هو “تعزيز الامن في الضفة الغربية”. في الواقع استخدم الجيش الاسرائيلي اساليب تشبه الاساليب المستخدمة في قطاع غزة: طرد السكان وتفجير وتدمير مئات المباني وتدمير البنى التحتية وشق طرق زراعية واسعة بين بيوت المدنيين الذين بقوا.
بعد الدمار الكبير شق الجيش الاسرائيلي طريق واسعة. كان الهدف هو السماح لدبابتين بالمرور جنبا الى جنب في قلب المخيم للتنقل بحرية وباقل قدر من الاخطار على الجنود. ولم يسمح للسكان بالعودة حتى الآن.
يعتبر مخيم جنين للاجئين واحد من ثلاثة مخيمات في شمال الضفة الغربية، التي دمرها الجيش الاسرائيلي وطرد سكانها. في مخيم نور شمس تم تدمير أو الاضرار بـ 55 في المئة من المباني، حسب مركز الامم المتحدة الفضائي. ونفس الامر ينطبق على 37 في المئة من المباني في مخيم طولكرم. وقد تم اجبار اكثر من 32 الف فلسطيني على ترك بيوتهم حسب وكالة الاونروا، التي وصفت هذه العملية بانها اكبر عملية تهجير قسري للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ العام 1967. ووصفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” هذا العمل بانه جريمة ضد الانسانية.
بعد الهجوم المفاجيء لحماس في 7 اكتوبر حدث تغيير في نظرة الجيش الاسرائيلي، حيث قدمت القيادة الاسرائيلية الضفة الغربية كجبهة حرب، حيث ازدادت قوة الجيش الاسرائيلي التي استخدمها بشكل واضح. ومع البدء في عملية الجدار الحديدي في كانون الثاني 2025 دخل الجيش الى المخيمات مرة اخرى ولم يغادرها.
قائد المنطقة الوسطى، آفي بلوط، يتحدث الآن عن “تشكيل الفضاء” وحلم “الجيش يقابل الارهاب في معاقله وليس في نقاط التفتيش”. وقد تحدث ايضا عن تخفيف اوامر فتح النار. “نحن نعمل مثل خلاط ونحول الصخور الى حصى، من اجل ضمان عدم تكرار احداث 7 اكتوبر في الضفة الغربية”. وقد قتل ابرياء نتيجة العملية العسكرية، من بينهم اطفال ونساء. وفي حادثة فظيعة في المنطقة كان أب وأم واولادهم الاربعة يتسوقون في نابلس عندما اطلق الجنود النار عليهم اثناء عودتهم ونجا ولدين فقط.
لقد تم دمج المبرر العسكري مع الاهداف بعيدة المدى للمستوطنين، الذين يعملون على العودة والاستيطان في شمال الضفة الغربية. وتعتبر اقوال وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع، بتسلئيل سموتريتش، في بداية عملية الجدار الحديدية جديرة بالذكر، “الان، بعون الله، بدأنا في تغيير الرؤية الامنية في يهودا والسامرة، وايضا في حملة اجتثاث الارهاب من المنطقة. هذا جزء من اهداف الحرب التي اضيفت الى جدول اعمال الحكومة بناء على طلب من حزب الصهيونية الدينية. سيكون الجدار الحديدي حملة قوية ومستمرة ضد اعضاء الارهاب ومنفذيه لحماية المستوطنة والمستوطنين ومن اجل امن كل دولة اسرائيل، التي تشكل المستوطنة الحزام الامني لها”.
اضافة الى ذلك يشهد الجيش عملية اندماج عميقة مع حركة الاستيطان، حيث تم تعيين خريجيها في مناصب رفيعة، الابرز من بينهم قائد قيادة المنطقة الوسطى نفسه، وهو صاحب السيادة في الضفة الغربية، اللواء آفي بلوط، الذي يعيش في مستوطنة نفيه تسور، وهو خريج المدرسة التاهيلية عيلي.
——————————————
يديعوت احرونوت 17/6/2026
فشل معروف مسبقا
بقلم: اورلي ازولاي
لا توجد حروب مفرحة. لا يوجد أي بهجة في مشاهد الدمار، الدم، العرق والدموع، حين يكون الى جانب الموتى تتجول الاشباح، النازحون، بلا أفق أو أمل. في الجانبين. بالمقابل، حرب زائدة لا داع لها توجد بكثرة. حروب ولدت بسبب غرور ألمّ بالزعيم او بسبب جهله. ترامب خرج الى حرب عظمى فيما أن تحت تصرفه الجيش الأقوى في العالم. اعطى يدا لنتنياهو، وهكذا سار الزعيمان من فوق اكوام القبور والانقاض نحو الفشل الفاخر.
على مدى ثلاثة اشهر دارت حرب غير اضطرارية، يفترض أن تنتهي هذا الأسبوع بمذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وايران على وقف نار. درة التاج: فتح مضائق هرمز. غير أن هرمز كان مفتوحا قبل الحرب، وما يلوح في المذكرة كان يمكنه أن يتحقق حتى بدون 14 الف طلعة لطائرات أمريكية وإسرائيلية من فوق سماء طهران، بدون صواريخ على إسرائيل.
لقد بنى رئيس الوزراء حياته السياسية على تخويف دائم من التهديد الوجودي المتشكل في ايران. نتنياهو بدون تهديد إيراني يلوح به يشبه حوت منتحر يلقي بنفسه الى الشاطيء. ما كان يمكنه أن يسمح بهذا لنفسه إذ لديه محاكمة ونزعة بقاء طموحة. هذا الأسبوع تلقى وابل شتائم من ترامب، الصديق الأفضل الذي كان لإسرائيل في البيت الأبيض. هو لم يستوجب ان من يذهب لينام مع الكلاب يستيقظ مع البراغيث.
بصفته سيد أمريكا كان يفترض به أن يعرف بان ترامب يحب ويخلص فقط لرجل واحد: هو نفسه. ترامب كان الى جانبه عندما ناسب هذا مصلحته. وصرفه عن طريقه بالشتم والسباب عندما حاول نتنياهو التخريب على محاولته تحقيق اتفاق مع ايران. هو يحتقر تفكره، مثلما يحتقر أيضا احابيله المكشوفة. الشرخ بين واشنطن والقدس لم يعد ممكنا طمسه. كما لا يمكن تجاهل الضرر الجسيم الذي تسببت به “زعامة” نتنياهو للمكانة المتآكلة لإسرائيل في الولايات المتحدة وفي العالم. الخطيئة الأولى كانت في اذار 2015. نتنياهو متأثر بالادرينالين وبوجود واحد يعرف كل شيء – وصل ليخطب امام مجلسي الكونغرس، من خلف ظهر الرئيس أوباما، بهدف ان يعرقل له الاتفاق مع ايران. في نهاية الامر الاتفاق وقع وكان جيدا. مهندس الاتفاق، وزير الطاقة في إدارة أوباما. بروفيسور الفيزياء آرنست مونيز قال لي في مقابلة صحفية انه من خلف الكواليس كانت إسرائيل شريكة في كل المفاوضات: “تلقينا من الخبراء الإسرائيليين الكثير من النصائح التي وضعت في البنود المختلفة. اعطينا إسرائيل إحساسا بانها كانت في داخل الغرفة”، قال لي مونيز.
بعد توقيع الاتفاق إياه، ايران لم تخرق بنوده. الى أن دخل ترامب الى البيت الأبيض وبضغط نتنياهو انسحب من الاتفاق. عندها كسر الإيرانيون أيضا الأدوات واجروا القفزة الأهم في البرنامج النووي. في وردية ترامب ونتنياهو.
لقد وعد الرئيس الأمريكي بان يجلب اتفاقا افضل من اتفاق أوباما: هذا لن يحصل. ومع ذلك، فان اتفاقا سيئا افضل من الحرب. الأسد الذي زأر والأسد الذي صعد لم يجلبا الهدوء، لم يسقطا النظام واليورانيوم. اللكمة تلقاها نتنياهو. الان يمكنه أن يرتب القميص ويقفز الى العربة، قبل أن يندفع حصان التاريخ بدونه، بدوننا. كل باقي الخيارات الدموية استنفدت حتى التعب.
——————————————
يديعوت احرونوت 17/6/2026
ترامب يكرر اللازمات الخمسة
بقلم: تساحي هنغبي
رئيس هيئة الامن القومي ومستشار الامن القومي سابقا
سيجد قراء الصحيفة، ممن ليسوا من متابعي الكوميديا الإسرائيلية المعاصرة، صعوبة في فهم الرسالة التي يعكسها عنوان المقال. لكن أي إسرائيلي ضحك بصوت عالٍ أثناء مشاهدة فقرة “اللازمات الخمسة” من برنامج “ميلر جانكشن” سيتفهم المقارنة بين أداء آدي حبشوش الرائع، الذي يجسد شخصية روتيم سبيتز، الجندية الخفية، وخيبة الأمل الشديدة من صياغة الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران. يبدو أن الرئيس الأمريكي قد تبنى شخصية بطلة الفقرة الكوميدية، التي تنكر بعناد غريب حقيقة لا جدال فيها:
“لا أعرف ما هو إزالة اليورانيوم، ليس إزالة اليورانيوم، لقد خرجت منتصرًا.”
“لا أعرف ما هي الصواريخ الباليستية، ولا أعرف ما هي الصواريخ الباليستية، لقد خرجت منتصرًا.”
“لا أعرف ما هي منشآت التخصيب، ولا أعرف ما هي منشآت التخصيب، لقد خرجت منتصرًا.”
“لا أعرف ما هي المساعدات المقدمة لحزب الله، ولا أعرف ما هي المساعدات المقدمة لحزب الله، لقد خرجت منتصرًا.”
“لا أعرف ما هو النظام الذي نجا، وما هو النظام الذي لم ينجُ، لقد خرجت منتصرا.”
لكن واقع حياتنا ليس كوميديا، ونجاح إيران في تحويل هزيمة عسكرية إلى إنجاز سياسي ليس بالأمر المضحك لأحد. من الواضح ما الذي يدفع البيت الأبيض إلى الرغبة في منع التصعيد في هذا الوقت الحساس، ولكن من الواضح أيضاً ضرورة إدراك أهمية هذا التطور، دون الوقوع في فخّ الخداع الذاتي. إن رفع الحصار البحري عن إيران واستئناف صادرات النفط الإيرانية، دون أن يتخلى النظام فعلياً عن طموحاته النووية ومخزونه من اليورانيوم المخصب، يجعل من الصعب للغاية تحقيق الأهداف التي سعت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال إطلاق عملية “زسير الأسد”. في مئة يوم من العزيمة، تمكنت إيران من إحباط آمال أقوى قوة في العالم في إحداث تغيير جذري في واقع الشرق الأوسط. أولاً، أزالت من جدول الأعمال التزام الرئيس بمساعدة الشعب الإيراني على التحرر من نير الاستبداد. ثم تجاهلت بشكل صارخ تهديدات عدوانية لا حصر لها وُجهت إليها، حتى تلاشت جميعها وكأنها لم تكن موجودة. وأخيرًا، فرضت إيران على الولايات المتحدة وثيقة تفاهم غامضة، لا تحمل في طياتها سوى نتيجة واحدة: يتكسر الريح امام الارادة الصلبة.
بعد ثلاثة أشهر متتالية فاجأ فيها الرئيس ترامب الولايات المتحدة، بشكل إيجابي للغاية، بإظهاره التزامًا ملحوظًا بهدفه المعلن، وهو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، انقلبت الموازين.
صحيح أن الصياغة العامة لاتفاقية المبادئ تسمح للولايات المتحدة بالادعاء بأن الهدف النهائي لسياستها لم يتغير قيد أنملة، وأن الاتفاقية التفصيلية ستُجسد ذلك. لكن من الواضح للجميع، وخاصة في طهران، أن فرصة حدوث ذلك معدومة. لم تُذعن إيران حتى عندما وجّه إليها الرئيس الأمريكي تحذيرًا كان أشدّ وضوحًا ووضوحًا من أي تحذير آخر: “ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تُبعث من جديد!” طوبى لمن يؤمن بأنه عندما يخف الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي على إيران، وتخف وطأة أزمتها الاقتصادية، ستوافق على تسليم اليورانيوم المخصب الذي راكمته على مر السنين إلى جهات أجنبية، وتفكيك المنشآت النووية التي تضررت بشدة في العام الماضي. لا تتضمن وثيقة التفاهم أي التزام بشأن الصواريخ الباليستية أو دعم المنظمات الإرهابية، ولا أحد حتى في واشنطن يتحدث عن المصير البائس للمواطنين الإيرانيين المضطهدين.
لقد أصبحت إسرائيل الآن مضطرة، لأسباب مفهومة، لقبول تغيير سياسة حليفها الذي ساعدها بشكل غير مسبوق وقاتل إلى جانبها منذ عملية الأسد الصاعد. ورغم خيبة الأمل، فقد أضعفت الهجمات القوية التي شنها البلدان معًا منذ حزيران 2025 إيران في العديد من المجالات، وأبعدتها عن امتلاك أسلحة نووية. كما تعطلت قدرتها على تحقيق خطتها الطموحة لتجميع عشرات الآلاف من الصواريخ الباليستية، وتنفيذ رؤيتها لتدمير إسرائيل من خلال خنقها بالمنظمات الإرهابية الإقليمية.
سيُتغين على إسرائيل الآن أن تفكر بعمق وإبداع في كيفية مواصلة تعزيز أمنها القومي، في جميع مسارح الحرب، مع وضع لبنان في المركز، في واقع تم فيه الكشف عن فجوة حقيقية في المصالح الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة لأول مرة منذ حوالي عامين.
——————————————
يديعوت أحرونوت 17/6/2026
نص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران
بقلم: ايتمار آيخنر
في الساعات الأخيرة، قام منفيون إيرانيون بتوزيع وثيقة يُزعم أنها النسخة النهائية لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي وُقِّعت إلكترونيًا، لكن الطرفين لم يكشفا عنها، وصرح الرئيس دونالد ترامب بأنها لن تُنشر إلا بعد مراسم التوقيع الرسمية يوم الجمعة في سويسرا. ونشرت قناة العربية مساء (الثلاثاء) هذه الوثيقة أيضًا، وهي مطابقة للوثيقة التي وزعها المنفيون.
الوثيقة الكاملة
لا تزال مصداقية الوثيقة غير واضحة تمامًا، لكن مضمونها يُشابه تقارير أخرى حول تفاصيل الاتفاق، وتقريرًا نُشر الليلة في صحيفة “وول ستريت جورنال” يفيد بأن إيران ستحصل فور توقيع المذكرة على فائدة اقتصادية هائلة تتمثل في إعفائها من العقوبات المفروضة على مبيعات النفط، حتى قبل بدء المفاوضات المستقبلية بشأن البرنامج النووي، والمقرر أن تستمر 60 يومًا.
وأفاد مصدر مطلع على تفاصيل الاتفاق لوكالة “رويترز” مساء اليوم بأن التفاصيل تتضمن خطة لإنشاء صندوق استثماري خاص بقيمة 300 مليار دولار أمريكي، سيستثمر في إيران. وأوضح المصدر أن الصندوق لن يبدأ عملياته إلا بعد توقيع الاتفاق النهائي. وأشار إلى أنه صندوق خاص لا يتلقى أي تمويل حكومي، وأن هذا الأمر يُناقش بشكل منفصل عن الأصول الإيرانية المجمدة.
في إسرائيل، التي تشعر بقلق بالغ إزاء تداعيات الاتفاق، طلبت الولايات المتحدة الاطلاع عليه، لكن طلبها قوبل بالرفض. وقد أقرّ سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، اليوم بأن إسرائيل لا تعلم حتى الآن بمضمون النص النهائي. إلا أنه يبدو أن النص قد كُشف عنه الآن، وهذا ما ورد في الوثيقة المسربة:
تُعلن إيران والولايات المتحدة، مع حلفائهما في الحرب الحالية، بتوقيع مذكرة التفاهم هذه، إنهاءً فوريًا ودائمًا للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وتتعهدان بعدم شن أي عمل عدائي ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد أي منهما. وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة والمواد الأخرى.
تتعهد الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيها، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.
تتعهد إيران والولايات المتحدة بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون مدة أقصاها 60 يومًا، قابلة للتمديد بالتراضي.
فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، سترفع الولايات المتحدة الحصار البحري وتمتنع عن أي تدخل أو تدخل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وستعيد حركة الملاحة البحرية إلى طاقتها الكاملة في غضون 30 يومًا كحد أقصى؛ وستكون حركة الملاحة البحرية متناسبة مع حجم حركة الملاحة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل الحرب. كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة في غضون 30 يومًا من توقيع الاتفاق النهائي.
فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستتخذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطوات فورية لضمان استئناف حركة السفن التجارية من الخليج العربي إلى بحر عُمان وبالعكس في غضون 30 يومًا إلى مستواها قبل الحرب، مع مراعاة ضرورة إزالة العوائق التقنية وتحييد الألغام من جانب إيران.
تلتزم الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة شاملة متفق عليها لإعادة التأهيل الاقتصادي والتنمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع ضمان تمويل لا يقل عن 300 مليار دولار. سيتم وضع آلية تنفيذ هذه الخطة، كجزء من الاتفاق النهائي، في غضون 60 يومًا.
تتعهد الولايات المتحدة بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة حاليًا على جمهورية إيران الإسلامية، وفقًا لجدول زمني يُتفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلًا عن جميع العقوبات الأمريكية الأحادية، سواءً كانت أساسية أو ثانوية.
تؤكد جمهورية إيران الإسلامية مجددًا أنها لن تنتج أسلحة نووية أبدًا. وقد اتفقت جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة على أن مصير المواد المخصبة وجميع المسائل الأخرى المتفق عليها بشأن البرنامج النووي، بما في ذلك احتياجات إيران النووية، سيتم تناولها بشكل مناسب في اتفاق نهائي؛ وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه المادة.
- تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، على الحفاظ على الوضع الراهن: تحافظ إيران على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران أو تزيد من قواتها في المنطقة.
تتعهد الولايات المتحدة بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، وحتى تاريخ رفع العقوبات، ستصدر وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات لصادرات النفط الخام الإيراني، والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، وجميع الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل وما شابهها.
تتعهد الولايات المتحدة، في ضوء التقدم المحرز في المفاوضات نحو التوصل إلى اتفاق نهائي، بالإفراج عن الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة لجمهورية إيران الإسلامية وإتاحتها لها بالكامل. وستُستخدم هذه الأموال، سواء كانت مودعة في الحساب الرئيسي أو محولة، لأي دفعة تُدفع للمستفيد النهائي الذي يُحدده البنك المركزي لجمهورية إيران الإسلامية، وستكون متاحة للاستخدام بالكامل. تتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التصاريح والتراخيص اللازمة بناءً على ذلك.
تتفق جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة على إنشاء آلية تنفيذ لمراقبة التنفيذ الناجح للاتفاق النهائي والالتزام المستقبلي به.
بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، وتلقي ضمانات بشأن بدء تنفيذ المواد 4 و5 و10 و11 منها، واستمرار تنفيذ هذه الخطوات، ستدخل جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة في مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي يقتصر على المواد المتبقية.
يُعتمد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
العلاقة بين الاتفاق والحرب في لبنان
في غضون ذلك، كتب إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، على حسابه في شبكة X: “لقد جلست الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات بشروط إيران. والآن، يتعين على واشنطن إثبات التزامها بإنهاء الحرب على لبنان والتقيد بكل بند من بنود مذكرة التفاهم. وأي انتهاك سيُقابل برد حاسم وساحق”.
وقال سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، في مقابلة مع إذاعة NPR: “لا نعلم تفاصيل الاتفاق. هذا ليس اتفاقاً، بل مذكرة تفاهم. نشعر بالارتياح لعزم الرئيس على منع إيران من الحصول على أسلحة نووية، لكننا نشعر بقلق أقل إزاء إدراج لبنان في الاتفاق مع إيران. نعتقد أن ذلك غير مفيد وغير ضروري”.
وأضاف، بخصوص الادعاء الإيراني بأن إسرائيل ملزمة بالانسحاب: “بالتأكيد لا”. بحسب قوله، “أوضحت الإدارة أن الاتفاق لا علاقة له بانسحابنا من جنوب لبنان. لن ننسحب من جنوب لبنان، وليس من حق هؤلاء المتطرفين من طهران التدخل في شؤون لبنان. لسنا بحاجة إلى وكيل إيراني ينشر الدمار والموت على حدودنا. إسرائيل موجودة في جنوب لبنان لحماية مواطنيها كأي دولة أخرى تحترم نفسها”.
——————————————
مركز القدس للاستراتيجية والأمنJISS 17/6/2026
حين يصبح “تقسيم غزة” مصلحة إسرائيلية: “يجنبنا الانتقادات الدولية”
بقلم: البروفسور أفرايم عنبار
تراجعت النقاشات حول مستقبل قطاع غزة عن أجندة وسائل الإعلام بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. ومع ذلك، يبدو أن خطة ترامب الطموحة لإعادة إعمار غزة لن تُنفذ. لم يتم بعد إنشاء قوة الاستقرار الدولية، التي كان من المفترض أن تدخل غزة وتوفر الأمن الداخلي، في حين أن أعضاء الحكومة التكنوقراطية، التي من المقرر أن تحكم لفترة انتقالية، مترددون في دخول القطاع ما دامت حماس تُمسك بزمام السلطة. علاوة على ذلك، أفاد نيكولاي ملادينوف، كبير ممثلي مجلس السلام في غزة، مجلس الأمن الدولي بأن إنشاء سلطة انتقالية مدنية في غزة غير ممكن، وأن الجهود الدبلوماسية لنزع سلاح حماس، وهو شرط أساسي للتقدم، لم تنجح بعد في التغلب على مقاومة الحركة.
مع ذلك، قد يُتطلب من إسرائيل مجدداً معالجة هذه القضية عند انتهاء الحرب ضد إيران. سيؤدي هذا إلى تحويل المزيد من الاهتمام إلى ساحات أخرى. صحيح أن حزب الله، وكيل إيران في لبنان، قد ضعف، لكنه لا يزال مسلحاً تسليحاً جيداً ويتمتع بحق النقض (الفيتو) على قرارات الحكومة اللبنانية. وبالمثل، قاومت حماس في غزة الضغوط لنزع سلاحها، ولا تزال الحاكم الفعلي للأراضي التي تسيطر عليها – أكثر من 30 في المئة من القطاع (على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي يواصل التوغل في المناطق الخاضعة لسيطرتها) – وعلى الغالبية العظمى من السكان. ليس من المستغرب أن تعجز جيوش إرهابية مثل حزب الله وحماس عن القضاء عليها، في حين تحظى أيديولوجيتها بتأييد واسع بين السكان الذين تنشط في مناطق نفوذها، خصوصاً أنها تتلقى مساعدات عسكرية من الخارج.
في إسرائيل، قدم الجيش الإسرائيلي خططًا لاستئناف الهجوم على حماس بهدف نزع سلاحها وتحقيق “النصر الكامل” الذي يطالب به بعض السياسيين، لكن هذا الهدف غير واقعي، والرضا بالوضع الراهن نتيجة معقولة. ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل فشلت في القضاء على حماس أو تفكيكها في الضفة الغربية، وهي منطقة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 1967. في الوقت نفسه، تشير استطلاعات الرأي باستمرار إلى أن حماس لا تزال تحظى بشعبية بين الفلسطينيين، على الرغم من المعاناة الهائلة التي سببتها المجزرة التي ارتكبتها في 7 أكتوبر 2023 في إسرائيل. علاوة على ذلك، لا تزال حماس تمتلك أسلحة أكثر مما كانت تمتلكه قبل الحرب. ويبدو أن الحركة قد أعادت بناء شبكات تهريب الأسلحة لديها للتعافي من الضربات التي وجهها لها الجيش الإسرائيلي. كما أنها تجند وتدرب مقاتلين جدداً لترسيخ سيطرتها والاستعداد لهجوم إسرائيلي.
لا شك أن الجيش الإسرائيلي قادر على احتلال قطاع غزة بالكامل، وقد تبدو مهمة “النصر الحاسم” مغرية، لكن “إتمام المهمة” في غزة أمر مشكوك فيه لعدة أسباب.
سيؤدي احتلال قطاع غزة بالكامل إلى تحميل سكانه الفقراء، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، مسؤولية مباشرة تجاه إسرائيل. أما الإبقاء على الوضع الراهن – أي تقسيم غزة – فيُعفي إسرائيل من هذا العبء، الذي بات يُمثل تحديًا للمجتمع الدولي بعد تبني مجلس الأمن الدولي خطة ترامب لغزة. ورغم أن إسرائيل، حتى في الوضع الراهن، تُعتبر مسؤولة عن دخول المساعدات الإنسانية وحركة السكان من وإلى القطاع، لكن هذه المسؤولية أقل أهمية.
كما سيُحوّل هذا الاحتلال الجيش الإسرائيلي، الذي لا يزال يُسيطر على نحو 60 في المئة من القطاع – وهي مناطق خالية في معظمها من السكان المُعادين – إلى جيش احتلال يعمل بين سكان مدنيين غرس حماس فيهم كراهية الإسرائيليين لسنوات. ويُوفر هذا السكان أرضاً خصبة لحماس لشن حرب عصابات ضد القوات الإسرائيلية. إنّ استراتيجية كسب قلوب السكان، التي تُستخدم أحيانًا في الحروب ضدّ المقاتلين، ليست خيارًا واقعيًا لإسرائيل في غزة، كما أنّ أيّ مشروع طموح لمكافحة التطرّف لديه فرص ضئيلة جدًا للنجاح، نظرًا لأنّ الإطار الزمني المطلوب يمتدّ لأجيال عديدة. من الأفضل توجيه الجهود الإسرائيلية إلى أماكن أخرى.
إنّ الحرب الدائرة على جبهات متعدّدة منذ 7 أكتوبر 2023، هي أطول حملة عسكرية في تاريخ دولة إسرائيل. وبينما أظهر المجتمع الإسرائيلي مرونة اجتماعية استثنائية، وأظهر الاقتصاد الإسرائيلي قوة كبيرة، فإن إسرائيل ترحّب بفترة راحة. إنّ الانتشار الحالي في غزة – الذي يوفّر الحماية للمستوطنات الحدودية – لا يتطلّب سوى عدد قليل نسبيًا من الجنود. من المرجّح أن يتطلّب تجديد الحرب في غزة وغزوها تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط، وسيكون مكلفًا من حيث الخسائر البشرية والمادية. إنّ مبررات الاحتلال الكامل لغزة ليست مقنعة بما يكفي في وقت يتوق فيه الإسرائيليون إلى نوع من الحياة الطبيعية.
إن قطاع غزة المنقسم، الذي يُبقي حماس مسيطرة على جزء منه، بينما تسيطر الحكومة العسكرية الإسرائيلية على الباقي، يُبقي على انقسام داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، الخصم الرئيسي لإسرائيل على المدى الطويل، والتي لا تُظهر أي مؤشر على تخفيف عدائها الشديد تجاه الدولة اليهودية. ويعكس هذا النهج استراتيجية إسرائيل في غزة منذ أن طردت حماس السلطة الفلسطينية من القطاع في حزيران 2007. وقد أضعفت سياسة الفصل بين غزة والضفة الغربية الحركة الوطنية الفلسطينية، وقوضت مطلب إقامة دولة فلسطينية، وهو مطلب يعارضه الآن غالبية كبيرة من الإسرائيليين، الذين يقتنعون بأن الفلسطينيين لن يكونوا قادرين على أن يصبحوا جيرانًا صالحين في المستقبل المنظور.
لم يكن يوم 7 أكتوبر 2023 دليلاً على فشل سياسة العزل بحد ذاتها. يكمن الفشل في التراخي المخزي الذي أبدته شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي وتمسكها بفكرة أن “حماس ضعيفة ومردوعة”. وقد أخطأت إسرائيل، قبل كل شيء، في استمرارها في سياسة الاحتواء لفترة طويلة جدًا. وكجزء من سياسة العزل، تبنت إسرائيل، عن طريق الخطأ، نهج “الهدوء مقابل الهدوء”، متسامحةً مع الهجمات الصاروخية المتكررة على سكانها المدنيين، بينما سمحت لحماس بتوسيع قدراتها العسكرية بشكل كبير. لم تتصرف إسرائيل بحزم كافٍ لمنع تنامي قوة حماس. في صراع طويل الأمد ومستمر، يُعد حل “جز العشب” – أي الاستخدام الدوري للقوة العسكرية لإضعاف قدرات العدو، وبناء ردع مؤقت، وإطالة أمد الفترات الفاصلة بين أعمال العنف – هو النهج المعقول الوحيد للتعامل مع الأعداء، سواء أكانوا دولًا معادية، أو منظمات إرهابية، أو جيوشًا إرهابية. لا يقدم هذا النهج نهاية حاسمة، ولا يضمن نصرًا قاطعًا. إنه يتطلب يقظة مستمرة وعملاً عسكريًا. مع إدراك أن التهديد قد يعود للظهور في أي وقت، إلا أن إسرائيل أهملت هذا الواجب في غزة.
لذا، يُعدّ وجود جيب تحت سيطرة حماس في غزة نتيجة مقبولة، شريطة أن تحرص إسرائيل على التدخل بشكل دوري في المستقبل. كما يُعفي هذا النهج الجيش الإسرائيلي من واجبات الاحتلال، وما يترتب عليها من تكاليف وتعقيدات سياسية. وأخيرا، قد يُجنّب التخلي عن احتلال غزة بالكامل إسرائيل الانتقادات الدولية التلقائية التي تصاحب أي استخدام للقوة، وهي انتقادات غالبًا ما تستند إلى فهم خاطئ للوضع. هذا بافتراض أن إسرائيل قادرة على توضيح أنها لا تسعى لضم الأراضي الخاضعة لسيطرتها، وأن تسمح أيضاً باستمرار الاستجابة الإنسانية للحد من اهتمام المجتمع الدولي بهذه القضية.
——————————————
هآرتس 17/6/2026
هل حان الوقت لنبذ الصهيونية؟
بقلم: ديمتري شومسكي
في الشهر الماضي، أشارت عوفرا رودنار في “ملحق هآرتس” إلى وجود فجوة غير مقبولة بين الحضور البارز والمستمر لمفهوم “الصهيونية” في الخطاب المعادي لإسرائيل لدى حركة “ووك” في الغرب وفي الخطاب الوطني في إسرائيل، وبين عدم صلة هذا المفهوم بالواقع الإسرائيلي المعاصر. ففي نهاية المطاف، تحقق حلم الصهيونية بإقامة الدولة، سواء اعترفنا بذلك أم لا. فما فائدة الخوض الدائم في مسائل نظرية حول من هو صهيوني ومن ليس كذلك، في حين أن المجتمع الواقعي في إسرائيل، الذي هو نتيجة حتمية للصهيونية، يواجه مهمات عملية ووجودية ملحة، مثل مداواة الجراح، وإعادة التأهيل، واستعادة الاستقرار النفسي؟ أو كما تقول رودنار: “عندما يحترق البيت، يصبح سؤال: هل أنت صهيوني؟ بلا أي معنى”.
من الواضح أن معنى مصطلح “الصهيونية” بالنسبة لرودنار هو الطموح، الذي تحقق بالفعل، لإقامة دولة قومية يهودية في أرض إسرائيل. وبعبارة أخرى، تنتمي الصهيونية، كمفهوم وظاهرة، إلى الماضي، وبالتالي فإن الإصرار على التمسك بها يعكس مفارقة تاريخية كبيرة. ومع ذلك، هل هذا هو المعنى المقبول بالفعل لمصطلح “الصهيونية” لدى معظم الإسرائيليين اليوم، وفي الخطاب التعليمي والثقافي والوطني في دولة إسرائيل المعاصرة؟ وماذا لو كانت الصهيونية الآن، في الواقع، أيديولوجيا رائدة ومهيمنة على الواقع الإسرائيلي الملموس، ونظاما يقوم على معتقدات ومواقف متجذرة في وجود ووعي شريحة كبيرة من الإسرائيليين؟ أيديولوجيا تتمحور حول النفي القاطع للحقوق القومية الفلسطينية، وتتبنى رؤية لاستمرار الاستيطان من البحر إلى النهر، وربما أبعد من ذلك، وتسعى إلى فرض السيادة اليهودية على كامل أرض إسرائيل وإقامة دولة فصل عنصري “ثنائية القومية”.
على مدى خمسة عشر عاما، اعتادت هذه الصفحات على طرح فكرة مفادها أن الاعتراف بالمساواة في الحقوق القومية والسياسية لليهود والفلسطينيين بين البحر والنهر، والذي يتمثل أفضل تعبير واقعي عنه اليوم في تقسيم الأرض إلى دولتين قوميتين متفق عليهما، ينبع جوهريا من فكرة الصهيونية بوصفها حركة تحرر قومي. ويتماشى هذا المفهوم مع بحثي التاريخي، ويعكس في الوقت نفسه إيماني بإمكانية استمرارية العلاقة بين خصائص الحركة القومية في الماضي وقيم الدولة القومية التي نتجت عنها في الحاضر.
ما زلت أؤمن بهذا المفهوم، لكنني أعلم أن المفاهيم السياسية قد تشهد تحولات جذرية وعميقة عبر التاريخ. وفي الواقع، يصعب تجاهل حقيقة أننا الآن في خضم عملية تغيير جذرية فيما يتعلق بمضمون ومعنى مفهوم “الصهيونية”. فعدد متزايد من الإسرائيليين، بعضهم بدافع التعاطف، وبعضهم بدافع اللامبالاة، وبعضهم بدافع الاشمئزاز، يعتبرون أعمال الشغب ضد الفلسطينيين، ونهب أراضيهم وممتلكاتهم، وإهانة نشطاء أسطول غزة على أيدي عصابات ترتدي زي المجرم المدان إيتمار بن غفير، وغير ذلك من مظاهر العملية الأيديولوجية الكهانية، تعبيرا أصيلا وحصريا عن الصهيونية. وفي الوقت نفسه، تُقابل المحاولات السيزيفية التي يبذلها ماتي معوت لإعادة شحن الصهيونية بعناصر الإرث الليبرالي الديمقراطي للآباء المؤسسين بالتجاهل والاستخفاف والسخرية.
من الواضح أنه إذا اكتملت عملية “كهننة” الصهيونية بنجاح، فلن يكون بالإمكان الادعاء، بأي شكل من الأشكال، بأن الانشغال بالصهيونية أمر عفا عليه الزمن ومنفصل عن مهمات الحاضر، وأن سؤال: “هل أنت صهيوني؟” هو سؤال نظري بحت. وعلى العكس من ذلك، عندما يصبح التطابق بين الصهيونية، على سبيل المثال، وبين “خطة الحسم” التي طرحها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 نهائيا ومطلقا، سيُجبر كل من يتطلع في إسرائيل إلى مستقبل دولته على شن حرب شاملة ضد الصهيونية، والإجابة عن سؤال: “هل أنت صهيوني؟” بالنفي القاطع. ولن يكون ذلك لأن هذا المشروع الصهيوني، القائم على إقامة دولة قومية كهانية وعنصرية بين البحر والنهر، تروج لسياسة تهجير وتطهير عرقي للشعب الفلسطيني تحت راية الصهيونية، مشروع إجرامي ومشين أخلاقيا فحسب، بل أيضا لأن تنفيذه سيؤدي إلى زوال الدولة اليهودية. فالدولة العنصرية والإبادية التي ستصبح عليها إسرائيل رسميا، بعد تحقيق الحلم الصهيوني المعاصر، لن يكون لها، بحق، أي مكان في المجتمع الدولي.
—————-انتهت النشرة—-

