الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 19/6/2026 

ايران تغير الشرق الاوسط

بقلم: تسفي برئيل 

قال محمد باقر قاليباف في “مقابلة النصر” التي اجراها مع التلفزيون الإيراني في مساء يوم الأربعاء: “كل ما اردنا تحقيقه من خلال الهجوم، حققناه عشرات الاضعاف من خلال المفاوضات. لقد حققنا الكثير من الإنجازات بفضل عدم ردنا. لقد رايتم كيف اعلن ترامب عن وقف اطلاق النار في كل ارجاء لبنان حتى الساعة الثانية فجرا… هذا يعني ان المفاوضات هي أسلوب نضال”. وأشار قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس وفد التفاوض مع الولايات المتحدة، الى الاملاءات المفروضة على ترامب في لبنان. ولكنه وجه أيضا رسالة واضحة لمنتقدي مذكرة التفاهم في ايران، والى خصومه السياسيين الذين فرحوا بما وصفوه بالتنازلات المفرطة التي قدمتها طهران للولايات المتحدة. كان من المقرر ان يوقع قاليباف على مذكرة التفاهم في سويسرا اليوم، بعد ان وقعها الرئيس مسعود بزشكيان الكترونيا في يوم الأربعاء. ولكن المحادثات تم تاجيلها مؤقتا. اكد قاليباف على ان “ايران تبوأت مكانة قوية، لكن القوة وحدها لا تكفي لتحقيق هذه الأهداف العظيمة”. وأوضح بان الدبلوماسية الحازمة ستكون النهج المتبع من الان فصاعدا. “الشعارات ليست قوة، والشرنقة التي يمكن فكها باليد ليست مبرر لفتحها بالاسنان”.

بالفعل، تظهر بنود مذكرة التفاهم الـ 14 بوضوح وايجاز نطاق انتصار ايران وانجازاتها. ضمن أمور أخرى، ينص الاتفاق على ان يبقى المشروع النووي قائم في الوقت الراهن، بدون تحديد ما اذا كان سيتم التخلص من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة وارساله الى دولة أخرى، وكيفية تخفيف تركيزه، والطرفان سيحافظان على الوضع الراهن، وهذا اتفاق يعني انه خلال المفاوضات ستتمكن ايران من الاحتفاظ بمخزون اليورانيوم بكل مستويات التخصيب، ولن تفرض الولايات المتحدة عقوبات إضافية عليها، أيضا ينص على ان مستقبل المشروع النووي والرقابة عليه سيناقش بالتفصيل مع الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، رفائيل غروسي، الذي كان من المقرر ان ينضم للنقاشات اليوم.

بالنظر الى التسامح الذي اظهره ترامب تجاه الصواريخ البالستية الإيرانية فانه يبدو ان أي اتفاق سيوقع معها سيسمح لها بتخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض، كجزء مما تعرفه بانه “حقها السيادي”. وفيما يتعلق بالصواريخ فان التفسير الذي قدمه ترامب لازالتها من جدول الاعمال يثير الاهتمام بشكل خاص، حيث أوضح وقال: “اذا كانت دول أخرى تمتلكها، فمن غير العدل ان لا تمتلك ايران بعضها”. والعدل صفة أساسية لدى ترامب، ولا يمكن للمرء الا ان يتساءل عن سبب منعه لإيران من تطوير سلاح نووي، في حين ان جاراتها، الهند وباكستان، تمتلكها، وإسرائيل ايضا (حسب مصادر اجنبية).

وبحسب توقيع مذكرة التفاهم تحصل ايران على مكاسب فورية. حيث ستتمكن من تصدير النفط بدون قيود، وستحصل (بموجب اتفاق منفصل) على مليارات الدولارات المجمدة في بنوك في ارجاء العالم. وسيتولى البنك المركزي في ايران إدارة هذه الأموال مباشرة، وستكون له السلطة الحصرية في تحديد وجهة انفاقها. أيضا سيتم رفع كل القيود المفروضة على الحوالات والمعاملات البنكية، بما في ذلك عبر البنوك الامريكية. هذا يعني عمليا، ان ايران ستتمكن في القريب من تسويق حوالي 2 مليون برميل في اليوم، مع مراعاة القيود التقنية الناتجة عن الحاجة الى إعادة تاهيل آبار النفط والمضخات ومرافق التكرير التي تضررت بسبب الهجمات. وستتمكن بعد ذلك من زيادة الكمية الى اقصى طاقتها الإنتاجية التي يمكن ان تصل الى 4.5 مليون برميل في اليوم. هذا التصريح توجد له فائدة أخرى هامة. فهو يسمح لإيران بفرض سعر السوق الكامل مقارنة مع الخصومات الباهظة التي اضطرت الى إعطائها للصين خلال فترة العقوبات، والبدء في البحث عن زبائن جدد ومنافسة دول الخليج على هذه الأسواق.

وقد بدأ بالفعل فتح مضيق هرمز والافراج عن حوالي 1800 ناقلة عالقة في موانيء دول الخليج، مع تعهد ايران بعدم تحصيل أي رسوم أو دفعات أخرى كرسوم عبور لمدة ستين يوم. وتكتسب صياغة هذا البند أهمية خاصة، حيث ان الاعفاء من الرسوم لمدة ستين يوم لا يرتبط بمدة المفاوضات. وفي حالة عدم وجود حظر على تحصيل الرسوم بعد هذه الفترة، يتوقع ان تحصل ايران على مصدر دخل إضافي مهم، قد يصل الى اكثر من 100 مليون دولار في اليوم من رسوم “خدمات الملاحة”. أيضا ستستفيد سلطنة عمان، التي تسيطر على جزء من مضيق هرمز، من هذا الاتفاق. حسب المذكرة ستتفاوض ايران مع الولايات المتحدة بشان ترتيبات إدارة هذا الممر الملاحي وانشاء آلية للتشغيل المشترك للمرور عبر المضيق.

رهنا بتوقيع اتفاق دائم، تلتزم الولايات المتحدة برفع كل العقوبات المفروضة على ايران والمساعدة في انشاء صندوق لاعادة الاعمار والتنمية الاقتصادية بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار. يحتاج هذا البند الى حل عدد من الصعوبات القانونية والسياسية في البداية. أولا، يتطلب رفع العقوبات الدولية التي اعيد فرضها على ايران في تشرين الأول كجزء من آلية “العودة التلقائية”، قرار جديد من مجلس الامن، يتوقع اقراره. مع ذلك، تم فرض بعض العقوبات الامريكية على ايران من قبل الكونغرس كجزء من الحملة ضد دعمها للارهاب، وليس كضغط لتجميد مشروعها النووي. رفع هذه العقوبات ليس من صلاحية الرئيس، ويبدو انه سيواجه صراع سياسي بشانه، خاصة اذا خسر حزبه في انتخابات نصف الولاية.

ثانيا، يتوقع ان يواجه انشاء صندوق التنمية الحالم المخصص لتلبية طلبات ايران بالتعويض عن الاضرار التي لحقت بها جراء الحرب، صعوبات. ويعتمد نجاحه على رغبة الشركات الخاصة والدول الأجنبية في المشاركة، لا سيما دول الخليج. ومن المستبعد ان نشاهد في القريب اقبال كبير من قبل الشركات والدول التي ترغب في استثمار أموالها في ظل نظام واقتصادي يسيطر عليهما الحرس الثوري.

لكن حتى في حالة توفر متطوعين فانه سيتعين على ايران أولا اجراء اصلاح شامل لنظامها الاقتصادي والمصرفي وسن سلسلة قوانين تضمن الاستثمارات الأجنبية، وتوفير مجالات استثمارية مربحة. هذا يعني شراء الشركات الإيرانية الخاضعة حاليا لسيطرة الحرس الثوري.

الأهم من ذلك هو انه سيتعين على ايران تقسيم المكاسب بين هذه الدول والشركات والصين التي وقعت معها على اتفاق استراتيجي بمبلغ 400 مليار دولار على مدى 25 سنة. وحسب هذا الاتفاق حصلت الصين على احتكار وحق الأولوية في الاستثمار في مجال الطاقة والاتصالات والبنى التحتية.

تعتبر المكاسب الاقتصادية المترتبة على توقيع مذكرة التفاهم والموعودة مقابل الاتفاق النهائي، الدليل البارز على نجاح المفاوضات التي أجرتها ايران مع الرئيس الأمريكي الذي قرر انهاء القصة. ولكن النتائج الاستراتيجية اكثر أهمية بكثير. فايران تعيد رسم خارطة القوة في الشرق الأوسط، وتفرض على دول المنطقة ضرورة تحديث سياستها الأمنية ومراجعة علاقاتها مع أمريكا، واستثمار رؤوس الأموال في إيجاد بدائل واقعية لنقل موارد الطاقة من الخليج، والاستعداد للعودة الى المجتمع الدولي كقوة إقليمية شرعية.

إضافة الى ذلك تعتبر الطريقة التي ضغطت فيها ايران على ترامب بالنسبة للبنان، حالة دراسية ستشير الى الاتجاه الذي يتوقع ان تسلكه الدولة. فالامر لا يقتصر على وقف اطلاق النار الذي نجحت في فرضه على إسرائيل، أو اظهار التزامها بالحفاظ على مكانة حزب الله وقوته. خلال السنة الماضية خاضت طهران معركة شاقة ضد الحكومة اللبنانية ورئيسها الذين شنوا حملة غير مسبوقة لاقتلاع نفوذ ايران وتحييده. وقد فسرت موافقة حكومة لبنان على اجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، باشارة الى رغبتها في التوصل الى اتفاق سلام وإعلان “عدم وجود حالة حرب” بين الدولتين، في ايران على انها خطوة يمكن ان تكمل تفكك المحور الإيراني بعد خسارته لسوريا.

وقد أوضحت عدة نقاط انعطاف لإيران خطورة التهديد: مناشدة الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، للسعودية بأن تراجع سياستها تجاه الحزب؛ مشاركة تركيا كوسيط بين حزب الله وسوريا؛ تردد رئيس البرلمان الشيعي في لبنان، نبيه بري، بين دعم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية وبين دعم احتكار الدولة للسلاح في لبنان.

لكن ايران الان لا تظهر الا بصفتها الجهة التي حققت وقف اطلاق النار في لبنان، وهو الامر الذي عجزت عن تحقيقه الحكومة المنتخبة مع إسرائيل. ويتوقع أيضا ان تكون الدولة التي ستمول إعادة اعمار جنوب لبنان. إضافة الى ذلك، ضمان مكانة حزب الله وتسليحه يعزز قوة المليشيات الشيعية في العراق في مواجهة الضغوط الامريكية على حكومة العراق لنزع سلاحها وازاحتها من مواقع السلطة. وهكذا، تغير ايران وضع واهداف وكلاءها، الذين تحولوا من قوات مساعدة مسلحة تهدف الى كبح جماح الهجمات عليها وكسب نفوذها في الدول الى أصول استراتيجية تشكل ملامح النفوذ الإقليمي الذي تطمح اليه. ويتوقع ان يتعزز هذا النفوذ عندما سيتم رفع العقوبات عن ايران، حيث ستتمكن في حينه من الاستثمار، ليس فقط في التنظيمات والمليشيات، بل أيضا بشكل مباشر في دول المنطقة وخارجها، مثلما فعلت في السابق في السودان وفي عدة دول في افريقيا وفي أمريكا الجنوبية، هذه المرة باموال طائلة.

اما الاتفاق مع الولايات المتحدة فسيحقق هدف آخر. فهو يقلل من التدخل العسكري الأمريكي. لقد استوعبت دول الخليج الدرس القاسي الذي أوضح لها بان القوات الامريكية في المنطقة والقواعد العسكرية الضخمة التي تستضيفها على أراضيها، واستثماراتها الهائلة في الاقتصاد الأمريكي، ووعودها بمزيد من الاستثمارات، لا تضمن الحماية التي توقعتها في المقابل. لم يظهر البديل الذي يتمثل في تحالف دفاع إقليمي يضم دول قوية عسكريا مثل باكستان وتركيا ومصر، وسيواجه صعوبة في الظهور بسبب الاعتبارات السياسية والانقسامات العميقة بين هذه الدول. والمسار الواقعي الاخر فهو يكمن على الأرجح في ترتيبات جماعية أو ثنائية بين دول الخليج وايران، مثلما فعلت دولة الامارات والسعودية بعد التعرض لهجوم من قبل الحوثيين والمليشيات العراقية.

على خلفية هذه الرؤية يجدر إعادة النظر في الافتراض السائد بان ايران تسعى الى المماطلة وتاخير، أو حتى افشال، الاتفاق الدائم مع الولايات المتحدة. عندما يتوقع تامين مشروعها النووي في النطاق المحدد في الاتفاق النووي الأصلي، وعندما لا يكون ضغط عليها للإسراع في انتاج الصواريخ البالستية قبل فرض الحظر عليها، وعندما يكون قطاعها الاقتصادي المحلي محطم، لكن العصيان المدني محصور في منازله، وعندما يكون الرئيس الأمريكي في حالة مزاجية تصالحية وسخية – فانه توجد لإيران كل الأسباب المنطقية لتسريع العملية.

——————————————

يديعوت 19/9/2026

رغم ما حققناه في الحرب، مذكرة التفاهم التي وقّعها ترامب خفضت من مكانة إسرائيل الاستراتيجية

بقلم: رون بن يشاي 

بالنظر إلى الماضي، يبدو أن عملية “الأسد الصاعد” في حزيران 2025 كانت تتويجًا للإنجازات العسكرية والاستراتيجية الإسرائيلية في الحرب مع إيران. في المقابل، تُعدّ مذكرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة يوم الخميس، والتي أنهت فعلياً حرب “زئير الأسد”، نقطةً استراتيجيةً مُنخفضةً في الحرب الطويلة الأمد مع النظام في طهران. وبينما حقّقت القيادة المركزية الأمريكية والجيش الإسرائيلي إنجازاتٍ مُبهرة، فإنّ التعاون التاريخي والناجح، وتراجع البرامج النووية والصاروخية لسنوات، يُعدّان إنجازاتٍ ذات أهمية استراتيجية. لكنّ مذكرة التفاهم هذه، التي كان تلاعب الإيرانيون فيها بترامب منحت آيات الله انتصاراً معنوياً يُعزّز قدرتهم على البقاء وقمع شعبهم، ومنحتهم دعماً اقتصادياً يُتيح لهم استعادة القدرات وإصلاح ما أُفسد. وفي خضمّ ذلك، استغلّوا الرئيس الأمريكي أيضاً لتقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي في إيران ولبنان، ولزرع شرخ دبلوماسي بين القدس وواشنطن.

من المهم التوضيح: جميع ما كُتب هنا يستند إلى معلوماتٍ حديثة ومحادثاتٍ مع خبراء كبار في مجالات الاستخبارات والعمليات القتالية والاستراتيجية، ومع متخصصين نوويين في الجوانب العلمية والأمنية. طلب جميعهم عدم الكشف عن هوياتهم. لقد التزمتُ بالحقائق والتقييمات التي قدموها، وأسعى إلى تقديم صورة واضحة للوضع – بعيدًا عن السياسة – بما يسمح بتقييم موضوعي لما ينتظرنا في المستقبل.

كيف انتهت حملة عسكرية ناجحة إلى حد كبير، وجهت ضربات متتالية لإيران، بمذكرة تفاهم تخدم مصالح العدو الحقيقية مقابل وعود غامضة وغير ملزمة من جانبه؟

لقد أدى إعلان ترامب في كانون الثاني، الذي قال فيه للمتظاهرين في إيران إن “المساعدة قادمة”، إلى إطلاق العملية التي أفضت بعد شهر إلى عملية “زئير الأسد” أو”الغضب الملحمي”. وخلافًا لمزاعم معارضي الحرب في الولايات المتحدة، لم يجر نتنياهو الأمريكيين إلى الحرب. بل إنه، في رأيه، انتهز الفرصة، وسارع مع رئيس الموساد ورئيس الأركان إلى تقديم خطة عملياتية لترامب للوفاء بالتزامه تجاه الاحتجاجات. لكنّ الانطباع السائد في وسائل الإعلام الأمريكية ترسّخ بأنّ إسرائيل هي التي استدرجت ترامب إلى حرب لا تخدم المصالح الأمريكية، بل تُعدّ هدراً فادحاً للموارد. وكان هذا التفكير أحد الأسباب الرئيسية لتسريع الانهيار الاستراتيجي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. لقد أراد ترامب ونتنياهو تعزيز إنجازات ” الأسد الصاعد” وتهيئة الظروف للإطاحة السريعة بالنظام، لكنّهما تسرّعا في ذلك، ويعود ذلك جزئياً إلى أنّ وكالة الاستخبارات الأمريكية قدّمت، في شباط، فرصة استخباراتية مفاجئة لقطع رؤوس المرشد الأعلى علي خامنئي وأعضاء قيادة أجهزة الاستخبارات والأمن الإيرانية في غضون دقائق.

ترامب، الذي عادةً ما يتخذ قراراته بناءً على حدسه، قبل اقتراح نتنياهو ووافق على بدء العملية دون أن تُعدّ الولايات المتحدة ردّاً عسكرياً على احتمال إغلاق مضيق هرمز وتداعياته على الاقتصاد العالمي. كما لم يُراعِ ترامب المعارضة الداخلية – السياسية والشعبية – التي تصاعدت مع استمرار العملية والمفاوضات. في المقابل، استغلّت إيران الورقة الوحيدة التي كانت تملكها استغلالاً كاملاً وناجحاً. أغلقت إيران مضيق هرمز، ونفّذت ما يُعرف في الجودو بـ”الضربة الاستراتيجية” لترامب، وبشكل غير مباشر لإسرائيل أيضاً. لقد راهنت إيران، عن حق، على أن الرئيس الأمريكي لن يجرؤ على مخالفة الرأي العام في بلاده، الأمر الذي عرّض مكانته السياسية للخطر في انتخابات التجديد النصفي، ومخالفة إرادة دول الخليج العربية التي خشيت من ثأر إيرانيً.

لقد كان آيات الله الإيرانيون على صواب. فترامب، الذي لم يتصرف بناءً على تقديرات باردة، لم يُنفّذ تهديداته الحماسية باستئناف الأعمال العدائية. كما ارتكب خطأً ما كان ليرتكبه مبتدئ في فن التفاوض، حين أبدى حرصاً شديداً على فتح مضيق هرمز عبر الدبلوماسية رغم قوته العسكرية الهائلة، وبذلك حوّلت إيران هزيمة عسكرية إلى نصر استراتيجي في المعركة الدبلوماسية. الضحية الرئيسية هي إسرائيل، التي فقدت تقريباً قدرتها على التأثير في القضايا المتعلقة بأمنها القومي. لقد حوّلها ترامب في الرأي العام الأمريكي والعالمي إلى مجرد أداة فعّالة لكنها غير مسؤولة، تدين بوجودها له.

لكي نتمكن من تقييم ما قد يحدث أو لا يحدث لاحقًا، من الضروري معرفة الصورة الكاملة: الوضع العسكري على الجبهات المفتوحة، والوضع الاستراتيجي الراهن لدولة إسرائيل.

السلاح النووي: لا خطر من حدوث اختراق

ليس صحيحًا القول إن إسرائيل كانت في خطر إبادة وشيك، كما ادعى نتنياهو، لكنها شرعت في حملة “الأسد الصاعد” لأن الإيرانيين قاموا بأعمال من شأنها أن تمنحهم، في وقت قصير، المعرفة والقدرة المادية على إنتاج جهاز نووي أولي. هذه القدرة، إلى جانب الكمية الكبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية (60 في المئة) من مادة شبه انشطارية بحلول حزيران 2025، خلقت تهديدًا حقيقيًا بالأسلحة النووية في غضون أشهر.

لقد تم التخطيط لعملية “الأسد الصاعد”  كعملية قصيرة تهدف إلى إحباط كل من التهديد النووي المباشر والتهديد الصاروخي الذي بدا أنه الخطوة التالية للإيرانيين. أوقف ترامب إسرائيل بعد 12 يومًا، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن حققت ما يقارب 80 في المئة من أهدافها العسكرية. وبعد إلحاق أضرار جسيمة بمكونات البرنامج النووي، أكمل ترامب المهمة باستخدام قاذفات أمريكية، وعطل منشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو لفترة طويلة، والتي لم تتمكن إسرائيل من تحييدها بمفردها.

وبذلك، تم تعطيل منشآت التخصيب الرئيسية، والقضاء على علماء نوويين بارزين، ودفن 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة في ثلاثة مواقع: نطنز، وفوردو، وأصفهان. وبناءً على المعلومات المتوفرة، فقد أدى ذلك إلى تأخير البرنامج النووي لفترة طويلة، تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

في حملة “زئير الأسد”، هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية السرية المحصنة تحت الأرض، حيث طُوّرت وصُنعت مكونات القنبلة، لكن يبدو أن التقدم العملياتي الذي تحقق هناك لم يُغير الوضع جذريًا. اليوم، لا تستطيع إيران الوصول إلى سلاح نووي في غضون أسابيع، أو حتى أشهر، حتى لو كان لديها وصول سري فوري إلى بعض المواد، وحتى لو كان لديها منشأة تخصيب سرية. والسبب في ذلك تقني في المقام الأول. يوضح الخبراء أنه لإنتاج سلاح نووي موثوق، تحتاج إيران إلى أمرين: أولًا، يجب أن تتأكد من أن السلاح نفسه سيعمل، خاصةً إذا كان رأسًا نوويًا مُركبًا على صاروخ. ثانيًا، يجب أن تمتلك ترسانة من عدة قنابل. لا يمكن لأي دولة أن تعتمد في ردعها النووي على سلاح واحد، لأنه يوجد دائمًا احتمال اعتراض الرأس الحربي أو فشله أو تعطلّه.

حتى لو افترضنا أن النظام الحالي متطرف ويسعى للانتقام من إسرائيل، فإن قادته لا يتصرفون بتهور. ويتضح ذلك من خلال طريقة إدارتهم للمفاوضات مع ترامب. يدركون جيدًا أن إسرائيل، وفقًا لمنشورات أجنبية، تمتلك قدرة رد نووي كبيرة، تُعرف بـ”قدرة الضربة الثانية” من الجو والبر والبحر (الغواصات). وقدرتها على ضرب المراكز السكانية والحكومة والصناعة الإيرانية تُشكل تهديدًا خطيرًا للغاية. لذا، إذا قررت إيران يومًا ما استخدام الأسلحة النووية، فستحرص على التأكد من جاهزية هذه الأسلحة وامتلاكها خمسة رؤوس حربية جاهزة للعمل على الأقل (وهذا ما يتضح من وثائق الأرشيف النووي التي جلبها الموساد).

لكن إلى جانب ذلك، هناك عامل آخر لا يقل أهمية: كل دولة سعت للانضمام إلى النادي النووي أجرت أولًا عدة تجارب. هذا ما فعلته الهند والباكستان وكوريا الشمالية وغيرها. من المعروف أن الإيرانيين قد جهزوا مواقع لإجراء تجارب تحت الأرض، لكن التجربة النووية ليست حدثًا يمكن إخفاؤه. إذ يتم رصدها بسرعة من قِبل أنظمة الرصد الدولية وأجهزة الاستخبارات والوكالة الدولية للطاقة الذرية. إذا أجرت إيران مثل هذه التجربة باستخدام عبوة ناسفة أولية، فسيكون ذلك مثابة إشارة تحذير للعالم حتى قبل امتلاكها قدرة نووية جاهزة للعمل. بإمكان إسرائيل التحرك إذا كان جيشها مستعدًا بالمعلومات الاستخباراتية والأسلحة اللازمة. صحيح أن العالم سيتعامل مع إيران كقوة نووية بعد إجراء تجربة نووية، إلا أن الضرر الذي سيلحق بمكانتها الدولية والعقوبات المفروضة عليها سيكون كارثيًا كما هو الحال مع كوريا الشمالية. لذا، من المرجح أن تمتنع إيران عن هذه الخطوة في المستقبل القريب، وفي ظل وضعها الاقتصادي الراهن.

يمكن الافتراض أن وكالات الاستخبارات الأمريكية، والموساد، وشعبة الاستخبارات بقيادة اللواء شلومي بيندر، تراقب البرنامج النووي عن كثب. ومن المرجح ألا تسعى إيران لتطوير أسلحة نووية في المستقبل القريب. علاوة على ذلك، وكما ذُكر، فقد تم تقليص برنامجها بشكل كبير، لا سيما ما يتعلق بالقنبلة. سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا لإعادة تشغيله، وذلك بافتراض أن الإيرانيين سيؤجلون المفاوضات ولن يوافقوا على طلب الولايات المتحدة بنقل اليورانيوم عالي التخصيب إليها والتوقف التام عن التخصيب.

لا يزال خطر الصواريخ قائماً

في “الاسد الصاعد” دمرت إسرائيل العديد من منصات الإطلاق والصواريخ، فضلاً عن منشآت إنتاج الصواريخ والمواد المستخدمة في تصنيع الوقود والمتفجرات، لكن التهديد الباليستي لا يزال قائماً. ورغم ما حققته إسرائيل من ردع، تراكمت معلومات لدى أجهزة الاستخبارات في مطلع عام 2026 تفيد بأن إيران كانت تخطط لتدمير إسرائيل بالوسائل التقليدية، استناداً إلى دروس مستفادة من الصراع السابق. تمحورت الخطة حول إنتاج آلاف الصواريخ الباليستية، وإطلاق العشرات والمئات منها في كل وابل، بطريقة تعجز معها أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية عن اعتراضها. “كقنبلة ذرية مصغرة”، كما وصفها نتنياهو.

وكان الهدف من عملية “زئير الأسد”” إحباط هذه الخطة، وتعميق الضرر الذي لحق بالبرنامج النووي، وأضيف إليها هدف آخر: “تهيئة الظروف لإسقاط النظام من قبل الشعب الإيراني”. كان من المقرر في الأصل إطلاق العملية في حزيران 2026 (أي هذا الشهر)، لكن التزام ترامب بمعارضي النظام وفرصة الإطاحة بالقيادة أدّيا إلى تقديم موعدها. وكما يُقال، العجلة من الشيطان.

عشية العملية، كان لدى إيران نحو 2500 صاروخ باليستي بعيد المدى ومئات من منصات الإطلاق، معظمها مخبأ في أنفاق ومواقع صواريخ تحت طبقات صخرية يزيد سمكها عن مئة متر. ولأن إسرائيل لا تملك قنابل قادرة على اختراق هذه الأعماق مباشرة، ولأن الأمريكيين لم يكن لديهم سوى عدد محدود جدًا من القنابل التي تزن نحو 12 طنًا من النوع الذي أُلقي في فوردو، فقد تقرر سدّ مداخل الأنفاق ومواقع الصواريخ لمنع منصات الإطلاق من الخروج منها. نجحت هذه التكتيكات مع “الأسد الصاعد” ، لكن الإيرانيين استوعبوا الدرس ونفذوا إجراءً مضادًا: جهزوا جرافات D9 عملاقة مسبقًا للأنفاق ومواقع الصواريخ، وعندما توقف القصف، أزالوا الصخور والأتربة التي كانت تسد المداخل، وفي غضون أيام استأنفوا عمليات الإطلاق. رصدت المخابرات الإسرائيلية ذلك، فقصفت طائرات سلاح الجو المواقع وأغلقت المداخل مرارًا وتكرارًا. وخلال فترة وقف إطلاق النار، فتح الإيرانيون المزيد والمزيد من الأنفاق المسدودة.

خلاصة القول هي أن أكثر من 50 في المئة من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية قد تم تعطيلها. وتشير تقديرات متحفظة إلى أن لديهم أكثر من ألف صاروخ من مختلف الأنواع والمدى. هذا ليس عددًا كبيرًا، ولكنه ليس العدد الذي خططوا لإنتاجه بسرعة، وهو 8000 صاروخ، عشية العملية. ومع وجود آلاف الطائرات المسيرة المتفجرة المتبقية لديهم، لا يزال بإمكانهم تهديد إسرائيل والمنطقة، بل وحتى أوروبا. عليهم إدارة اقتصاد تسلح حذر، والاكتفاء ببضع عشرات من عمليات الإطلاق يوميًا، والتي تعرف أنظمة الدفاع الإسرائيلية والأمريكية كيفية التعامل معها، لكن خطر الصواريخ الباليستية لا يزال قائمًا.

لقد كان الإنجاز الاستراتيجي الرئيسي للجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي هو التدمير المنهجي والشامل لمصانع الصناعات الدفاعية وأنظمة التطوير والبحث الضخمة التي خدمت المشروع النووي ومشروع الصواريخ الباليستية والأسلحة الاستراتيجية الأخرى. وقد صنّف الجيش الإسرائيلي هذه المصانع كأهداف حيوية، لأنها كانت تحوي قدرة إيران على استعادة قدراتها وتطوير الجيل القادم من أسلحة الحرب. لذلك، تعرضت مجمعات المصانع العسكرية، ومصانع الصلب، ومصانع البتروكيماويات للهجوم، ووفقًا لأكثر من مصدر موثوق، فقد دُمرت جميعها بنسبة مئة بالمئة!

وبالتالي، تم تحييد قدرة إيران على إعادة إنتاج كميات كبيرة من الصواريخ، التي كانت ستُمكّنها من إغراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية، لفترة طويلة، ربما لسنوات. وحتى في حال توقيع اتفاق وتقديم الولايات المتحدة موارد مالية ضخمة لإيران، سيستغرق الأمر ما لا يقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات لإعادة بناء نظام الإنتاج وتشغيله.

حرية التحليق في الأجواء الإيرانية

ومن الإنجازات الأخرى تعطيل أنظمة الكشف والاعتراض للدفاع الجوي الإيراني بشكل شبه كامل. وقد نجح سلاح الجو الإيراني مرارًا في ضمان حرية التحليق في الأجواء الإيرانية، وهذا الأمر له دلالة استراتيجية ردعية. وتُدرك القيادة الإيرانية أن جميع بنيتها التحتية الحيوية تقريبًا – الحكومية والعسكرية والنووية والصناعية والاقتصادية – عُرضة للهجوم. ولهذا السبب طالب الإيرانيون الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بإنهاء الحرب. إن استجابة ترامب لهذا المطلب ستُقيّد ظاهريًا أيدي إسرائيل إذا لم تفِ إيران بالتزاماتها النووية.

مذكرة التفاهم غامضة في هذا الشأن، لكن مسؤولًا أمنيًا رفيع المستوى أوضح لي أن لدى الجيش الإسرائيلي تعليمات واضحة بشأن إيران: “لدينا خطط عملياتية مفصلة، ​​مدعومة بالوسائل، لمنع وصول إيران إلى وضع تمتلك فيه أسلحة نووية. نحن على استعداد لتنفيذها اليوم إذا وافقت عليها القيادة السياسية”.

توقف قليلًا، لكن من السهل استنتاج أنه يقصد أنه بالنسبة للجيش الإسرائيلي (أو الموساد)، قد يتغير هذا الوضع في طالح إسرائيل، إذا تمكنت إيران من استعادة نظام الكشف والاعتراض الخاص بها بنفسها. هذا أمر ملحّ بالنسبة لها، وقد يكون سريعًا إذا تلقت مساعدة من الصين أو روسيا، لكنه في الوقت الراهن لا يزال نقطة ضعف رئيسية لإيران ومكونًا هامًا من عناصر الردع الإسرائيلي تجاهها.

متى سيسقط النظام؟

يقود الموساد عملية إسقاط النظام، بينما يُعدّ الجيش الإسرائيلي داعماً له. لا داعي لتكرار كيف وافق ترامب على المشروع الذي كان من المفترض أن يُشعل فتيل تمرد في شمال غرب إيران، بقيادة الأكراد الذين جُلبوا من العراق بعد تسليحهم من قِبل إسرائيل ووكالة المخابرات المركزية. وقد أفشل ترامب نفسه، بعد محادثة مع أردوغان، هذا المشروع الذي كان يهدف إلى استقطاب المزيد من الأقليات للتمرد وتحييد قوات من الحرس الثوري والباسيج لمواجهتهم.

يعتقد الموساد، على أي حال، أن إسقاط النظام، الذي لن يؤجل طموحاته النووية والصاروخية فحسب، بل سيقضي عليها أيضاً، أمرٌ حتمي. وفي قسم التأثير الجديد، الذي أنشأه ديدي برنياع في الجهاز للتركيز على هذه القضية، هناك ثقة كبيرة بأن هناك فرصة جيدة لحدوث ذلك في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات على الأكثر. سيُجبر النظام الآن على مواجهة محنة الشعب، وانهيار البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والكهرباء، والتضخم المتسارع، وبطالة الشباب. يقول مصدر مُطّلع على الشأن الإيراني: “ترامب وحده القادر على إنقاذ النظام المُتصدّع من الداخل. سيتحقق ذلك إذا ما أفرج سريعًا عن الأموال المُجمّدة ورفع العقوبات. مهمتنا الأهم هي التأثير عليه لكي لا يفقد اهتمامه”.

علاقاتنا مع الوكلاء: إلى أين نتجه؟

خلال عملية الأسد الصاعد، اتضح للإيرانيين أن الوكلاء الذين اعتمدوا عليهم لسنوات قد خذلوا في تقديم المساعدة التي كانوا يتوقعونها في وقت الشدة. تجنّب حزب الله فتح جبهة ضد إسرائيل، واختفى الحوثيون تدريجيًا، وكذلك الميليشيات العراقية التي أكثرت كلامًا وقلّت أفعالًا. من وجهة نظر إيران، كان هذا خيبة أمل استراتيجية. لكن عملية “زئير الأسد” مثّلت نقطة تحوّل، لا سيما بالنسبة لحزب الله، الذي، في ظلّ تزايد ضغوطه وعدم وجود مرشد آخر في الأفق، قرر الرهان على الإيرانيين. استجاب الأمين العام نعيم قاسم لنداءات طهران ونفّذ تهديده بإطلاق النار على إسرائيل.

كانت عمليات إطلاق الصواريخ التي قام بها حزب الله عقب اغتيال خامنئي، والتي انتهكت وقف إطلاق النار في لبنان، رمزية، لكن إسرائيل رأت فيها فرصة لتوسيع المنطقة الأمنية شمال الحدود. والباقي معروف. فقد دفعت عمليات الإطلاق على الجليل عشرات الآلاف من الإسرائيليين المحبطين إلى الفرار إلى المناطق المحمية عدة مرات في اليوم. وعبروا عن غضبهم من الحكومة التي تخلت عنهم في وسائل الإعلام. أدركت طهران أن حزب الله هذه المرة كان فعالاً. في الوقت نفسه، نزح نحو مليون قروي شيعي من قرى جنوب لبنان شمالاً، وسقطت المباني في الضاحية كقطع الورق. وهنا تدخلت القيادة الإيرانية الممتنّة، وهكذا وُضعت استراتيجية ربط الساحات. فُرضت هذه الاستراتيجية على ترامب، الذي كان يسعى إلى اتفاق، والنتيجة هي أنه يُقيّد الآن حرية إسرائيل العملياتية في لبنان.

تسعى طهران الآن إلى إعادة بناء العلاقات مع الوكلاء. ومن وجهة نظرها، لا تُعدّ هذه العملية مجرد عملية عسكرية، بل آلية مركزية لتصدير الثورة وبسط النفوذ الإقليمي. مع ذلك، يدرك الإيرانيون أن إعادة الوكلاء إلى وضعهم السابق تتطلب استثمار الموارد وإنشاء نظام لوجستي جديد لنقل الأسلحة من سوريا، التي احتلتها جماعة جهادية سنية معادية للشيعة. وفي الوقت الراهن، تبقى قدرتهم على القيام بذلك محدودة. لا يزال بإمكانهم نقل الأموال إلى حد ما، لكن حتى في هذا المجال، أصبحت إمكانياتهم أضعف من ذي قبل.

لبنان: لم تنتهِ القصة بعد

لقد فقد حزب الله قوته بشكل كبير في عملية “السهام الشمالية”، ولاحقًا في عملية “الأسد الصاعد”، التي كشفت نقاط ضعف داعميه في طهران. وخسر الحزب معظم منظومات صواريخه الثقيلة بعيدة المدى عام 2024، وبلغ إجمالي عدد مقاتليه وقادته الذين قُتلوا منذ 8 أكتوبر 2023 نحو 8000 مقاتل وقائد (من أصل حوالي 30000). تتزايد المعارضة الداخلية لهذا الأمر يومًا بعد يوم، بما في ذلك داخل المجتمع الشيعي، وتسعى الحكومة اللبنانية جاهدةً للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل يُجرّدها من شرعية شنّ حرب “مقاومة”.

وفي هذا الصدد، يُعدّ وضع إسرائيل أفضل بكثير مما كان عليه عشية الحرب. فقد زال إلى حد كبير خطر القصف المباشر والتسلل البري على مستوطنات الجليل، بعد أن تمركز الجيش الإسرائيلي على مشارف النبطية ومناطق البوفور وعلي طاهر. وقد مكّن هذا من كشف وتدمير كيلومترات من الأنفاق القتالية التي بناها حزب الله، ما سمح له بقصف الجليل دون خشية من سلاح الجو. ومع ذلك، لا يزال بإمكان التنظيم منع سكان الشمال من عيش حياة طبيعية، وشنّ حرب عصابات متطورة ضد الجيش الإسرائيلي بين الحدود و”الخط الأصفر” داخل لبنان. ولتحقيق ذلك، يمتلك ما يكفي من الصواريخ، والصواريخ المضادة للدبابات، والطائرات المسيّرة، والطائرات الهجومية المسيّرة.

لم يُهزم حزب الله هزيمةً كاملة، ولن يُهزم حتى يُنزع سلاحه، وفي الوضع الراهن، لا يملك هذه المهمة سوى الجيش الإسرائيلي، ولكن لتحقيق ذلك، سيتعين عليه احتلال معظم الأراضي اللبنانية. والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هي أن الجيش الإسرائيلي لا يملك حاليًا القوى البشرية والموارد والخطط اللازمة لمثل هذه العملية. وقد زادت مذكرة التفاهم الوضع سوءًا، لأن إسرائيل فقدت بذلك جزءًا مهمًا آخر من حرية العمل التي كانت تتمتع بها في جميع أنحاء لبنان. وفي ظل هذا الوضع المعقد، اعتمد الجيش الإسرائيلي، بموافقة القيادة السياسية، خطوط العمل التالية:

سيواصل الجيش الإسرائيلي الدفاع عن الجليل من الخط الأصفر، الذي تم تحريكه مرة أخرى شمالًا وغربًا، ويمتد الآن جنوب هضبة النبطية حتى البحر. تُسمى المنطقة الواقعة بين الحدود والخط الأصفر الآن “منطقة أمنية”، وسيواصل الجيش الإسرائيلي عملياته داخلها لتفكيك البنية التحتية التي تم اكتشافها فوق الأرض وتحتها، وكان آخرها في هضبة النبطية. تدعو المذكرة إلى الانسحاب، لكن القيادة السياسية رفضت ذلك في محادثاتها مع واشنطن. ويقول الجيش الإسرائيلي إن المسألة ستُناقش في مفاوضات مع الحكومة اللبنانية، ولا توجد حاليًا أي نية للانسحاب من المنطقة بأكملها، وبالتأكيد ليس على الفور.

على الرغم من التهديدات والإنذار الإيراني، لن يتردد الجيش الإسرائيلي في شنّ هجوم لإحباط وردع أي جهة انطلقت من أي مكان باتجاه الشمال. وينطبق هذا على الأفراد، ومصادر النيران، والمباني التي تُشكّل خطرًا على القوات. ومن المعقول افتراض أن نتنياهو، بعد الردّ المهين الذي تلقّاه من ترامب في الأيام الأخيرة، لن يُسرع في إصدار أوامر بشنّ هجوم على بيروت، لكن بقاع لبنان يقع ضمن الأهداف الحالية.

يطالب الجيش الإسرائيلي جميع عناصر حزب الله الذين ما زالوا جنوب الليطاني بمغادرة المنطقة والتحرك شمال الخط الأصفر الجديد.

لن يُسمح لسكان جنوب لبنان، الذين تقع قراهم داخل المنطقة الأمنية، بالعودة إلى منازلهم. وسيتمّ النظر في هذا التوجيه في حال التوصّل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية. يُعدّ الجيش الإسرائيلي شريكًا في هذه المفاوضات، التي تهدف إلى ترسيخ وقف إطلاق النار، ونزع سلاح حزب الله (حيثما يستطيع الجيش اللبناني ضمان ذلك)، وتحقيق التطبيع. وفي هذا الإطار، يستعد الجيش الإسرائيلي لإخلاء عدة مناطق محدودة سيتم تسليمها، في محاولةٍ لتسليمها إلى سيطرة الجيش اللبناني.

سيواصل الجيش الإسرائيلي تطبيق المفهوم الأمني ​​الجديد، الذي بموجبه تفصل قواته فعليًا بين التنظيمات الإرهابية والمستوطنات الحدودية. يوفر هذا المفهوم مزيدًا من الأمن للمدنيين، لكن المقاتلين في المواقع الدائمة يصبحون أهدافًا لهجمات العصابات المسلحة، والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق، ونيران حزب الله. كما لا يزال خطر الطائرات المسيّرة المفخخة، وخاصةً تلك التي تُنقل عبر الألياف الضوئية، غير مُرضٍ. مع ذلك، انخفض عدد الضحايا مؤخرًا، بفضل الجهود التي يبذلها الجيش الإسرائيلي للقضاء على مُشغّلي الطائرات المسيّرة، وسلسلة من القنوات التكنولوجية، وأساليب العمل الميداني، وشبكات الدفاع.

خلاصة القول، إنّ القضية اللبنانية لم تنتهِ بعد. سيتعين على القيادة السياسية والجيش الإسرائيلي الآن تعلم كيفية التصرف في إطار وقف إطلاق النار الغريب الذي فرضه الإيرانيون علينا عبر ترامب. وفي الوقت نفسه، يجب الاعتراف بأن السبيل الوحيد أمام إسرائيل لإنهاء المناوشات بترتيب مستقر هو من خلال مفاوضات سياسية جادة مع الحكومة اللبنانية، واستقطاب دعم اقتصادي سعودي وأمريكي، من شأنه أن يعزز قدرات الرئيس عون وجيشه، ليتمكن من تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإبعاد حزب الله عن الحدود، ومنعه من إعادة بناء نفسه بأموال إيرانية.

 لا مجال للحسم

باختصار، تحسّن الوضع الأمني ​​الإسرائيلي في الساحتين الإيرانية واللبنانية. لم تختفِ التهديدات، لكنها تأجلت وتباعدت جغرافياً، وفي غضون ذلك، تراكمت خبرة عملياتية تمكّنها من التعامل بشكل أفضل مع التهديدات المستقبلية. وجد الجيش الإسرائيلي نفسه يمتلك 12 لواءً ضمن مساحة 1220 كيلومتراً مربعاً من الأراضي التي كانت تحت سيطرة العدو قبل 7 أكتوبر. لكن جميع هذه الساحات لا تزال نشطة، وقد تستأنف المعارك فيها في أي لحظة، وهو وضع سيصعب على أي دولة التعايش معه لفترة طويلة. لا يُقاس الأمن القومي بعدد الصواريخ المدمرة أو الأنفاق التي تم تدميرها، بل بالدرجة الأولى بالقدرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى ترتيبات ومكاسب سياسية، وإسرائيل تفتقر حالياً إلى حل سياسي حاسم.

نتيجةً لصدمة المجزرة، طوّرت إسرائيل مفهوماً أمنياً قائماً على افتراض أن كل مشكلة يمكن، بل يجب، حلها بالقوة. ونتيجةً لذلك، قد تفوتها فرصة التوصل إلى تسوية سياسية في لبنان من شأنها تحييد حزب الله لسنوات حتى تتمكن من توجيه الضربة القاضية، إن لزم الأمر. يدير ترامب شؤوننا السياسية والأمنية وفقًا لغرائزه وطبيعته النرجسية والمتقلبة، ولذلك لا يبدو أن النهاية قريبة. الخبر السار هو أن رئيس الأركان قد بادر بإبلاغ جنرالاته بأن الجيش الإسرائيلي سيبدأ في الأيام القادمة بالعودة تدريجيًا إلى لياقته. والهدف هو أن تعود التشكيلات القتالية النظامية إلى روتين التدريب والعمل بحلول عيد تشري، وأن يتم تسريح معظم ألوية الاحتياط. من غير الواضح كيف سيحدث هذا في ظل عدم إقرار الكنيست قانون تمديد الخدمة النظامية، ولكن يجب أن نفترض أن زمير على دراية بما يفعله.

من الممكن الجزم بأن الحرب مع إيران لن تُستأنف قريبًا. حتى مع وجود صعوبات في المفاوضات – والتي ستكون كثيرة – وحتى لو فشلت المفاوضات، فلن تستأنف الولايات المتحدة القتال قبل نهاية عام 2026 على الأقل، ولن تسمح لإسرائيل بشن عملية عسكرية كبيرة في إيران أو لبنان. لن تُستأنف المعارك لأن لدى آيات الله مصلحة قصوى في عدم إغضاب ترامب في الأشهر المقبلة. فهم يريدون رفع العقوبات، ولذلك تعهدوا “بعدم تغيير الوضع الراهن بشأن القضية النووية”. الإيرانيون، كفكر عالمي وثقافي، لا يفكرون في شيء. حتى لو أرادوا امتلاك سلاح نووي، فمن المرجح أن ينتظروا عامًا أو عامين.

في الختام، الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر، لم تقضِ إسرائيل على التهديدات، لكن مواطنيها أكثر أمانًا مما كانوا عليه قبل المجزرة. من جهة أخرى، من منظور استراتيجي، يُعد وضعها من أسوأ الأوضاع في تاريخها – بل يقول البعض إنه الأسوأ منذ نهاية حرب الاستقلال عام 1949.

——————————————

إسرائيل اليوم 19/6/2026 

الاتفاق بين ايران وأمريكا يشدد لإسرائيل على واجبها المستقل عن أمنها

بقلم: اللواء احتياط غيرشون هكوهن 

لا أشارك في رأي الخبراء الذين يبكون على الوضع الاستراتيجي الصعب الذي علقت فيه إسرائيل مع التوقيع على مذكرة التفاهم الإيرانية – الامريكية. الوضع بعمومه بالفعل ليس بسيطا ويتحدى دولة إسرائيل في ابعاد عديدة. لكن الرؤية من زاوية نظر مختلفة في جوهرها عن ظاهرة الحرب تبقى نظرتي متفائلة.

رواد النقد يشرحون بانه عند الخروج الى الحرب يجب قبل ذلك تحديد اهداف واضحة وفحص اذا كانت قابلة للتحقق. اما اذا لم تكن الأهداف قابلة للتحقق، فبرأيهم من الأفضل عدم بدء الحرب على الاطلاق. غير أن اعداءنا يعبرون عن تفكير آخر في اتخاذ القرارات عند الخروج الى الحرب وفي ادارتها. ثمة ما يمكن أن نتعلمه منهم.

 ما تعلمناه من السادات

الرئيس المصري السادات مثلا خرج الى حرب يوم الغفران في تطلع لان يعيد الى مصر كل سيناء، مع العلم ان ليس في قدرته العسكرية ان يحقق هذا الهدف. وهكذا فشل التقدير الاستخباري الإسرائيلي، انطلاقا من الحجة المنطقية في أنه لما كان السادات يعترف بحدود قدرات جيشه على تحقيق هدفه، وهو عقلاني – فليس معقولا ان يشن الحرب. اما المنطق الاستراتيجي الاخر الذي عمل به السادات فيؤمن أنه من اللحظة التي تبدأ فيها الحرب، سيتشكل واقع جديد وفرص جديدة، والى أن نبدأ – فاننا لن نتمكن حقا من تقدير حدود القدرة. تقاليد التفكير هذه في اتخاذ القرارات عند الخروج الى الحرب توجه تخطيط الحرب ضد إسرائيل من جانب كل الأعداء الذين يتطلعون الى ابادتها.

بهذه النظرة، وانطلاقا من نموذج تفكير ليس هندسي – فيزيائي، ينبغي أن نحاكم ونقدر الواقع الذي علقت فيه دولة إسرائيل في اشهر القتال الثلاثة الأخيرة. في نقطة الخروج الى الحرب لم يكن لا للمستوى السياسي ولا لقيادة الجيش الإسرائيلي يقين بالقدرة على تحقيق سقوط النظام من خلال الهجوم على ايران. ولهذا فان اسقاط النظام لم يندرج ضمن اهداف الحرب… وبناء على ذلك تحددت ثلاثة اهداف للحرب بدت كقابلة للتحقق: ضرب القدرة النووية الإيرانية، ضرب منظومات الصواريخ الباليستية وضرب الدعم الإيراني للوكلاء. هذه الأهداف لم تتحقق الا جزئيا. ومع ذلك من بين مدى الإنجازات العسكرية، وفهم ظاهرة الحرب كمنظومة مركبة تحدث تشكل غير قابل للتحكم والتوقع، ليس في ذلك ما يدل على فشل في الحرب.

كما أن سلوك الرئيس ترامب في الأسبوعين الأخيرين، في خطوة تعد هنا كترك إسرائيل لمصيرها، ما كان ينبغي أن يفاجيء، وبالتأكيد ان يعتبر كفشل إسرائيلي. ففي أساس الشركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل – التي وجدت بشكل غير مسبوق عند الخروج الى الحرب – لم تكن مصلحة متشابهة منذ البداية. في مفترق الطرق الذي نبع من تطورات الحرب، حين فضل الرئيس ترامب السعي الى انهاء الحرب، كان ينبغي لانفصال المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة ان يكون متوقعا ومفهوما. هكذا يحصل غير مرة أيضا لصديقين يخرجان معا في رحلة طويلة وبعد وقت ما يلاحظان تغييرات في الاتجاه المرغوب فيه لكل واحد منهما لمواصلة الرحلة.

 فرصة تطل من الازمة

في هذا المثال ما يحصل لإسرائيل هذه الأيام هو فرصة لاستيضاح متجدد لطريقها الاستراتيجي المستقل في الوضع الإقليمي المتشكل. هكذا مثلا، في مسألة الدولة الفلسطينية، التي في الظروف الجديدة للحرب ينبغي ان نرى فيها تهديدا وجوديا على إسرائيل، أخطر النووي الإيراني. فلو انتهت الحرب بتغيير إيجابي واعد في ايران، تمهيدا لاستقرار إقليمي بعيد المدى، فان مطالبة إسرائيل بان تسلم بـ “خطوة واحدة صغيرة” أخرى بتثبيت سلام إقليمي، كان من شأنها أن تتعاظم.

بالذات الشكل المقلق وعديم اليقين الذي يتبلور فيه الاتفاق بين ايران والإدارة الامريكية يشدد لإسرائيل على واجبها المستقل عن أمنها – الامتناع عن اخذ مخاطر متعلقة بضمانات خارجية. هذا يعني مثلا الا تغرينا خطوات انسحاب تمس بالشروط الأمنية الأساسية اللازمة لإسرائيل في وجودها في حدود قابلة للدفاع. هذه هي زاوية النظر المستقلة اللازمة من إسرائيل في ساحة لبنان وسوريا أيضا.

في التغييرات عديدة التقلبات المتشكلة في المنطقة كلها، في هذا الوقت فان إسرائيل مطالبة بمسار استراتيجي جديد يتضمن أيضا حدود التعلق بمنظومة الصلات بالولايات المتحدة. تكمن في هذا أيضا فرصة للتمترس السليم قبيل تحديات الامن في المستقبل.

——————————————

يديعوت أحرونوت 19/6/2026، 

بين الدوحة والضاحية: الأسوأ لم يأتِ بعد يا إسرائيل

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

شبه الكثيرون هذا الأسبوع وعن حق بين الهجوم الإسرائيلي في الضاحية وبين الهجوم الذي نفذ في قطر في أيلول الماضي. في الحالتين كانت هذه عملية واحدة أكثر مما ينبغي: فقد ثار تخوف عالمي (وأساسا لدى ترامب) بان إسرائيل خرجت عن التوازن الإسرائيلي، وانه لم يعد في صندوق ادواتها أي وسيلة غير استخدام القوة العسكرية، وان خطواتها قد تزرع الفوضى الإقليمية وتمس بالمصالح الامريكية. قبل نحو سنة، أدى الهجوم إلى فرض اتفاق لإنهاء الحرب في غزة، وهذا الأسبوع إلى تسريع وتيرة تنفيذ الاتفاق مع إيران.

يعكس الاتفاق الموقع توازناً يميل إلى حد كبير لصالح إيران: • لم يقتصر الأمر على بقاء النظام قائماً، بل ازداد تطرفاً (حيث زعم ترامب أن أعضاء القيادة الجديدة “أشخاص عقلانيون وأقوياء وأذكياء، يثبتون حدوث تغيير في النظام”). • قد يتحسن وضع النظام نتيجة الرفع المتوقع لجميع العقوبات وتعزيز المكاسب الاقتصادية (حيث تم الاتفاق على إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار البلاد). • في الوقت الراهن، لا يزال التزام إيران بشأن الملف النووي غير واضح (يبدو أنه سيكون من الضروري تخفيف تركيز اليورانيوم المخصب بدلاً من تسليمه)، وهناك خطر “الاسراع” في امتلاك أسلحة نووية. • تم التخلي عن النقاش المتعلق بالتهديدات الصاروخية (التي وصفها نتنياهو بأنها “تهديد وجودي”، وزعم ترامب مؤخراً أنه من غير العدل أن تمتلك دول صواريخ بينما لا تمتلك إيران أي صواريخ، وبشكل عام، لا يمكن للصواريخ تدمير العالم) والوكلاء. • لقد تضررت طهران بشدة، لكنها لا تزال تحتفظ بنفوذ إقليمي واسع، لا سيما في لبنان • بدأ الشعب الإيراني يدرك أن “المساعدة على الطريق” كانت وعداً كاذباً وأن النظام مليء بالثقة والرغبة في الانتقام. إيران جريحة، لكن الأسد الجريح يبقى أسدًا. كوننا قوة عظمى ليس مجرد شعار. “لقد هزمنا قوتين نوويتين”، هكذا تباهى إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الليلة الماضية. من جانبه، يتقبل ترامب بشكل أساسي فتح مضيق هرمز، وهي ورقة رابحة صنعتها إيران خلال الحرب.

إلى جانب المخاوف الإسرائيلية من إيران، يتزايد القلق بشأن تداعيات ذلك على الجبهة الشمالية، ولا سيما سعي ترامب لإنهاء الحرب هناك، التي باتت ساحة اختبار مصيرية: إيران تُصرّح بوضوح أنها لن توقع اتفاقًا نهائيًا دون إنهاء القتال في لبنان، وهو ما يتضمن انسحابًا إسرائيليًا، وتُهدد بالرد على أي هجمات ضد حزب الله؛ بينما تحاول إسرائيل، من جانبها، كسر المعادلة وتُصرّح بوضوح أنها لن تتوقف عن العمليات أو تنسحب. المعضلة الأساسية، مرة أخرى، هي ما سيقرره ترامب، وما إذا كان سيأمر بإنهاء الحرب في الشمال، وكيف سيتصرف نتنياهو في مواجهة هذا المأزق الصعب بين المصالح الأمنية المتمثلة في الدفاع عن الشمال والحفاظ على الردع وضرورة الحفاظ على التحالف مع واشنطن. عندما أعلن ترامب عن الاتفاق مع إيران، لم يُعلن في الوقت نفسه نهاية الصراع في لبنان، بل ألمح إلى أنه يطالب بـ”سلوك متناسب” (“ليس من الضروري هدم المباني مقابل كل طائرة مسيرة تسقط في الصحراء”).

في إيران وحزب الله، يتجلى الرضا والثقة بالنفس في ظل نجاح ربط الساحات وتقديم معادلة تُرضي الأمريكيين وتُقيّد إسرائيل. في هذا السياق، برزت رسالة أرسلها هذا الأسبوع نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، إلى محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأقوى رجل في البلاد، كتب فيها: “لا نملك كلمات تُعبّر عن امتناننا العميق لإيران لدعمها للمنظمة ولبنان”. في الوقت نفسه، تُوضح المنظمة: لن نعود إلى وضع تُهاجمنا فيه إسرائيل كما كان الحال بين نهاية عام 2024 و”زئير الأسد”، دون رد من جانبنا. لكن الميدان لا ينتظر الإعلانات، وقد بدأت أعداد كبيرة من اللبنانيين النازحين بالعودة إلى منازلهم في الجنوب، وغالباً ما يكون ذلك في أماكن تسيطر عليها قوات الجيش الإسرائيلي، مما يتسبب في خطر الاحتكاك والتعقيدات.

في العالم العربي، ثمة شعور بالارتياح إزاء الاتفاق الذي كبح ما اعتُبر “جنونًا أمريكيًا” (والذي تفاقم عندما هدد ترامب بمهاجمة عُمان)، وفرحٌ لإسرائيل لكشف التوتر مع واشنطن وتضاؤل ​​نفوذها عليها. لقد عانت الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، من إيران، لكنها تدرك أن النظام ليس مُتوقعًا أن ينهار، ولذا فهي تُشجع قنوات الحوار وسياسة الانفراج تجاهها. يُوضح الباحث الأردني محمد أبو رمان في هذا السياق: “يجب أن يستند التحليل العربي لإيران إلى المصالح لا إلى العواطف والاعتبارات الأيديولوجية. لا تملك أي دولة عربية القدرة على فرض معادلة استراتيجية جديدة على المنطقة، ولذلك فإن المطلوب هو التفكير في شراكة إقليمية يُصاحبها حوار مع إيران”.

في غضون ذلك، ومع انحسار غبار الحرب، يبرز ثلاثة فائزين إقليميين: الباكستان، الوصيفة الرئيسية، التي تُرسخ مكانتها كحليف في مواجهة واشنطن وتُرسخ نفوذًا غير مسبوق في الشرق الأوسط؛ قطر، التي تُعتبر حليفاً ثانوياً، تُعزز موقعها التقليدي كوسيط، وتُثبت نفوذها العميق على ترامب (الذي صرّح هذا الأسبوع: “يسعدني العمل مع القطريين”، مضيفاً أن الدوحة ستستثمر ما يزيد عن تريليون دولار في الولايات المتحدة)؛ وتركيا، التي تستغل الصدامات بين خصومها لترسيخ هيمنتها. كل هذا يُناقض تماماً الوعود التي انتشرت على نطاق واسع في إسرائيل بشأن تصميم هيكل إقليمي جديد بعد الحرب، وتحالفات استراتيجية بين إسرائيل والعالم العربي.

على الرغم من التطورات الدرامية المتعلقة بالاتفاق، لا شيء مؤكد، والوضع لا يزال هشاً. الوثيقة الموقعة هي اتفاق مبدئي، أشبه بمقترح وساطة لمدة 60 يوماً يهدف إلى إنهاء القتال ودعوة الأطراف إلى الحوار. ليس هناك ما يضمن إمكانية انتزاع اتفاقات منه، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي، والعودة إلى الحرب ليست سيناريو مستبعداً (تجدر الإشارة إلى أن رئيس وكالة المخابرات المركزية حذّر ترامب هذا الأسبوع من أن إيران لا تنوي تقديم أي تنازلات حقيقية بشأن الملف النووي).

من المتوقع أن تواجه إسرائيل ضغوطًا متزايدة، لا سيما في ظل التوجيهات الأمريكية بتجنب أي تحركات ضد إيران وشمال البلاد، والتي قد تترافق مع مطالب بالانسحاب من المنطقة الأمنية. وفي هذا السياق، يوضح ديفيد ماكوفسكي، الذي شغل منصب مستشار وزير الخارجية جون كيري، في حديث له: “سيكون مطلب ترامب الرئيسي هو ألا تتخذ إسرائيل أي خطوة جذرية من شأنها تقويض وقف إطلاق النار مع إيران. فإذا توقف حزب الله عن الهجوم أو قلّص نشاطه بشكل كبير مع التركيز على قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية، فسيكون من الصعب على إسرائيل الادعاء بأنها تتصرف دفاعًا عن النفس. وإدراكًا لحساسية الوضع عشية الانتخابات، فمن المرجح أن يطالب ترامب نتنياهو، قبل كل شيء، بعدم توسيع الأراضي المحتلة إلى ما وراء ما تم الاستيلاء عليه بالفعل”.

لكن الأسوأ لم ينتهِ بعد بالنسبة لإسرائيل. فقد يتفاقم وضعها إذا قررت تحدي ترامب، لا سيما إذا انغمست في اتهامات لاذعة حول “ضعف أمريكا” وما شابه، كما سمعنا هذا الأسبوع من المقربين من نتنياهو، ويتردد صداها في وسائل الإعلام الأمريكية. قد يتحول هذا الصدام إلى ضرر استراتيجي يُفضي إلى تقليص الدعم السياسي والاقتصادي لواشنطن، وتقويض الدعم العسكري، رغم التحالف الوثيق، وإلى ترسيخ صورة “الدولة المارقة” التي تُزعزع الاستقرار العالمي.

من الممكن التمسك بسيناريو متسادا، والادعاء بأن العالم بأسره ضدنا، وأن درس السابع من أكتوبر يُحتّم علينا استخدام القوة باستمرار، ومواصلة مسيرة القضاء على أعدائنا (الذين يُصرّون على البقاء)، ولكن مع إدراك أن هذه مغامرة قد تنتهي بكارثة. من جهة أخرى، من الممكن استيعاب أنه قد يكون من الضروري أحيانًا اختيار الخيار الخاطئ. على الأقل: اتفاق يضمن تحييد التهديد النووي الإيراني؛ سلسلة من المفاوضات تقوم على تطهير جنوب لبنان من حزب الله، ودفع المفاوضات مع لبنان قُدمًا؛ وقطاع غزة حيث لا تسيطر حماس على فيلادلفيا.

 

هذا خيار بين حياة حرب دائمة تغمرها النشوة لكنها مثقلة بدمار من النوع الذي حلّ بإسرائيل بعد السابع من أكتوبر، وحياة رصينة، مع صياغة أهداف واضحة، وإدراك حدود القوة، وفهم أهمية الهدنة من أجل التعافي وإعادة التأهيل، وبناء رؤية عميقة للمستقبل، وأيضًا لدراسة إخفاقات الماضي.

 ——————————————

هآرتس 19/6/2026

معاهدة فرساي ترامب

بقلم: عاموس هرئيلِ 

من وجهة نظر إسرائيلية تعتبر مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وايران وثيقة سيئة جدا. وعلى النقيض من مزاعم ترامب تعتبر هذه المذكرة اتفاق استسلام امريكي، رغم ان ايران كانت في الجانب الخاسر في ساحة المعركة. فبالاضافة الى وقف الاعمال العدائية، قدمت طهران إعلانات عامة بالتزامها بعدم تطوير السلاح النووي. وفي المقابل، تقدم الولايات المتحدة مساعدات فورية: رفع الحصار المتبادل على مضيق هرمز، تخفيف سريع للعقوبات، بل وحتى التزام مدهش بضخ 300 مليار دولار في المستقبل لاعادة بناء اقتصاد ايران.

 كم من هذه الأموال سيستخدم لاعادة دعم الطبقة الحاكمة، النظام نفسه الذي قتل آلاف من مواطنيه في كانون الثاني الماضي، الذي وعده ترامب بأن “المساعدة قادمة”؟، وكم منها سيرسل لحماس وحزب الله لمساعدتهما في التعافي من الضربات التي تعرضوا لها قبل إسرائيل منذ مذبحة 7 أكتوبر؟.

 الخلاصة هي ان ترامب تراجع وانسحب من الخليج، وربما قلل الاهتمام بكل المنطقة. لا بد ان هذه الفكرة قد خطرت على باله بعد أسبوع على بدء الجولة الحالية في نهاية شهر شباط، عندما ادرك ان الضربات العسكرية الامريكية والإسرائيلية لن تؤدي الى انهيار ايران كما أمل. عندما تم طرح هذا الاحتمال هنا كسيناريو مطروح، في مكان معين في الأسبوع الثاني من شهر آذار، رد المتحدثون باسم رئيس الحكومة نتنياهو بصرخات استهجان. ولكن تبين ان التحالف بين ترامب ونتنياهو اضعف مما كان يعتقد في البداية.

توجد لترامب اعتبارات خاصة. فبعد أن وعده نتنياهو بنصر سهل خلال اللقاء بينهما في البيت الأبيض في بداية شهر شباط، شعر الرئيس الأمريكي بالاغراء. ولكن عندما اصطدمت التوقعات بالواقع، واستمرت الحرب، وأغلقت ايران مضيق هرمز (مثلما كان متوقع طوال عقود) بدأ ترامب يبحث عن مخرج.

أوضح الرئيس في يوم الثلاثاء بانه “كان يمكننا قصفهم لسنتين أخريين”، لكن حتى في ذلك الحين لم تكن ايران لتتراجع، وكان مضيق هرمز سيبقى مغلق، ولم يكن سوق النفط سينتعش، بل كان سيشهد انخفاض للأسعار يثير خيال ترامب الان. وبناء على ما رآه لم يكن امامه خيار الا التوقيع، وهذا يتناقض تماما مع ادعاءاته المتكررة بالنصر.

لم تكن تصريحات الرئيس في قمة “جي 7” في باريس، عندما وقع على مذكرة التفاهم في قصر فرساي (هل لا يوجد حوله احد لديه الوعي التاريخي؟)، مريحة للاسرائيليين. فالادعاء بان ايران كجارة لها مسموح لها أيضا امتلاك صواريخ بالستية، لم يجد قبول سهل بالنسبة لمن قد يصبحون من جديد الهدف الرئيسي لهذه الصواريخ.

وبعد ان حاصرته الانتقادات الموجهة للاتفاق، عاد ترامب الى أسلوبه المعتاد – أسلوب مستخف ومهين. وصف نتنياهو بانه فقط شريك ثانوي، وصور من انتقدوا الاتفاق بانهم مجموعة اغبياء. وقدم كالعادة سلسلة اقتراحات لتحسين الكفاءة: مزيج من منطق معين (قال ان إسرائيل لا يجب عليها هدم المباني في بيروت ردا على كل قنبلة من طائرة مسيرة)، مع افتراضات لا أساس لها (ربما يكون من الأفضل أن تتولى سوريا التعامل مع حزب الله).

لا تجيب مذكرة التفاهم الا على المسالة الأكثر أهمية في الاتفاق وهي مصير اليورانيوم، سواء الـ 440 كغم المخصب بمستوى عال أو الـ بضعة أطنان مخصبة بمستوى منخفض، بشكل عام. وتنص المذكرة على اجراء نقاش حول هذا الامر، وعلى تخفيف تركيز اليورانيوم على الأقل. ولكن فعالية التخفيف هي حل مشكوك فيه. وبمجرد حصول ايران على ما تحتاجه (وقف اطلاق النار ورفع العقوبات ورفع الحصار) يظهر التساؤل حول دوافعها لابرام اتفاق نهائي يقتضي منها تقديم تنازلات. ويفهم ضمنيا من المذكرة ان ترامب لا يتوهم القدرة على الحفاظ على نظام رقابة دولية لالتزامات ايران النووية.

يتخلى ترامب عن حرب لا تحظى بشعبية كبيرة في الجبهة الداخلية، التي أحدثت انقسام في قاعدته الشعبية في حركة ماغا، “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”، وتسببت في توتر مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. ادركت الدول السنية بسرعة ان الأمريكيين لا يملكون أي خطة يمكنها اسقاط النظام في طهران، وسعت الى الحد من خسائرها، نظرا للاضرار التي الحقتها الصواريخ الإيرانية والضربة التي لحقت بصادرات النفط.

اما الضرر الذي لحق بايران فكان اشد. فحسب مجلة “الايكونوميست” تم تسريح حوالي 7 في المئة من عمال البلاد اثناء الحرب. أيضا ضخ الأموال الضخم الذي وعد به ما زال نظريا في الوقت الحالي، لا سيما ان النظام اثبت وجود فساد وعدم كفاءة اقتصادية لعقود. قد تشير هذه التطورات الى مسار بديل تم التخلي عنه: ربما كان من الأفضل لترامب الاستمرار في الضغط الاقتصادي، بدلا من السعي الى اتفاق فوري يتضمن التخلي عن معظم اهداف الحرب.

نتنياهو يعرف ترامب جيدا، بما فيه الكفاية ليدرك ان مواجهة الرئيس مباشرة هي امر خطير جدا. ليس من الصعب تخيل ماذا كان سيحدث لو وقع جو بايدن على مثل هذا الاتفاق في فترة رئاسة نفتالي بينيت للحكومة. لا شك ان المقارنة مع اتفاق ميونيخ من العام 1938 كانت ستسمع في كل المواقع الالكترونية اليمينية.

لا يعتبر الاتفاق الإيراني فشل لترامب فقط، بل لنتنياهو أيضا، وهو يتوج حرب 7 أكتوبر التي ربما انتهت الان، كخسارة استراتيجية. في مواجهة الانتقادات ظهر الامر وكأن الشخصين يتنافسان في اطلاق تصريحات متطرفة. تفاخر نتنياهو بانه انقذ أرواح ملايين المواطنين الإسرائيليين بقرار شن الحرب على ايران لمنعها من امتلاك السلاح النووي. في حين ذهب ترامب ابعد من ذلك واعلن بانه بدونه كانت إسرائيل ستدمر بالفعل. يجلس المواطن الإسرائيلي في البيت وهو يسمع من جهة ان بلاده قوة عسكرية وتكنولوجية عالمية، ومن جهة أخرى يقال له بانه معرض لخطر الدمار باستمرار. الحياة هنا مربكة بعض الشيء.

يزداد التآكل. تنازل امريكي حاسم آخر من وجهة نظر إسرائيل يتعلق بوحدة ساحات القتال. تنص مذكرة التفاهم أيضا على وقف الاعمال العدائية في لبنان، وتعترف بوحدة أراضي لبنان. ما زالت إسرائيل تحاول معرفة اذا كانت الولايات المتحدة تنوي في القريب فرض انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. هذا لم يكن الوضع في وقف اطلاق النار السابق، بعد هزيمة حزب الله في تشرين الثاني 2024. في حينه بقيت خمسة مواقع عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي في لبنان، ولم يتم الوفاء بوعد إسرائيل الغامض، الانسحاب من هناك في المستقبل. الظروف في هذه المرة تختلف أيضا لان الصراع الحالي في لبنان لم ينته بشكل حاسم، وازدادت التخوفات لدى سكان الحدود الشمالية. في غضون ذلك اعلن الجيش الإسرائيلي امس بان قواته ستبقى في لبنان في هذه المرحلة على خط يمتد 10 كم شمال الحدود.

مع ذلك، تم تقييد نشاطات الجيش الإسرائيلي في لبنان بشكل كبير بالفعل. بدأ هذا الجدل في يوم الاحد حول هجوم بيروت الذي تبرأ منه ترامب علنا بعد وقوعه. واصبح من الواضح الان ان رد الجيش الإسرائيلي محدود ويقتصر على جنوب لبنان. في سلسلة حوادث في يوم الأربعاء قتل جندي إسرائيلي وأصيب 12 بسبب انفجار عبوة ناسفة وهجمات بمسيرات مفخخة. وقد استخدم حزب الله مسيرات مزودة بالياف بصرية بفعالية قاتلة. اذا استمر القتال المتقطع سيواجه الجيش الإسرائيلي صعوبة في استيعاب الخسائر على المدى البعيد. من جهة أخرى، استئناف القتال بكثافة اكبر سيعطي ايران ذريعة لاستخدام المزيد من الضغط على ترامب.

تختلف مذبحة 7 أكتوبر عن الكارثة الإيرانية بسبب الثمن الباهظ الذي تم دفعه بالارواح في إسرائيل. ولكن عمليا، يصعب استبعاد احتمالية حدوث مواجهة عاصفة أخرى في وقت لاحق من هذه السنة، تشعل فتيل صراع جديد. هذا ليس مجرد استعراض لضعف إسرائيل في مواجهة الاتفاق المتبلور والخلاف الواضح بين ترامب ونتنياهو. يتعلق الامر أيضا بحالة الجيش الإسرائيلي، وهو ما حذر منه رئيس الأركان ايال زمير باستمرار مجلس الوزراء.

هاكم بعض الأمور التي يظهر ان زمير لم يذكرها بالتفصيل، من الذي يرغب في كشف عيوبه؟. يعاني الجيش الإسرائيلي من مشكلة كبيرة في الكفاءة، لا يقتصر الامر على نقص المقاتلين الذي يشير اليه رئيس الأركان في سياق الجدل حول مشروع قانون الاعفاء. فثلاث سنوات من الحرب المتواصلة تستنزف أيضا احتياطي الدبابات وناقلات الجنود المدرعة والاحتياط والتسليح. يحتاج احتلال الأراضي في لبنان وفي سوريا (حيث يتمركز لواء بشكل دائم) وفي قطاع غزة الى قوة بشرية كبيرة واستخدام كثيف لوحدات الاحتياط، التي سيخدم جنودها لمدة لا تقل عن 100 يوم في هذه السنة.

من المفارقة وجود مشكلة الخبرة العملياتية أيضا، رغم القتال المستمر. فالوحدات لا تملك الوقت الكافي للتدرب، ويصعب جدا تعلم الدروس من الحرب الطويلة. في غضون ذلك لم يكتسب الجنود الشباب الذين انضموا للجيش خلال الحرب نفس الخبرة التي اكتسبها الذين قاتلوا في بدايتها. وتتجلى أوجه القصور والثغرات في الخطط العملياتية في جولة القتال الأخيرة في لبنان. فعملية الاستيلاء على قلعة شقيف، التي تبعد بضعة كيلومترات عن الحدود، لم تتم الا بعد حوالي 100 يوم قتال، الامر الذي يثير تساؤلات جدية حول الطريقة التي دخل فيها الجيش الإسرائيلي الى الجولة الحالية في الشمال. وهناك مشكلة أصبحت سائدة في الدورات التدريبية، يحث ارتفع معدل التسرب من بعض الوحدات القتالية بشكل حاد، وتتلقى الالوية فصائل مقاتلين قليلة العدد بعد انتهاء التدريب. ويتحدث الجنود عن تراجع في الدافعية في مرحلة مبكرة نسبيا، الامر الذي يرجح ارتباطه أيضا بتقليص الاجازات في التشكيلات القتالية. ويعود هذا التغيير الى دروس 7 أكتوبر، حيث عاد نصف المقاتلين من جبهة غزة الى بيوتهم لقضاء عطلة العيد، لكن ربما تم تطبيق ذلك بشكل مفرط.

——————————————

يديعوت احرونوت 19/6/2026 

فضيحة في القصر

بقلم: ناحوم برنياع

خلال الأسبوع، تلقى جيه. دي. فانس، نائب رئيس الولايات المتحدة، سيلاً من المكالمات الهاتفية من أصدقائه وأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس. حذروه قائلين: “لا تذهب إلى جنيف لتوقيع الاتفاقية. ستقضي صورتك على فرصتك في الترشح للرئاسة بعد عامين. الاتفاقية مع إيران بمثابة جرعة موت سياسي”. وبالفعل، لم يذهب فانس. ووقع ترامب نيابةً عنه أمس. المكان، فخامة القصر عوضته عن المضمون. هكذا تفعل القصور به. لو كان لديه إلمامٌ أكبر بالتاريخ، لأدرك أن قصر فرساي ملعون: فالمعاهدة الموقعة هناك عام 1919 كانت رسالة استسلام، وليست معاهدة سلام. لقد مهدت الطريق لحرب عالمية.

بعد ظهر يوم الأربعاء، بتوقيت واشنطن، قرأ مصدر في البيت الأبيض نص مذكرة التفاهم على الصحفيين. أشارت ردود الفعل الأولية في قيادة الحزب الجمهوري إلى حالة من الذعر. “هزيمة”، “فشل”، “كارثة” كانت الأوصاف التي يحتاجها مسؤولو الحزب. “سنخسر انتخابات التجديد النصفي بسبب هذا”.

لقد نشأ وضع استثنائي. فمن جهة، استُقبل انتهاء مشاركة أمريكا في الحرب مع إيران بارتياح كبير. سيتعافى سوق الأسهم، وستنخفض أسعار الوقود، وستُسحب حربٌ لا تحظى بشعبية من جدول الأعمال. ومن جهة أخرى، لا يمكن تفسير صياغة الاتفاق إلا على أنها استسلام أمريكي. لقد أثار ترامب عاصفةً وأوقف النهاية قبل أوانها. حتى أولئك الذين عارضوا الحرب، بمن فيهم جوهر حركة ترامب، وجدوا صعوبةً في استيعاب الهدايا التي حصل عليها النظام الإيراني مقابل موافقته على إعادة فتح ممر بحري كان مفتوحًا للجميع حتى الحرب. ليس إيران هي ما يُقلق اليمين الأمريكي، بل أمريكا، وشرفها، وصورتها الذاتية، والقوة التي تُظهرها، داخليًا ودوليًا.

“هل ما زال العلم الأمريكي يرفرف فوق موطن الشجعان؟” يتساءل المقطع المتكرر من النشيد الوطني الأمريكي. في النشيد، يكون الجواب إيجابيًا، حازمًا، منتصرًا. أما في الاتفاقية، فالأمر مختلف تمامًا: فوق الاتفاقية، لا يرفرف سوى علم واحد، علم أبيض. من المخجل الاستسلام دون قتال؛ ومخجل أكثر الاستسلام بعد الانتصار في معركة.

المشتبه بهما المباشران والواضحان هما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثا ترامب. إنهما مذنبان بدخول الحرب ومذنبان بالخروج منها بشكل مخزٍ. حقيقة أن كلاهما يهودي لا تغيب عن بال المتحدثين باسم اليمين المتطرف. ليس نجوم القناة 14 وحدهم من يسمحون لأنفسهم باستخدام عبارات معادية للسامية تجاه اليهود الذين لا يحبونهم. “يهود” هنا، و”فتيان يهود” هناك. إذا كان هذا ما يتطلبه الأمر للبقاء، فسيكون ويتكوف وكوشنر أول من يُلقى بهما في البحر.

بدأتُ باليمين الأمريكي لأنه أسهل واجهة للتسويق. الإهانة مؤلمة، لكن الأخبار جيدة. حتى لو لم يُنفذ الاتفاق، فمن غير المتوقع استئناف الحرب، وهذا هو الأهم من وجهة نظر الأمريكيين.

أما الضربة القاضية فتتلقاها إسرائيل. قرأت الاتفاق مرارًا وتكرارًا، ولم أجد فيه أي ميزة تُرضينا. فهو يحمل كل عيوب اتفاق أوباما، ولا يتمتع، على الأقل في هذه المرحلة، بأي من مزاياه. يُثري الاتفاق النظام الإيراني بـ 300 مليار دولار، بالإضافة إلى عشرات المليارات من الحسابات المجمدة. سيحصل حزب الله على نصيبه، وكذلك حماس. وكذلك صناعة الصواريخ الإيرانية، التي سمح لها الآن رئيس الولايات المتحدة بالعمل. لقد مُنيت خطة الموساد للإطاحة بالنظام من الداخل بضربة قاضية. وفوق كل ذلك، اكتسب الموساد شرعية دولية، وحصل على سلاح أشد فتكًا من القنبلة الذرية: السيطرة على تجارة النفط العالمية. وضعه الآن أفضل بكثير مما كان عليه عشية الهجوم الإسرائيلي الأمريكي.

إن مصير لبنان مرتبط بمصير النظام الإيراني. وهذا يضر بإسرائيل ولبنان على حد سواء. لقد حوصرت القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. لم يعد الدفاع عن البلدات الشمالية هو ما يشغل بال الجيش الإسرائيلي الآن، بل الدفاع عن القوات المتبقية هناك. وكما كان الحال في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ما زلنا عالقين في مستنقع الفساد. بل إن وضعنا أسوأ: لا يمكننا التقدم للأمام لأن ترامب لا يسمح بذلك، ولا يمكننا التراجع للخلف لأن الانتخابات على الأبواب.

ما يثير الغضب في هذه القصة هو أن كل شيء كان معروفًا مسبقًا، كل شيء كُتب وقيل. كان تسخير القوة العسكرية الأمريكية لشن حرب ضد إيران أهم إنجاز استراتيجي في مسيرة بنيامين نتنياهو. فقد عرّض هذا الإنجاز منشأة فوردو النووية للغارات الجوية، ووسع نطاق قصف إيران والدفاع عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية بشكل كبير.

وهنا تكمن المشكلة: فالولايات المتحدة لا تعرف إلا كيف تتصرف كقوة عظمى. إنها تعامل شركاءها بتعالٍ: هي المسيطرة، وهم القوة المساعدة. لقد قلّصت الشراكة مع الولايات المتحدة نطاق تحركات إسرائيل بشكل كبير. أعاد ترامب مرارًا طائرات سلاح الجو الأمريكي إلى قواعدها في إيران ولبنان. وأجبر إسرائيل على الاستسلام في قطر، بعد عملية متسرعة وفاشلة كان من الممكن أن تسفر عن مقتل المزيد من الرهائن في غزة. لم يكن أمام نتنياهو خيار سوى الامتثال: هذا ما يحدث لرئيس وزراء أسير رؤيته، وهذا ما يحدث لرئيس وزراء يضع كل بيضه في سلة واحدة.

يتمسك نتنياهو بالأمل، كما استدرج ترامب إلى الحرب، أنه سيعرف كيف يجرّه إليها، ويستمر في القتال حتى ينهار النظام أو إلى الأبد. لقد ارتكب خطأً فادحًا. كان كل من يملك بصيرة يعلم أن ترامب سينقلب عليه في وقت ما. حالة سوق الأسهم، وسعر النفط، وانتخابات التجديد النصفي، والانتهازية، والنرجسية، والضعف أمام الأنظمة الاستبدادية الوحشية تجاه رعاياها – كل شيء كان معروفًا مسبقًا.

إذا كان ترامب بهذا السوء، فلماذا يتودد إليه العالم بأسره، ويثني عليه، ويحرص على سمعته؟ تبدأ الإجابة بالزر: رجل في الثمانين من عمره، غير مدرك لما يدور حوله، يحمل زرًا قد يدمر العالم. مثل بلوفيلد، الشرير في أفلام “جيمس بوند”. كيف تتعامل مع شخصية كهذه؟ بحذر شديد.

في نهاية حرب الأيام الاثني عشر، التي كانت ناجحة من الناحية التكتيكية، كان يتعين على نتنياهو  إعادة حساباته. ربما كان الوقت مناسبًا لعقد صفقة مع نظام مهزوم وخائف. لكن كالمقامر الكلاسيكي في الكازينو، بدلًا من جني أرباحه، عاد إلى طاولة الروليت. هذا ما فعله بعد عملية سهام الشمال في لبنان. يبدو أن صدمة السابع من أكتوبر قد أثرت سلبًا على براغماتية نتنياهو، وعلى فهمه لحدود القوة. منذ ذلك السبت، يُفضل التفكير بمنطق الكل أو لا شيء. عندما تكون هذه هي الاستراتيجية، تكون هذه هي النتيجة.

كان خطاب ترامب أيضًا أمرًا مفروغًا منه. لا أحد يُسيطر على تصريحاته: لا توجد ضوابط، ولا كوابح، ولا أحد من المقربين إليه يستطيع أن يقول له: “سيدي الرئيس، كفى”. هذا ليس في صالحه. ربما استحق نتنياهو الإهانات عن جدارة: فمن دعا ترامب لتلاوة مزمور على رئيس البلاد ليحصل على عفوٍ عنه، لا يحق له الاعتراض عندما يُردد ترامب المزمور عليه.

ينطبق هذا أيضًا على عبادة نتنياهو في السياسة والإعلام. الجماعة التي كانت تُشيد بترامب تُعيد اكتشافه الآن. الرب اصبح الشيطان؛ والمسيح غدا الوغدً. يعتمد الدين التوراتي على ذاكرة أتباعه القصيرة. كتب دان ألماجور ذات مرة قصيدة عن حاييمكي خاصتي: “جميع الجنود، نعم، جميع الجنود، تائهون في حيرة! / حاييمكي خاصتي فقط، حاييمكي خاصتي فقط، يعرف الطريق جيدًا!”.

——————————————

هآرتس 19/6/2026

بعد 60 يوماً.. هل ينشأ وضع يدفع نتنياهو لمواجهة إيران وحده؟

بقلم: رفيت هيخت

حتى وقت قريب، اعتقدت أن تفسير قدرة نتنياهو على مهاجمة إيران بدافع الحاجة السياسية، بغض النظر عن الفائدة والأخطار والتكلفة، يعكس مواقف من يؤمنون به أكثر من كونه يعكس حقيقة نتنياهو نفسه. ظهر لي هذا مثل جنون العظمة النسبي الذي يرفع نتنياهو إلى مرتبة الشيطان القادر على كل شيء – صورة معكوسة لجعل العجل الذهبي للبيبية إلهاً. ولكن تراكم المؤشرات الأخيرة يزيد احتمالية أن الكثيرين ما زالوا يعتبرونه سيناريو لا يصدق: إن نتنياهو سيهاجم إيران حتى دون موافقة الإدارة الأمريكية، أو سيحاول جرها للحرب من خلال هجمات متكررة للضاحية خلافاً لطلب الولايات المتحدة.

أولاً، علينا الاستماع إلى أقوال نتنياهو نفسه. فبعد المؤتمر الصحفي الذي عقده في هذا الأسبوع، اختار معظم خصومه انتقاد تضليله المزمن وأدائه الضعيف من جديد. ولكن اللافت في أقواله هو رده على سؤال إذا كانت إسرائيل ستهاجم إيران حتى دون دعم أمريكي، حيث قال: “أعرف كيفية الدفاع عن مصالح إسرائيل بشكل حازم”. وأضاف في سياق آخر “إيران لن تمتلك السلاح النووي، سواء باتفاق أو من دونه”. هنا يجب التشكيك في صدقه، ليس لأنه يهتم بإسرائيل، بل لأن هذا ما يتوقعه منه ناخبوه.

ربما يكون ترامب مصمماً على التعامل مع التهديد النووي الإيراني، الذي وصفه قبل ثلاثة أشهر بأنه تهديد وجودي لأمريكا، بقدر تصميمه على التعامل مع أزمة مضيق هرمز. معظم المصادر، وبحق، تقلل من احتمالية هذا الدافع. ولكن الحقيقة أن ترامب يشير إلى عكس ذلك تماماً؛ فتصريحه المدهش في هذا الأسبوع، “يجب أن تمتلك إيران صواريخ بالستية لأن دولاً أخرى تمتلكها”، لا يعكس فقط تحولاً نفسياً شبه مستحيل في هذه الفترة القصيرة، ففي نهاية المطاف، كان تدمير الصواريخ أحد أهداف الحرب المعلنة، بل يعكس أيضاً انقلاباً حقيقياً في موقف الولايات المتحدة من إيران، وبالتالي من إسرائيل.

في نهاية المطاف، يمكن تغيير الهدف من الصواريخ البالستية إلى السلاح النووي – الإطار القانوني جاهز بالفعل. وبما أن إيران تحولت من نازية ومجنونة لا ينبغي التعامل معها إلى حليفة محترمة، وحتى أنها تحترم ترامب، ولا تحتفل علناً بإهانة الولايات المتحدة، بل واستجابت لطلب الرئيس عدم مهاجمة إسرائيل رداً على العملية الأخيرة في الضاحية في بيروت، فإن كل شيء وارد.

يتعامل ترامب الآن مع الإيرانيين كحلفاء، في حين يعامل إسرائيل كأزعر لاعقل له ولا ومنطق ولا مبرر. وقد ظهرت بوادر ذلك قبل فترة قصيرة، عندما أعلن ترامب عن خيبة أمله من القصف في لبنان، وتساءل عن فائدة ذلك. لم ينضم إلى حركة “نقف معاً” أو إلى الحركة السلمية. ببساطة، شعر بالاشمئزاز من نزعة نتنياهو الخاسرة، التي ترسخت في عقله ودفعته إلى قطب آخر.

مع ذلك، يجب نثر العنصر الأهم على هذه الأرض الخصبة: الانتخابات القادمة. آمل أن يخيب ظني. ولكن سياسياً مثل نتنياهو لا يقدم استقالته، ولا يوافق على صفقات الاعتراف بالذنب، وبالتأكيد لا يخوض الانتخابات وهو في مثل هذه الحالة من الضعف. فمثلما استسلم بعد 7 أكتوبر لرؤية اليمين المتطرف الشمولية حتى يبقى في كتلته، فهو الآن لا يستطيع استعادة ثقة ناخبيه في ظل وصمة اتفاق الاستسلام الأمريكي مع إيران.

إذا لم يتحقق إنجاز باهر في مجال اليورانيوم، وهو ما يمكن لنتنياهو ادعاءه لنفسه، بعد انتهاء الستين يوماً المخصصة لصياغة اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران، فقد ينشأ وضع يدفع نتنياهو إلى شن حرب ضد إيران، حتى لو كان ذلك مخالفاً للموقف الأمريكي. أحد أعضاء الائتلاف سألني هذا الأسبوع: “لو كنت مستشارة سياسية لنتنياهو، فهل تقدمين له نصيحة مختلفة؟” هذا هو السؤال، وهو خيار موجود بالفعل، بل ومقبول.

——————————————

هآرتس 19/6/2026

بعد إعدام سرحان: استراتيجيتنا أن يموتوا واحداً واحداً.. من يخلص الأسرى الفلسطينيين من “غوانتانامو إسرائيل”؟

بقلم: أسرة التحرير

الأحد من هذا الأسبوع توفي عماد سرحان، سجين أمني، مواطن إسرائيلي، من سكان حيفا، في زنزانته في سجون جلبوع. سرحان هو السجين الأمني الـ 104 الذي يتوفى بين جدران السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023. وحسب ملفه الطبي الذي وصل إلى منظمة أطباء لحقوق الإنسان، لم يتلقعلاجاً طبياً في السنتين والنصف الأخيرة رغم أنه كان يعاني من جملة أمراض.

 إن موت سرحان دليل آخر على الوضع الصادم في السجون الأمنية في إسرائيل. تحولت السجون تحت قيادة وزير الأمن القومي بن غفير وقائد مصلحة السجون كوبي يعقوبي وقادة السجون وضباط في مصلحة السجون، إلى منشآت تعذيب. عشرات التقارير والشهادات والتحقيقات نشرت عن التجويع والعنف التعسفي ونقص في العلاج الطبي وشروط السكن غير إنسانية وغيرها.

بعد يومين من وفاة سرحان، الثلاثاء، ردت قاضية المحكمة العليا غيلا كنفي – شتاينتس، الالتماس لتحرير د. حسام أبو صفية من معتقله. أبو صفية، مدير مستشفى “كمال عدوان” في شمال قطاع غزة، أصبح رمزاً لمعاناة وتصميم الأطباء في غزة. قُتل ابنه بنار الجيش الإسرائيلي. هو نفسه أصيب. أجزاء واسعة من المستشفى دمرت، وزملاؤه قتلوا، لكنه رفض التخلي عن مرضاه، وبقي معهم إلى أن اعتقله الجيش الإسرائيلي في كانون الأول 2024. منذئذ وهو سجين، مثل نحو 1300 غزي آخرين بينهم 13 طبيباً، في مكانة “مقاتل غير شرعي”، الاصطلاح الهزيل من ناحية القانون الدولي، الذي يستهدف إعفاء الدولة من طرح أدلة ومن رقابة قضائية من جهة ومن إعطاء حقوق أسرى حرب من جهة أخرى. لعل استراتيجية الدولة هي أن يموتوا واحداً واحداً في السجن، بعذاب وبلا محاكمة.

في القرارين اللذين اتخذ مؤخراً، يبدو أن قضاة المحكمة العليا بدأوا مؤخراًيفهمون بأنه لم يعد ممكناً تجاهل الوصمة القاتمة لمنشآت الحبس. قبل أسبوعين، أمر القضاة الدولة بالسماح للصليب الأحمر لزيارة السجناء الأمنيين بعد أن منع دخولهم طوال سنتين ونصف. وأمس، أصدر القضاة أمراً احترازياً للدولة بأن تعلل سبب عدم إلغاء مواد في قانون مقاتلين غير شرعيين، تسمح باعتقال طويل بلا أي رقابة قضائية.

نلسون مانديلا الذي كان بنفسه سجيناً أمنياً على مدى 27 سنة، كتب بأن”أحدا لا يعرف طبيعة أمة ما إلى أن يحل في السجون التي تقيمها”. نظرة إلى ظلام السجون الإسرائيلية تكشف حقيقة رهيبة عن المجتمع الإسرائيلي تحت حكم نتنياهو وبواسطة وزرائه الكهانيين مؤيدي الطرد والتجويع. على قضاة المحكمة العليا وقضاة عموم الهيئات القضائية إيقاف سياسة التجويع والتنكيل والحبس.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article