| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 23/6/2026
المعركة على الوطن
بقلم: عقيد احتياط بروفيسور غابي سيبوني، باحث أول ومدير برامج الشؤون العسكرية والاستراتيجية والأمن السيبراني في معهد دراسات الأمن القومي،
والعميد (احتياط) إيريز فينر
مقدمة
في السنوات الأخيرة، تركزت الجهود الأمنية بشكل رئيسي على الحملة الإقليمية متعددة الساحات. لا يزال القتال مستمراً في جميع الجبهات، ومع ذلك، يجب علينا دراسة التهديد الداخلي والاستعداد للحرب القادمة: الحرب على الجبهة الداخلية، أي الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بما في ذلك المستوطنات والمدن المختلطة والجليل والنقب والضفة، فضلاً عن الحيز المدني الداخلي.
هذا التهديد ليس جديداً. ففي بداية الانتفاضة الثانية، في أكتوبر 2000، وقعت حوادث عنف شديد في المدن العربية، شملت إغلاق الطرق الرئيسية والاعتداءات على السكان اليهود. إلا أن الأمور تصاعدت في السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها خلال عملية “حارس الأسوار”. وفي أيار 2021، شهدنا أعمال شغب عنيفة ومنسقة في مدن مختلطة مثل اللد وعكا ويافا والرملة، وغيرها من المناطق في الجليل والنقب. حاصرت مستوطنة متسبيه عدي في الجليل لساعات، وأُغلقت الطرق الرئيسية، وعجز الطيارون في قاعدة نيفاتيم عن الوصول إليها بسبب حصارٍ فرضه مثيرو الشغب عند مفترق شوكت. كشفت هذه الأحداث عن مدى خطورة التهديد الداخلي. وجاء الهجوم قرب كوخاف يائير، الذي نفذه أحد سكان الطيرة المجاورة، مثابة تذكير مؤلم في هذا السياق، رغم إدانات العديد من قادة الوسط العربي.
إلى جانب العنف القومي، ثمة ظاهرة أخرى مقلقة: الجريمة الخطيرة في الوسط العربي، والتي تتسلل تدريجيًا إلى المدن والبلدات اليهودية. وتنتشر تجارة تهريب الأسلحة وسرقتها على نطاق واسع. وتمتلك المنظمات الإجرامية أسلحة متطورة، يمكن استخدامها أيضًا في الإرهاب الداخلي.
يزداد هذا التهديد خطورةً في ضوء التغيرات التي طرأت على طبيعة القتال. ففي الماضي، كان الدفاع في القرى الحدودية يعتمد على قوات دفاع محلية، أما اليوم، فينتشر التهديد في جميع أنحاء البلاد، ما يستدعي دراسة نماذج دفاع جديدة. في السابع من أكتوبر2023، شهدنا كيف يمكن لتسلل الإرهابيين إلى القرى أن يؤدي إلى مذبحة جماعية في حال غياب استجابة أولية سريعة ومحلية. أنقذت فرق الاحتياط المنظمة والمجهزة أرواحًا كثيرة، لكن الثغرات كانت حرجة في العديد من المناطق.
في هذه المقالة، سنتناول جذور مفهوم الدفاع المحلي منذ ما قبل قيام الدولة، وتراجعه على مر السنين، والدروس المستفادة من أحداث “حارس الأسوار” وهجمات السابع من أكتوبر، وتقسيم الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية، والتوصيات العملية لبناء القدرة على الصمود استنادًا إلى الاستعداد المناسب على الجبهة الداخلية.
المسار من ما قبل قيام الدولة إلى الدفاع المحلي
يعود تاريخ بداية مسار الدفاع عن “الوطن” إلى ما قبل قيام الدولة. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حين كان المجتمع اليهودي في إسرائيل صغيرًا وضعيفًا، تبلورت فكرة مفادها أنه لا ينبغي الاعتماد كليًا على القوى الخارجية أو الحكومة البريطانية، بل على القوات المسلحة المحلية لحماية المجتمعات من أعمال الشغب والعنف.
تأسست منظمة هاشومير عام 1909، وكانت أول منظمة متخصصة في حماية المجتمعات اليهودية. كان أعضاؤها، وهم حراس مسلحون، يتنقلون على ظهور الخيل بين المستوطنات، لحماية الحقول والبساتين والقرى من قطاع الطرق والمخربين. شكلت هاشومير الأساس الفكري والعملي للدفاع الذاتي اليهودي في البلاد. وفي عام 1920، عقب أحداث تل حاي وأعمال الشغب في القدس، تأسست منظمة هاغاناه، التي كانت هيئة أكثر تنظيمًا، وأصبحت القوة الدفاعية الرئيسية للمجتمع. عملت هاغاناه سرًا، ودربت آلاف الشباب، وأنشأت مستودعات أسلحة سرية، وعملت على حماية المجتمع اليهودي.
خلال أحداث عام 1929 والثورة العربية الكبرى (1936-1939)، برزت أهمية الدفاع. وتحولت مستوطنات مثل غوش عتصيون، وخلدا، وتل حاي، وغيرها، إلى معاقل دفاعية. وكان المفهوم السائد هو أن تكون كل مستوطنة مجمعًا دفاعيًا محصنًا ومنظمًا قادرًا على الصمود حتى وصول التعزيزات. خلال هذه الفترة، تأسس فيلق الحرس ، الذي استند إلى قوات الدفاع المحلية.
وبلغ هذا المفهوم ذروته خلال حرب الاستقلال (1947-1949). قاتل آلاف السكان، أعضاء فيلق الحرس، جنبًا إلى جنب مع القوات الميدانية والبلماخ. صمدت مستوطنات مثل ياد موردخاي، ونيغبا، ودغانيا، وكيبوتس دان، وميشمار هياردين في وجه قوات متفوقة عددًا وعدة. وفرت هذه المستوطنات عمقًا للمواقع، وأخرت تقدم العدو، ومنحت الجيش الإسرائيلي فرصة للتنظيم. استخلص يغئال آلون، قائد البلماخ، العبر من هذه التجربة، وصاغ منها عقيدة دفاعية. مع قيام الدولة عام 1948، واجهت إسرائيل تحديًا مزدوجًا: الدفاع عن حدود طويلة وهشة، إلى جانب الحاجة إلى تحرير القوات النظامية للتدريب والهجمات المستقبلية. وكان الحل هو إنشاء هيئتين مركزيتين:
كانت أولى هذه الهيئات حرس الحدود، الذي بدأ مسيرته باسم “فيلق الطرف” في الفترة ما بين عامي 1949 و1950، وتأسس رسميًا عام 1953 كقوة عسكرية شرطية. وُكِّلَ حرس الحدود بمهمة حماية الحدود، وإحباط عمليات التسلل، والتصدي للتهديدات المستمرة على طولها. أما الهيئة الثانية فكانت نظام الدفاع المحلي، الذي أُنشئ لحماية المستوطنات والقرى والجبهة الداخلية. وقد صاغ يغئال ألون هذا المفهوم مستلهمًا من حرب الاستقلال، حيث اعتبر المستوطنات “عمقًا استراتيجيًا” بديلًا عن العمق الجغرافي المفقود. وصف ألون الأمر على النحو التالي: “يمكن لشبكة كثيفة من المستوطنات، ممتدة على عمق مناسب، ومحصنة تحصيناً جيداً، ومجهزة بأفضل الأسلحة الحديثة، ومنظمة ضمن نظام دفاع إقليمي متين، أن تُشكل نوعاً من العمق الاستراتيجي، كبديل عن العمق الجغرافي المعدوم.”
استند الدفاع المحلي إلى عدة مبادئ أساسية: اعتمدت القوة على سكان المستوطنات، الذين تلقوا التدريب والتسليح المناسبين. وتمت حماية المستوطنات بالتحصينات، مع تنظيم القوات في كتل ومناطق تابعة للقيادة المكانية للجيش الإسرائيلي. وكان هدف هذه القوات الصمود حتى وصول التعزيزات.
على مر السنين، ضعفت قوات هاغمار تدريجياً. فبعد حرب الأيام الستة وتوسع حدود البلاد، الذي وفر عمقاً جغرافياً، تحول التركيز من الدفاع المحلي إلى التركيز على القوات المدرعة والقوات الجوية. وتم تقليص الميزانيات والتدريب والتحصينات المحلية. أعادت حرب أكتوبر (حرب يوم الغفران) التأكيد على الحاجة الماسة للدفاع المحلي: فقد أظهر إخلاء مستوطنات هضبة الجولان أن ما تبقى من الدفاع المحلي في تلك المستوطنات لم يعد ذا جدوى في مواجهة هجوم القوات السورية. وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بُذلت محاولات لإعادة بنائه، لكنها كانت جزئية. ومع تصاعد التهديدات الإرهابية والصاروخية، تم تهميش الدفاع المحلي مجددًا لصالح التكنولوجيا والدفاع النشط. وبلغ الإهمال ذروته في السنوات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، عندما قرر الجيش الإسرائيلي في عام 2019، عقب حالات عديدة لسرقة أسلحة من المنازل والمناطق، سحب الأسلحة من فرق التأهب.
من عملية “حارس الأسوار” إلى 7 أكتوبر
لم يكن تصاعد التهديد للجبهة الداخلية الإسرائيلية عملية مفاجئة، بل تطورًا تدريجيًا ازداد حدة في السنوات الأخيرة. وشكّلت أحداث عملية “حارس الأسوار” في أيار 2021 نقطة تحول حاسمة. خلال العملية، اندلعت أعمال شغب عنيفة ومنسقة على نطاق واسع داخل أراضي دولة إسرائيل. تم توثيق نحو 520 موقعًا للأحداث، بمشاركة آلاف السكان العرب الإسرائيليين، لا سيما في المدن المختلطة مثل اللد وعكا ويافا والرملة ومدن أخرى في الجليل والنقب. قُتل ثلاثة مدنيين، وأُصيب المئات – من بينهم نحو 306 من رجال الشرطة – وبلغت الأضرار المادية عشرات الملايين من الشواكل.
كشفت هذه الأحداث عن هشاشة عميقة في النسيج الداخلي للبلاد. فقد قطع مثيرو الشغب طرق النقل الرئيسية، واعتدوا على السكان اليهود، وأضرموا النيران في المركبات، وألحقوا أضرارًا بالممتلكات العامة. وحُوصِرت مستوطنة متسبيه عدي في الجليل لساعات طويلة، بينما أُغلِق طريق الوصول إلى قاعدة نيفاتيم عند مفترق شوكت، مما صعّب على الطيارين المقاتلين الوصول إلى قاعدتهم. لم تكن هذه الأحداث مجرد اضطرابات محلية؛ وقد عكست هذه الأحداث نوعاً من التنسيق بين عناصر مختلفة، ومزيجاً من الاحتجاج السياسي والعنف القومي، وضعفاً كبيراً في جاهزية قوات الأمن.
مع اندلاع حرب النهضة في 7 أكتوبر 2023، ازداد وضوحًا تغير طبيعة التهديد للجبهة الداخلية. فعلى سبيل المثال، باتت المجتمعات الشمالية مُعرَّضة لغزو من قِبَل قوات حزب الله (الرضوان)، في ظل افتقارها إلى قدرات دفاعية كافية.
وبينما حققت أنظمة الدفاع الجوي، وعلى رأسها نظام القبة الحديدية، نجاحًا كبيرًا في التصدي لتهديدات الاختراق الجوي، ازداد خطر شن غارات على المجتمعات في قطاع غزة، وعلى طول الحدود الشمالية، وفي الضفة الغربية، وعلى طول خط التماس، وفي مناطق أخرى من البلاد.
واستمر هذا التهديد بعد 7 أكتوبر، وتجلّى في هجمات إطلاق نار، وزرع عبوات ناسفة، وعمليات تخريب، في محاولة من منظمات مثل حماس والجهاد الإسلامي لتحويل الجبهة الداخلية إلى جبهة أخرى. وفي الفترة بين عامي 2024 و2026، تم إحباط فرق كانت تُخطط لشن غارات على المجتمعات، بما في ذلك فرق تضم ما بين 8 و20 إرهابيًا. تشمل سيناريوهات القيادة المركزية المرجعية عمليات مداهمة منسقة، وتسللًا من الحدود الأردنية، وحواجز طرق – وهي تهديدات كانت تُعتبر سابقًا ثانوية، لكنها تُعتبر الآن ملموسة.
في الوقت نفسه، تفاقمت ظاهرة الجريمة الخطيرة في القطاع العربي وامتدادها إلى المدن والمجتمعات اليهودية. سُجّل عام 2025 كأكثر الأعوام دموية في المجتمع العربي، حيث بلغ عدد جرائم القتل 252 جريمة – بزيادة قدرها 10 في المئة تقريبًا مقارنةً بعام 2024. ارتُكبت الغالبية العظمى منها (حوالي 90 في المئة) باستخدام الأسلحة النارية، حيث امتلكت المنظمات الإجرامية أسلحة متطورة، بما في ذلك بنادق آلية، وطائرات مسيّرة، وصواريخ مضادة للدبابات سُرقت من الجيش الإسرائيلي أو هُرّبت. لا تقتصر هذه الأسلحة على الوسط العربي فحسب، بل قد تمتد إلى المجتمعات اليهودية، والمدن المختلطة، والمجال العام، مما يُهيئ بنية تحتية محتملة للإرهاب الداخلي.
في نهاية المطاف، يعكس تزايد التهديد مزيجًا من العوامل الخارجية، بما في ذلك التحريض، والدعم الإيراني، والتنسيق بين المنظمات الإرهابية والجريمة الخطيرة. كانت أحداث العنف التي شهدتها إسرائيل خلال عملية مراقبة الجدار بمثابة إنذار أولي، وفي السابع من أكتوبر، تجسد التهديد بكامل قوته في المستوطنات المحيطة بالحدود. لم تعد الجبهة الداخلية مجرد “جبهة داخلية”، بل أصبحت جبهة مركزية في الحملة ضد الجبهة الداخلية نفسها. ولن يكون بالإمكان مواجهة هذا التهديد المتغير إلا من خلال نهج شامل يجمع بين دفاع قوي عن الأراضي، وقوات محلية منظمة، ومكافحة حازمة للجريمة.
يتطلب تغير طبيعة التهديد إعادة انتشار القوات. ففي الماضي، كان النظام الأمني يركز بشكل أساسي على التهديدات الخارجية، أما اليوم فمن الواضح أن خطر الهجوم، حتى من الحدود كالأردن ومصر، ومن داخل البلاد، يشكل سيناريو تهديد يجب أخذه في الحسبان والتصدي له. لا يتطلب الهجوم على مستوطنة تكنولوجيا متقدمة، بل يتطلب عزيمة، ومعرفة جيدة بالتضاريس، والقدرة على استغلال الثغرات في الدفاع. تمكنت فرق الإنذار التي تم تنظيمها وتجهيزها في السابع من أكتوبر من إنقاذ العديد من الأرواح، لكن في أماكن أخرى كثيرة كانت الثغرات حاسمة وأدت إلى خسائر فادحة.
استجابة الدفاع عن الوطن
تُعدّ مشكلة التداخل والغموض في توزيع الصلاحيات بين مختلف الأجهزة الأمنية من أبرز المشكلات الهيكلية التي تعيق استعداد دولة إسرائيل لمواجهة التهديدات التي تُحدق بالجبهة الداخلية. ففي الواقع الإسرائيلي، حيث تتشابك التهديدات الأمنية الداخلية والإقليمية، يوجد تداخل كبير بين مسؤوليات الجيش الإسرائيلي، من خلال قياداته الإقليمية أو قيادة الجبهة الداخلية، وبين الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود. ولا يُؤدي هذا التداخل إلى ارتباك عملياتي فحسب، بل يُسبب أيضًا ثغرات في الاستعداد والتنسيق والاستجابة الأولية.
وتتولى قيادة الجبهة الداخلية، التي أُنشئت عام 1992 عقب حرب الخليج، المسؤولية الرسمية عن الدفاع عن الجبهة الداخلية المدنية، وإدارة الطوارئ المدنية، والتنسيق بين السلطات المحلية والجيش الإسرائيلي. أما القيادة الإقليمية، فتُعنى بحماية المجتمعات الحدودية، بما في ذلك تشغيل فرق الإنذار، وتركيب معدات الحماية، وصياغة مفهوم الدفاع المجتمعي في منطقة مسؤوليتها. تتولى الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود مسؤولية حفظ النظام العام، والتعامل مع الاضطرابات، ومكافحة الجريمة، وإحباط الإرهاب الداخلي. ويُعدّ حرس الحدود، بوصفه قوة شرطية عسكرية، بمثابة حلقة وصل بين الأمن الداخلي والعمليات العسكرية في المناطق المضطربة. كما يضطلع جهاز الأمن العام بمسؤولية في هذا المجال، تشمل كل ما يتعلق بالاستخبارات والتصدي للإرهاب.
يجب التمييز بين التجمعات السكانية بناءً على التمييز بين المستوطنات الريفية في الجبهة والمدن والتجمعات الكبيرة في وسط البلاد. فالأولى هي التجمعات الواقعة على الحدود، والثانية هي التجمعات الواقعة على الخط الحدودي الثاني، مثل عسقلان جنوباً وكريات شمونة شمالاً. أما الثالثة فهي التجمعات الواقعة على طول خط التماس في الضفة الغربية، بالإضافة إلى التجمعات المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية. وقد تتعرض هذه التجمعات لهجمات، لا سيما في حال إعادة تنظيم قوات السلطة الفلسطينية. يتطلب الوضع الراهن إنشاء نظام دفاع محلي في جميع المستوطنات، بما في ذلك فرق إنذار مدربة ومجهزة. يجب أن تكون فرق الإنذار مستعدة للدفاع عن المستوطنات/الأحياء بشكل مستقل لعدة ساعات، أثناء عزلها حتى وصول التعزيزات.
وقد برزت مشاكل التنسيق بين المنظمات بشكل جليّ خلال عملية “حارس الأسوار”. فقد كانت الشرطة مثقلة بالأعباء وعجزت عن نشر قوات كافية في المدن المعنية، بينما لم يتم تفعيل قوات التحالف الشعبي بشكل صحيح كقوة مساعدة، في حين كان الجيش الإسرائيلي منشغلاً بالقتال في قطاع غزة. ونتج عن ذلك وضع لم تتحمل فيه أي جهة المسؤولية الكاملة عن الدفاع المحلي الأولي.
وتتطلب مبادئ التنسيق والتعاون بين مختلف المكونات (القيادة الإقليمية، شرطة الحدود الإسرائيلية، الشرطة الإسرائيلية، وحرس الحدود) البدء من المستوطنات النائية، ومن ثم التوسع إلى النطاق المحلي، مع تقسيم الجيش والشرطة، والتنسيق والتزامن بينهما وبين وحدات الإنقاذ. كما يضطلع الحرس الوطني، الذي تقرر إنشاؤه قبل نحو ثلاث سنوات، بدور حيوي. يجب دراسة إمكانية إسناد المسؤولية الكاملة عن أنظمة الأمن المحلية إلى الحرس الوطني دراسةً معمقة. ويفترض هذا كله أن يتم بناء الحرس الوطني وتشغيله بما يمنحه القدرات والصلاحيات اللازمة لتولي هذه المسؤولية وتنفيذها. ويتعلق الأمر أيضاً بحجم الحرس الوطني. ونرى أنه من الضروري إنشاء قوة احتياطية للحرس الوطني إلى جانب نواة نظامية صغيرة قوامها حوالي 20 لواءً موزعة جغرافياً.
ينبغي أن يبقى نظام الدفاع الإقليمي (GMR) بمثابة خط الدفاع الأول المحلي، تابعاً للقيادة الإقليمية. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تخضع فرق الاحتياط لقيادة الشرطة المحلية بشكل روتيني، ولا تُنقل إلى القيادة العسكرية إلا عند تصاعد حدة الموقف. ولتطبيق هذا التقسيم عملياً، يلزم إجراء إصلاحات وسن تشريعات واضحة تحدد “سلطة رئيسية” لكل نوع من أنواع الأحداث، وإنشاء مقر قيادة مشترك دائم لجميع الأجهزة الأمنية، وتوفير تدريب متكامل، وأنظمة معلومات واتصالات موحدة.
بالإضافة إلى ذلك، وللتعامل بفعالية مع التهديد المتزايد للجبهة الداخلية الإسرائيلية، من الضروري صياغة مفهوم شامل ومتكامل يجمع بين القوات المحلية (القيادة العامة للقوات المسلحة، وفرق الاستعداد)، والقوات الوطنية (الجيش، وقيادة الجبهة الداخلية، والشرطة، وحرس الحدود، والحرس الوطني). ويأتي هذا بالتوازي مع رفع مستوى الوعي المدني وبناء قوة تكنولوجية.
في المقام الأول، يجب تنظيم نظام فرق الاستعداد باعتباره خط الدفاع الأول. فمنذ بداية حرب الاستقلال، تم إنشاء مئات من فرق الاستعداد في مختلف المناطق والأحياء، ولا يزال العديد منها يعمل حتى اليوم دون إطار قانوني واضح، ودون تدريب كافٍ، ودون صلاحيات محددة. لذا، يجب سن قانون خاص بفرق الاستعداد يحدد وضعها القانوني، وشروط تجهيزها، والتخزين الآمن للأسلحة المصنعة محليًا، والتأمين على حياة أعضائها ومسؤوليتهم القانونية. كما يجب تنظيم التدريبات والمناورات وفقًا لذلك. ويجب أن تخضع كل منطقة وكل حي في المدن لسيطرة فرقة إنذار مجهزة ومتصلة بمركز قيادة إقليمي متكامل. لا تُعدّ هذه الفرق بديلاً عن الجيش الإسرائيلي أو الشرطة، بل هي خط الدفاع الأول الذي يُفترض أن يصمد حتى وصول التعزيزات، تمامًا كما كان الحال خلال حرب الاستقلال.
ويُعدّ تعزيز منظومة الدفاع المحلي بأكملها عنصرًا بالغ الأهمية. يجب إعادة المناطق إلى وضعها كمناطق دفاعية بتحصينات تتناسب مع التهديد المرجعي، وأنظمة إنذار محلية، وأجهزة استشعار، وكاميرات، ودوائر أمنية ذكية. يجب أن يصبح التدريب الدوري إلزاميًا، مع إجراء كل منطقة تدريبات طوارئ مشتركة مع الجيش الإسرائيلي والشرطة وحرس الحدود وقوات إدارة الأراضي. ينبغي دمج منظومة الدفاع المحلي التابعة للجيش الإسرائيلي في المناطق الخاضعة للقيادة المحلية، وكذلك ربطها بفرق الإنذار وقوات الجيش الإسرائيلي الأخرى العاملة في المنطقة.
في الوقت نفسه، يجب تعزيز الحرس الوطني كهيئة متخصصة في الأمن الداخلي وحالات الطوارئ المدنية. ينبغي أن يكون حجمها كافيًا (حوالي 20 لواءً موزعة مكانيًا حسب فهمنا). يجب أن تعتمد هذه المنظومة على أفراد الاحتياط مع نواة نظامية محدودة. يُشترط على أفراد الحرس الوطني الخضوع لتدريب متخصص. ستكون مهمتها التصدي للاضطرابات القومية، وإحباط الجرائم الخطيرة ذات الطابع الأمني، وحماية الطرق الرئيسية، والمساعدة في إدارة حالات الطوارئ المدنية.
إلى جانب هذا النشاط، يجب تعميق مكافحة تهريب الأسلحة من مصر والأردن، ومكافحة الأسلحة غير المشروعة، المنتشرة بشكل خاص في الوسط العربي والتي تُشكل تهديدًا خطيرًا. يجب مطالبة أجهزة إنفاذ القانون بالتحرك لمصادرة الأسلحة ومعاقبة مالكيها. إن وضع مكافحة الجرائم الخطيرة في القطاع العربي لا يُطاق.
ملخص – أمام لجنة التحقيق
إن حملة الدفاع عن الوطن هي حملة وجودية تُواجهنا. فبينما تواصل دولة إسرائيل التعامل مع تهديدات خارجية معقدة ومتفاقمة، فإن التهديدات التي تُحدق بالجبهة الداخلية، سواء في المستوطنات على الجبهة في مواجهة سيناريوهات تهديد متنوعة، أو نتيجة للاضطرابات القومية والجرائم الخطيرة التي تنبع من الوسط العربي وتُهدد الحيز المدني برمته، ليست تهديدات نظرية. لقد تجلّت هذه الأحداث بالفعل في حادثة “حارس الأسوار” عام 2021، وفي مجزرة 7 أكتوبر 2023، وفي حوادث العنف والجريمة المستمرة في الضفة الغربية والجليل والنقب والمدن المختلطة.
يُعلّمنا التاريخ الإسرائيلي درسًا بالغ الأهمية. ففي كل مرة أُهمل فيها الدفاع عن “البيت” – المستوطنات والأحياء والسكان أنفسهم – تعرّضنا لأذىً بالغ. في المقابل، عندما تبنّينا مفهوم الدفاع المحلي القوي، كما كان الحال في أيام ما قبل الدولة، وفي حرب الاستقلال، وفي السنوات الأولى للدولة، نجحنا في تحويل المستوطنات نفسها إلى فضاءات دفاعية فعّالة تصمد وتُمكّن الجيش الإسرائيلي من أداء مهامه الهجومية. ويُعدّ الضعف التدريجي لنظام الدفاع الإقليمي، وإهمال دورات الاستعداد، وانعدام التنسيق بين المنظمات، جزءًا من الفشل الذي انكشف في 7 أكتوبر.
والآن وقد باتت الدروس واضحة، فقد حان وقت العمل. يتطلب هذا تنظيمًا كاملًا لنظام دوريات الاستعداد كخط دفاع أول، إلى جانب قوات الدفاع الإقليمية، وإنشاء حرس وطني مدرب ومجهز تجهيزًا مناسبًا، ومكافحة حازمة لتهريب الأسلحة والجريمة المنظمة، ودمجًا ذكيًا للتكنولوجيا مع مشاركة المدنيين. يجب أن يدعم كل هذا تشريع واضح، وميزانية مخصصة، وتدريب متكامل، وفصل واضح للصلاحيات بين مختلف الهيئات. لقد بُذلت جهود لتنظيم الأمور، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله.
ولتجنب نشوب صراعات جديدة حول تشكيل لجنة التحقيق المقبلة، وهوية رئيسها، ومن يتحمل المسؤولية، يجب اتخاذ الخطوات اللازمة الآن. يستحق الجيل الحالي، الذي دفع ثمنًا باهظًا، دولة تعرف كيف تدافع عن نفسها من الداخل. ليس فقط من خلال القبة الحديدية والطائرات المقاتلة، بل أيضًا من خلال مواطنين مسلحين ومنظمين وملتزمين، ومجتمعات محصنة، وحرس وطني قوي، ونظام أمن داخلي فعال.
يجب على إسرائيل، التي تأسست على فكرة الدفاع عن النفس اليهودي، أن تعود إلى جذورها – الدفاع عن الوطن. دفاعٌ يضمن لنا العيش هنا بأمانٍ لسنواتٍ قادمة، لأنّ الوطن هو الجبهة الأهم. إنّ النصر في معركة الوطن ليس مجرّد مسألة أمنية، بل مسألة وجودية. إنّ معركة الوطن هي معركة مستقبل دولة إسرائيل، وقد حان الوقت للاستعداد لها.
——————————————
هآرتس 23/6/2026
“كديشا” الإسرائيلية تقطع الطريق الوحيد الموصل للبيوت.. وأهالي سلوان: لو كانت مقبرة كما يزعمون لنبشوها بالفرشاة لا بالحفارات
بقلم: نير حسون
قدمت شركة كديشا في الفترة الأخيرة دعوى ضد سكان سلوان، طالبتهم فيها بدفع بمئات آلاف الشواقل بسبب طريق ترابية توصل الى بيوتهم. وتستند هذه الدعوى الى ان هذه الطريق – الطريق الوحيدة التي تؤدي الى بيوتهم – هي جزء من مقبرة يهودية قديمة في المنطقة. وان المرور عبرها يعتبر انتهاك لحرمة المكان. ويقول السكان من جانبهم بان السكان المحليين تعودوا على المرور من هناك بدون عائق لقرون، وأن “الغرامات المفروضة عليهم ليست سوى وسيلة أخرى لاخراجهم من المنطقة. وأن القبور هناك مزيفة وان هذه طريقة لاخراجهم من الحي”.
لقد أقيمت مقبرة سمبوسكي قبل مئات السنين على سفح جبل صهيون لليهود الفقراء الذين يعيشون في القدس. معظم القبور فيها بدون شواهد. على مر السنين اشترى سكان سلوان الأراضي وقاموا ببناء بيوتهم قرب المقبرة، بعضها يظهر في صور فوتوغرافية تعود الى ما قبل العام 1967. ما زالت عشرات العائلات تعيش هناك حتى الآن، والمدخل الوحيد للحي هي طريق ترابية قرب المقبرة. وحسب السكان فانه لم يكن هناك أي خلاف بينهم وبين إدارة المقبرة خلال قرن تقريبا، بل ان السكان يقولون بان الحاخام الذي كان يدير المقبرة كان ضيف دائم في بيوتهم.
لكن في السنوات الأخيرة بدأت جمعية العاد في شراء عقارات في المنطقة، بل وحصلت على حق من الدولة في إقامة مزرعة سياحية على الجانب الآخر لطريق وادي بن هينوم، على حساب أراضي بملكية سكان فلسطينيين في الحي. قبل سنتين تقريبا اقامت شركة كديشا، الموحدة للطائفة السفارادية وطائفة الشرقيين التي تدير المنطقة، بوابة جديدة لدخول الحي، مع لافتة كتب عليها “مقبرة سمبوسكي”. وقبل ثلاثة أسابيع تم وضع لافتة أخرى بجانبها كتب عليها “كل المنطقة، بما في ذلك الطريق الترابية فيها، هي مقبرة وموقع دفن يهودي. يمنع منعا باتا أي دخول للأشخاص والسيارات اليها”.
حتى قبل ذلك بدأ سكان الحي بتلقي مطالبات مالية من شركة كديشا بمبلغ 50 الف شيكل عن كل سيارة تدخل وتتوقف هناك. وجاء في الدعوى “يستخدم المدعى عليهم، أو من ينوب عنهم، المقبرة بشكل غير قانوني لايقاف سياراتهم، الامر الذي يدنس المكان ويسيء لكرامة الموتى وكرامة أبناء عائلاتهم والجمهور بشكل عام”.
وقد تلقت بعض العائلات مطالبات بمئات آلاف الشواقل حسب عدد افراد البيت. قال احد السكان: “يطلبون 100 ألف شيكل عن كل فرد، حتى من والدتي التي عمرها 75 سنة والتي لم تخرج من البيت منذ سنتين، بزعم أنها من تمر من هذه الطريق”.
في دعوى أخرى قدمت قبل ثلاث سنوات صدر حكم يقضي بان يدفع عبد الله غانم، احد سكان الحي، مبلغ 250 الف شيكل. ولكنه قال بانه لم يكن يعرف عن الحكم، فارتفع المبلغ الى 350 الف شيكل لصالح مقبرة شركة كديشا، و350 شيكل إضافية لتنفيذ الحكم. وتساءل غانم “ماذا افعل؟”. “والدي توفي قبل 15 سنة عن عمر يناهز 80، نحن هنا منذ اكثر من 100 سنة. الى اين سنذهب؟ ماذا سنفعل؟”.
مثلما ذكر السكان ليس لديهم أي طريق للوصول الى الحي الا الطريق قرب المقبرة. وتساءل احد السكان، هشام أبو تين، وقال: “والدتي عمرها 84 سنة، كيف يمكنها العودة الى البيت؟”.
في غضون ذلك نظرت محكمة الصلح في القدس امس في دعوى قدمتها شركة كديشا ضد احدى العائلات. وقدم المحامي ابراهام سيغال، ممثل الشركة، رسالة من القيم العام تخول الشركة باتخاذ الإجراءات القانونية ضد السكان الفلسطينيين. الرسالة وقع عليها حنانئيل غريفنكال، ناشط يميني تم تعيينه لادارة قضية شرقي القدس في قسم القيم العام في وزارة العدل. ويتولى هذا القسم مسؤولة إدارة الأملاك اليهودية التي بقيت خارج الخط الأخضر في العام 1948. وحسب المحامي جبر، فان الرسالة مناقضة للقانون الذي يمنع القيم العام من نقل هذه الصلاحيات الى جهات تدير مناطق باسمه.
فجأة مقبرة
في صورة تاريخية عرضها سكان الحي على “هآرتس”، تظهر بوضوح الطريق الترابية التي تؤدي الى البيوت. إضافة الى ذلك قام أعضاء من شركة كديشا في السنوات الأخيرة بوضع احجار مربعة بدون نقوش في صفوف مرتبة في المناطق القريبة من البيوت. وحسب اقوال السكان فان هذه ليست قبور حقيقية، بل “زينة”. ولاثبات ذلك قامت شركة كديشا نفسها بالتعاون مع بلدية القدس وشركة جيحون للمياه، باعمال في المنطقة شملت حفريات واعمال ترابية وبناء، ليس فقط لم يعثروا على عظام، بل ان هذه الاعمال أيضا لم تتم تحت اشراف شركة كديشا.
“اذا كانت هذه مقبرة، كان عليهم الحفر بفرشاة وليس بجرافة. هذه ليست وبحق مقبرة”، قال شادي سومرين وهو احد السكان. “قبل ثلاث سنوات لم يكن هنا أي شاهد. فجأة أصبحت هنا مقبرة”، قال احد السكان.
من اجل دعم حججهم فان السكان يعرضون صور لجرافات بلدية القدس التي عملت وحفرت المكان الذي تدعي الشركة ان فيه قبور. وفحص صور جوية قبل 13 سنة تظهر انه في هذه المنطقة التي وضعت فيها الان حجارة في صفوف، لم تكن توجد أي إشارة على وجود قبور في الماضي. السكان يقولون أيضا ان شركة كديشا تستخدم كاداة في يد جمعية العاد، من اجل تنغيص حياتهم واخراجهم من الحي. ومن اجل اثبات ادعاءهم هم يشيرون الى احد البيوت الذي بناه فلسطيني وتم بيعه ليهود. وحسب ادعاءهم فان العائلة اليهودية التي عاشت فيه تواصل استخدام الطريق والموقف بدون مشاكل وازعاج من شركة كديشا. وحسب السكان هناك عدد من العائلات الفلسطينية التي استأجرت بيوت في المكان، وفي اعقاب تهديدات شركة كديشا قرروا تركها.
المطالبات التي قدمتها كديشا للسكان تستند الى أمر حصلت عليه من المحكمة المركزية في القدس في العام 2020، الامر اعطي بناء على طلب الشركة والقيم العام في وزارة العدل، بانه هو صاحب الأرض. حسب هذا الامر الشركة حصلت على تصريح لادارة المنطقة، لكن المحامي قصي جبر، ممثل 14 عائلة في الحي، أشار الى فجوة كبيرة بين الامر الذي أصدرته المحكمة وبين الأفعال على الأرض.
في رسالة للقيم العام، التي طلب فيها الغاء الترخيص الذي اعطي لشركة كديشا للعمل في المنطقة، كتب جبر انه “اعطي اذن لحراسة المقبرة والقيام باعمال النظافة والترميم للشواهد ومنع التخريب”. وأضاف انه “لم يطلب تفويض بتقديم دعاوى اخلاء، ودعاوى مالية، والمطالبة برسوم حراسة أو إدارة دعاوى منهجية ضد سكان سلوان”. وأوضح المحامي أيضا بأن “الامر يتعلق بوضع فيه أداة استهدفت الحفاظ على المقبرة تستخدم بالفعل أساسا لمنظومة دعاوى واسعة النطاق”.
وقد جاء من شركة كديشا رد: “مقبرة سمبوسكي هي مقبرة تاريخية دفن فيها فقراء القدس في الـ 600 سنة الأخيرة، في كل ارض المقبرة. المقبرة تم تدنيسها لعشرات السنين من قبل غزاة، لكن مؤخرا تم العثور على شواهد قبور تحت طريق ترابية في المقبرة. شركة كديشا قدمت دعوى لاخلاء الغزاة ومن قاموا بالتدنيس، وهي ستقدم دعاوى أخرى كلما كانت حاجة الى ذلك”.
وجاء أيضا ان “حقيقة وجود المقبرة هي حقيقة معروفة جيدا للعائلات العربية التي تعيش قربها. الكثير من الغزاة فهموا، بعد تقديم دعاوى ضدهم، ان الامر يتعلق بمقبرة يهودية قديمة، ووافقوا على عدم دخولها. هذه الموافقة لها قوة الحكم القضائي. لا توجد عائلة يهودية تعيش أو توقف السيارة في ارض المقبرة. وتعمل شركة كديشا حسب احكام الشريعة اليهودية المطبقة على كل المقابر اليهودية الأخرى.
——————————————
هآرتس 23/6/2026
محادثات سويسرا.. أفضل توقعات إيران وأسوأ كوابيس إسرائيل
بقلم: لليزا روزوفسكي
في القدس كان يعول الامل على فشل المحادثات. ولكن في موقع بورغنوستوغ الخلاب في سويسرا، تم بذل قصارى الجهود لانجاحها: كان التنظيم دقيق، تم الحفاظ على السرية، وقد تفاجأ المتابعون عن كثب بسرور باستعداد الدولتين – اللتان كانتا على خلاف لعقود، وربما كانتا حتى فترة قريبة تمثلان قطبين ايديولوجيين في العالم الحديث – للتعاون والعمل بجدية من اجل التوصل الى حل وسط.
لقد فاقت نتيجة هذا العمل المضني كل التوقعات من وجهة نظر ايران، وحققت أسوأ كوابيس إسرائيل. فقد اتفقت الدولتان على ان يكون لإيران رأي رسمي في كل ما يتعلق بالصراع بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. هل ذكرنا وحدة الساحات؟. الآن اصبح هذا موطيء قدم رسمي لإيران على الحدود الشمالية لإسرائيل، الى جانب اعتراف فعلي بشرعية حزب الله كشريك في الحوار.
حرص فريق التفاوض الإيراني على عدم إعطاء الولايات المتحدة والوسطاء الشعور بالرضى من الصورة المشتركة. في لحظة معينة عندما اطلق الرئيس ترامب كعادته تهديدات فارغة بلغة غير دبلوماسية، وسط تصريحات نائب الرئيس فانس التي وصفت بالود وحسن النية، الى جانب رؤساء وزراء دول الوساطة، خلقت ايران ازمة مفتعلة. ونشرت وسائل الاعلام الإيرانية، نيابة عن النظام، أن فريق التفاوض الإيراني انسحب من المفاوضات. في الواقع كان هذا مجرد توقف فني في المحادثات التي استمرت في ماراثون طويل حتى الفجر.
في ختام المحادثات رفيعة المستوى أصدرت قطر وباكستان بيان مشترك حددت فيه مسار استئناف المفاوضات في الشهرين القادمين. لم يتم ذكر ذلك بصراحة، لكن البيان ربط عمليا بين نقاط خلاف رئيسية، فتح مضيق هرمز ووقف القتال في لبنان. فيما يتعلق بهرمز جاء في البيان بان الطرفين سينشئان “قناة اتصال” بينهما لمدة ستين يوم (المدة التي تعهدت ايران خلالها بالسماح بالمرور عبر المضيق بدون رسوم، وفقا للبيان)، وذلك لمنع “سوء الفهم” وضمان فتح المضيق بالفعل. أما فيما يتعلق بلبنان فقد تقرر ان يقيم الطرفين “خلية لفض الاشتباك”، تضم حكومة لبنان، وتعمل بمساعدة قطر وباكستان. وتهدف هذه الخلية الى “ضمان وقف العمليات العسكرية في لبنان”.
بكلمات أخرى بسيطة، تعهدت ايران بإلابقاء على المضيق مفتوح طالما ينعم لبنان بسلام تام، على شاكلة السلام الذي ساد هناك أمس – بدون اطلاق أي صاروخ أو رصاصة واحدة، سواء من إسرائيل أو من حزب الله، وبدون أي غارات جوية إسرائيلية. اذا دقق المرء وأعاد قراءة النص فلا يسعه الا استنتاج ما يلي: ستتدخل قطر وباكستان، وخاصة ايران، بشكل مباشر، عبر بيانات رسمية فيما يحدث في جنوب لبنان. من حقها رسميا الحد من التحركات العسكرية الإسرائيلية، أو على الأقل المطالبة بتقييدها في اطار مفاوضات السلام مع الولايات المتحدة.
واذا كان شك لدى أي شخص حول طبيعة “خلية منع الاحتكاك”، فقد أوضح فانس بعد ظهر امس بانها آلية ستنشيء حوار مع حزب الله، وتهدف الى منع ما وصفه بـ “معضلة البيضة والدجاجة”: اندلاع صراعات مجهولة المصدر. وقد أوضح فانس باسلوبه المباشر المعروف ما قصده عندما قال: “اذا اطلق شخص له رتبة متدنية مسيرة بدون موافقة القيادة العليا، فمن الواضح انه على إسرائيل الرد. ولكن أحيانا قد يكون الوضع افضل وهاديء اكثر اذا ردت إسرائيل في سياق حوار يتم اجراءه بين حزب الله ولبنان وإسرائيل وشركاء المنطقة”.
من المهم التوقف للحظة والتامل في دلالة هذه الأمور: يكتسب حزب الله شرعية من الإدارة الامريكية كفاعل إقليمي يجب تنسيق معه الرد الإسرائيلي. وسيتم هذا التنسيق من خلال “حوار بين حزب الله وحكومة لبنان وإسرائيل وشركاء المنطقة”. من غير المؤكد ان يكون هدف فانس هو اجبار إسرائيل على حوار مباشر مع حزب الله. ولكن نائب الرئيس الأمريكي اعترف بالتنظيم كشريك شرعي في هذا الحوار، وسيتعين على إسرائيل اجرائه من خلال شكل من اشكال الوساطة (على الأرجح عبر وساطة قطر في المقام الأول). ويتوقع أيضا ان تتواصل إسرائيل مع حزب الله عبر حكومة لبنان، وربما بمساعدة رئيس البرلمان الشيعي نبيه بري المقرب من الحزب. وهناك دول أخرى مثل فرنسا، تعمل على تعزيز قنوات التواصل مع الحزب، وهي مستعدة لتقديم المساعدة.
مؤخرا، خاصة أمس، تم بذل محاولات إسرائيلية يائسة لاستعادة مكانتها. فالى جانب تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المتكررة بان إسرائيل ستبقى في “المنطقة الأمنية”، طالما ان ذلك ضروري، وتصريح وزير الدفاع يسرائيل كاتس بان الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من قلعة شقيف، صرح مصدر إسرائيلي للمراسلين امس بان إسرائيل يتوقع ان تنسحب بالفعل من مناطق “الخط الأصفر” المتحرك نفسه الذي رسمته في جنوب لبنان. مع ذلك، حسب المصدر الإسرائيلي الرسمي، فان هذا جزء من اتفاق بين إسرائيل وحكومة لبنان منذ بداية الشهر، يهدف الى انشاء “مناطق تجريبية” يمارس فيها الجيش اللبناني سيطرة حصرية، لكن تحت اشراف الإدارة الامريكية.
في الواقع من الواضح انه سيكون انسحاب. ويتوقع ان تتضح ابعاده في وقت لاحق من هذا الأسبوع بعد الجولة الخامسة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان على مستوى السفراء والمستوى الأمني في واشنطن. ولكن ما هو المعنى الحقيقي لهذه المحادثات في ظل “خلية منع الاحتكاك” التي أعلنت قطر وباكستان والولايات المتحدة عن انشائها، والتي اقرها الرئيس اللبناني جوزيف عون، بل وذكرها في بيان رسمي صباح أمس؟.
يبدو انه يوجد استنتاج واحد واضح وهو ان الذين تفاخروا بالرفض المتكرر لعروض لبنان – اجراء مفاوضات مباشرة، الى ان تم اجبارهم على ذلك عندما اعلن ترامب عن وقف اطلاق النار مع ايران في بداية شهر نيسان الماضي – وافقوا في نهاية شهر حزيران على ان تكون ايران على الحياد، وحزب الله كمحاور قسري.
——————————————
هآرتس 23/6/2026
بورقة لبنانية.. إيران تفرض نظاماً إقليمياً وترفع مستوى مكانتها
بقلم: تسفي برئيل
سيتم استئناف المحادثات اليوم في واشنطن بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني برعاية أمريكا ضمن اطار سياسي جديد. اطار فرضه على إسرائيل، ليس فقط الرئيس ترامب، بل أيضا “شريكتها” الجديدة ايران. وهكذا في حين تواصل إسرائيل التحدث بلغة الإنجازات العسكرية وتدمير بنية حزب الله التحتية، وعدد الإرهابيين الذين تم قتلهم، فان الترتيب الذي بدأ يتشكل في لبنان ستتم صياغته بلغة مختلفة، لغة الآليات والمفتشين والضمانات والتنسيق.
هذه لغة لم تعد إسرائيل فيها هي الكاتب الرئيسي، وربما ليس حتى الكاتب الثانوي. ان قرار انشاء “خلية خفض التصعيد” مثلا، الحل الإبداعي الذي انبثق على ضفاف بحيرة لوسيران لإنقاذ المفاوضات بين أمريكا وايران من شرك التوتر في لبنان، لم يعد مجرد اطار تقني يقتصر دوره على تثبيت وقف اطلاق النار ومنع تدهوره. فهذه الخلية ليست فقط غرفة عمليات، بل هي نموذج سياسي يعكس انتقال هاديء للسيادة، ليس سيادة على الأرض بل على السلطة. هذه “الخلية” ستحدد من الذي يراقب ويتوسط ويقدم الضمانات ويكتفي بدور الحصول على التحديثات. عندما تقدم ايران هذه الخلية كخطوة نحو دمجها في الترتيبات الأمنية الإقليمية، لا سيما في لبنان، فانها تشكل تحول تاريخي وانتقال من هامش “محور المقاومة” الى مركز الصدارة في الترتيبات الإقليمية.
هنا يكمن انجاز ايران. فليس فقط لان طهران تمكنت من العودة الى ساحة لبنان عبر القنوات الدبلوماسية، بل لانها تفعل ذلك من اعلى، من الجهة التي تضع القواعد. واذا تم التوصل الى تفاهمات حول الافراج عن الأصول المجمدة للايرانيين، واذا فتحت واشنطن بالفعل نافذة لتخفيف العقوبات المفروضة على قطاع النفط وقطاع البتروكيماويات، فان لبنان لم يعد مجرد ساحة صراع غير مباشر بين إسرائيل وايران، بل اصبح ورقة مساوة وعملة متداولة بين تجار السوق، واداة لتسوية النزاعات التي لا صلة لها به. وذلك لان ايران لم تعد تقدم نفسها كداعمة لحزب الله فقط، بل كجهة يمكنها الاسهام في الاستقرار الإقليمي، وفي المقابل، تطالب بالاعتراف وتحصل عليه، فتنتقل من وضع المشتبه فيه الدائم الى وضع المساهم.
الرسالة الأهم بالنسبة لإيران ليس ما حصلت عليه، بل ما لم تحصل عليه. ان تأكيد ايران في بيانها على ان إسرائيل ليست جزء من العملية، ليس هامش فقط. فقد صممت إسرائيل لسنوات على انها هي وحدها التي تفهم لبنان وتعرف كيفية التعامل معه وتفكيك معادلة حزب الله. الآن اصبح من الواضح ان النقاش حول الحل في لبنان يجري بشكل متزايد بدون مشاركتها. ما زالت إسرائيل تمتلك القوة النارية والقدرة على التهديد، لكن يبدو انها تستطيع مواصلة اطلاق النار بدون اتخاذ قرار. والاسوأ من ذلك هو ان الاطار الذي أنشئت بحسبه آلية المراقبة هذه، يعامل إسرائيل وحزب الله على قدم المساواة باعتبارهما منتهكين محتملين للاتفاق.
أما لبنان فهو الان في قبضة مزدوجة خانقة. فمن جهة، هناك كماشة أمريكية – إيرانية، وهي آلية تسعى الى استقرار وقف اطلاق النار ومنعد تمدده إقليميا وجعل جبهة لبنان جزء من اطار أوسع للاتفاق. ومن جهة أخرى، هناك كماشة أمريكية – إسرائيلية تطالب لبنان بنزع سلاح حزب الله، أو على الأقل ابعاده من الجنوب وتغيير قواعد اللعب على الحدود بالقوة. يطلب من لبنان القيام بمهمة شبه مستحيلة: ان يكون شريك في اتفاق يهدف الى الاستقرار، وفي نفس الوقت يمتثل لطلب منطقة الحسم، اظهار السيادة في حين يُعهد بسيادته للآخرين، لا سيما بفضل اسهام اسرائيل.
في خضم هذه المعضلة يعيد نبيه بري، رئيس البرلمان المخضرم ورئيس حركة امل الشيعية، لعب دوره المعهود: تحويل الجمود الى صيغة راسخة للرفض. ان اقتراحه تحديد الانسحاب حسب تقسيم المحافظات، بما يسمح للسكان بالعودة الى القرى المدمرة، ليس فقط اقتراح تقني، بل هو سبيل لاعادة مفردات الدولة الى لبنان: المحافظات، السكان، إعادة الاعمار، العودة الى الوطن. وذلك بدلا من اللغة العسكرية للاشرطة والمناطق العازلة والمساحات التجريبية. أيضا التزامه بانسحاب حزب الله من الجنوب على الفور بعد انسحاب إسرائيل لا يعتبر تعبير عن موقف لبناني حازم ضد الحزب، بل صيغة وساطة بري الكلاسيكية. ليس الهدف تفكيك حزب الله، بل إعادة صياغته ضمن اتفاق تدريجي.
لا يقدر بري للبنان سيادة كاملة، بل مسار محتمل للبقاء في ظل الصراع بين القوى. فهو لا يزيل التناقض، بل يديره. لذلك فان النقاش حول “المناطق التجريبية”، النبطة وقلعة شقيف، أو ربما الشريط بين صور والزهراني، كما اقترح لبنان ورفضت ذلك إسرائيل، يتجاوز بكثير الخلاف على خارطة. فهو نقاش حول الملكية السياسية التي ستحدد من الذي سيقرر نقطة البداية، ومن يحدد ما هي المنطقة الامنة، ومن يعطي الإشارة لعودة السكان، ومن يملي ترتيب الخطوات. ترفض إسرائيل ويقترح لبنان وتراجع واشنطن وتستفيد ايران من وجود هذا النموذج بالفعل. أحيانا تكون المشاركة في الآلية اهم من نتيجتها المباشرة.
هناك المزيد. فمع الافراج عن أموال ايران المجمدة، يتوقع ان تصبح ايران أيضا بنك يمول إعادة اعمار جنوب لبنان. ولبنان نفسه يحاول الخروج من هذا المازق دون السقوط فيه. الرئيس جوزيف عون يعمل على تعزيز الدولة والجيش اللبناني على امل تحويلهما الى قوة سيادية حقيقية في الجنوب، ويستمر بري في التوسط بين مصالح لبنان وضرورة تجنب المواجهة المباشرة مع حزب الله والضغوط الامريكية والتهديد الإسرائيلي. ويدرك الفاعلون اللبنانيون الآخرون جيدا ان الصيغة الوحيدة التي تملك فرصة للبقاء تحتاج الى جيش لبناني فعال ومنتشر وممول وله سلطة. هنا أيضا تكمن المفارقة. فمن اجل تعزيز الجيش اللبناني توجد حاجة الى وجود ترتيب مستقر، ولترسيخ هذا الترتيب المستقر سيضطر لبنان الى قبول حقيقة ان ايران تتحكم حاليا بشكل وثيق بمجريات الأمور.
المشهد السوري يضيف بعد جديد للصورة. قد يرغب ترامب في تجنيد سوريا في خطوة ضد حزب الله، لكن الرئيس احمد الشرع أوضح مجددا بان دمشق لن تاتي كقوة عسكرية، بل كوسيط محتمل. عندما يصرح بان سوريا لن تتدخل عسكريا، وعندما يظهر استعداده للجلوس مع حزب الله اذا كان هذا يخدم مصالح لبنان وسوريا، فانه يشير الى تحول استراتيجي آخر احدثته الازمة. من مرحلة يطلب فيها من كل طرف اختيار جانب عسكري، الى مرحلة يسعى فيها الجميع الى إيجاد دور له في الترتيب. حتى سوريا الآن تريد ان تكون مركز سياسي إقليمي، ليس مجرد منطقة نائية جغرافية، ملزمة بشكر ترامب على انعاشها.
في خضم كل ذلك تتجلى المشكلة الإسرائيلية بشكل متزايد في أشد صورها خطورة. ما زالت إسرائيل معتادة على الاعتقاد بان السيطرة على الأراضي والتفوق الجوي وحرية عملها، لها قيمة تراكمية تترجم في افضل الحالات الى نفوذ سياسي، وفي الحالات العادية الى عدم الحاجة الى أي ترتيب سياسي يقيد حرية عملها. مع ذلك، يثبت لبنان مرة أخرى، بطريقة كان يجب أن تكون درس دائما، ان هناك لحظة تنتقل فيها الحرب من ساحة المعركة الى غرف المفاوضات، ويكتشف الذين لم يكلفوا انفسهم عناء التواجد هناك بان الدبابات لا تجيد صياغة الاتفاقات. قد تكون إسرائيل قوية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الان هو: هل ما زالت ذات أهمية؟. في نهاية المطاف السؤال لا يقتصر على موعد بدء الانسحاب أو مكان تحديد “المناطق التجريبية” أو عدد الالوية التي سيتمكن الجيش اللبناني من نشرها في الجنوب. والسؤال الأهم هو: من الذي يحدد الان صورة لبنان ما بعد الحرب؟. وطالما ان الجواب يتارجح بين واشنطن وطهران فسيكون من الصعب على إسرائيل اقناع الآخرين بأنها هي التي تدير الجبهة.
——————————————
هآرتس 23/6/2026
ترامب المعني بالسلام نجح في فرض وقف اطلاق النار على إسرائيل في لبنان
بقلم: عاموس هرئيلِ
يبدو ان الإدارة الامريكية نجحت في الوقت الحالي في فرض وقف اطلاق النار في لبنان في هذه المرة، على الأقل بشكل مؤقت. فقد توقف الجيش الإسرائيلي وحزب الله عن المهاجمة المتبادلة في هذه المرحلة، وبدأ الجيش بالفعل في تقليص قواته في جنوب لبنان، وخففت قيادة الجبهة الداخلية تعليمات الدفاع عن المواطنين على طول الحدود مع لبنان.
وقد اصدر وزير الدفاع يسرائيل كاتس بيان أول امس جاء فيه “إسرائيل لا تنوي الانسحاب من قلعة الشقيف التي تعتبر جزء لا يتجزأ من المنطقة الأمنية، الضرورية لحماية مستوطنات الجليل وقوات الجيش الإسرائيلي. وقد اوضحنا أنا ورئيس الحكومة ذلك جليا: إسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنية”. وقال نتنياهو امس بان مقاتلي الجيش الإسرائيلي يتمتعون بحرية عمل كاملة “من اجل صد أي تهديد مباشر أو محتمل لسكان الشمال، ولا توجد أي قيود على الجيش الإسرائيلي بهذا الصدد”.
كعادتهما، لم يقدم نتنياهو وكاتس للجمهور صورة كاملة عن التطورات، بل هما يقومان بتضليله بشكل متعمد. في الواقع كانت الولايات المتحدة قد فرضت قيود على العمليات الهجومية في نهاية الأسبوع الماضي، بعد فترة قصيرة من الاحداث الثلاثة التي قتل فيها ستة جنود إسرائيليين في مرتفعات علي طاهر (التي تقع قلعة شقيف في جنوبها) في القطاع الأوسط. ولا يوجد حاليا أي توجيه امريكي لإسرائيل بسحب قواتها الى الحدود. عمليا، مع ذلك يطلب من القوات البرية التوقف عن اطلاق النار، الا في حالة وجود تهديد مباشر من حزب الله.
مؤخرا كشف الجيش الإسرائيلي عن منشأة تحت الأرض تابعة للحزب، كانت تستخدم لتصنيع المسيرات في قرية مجدل زون. ودعا الجيش المراسلين الإسرائيليين لزيارة المجمع. وقد كان ينوي تفجيره قبل يومين، وفي غضون ذلك تم وقف خطة التفجير بتوجيه من القيادة السياسية. وتركزت العمليات الهجومية، حتى تدخل الولايات المتحدة، على سلسلة من المجمعات المشابهة في نفس القطاع، الذي يقع مقر قيادة مركزية لقوة “بدر” التابعة لحزب الله المسؤولة عن المنطقة. وتشير التقارير الواردة من إسرائيل الى ان عشرات من مقاتلي حزب الله ما زالوا محاصرين هناك.
وتذكر التقارير الإعلامية حول هذا الموضوع، التي يتردد صداها بدون شك، بخطوتين اتخذتهما الحكومة في السابق. ففي ربيع العام 2024، بالتزامن مع احتلال رفح، وصف محور فيلادلفيا على الحدود مع مصر بأنه “حجر الزاوية لوجودنا”، وهي منطقة منع الانسحاب منها تحت أي ظرف، وذلك بحسب اتفاق ناقش في حينه اطلاق سراح جميع الرهائن. وقد تم اطلاق سراحهم أخيرا على مرحلتين، في كانون الثاني وتشرين الأول 2025، ولكن اكثر من أربعين منهم ماتوا في اسر حماس؛ هذا لم يمنع نتنياهو من التفاخر في الأسبوع الماضي والقول: “لقد قمت بإعادة كل الرهائن”. وبعد ذلك قبيل اعلان وقف اطلاق النار في غزة حدثت ازمة حول مجمعين آخرين لحماس في شرق الخط الأصفر، داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.
تحاول الحكومة الان اتباع مناورة مشابهة في لبنان. ففي الحوار المحدود مع الجمهور تخفي الحكومة الواقع الذي فرضه عليها الامريكيون، على امل ان تؤخر التطورات على الأرض تنفيذ تطبيق الاتفاق. في الوقت الحالي تبدو فرص تحقيق ذلك ضئيلة. فالرئيس الأمريكي ترامب يحرص على تحقيق الهدوء في لبنان بهدف الوصول الى الغاية الرئيسية، وهي التوصل الى ترتيب مستقر في الخليج، يسمح له بسحب قواته بسرعة من المنطقة والانسحاب منها بشكل نهائي.
مع مرور الوقت يرسخ استمرار سيطرة إسرائيل على مناطق في جنوب لبنان أنماط منتظمة من إقامة المزيد من المواقع العسكرية وتكثيف العمليات اللوجستية وتسيير القوافل. والسؤال المطروح هو هل إسرائيل مستعدة لذلك؟ والى أي درجة تعرض الجنود لاخطار مستقبلية؟ وقد أصبحت الصعوبة المستمرة في تطوير وسائل الدفاع والردع ضد خطر المسيرات التي تعمل بالالياف البصرية واضحة للعيان.
في غضون ذلك تحصل إسرائيل على انباء غير سارة أخرى. فقد أصدرت قطر وباكستان، الوسيطتان في الاتفاق بين الولايات المتحدة وايران، بيان مشترك امس في ختام اول لقاء تفاوض في سويسرا. وحسب البيان تم الاتفاق على انشاء خلية لمنع الاحتكاك العسكري في لبنان بهدف ضمان وقف العمليات العسكرية هناك حسب مذكرة التفاهم. يشير نص البيان الى ان إسرائيل لن تكون شريكة في الآلية الجديدة، الامر الذي يعني ان ترامب يسحب منها بدرجة كبيرة إدارة الازمات الناشئة في لبنان، بعد ان فرض قيود مشددة على نشاطات الجيش الإسرائيلي.
ما زال لبنان ساحة ثانوية بالنسبة للرئيس الأمريكي مقارنة مع ايران. والنبأ السار الوحيد في الميدانين هو الامل في انهاء القتال. ان استمرار الحرب في ظل الظروف الحالية لا يخدم إسرائيل، وسيؤدي بدون شك الى اضعاف ايران وحزب الله بشكل حقيقي. ولكن الترتيبات التي يتم العمل عليها قد تسمح لإيران وحلفاءها بإعادة بناء قوتهم العسكرية، في حين سيستمر ترامب، لاسباب خاصة، في التظاهر بان الأمور تسير على ما يرام. لا شك ان القوة العسكرية لطهران ضعفت، وان اقتصادها تضرر بشكل كبير بسبب قصف الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن ثقة النظام بنفسه تزداد، لا سيما في ضوء بنود الاتفاق. وستبدأ عملية إعادة الاعمار قريبا.
كتب توماس فريدمان، الكاتب المعروف في صحيفة “نيويورك تايمز”، في هذا الأسبوع بان ترامب “باع إسرائيل ودول الخليج من اجل الولايات المتأرجحة في الولايات المتحدة – بنسلفانيا وجورجيا وميتشيغان. كان ترامب يعرف ان التضخم في أسعار المواد الغذائية والوقود نتيجة الحرب هو وصفة لهزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني القادم. واذا فاز الحزب الديمقراطية بالأغلبية
في مجلس الشيوخ ومجلس النواب فسيواجه ترامب تحقيقات لا تنتهي حول كيفية استغلال رئاسته لتحقيق مكاسب شخصية له ولعائلته”. وحسب فريدمان فان ترامب بقراره توقيع مذكرة التفاهم “فعل ما يفعله دائما، التخلي عن كل مبدأ، التخلي عن شركائه ووضع مصالحه الشخصية فوق أي اعتبار”.
——————————————
إسرائيل اليوم 23/6/2026
لبنان والصراعات الإقليمية.. من هامش إلى فاعل إقليمي
بقلم: العميد تسفيكا حايموفيتش، قائد وحدة الدفاع الجوي في سلاح الجو سابقا
الاتفاق المبدئي الذي وقع الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وايران وضع بشكل واضح البنية التحتية للربط الذي عقدته ايران مع حزب الله ولبنان – وجعلت لبنان مفتاح الباب الرئيس لكل مفاوضات حالية وتسوية مستقبلية بين الطرفين.
لم يفاجيء أحدا سلوك ايران في يوم اللقاءات الأول من اصل 60 (المشكوك ان تكفي). ايران ضغطت، أصرت، بل ونجحت في تحقيق وقف النار في لبنان كشرط للتطبيع على اتفاق المبادئ. الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة والرئيس ترامب على إسرائيل في سياق لبنان وحزب الله يعود لطهران. فهم يستغلون جيدا الوضع كي يرفعوا الى الحد الأقصى مصالحهم، تعزيز المحور الشيعي وحفظ حزب الله. هم يحفظون لحزب الله دورا هاما في رؤية مستقبلية، وايران اثبتت منذ الان بانها تركض الى مسافات بعيدة.
توجد إسرائيل بين المطرقة والسندان – بين الحلف والالتزام بالولايات المتحدة وبين مصلحة الامن القومي. هنا يكمن اللغم – لا يوجد حقا وقف نار في لبنان. حزب الله يطلق ويهاجم كل يوم قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة الفاصلة (من ناحية ايران وحزب الله في اتفاق المبادئ يلزم بانسحاب إسرائيلي)، فيما أن إسرائيل تستولي من ناحيتها على الأرض لاعتبارات امنية مبررة. إسرائيل مقيدة جدا بقدرتها على الرد وهكذا البقاء في المنطقة الفاصلة، تصبح مهمة شبه متعذرة للجيش الذي يصبح عرضة للإصابة اكثر فأكثر.
تسريع المفاوضات مع لبنان
كيف نغير الوضع؟ صندوق الأدوات الإسرائيلي محدود في الإمكانيات. بفرض أن عمل مباشر الان ضد تعليمات الرئيس ترامب (رد عدواني) ليس البديل المفضل في هذه النقطة الزمنية، فان لدى إسرائيل بضعة طرق عمل محدودة. طريق ثاني هو تسريع المفاوضات مع حكومة لبنان حتى الوصول السريع الى اتفاقات تؤدي الى اعمال عسكرية حقيقية في جنوب لبنان. يدور الحديث عن خطوة يمكنها أن تحقق واحدا من اثنين: حرف “النار” من الجيش الإسرائيلي الى الجيش اللبناني (خطر في عدم استقرار داخلي يؤثر سلبا على إسرائيل) او حكومة لبنان تنجح، في خطوة تستمر لزمن ما، في اضعاف حزب الله جدا في الدولة.
طريق عمل محتمل آخر هو مواصلة الحفاظ على المنطقة الفاصلة في جنوب لبنان بموافقة الولايات المتحدة وحكومة لبنان وعدم إعادة الأراضي للجيش اللبناني الا عندما يكون مستعدا لذلك، في ظل الوصول الى تفاهمات على مجال رد معقول يسمح بحماية هجومية وفاعلة.
الامكانية الثالثة – انسحاب من المنطقة الفاصلة في ظل عدم التوافق بين إسرائيل والولايات المتحدة، يترك قوات الجيش الى قدرة رد هامة – هو مثابة ضرر اكثر من منفعة.
ايران ستواصل استخدام لبنان كورقة مساومة في المفاوضات، وستحاول على الأقل توتير الأمريكيين حتى اقصى حد، مع رغبة في الرد لاستفزاز عسكري من جهتها على “خرق إسرائيل”، عمل سيؤدي على أي حال الى تفجير المفاوضات. كل تسوية إقليمية سيتعين عليها ان تتصدى لمسائل سيادة الدولة اللبناني ومكانة حزب الله.
ان نجاح لبنان في أن يعزز أو يقلل تعلقه بصراعات إقليمية كفيل بان يحوله من جهة هامشية الى جهة باعثة على الاستقرار. اليوم اكثر من أي وقت مضى هذه مصلحة إسرائيلية وفي أيدينا ان نفعل غير قليل كي يتحقق هذا بالفعل.
——————————————
يديعوت احرونوت 23/6/2026
إسرائيل لا تحظى بأي دعم في الكونغرس، والرأي العام الأمريكي يعارضها
بقلم: بن درور يميني
ليست هذه الأزمة الأولى بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، فقد مررنا بمثلها من قبل. ففي عام 1975، كانت أزمة “إعادة التقييم” التي أعقبت غضب الإدارة الأمريكية من فشل المحادثات بين إسرائيل ومصر. وبأمر من الرئيس جيرالد فورد، أوقفت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية وجمدت شحنات الأسلحة. وشهدت العقود اللاحقة العديد من الأزمات الأخرى. ولعلّ أخطرها كانت أزمة عام 2015، على خلفية الصراع حول الملف النووي الإيراني، وإصرار نتنياهو على التحدث في الكونغرس، الأمر الذي أثار استياء الرئيس أوباما وأعضاء الحزب الديمقراطي.
لكن الظروف كانت مختلفة تمامًا. في عام 1975، وقّع 76 سيناتورًا رسالة دعم لإسرائيل، معارضين اتهامها بفشل المفاوضات، ومطالبين بتجديد المساعدات الأمنية والدبلوماسية. وقد أثمر هذا الضغط. انتهت “إعادة التقييم”. وكان جو بايدن من بين الموقعين. وفي عام 2015، وقّع 83 سيناتورًا رسالةً إلى أوباما، أوضحوا فيها: “نحن على استعداد لدعم اتفاقية طويلة الأمد من شأنها زيادة المساعدات بشكل كبير، وتزويد إسرائيل بالموارد التي تحتاجها للدفاع عن نفسها والحفاظ على تفوقها العسكري النوعي”. كلمات تشجيع.
لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة من قبل، لقال البعض: “إذن فالوضع ليس سيئًا للغاية. لقد تجاوزنا الأزمات آنذاك بدعم هائل من الكونغرس. لذا سنتجاوز هذه المرة أيضًا”. لكن لا. نحن في وضع مختلف تمامًا. هذه المرة مختلفة. ففي جميع الأزمات السابقة، كان الرأي العام متعاطفًا مع إسرائيل. وكان الدعم في الكونغرس من الحزبين، نتيجةً لهذا الرأي العام. لكن الوضع لم يعد كذلك. في العقد الماضي، تغير الرأي العام جذرياً، ويعود ذلك جزئياً إلى الاستثمارات الضخمة من قطر، وإلى الروح التقدمية التي سيطرت على الأوساط الأكاديمية. فمنذ السابع من أكتوبر، وباستثناء أسابيع قليلة، لم تعد إسرائيل تحظى بشعبية لدى العامة. لقد بدأ الانهيار بالفعل، ونحن في خضم تحول جذري. كانت الإدارة المعادية لإسرائيل هي التي تصطدم برأي عام متعاطف معها، أما اليوم فهي إدارة متعاطفة مع إسرائيل ورأي عام معادٍ لها.
لكن هذا كان صحيحاً حتى قبل أسبوعين. فمنذ ان انقلب بترامب، أصبحت إسرائيل في وضع مختلف تماماً. لم يعد هناك من يدافع عنها في الكونغرس، ولن تُرسل إليها رسائل بعد الآن، ولا يوجد رأي عام متعاطف معها. صحيح أن ترامب يتعرض حالياً لانتقادات حادة بسبب اتفاق الاستسلام مع إيران، لكن هذه الانتقادات لا تصب في مصلحة إسرائيل، بل هي انتقادات تتمحور حول سؤال واحد: إذا كانت النتيجة هي الاستسلام، فلماذا خضتم الحرب من الأساس؟ هذا نقدٌ يُوجّه، في معظمه، اتهاماتٍ لنتنياهو بجرّ ترامب إلى الحرب.
إذن، المشكلة ليست في إدارةٍ تنتقد إسرائيل، أو حتى في إدارةٍ معادية. المشكلة تكمن في التراجع المُخيف في مكانة إسرائيل. السياسي الذي يتوخى الحذر في الولايات المتحدة، سيتخلى عن إسرائيل. العلاقة مع لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، والتي تعني تلقّي مساعداتٍ من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، هي مثابة ارتدادٍ على صاحبها. عبءٌ يجب التخلص منه، والاعتذار أحيانًا عن تلقّي المساعدات في الماضي. كان ذلك في الماضي مدعاةً للفخر. أما اليوم، فهو وصمة عار.
دعونا لا نُلقي باللوم على الأمريكيين. وليس فقط على قطر والموجة التقدمية. ودعونا لا نقول معاداة السامية، ليس لأن معاداة السامية غير موجودة. إنها موجودة، وهناك الكثير منها. إذا أردنا التغيير، وهو أمر لا بد منه، فعلينا أن نُراجع أنفسنا. خطأنا. خطيئتنا. خيانتنا. عندما يتحدث الوزراء عن هدم القرى الفلسطينية، فإنهم بذلك يُقوّضون الدعم الأمريكي لإسرائيل. عندما يثور اليهود على المزارعين الفلسطينيين الأبرياء، فإنهم بذلك يخدمون كارهي إسرائيل. عندما لا يُعتقل هؤلاء المُثيرون للشغب، وكأن الأمر بديهي، ويتلقون دعمًا مباشرًا أو غير مباشر من الوزراء، فإن الأمريكيين، يهودًا وغير يهود، يُفضّلون الابتعاد عنا. عندما يُثار الحديث عن الاستيطان في قطاع غزة و/أو في جنوب لبنان، ينظرون إلينا ويتأكدون من أننا قد انحرفنا عن المسار الصحيح. عندما يُدمّر جندي تمثالًا للسيد المسيح، فإن هذه لم تعد الدولة التي دعموها. وعندما تُقيم إسرائيل بؤرًا استيطانية لا حصر لها، فإن الأمريكيين متأكدون من أن هذه لم تعد الدولة الساعية للسلام التي دعموها في السابق.
نحاول هنا وهناك أن نُوضّح: هؤلاء هم الهامشيون. هذه ليست إسرائيل. حتى المستوطنون يتجاهلون هؤلاء المُثيرين للشغب. كان هذا يُجدي نفعًا في الماضي. أما اليوم، في حكومة يهيمن فيها بن غفير وسموتريتش، وهما الوزيران الأكثر حدةً وتأثيرًا، فلم يعد هذا التفسير مقبولًا. وعندما يعجز رئيس الوزراء عن التنكر منهما يتفاقم الضرر.
لا تملك إسرائيل تريليونات قطر، ولا تستطيع مواجهة المدرسة التي تصورها كدولة استعمارية. لكن بإمكان إسرائيل تغيير مسارها، بل يجب عليها ذلك. ليس هذا مجرد واجب أخلاقي، بل واجب وطني وصهيوني. مع كامل الاحترام للدعاية الإسرائيلية، وهو أمرٌ جديرٌ بالاحترام، ثمة حاجةٌ أولًا وقبل كل شيء إلى سياسة. سياسةٌ تعيد إسرائيل إلى أسرة الأمم. سياسةٌ نستطيع من خلالها أن نقول، على الأقل لمن يرغب في السماع، إن التحالف لا يقوم على المصالح فحسب، بل على القيم المشتركة أيضًا. لا فرصة لحدوث ذلك في حكومة بن غفير وسموتريتش وغولدكنوبف. هناك احتمالٌ لحدوثه، وسيكون صعبًا، في حكومة وطنية صهيونية.
——————————————
يديعوت أحرونوت 2386/2026
محلل صهيوني: “إسرائيل” تُدفع نحو تهديد وجودي
بقلم: عكيفا لام
أعرب المحلل السياسي عكيفا لام، في صحيفة “يديعوت أحرونوت” (المطبوعة)، عن خيبة أمله من نتائج الحرب التي شنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان، ورأى أن إيران استطاعت في هذه الحرب أن تشل “إسرائيل” عسكريًا وسياسيًا.
هذا؛ وكتب عكيفا لام: “صباح يوم أمس الاثنين، كان ابني سعيدًا عندما سمع أنه رغم التهديدات القادمة من طهران، فإن رحلته المدرسية السنوية ستُقام كما هو مخطط لها. بعد خيبة الأمل المريرة الناتجة عن تأجيل الرحلة السابقة، والتي تحولت إلى جولة خاطفة من عملية “زئير الأسد”، كان هذا الشعور مفهومًا. عندما رأيت الفرحة على وجهه، لم أستطع إلا أن أشعر بوخزة في القلب. الهدوء الذي نعيشه اليوم من المرجح جدًا أن يتحول إلى ضجيج يصم الآذان في المستقبل. هذا هو الدرس الأكثر إيلامًا الذي تعلمناه من السابع من أكتوبر. بالفعل، كلما اتضحت تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، أصبح من الصعب عدم الشعور بأننا نحن من سيدفع ثمن الإرهاق الأميركي من الحروب”.
أضاف: “في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ظل الانتقادات الموجهة للاتفاق، عرض صورة انتصار قائلًا: “لقد أقمنا أحزمة أمنية عميقة حول دولة إسرائيل”. لكنه اعترف في مقابلة مع شبكة CBS قائلًا: “ما تزال هناك أذرع تدعمها إيران/ لقد ألحقنا بها أضرارًا كبيرة، لكن كل ذلك لا يزال قائمًا، وما يزال هناك عمل ينبغي القيام به”. النجاح العسكري يخفي نجاح الاستراتيجية الإيرانية”.
وتابع عكيفا لام: “في درس مؤلم من الحرب الطويلة مع العراق، أبعدت طهران الحرب عن أراضيها ونسجت حول “إسرائيل” حلقة خنق من جيوش الوكلاء. لقد أجبرت حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله “إسرائيل” على القتال في ثلاث جبهات في وقت واحد. بمعجزة ما، فإن وضعنا العسكري اليوم أفضل مما كان عليه في السادس من أكتوبر، لكن “الإمّعة” الذين ماتوا من أجل طهران استُبدلوا بوكيل جديد”.
وأردف: “إذا كانت التنظيمات “الإرهابية” (المقاومة) في الماضي تتطلع إلى طهران بحثًا عن الموارد، فإن واشنطن تخدم الآن مصالح طهران، حتى وإن لم يكن ذلك عن قصد. إذ بدلًا من شلّ “إسرائيل” عسكريًا، إيران شلّتها سياسيًا. إن قواعد الاشتباك في غزة ولبنان تذكّر بأيام قادت إلى أيام مظلمة. العزلة السياسية في مواجهة عدو يدعو إلى تدميرنا، ويطوّر قنبلة نووية، ويحافظ على حلقة خنق حولنا، ليست عقبة تكتيكية، هي تهديد وجودي واضح”.
في مفارقة تاريخية بحسب عكيفا لام: “تعمل الولايات المتحدة وكيلًا فعليًا لإيران. سواء كان ذلك نتيجة الإرهاق من الحروب، أم بسبب حسابات اقتصادية بحتة تتعلق بإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، أم لأن دولة تستضيف كأس العالم لا تستطيع أن تسمح لنفسها بحرب إقليمية في الوقت نفسه. إذا كانت إيران، في الماضي، تستخدم التنظيمات “الإرهابية” لمنع “إسرائيل” من مهاجمتها في طهران، فإنها تستخدم الولايات المتحدة الآن لتحقيق الهدف نفسه. إن المطالبة بانسحاب “إسرائيلي” من لبنان ورفض عرض تفاصيل الاتفاق على القدس يكشفان عمق الشرخ”.
يتابع الكاتب: “ترامب من عشاق المصارعة (WWE) المتحمسين. وكان هناك في الماضي مصارع يدعى إيدي غيريرو، وكان شعاره: “أنا أكذب، أنا أخدع، أنا أسرق”. ربما من دون قصد، هذه هي المقاربة التي تقود ترامب في اتصالاته مع إيران: إخفاء تفاصيل الاتفاق عن القدس وإرسال إشارات متناقضة بشأن لبنان، وإعلانات النصر قبل توقيع أي شيء. يمكن لإيران أن تجلس جانبًا وتدع إيدي غيريرو واشنطن يقوم بالعمل نيابة عنها”.
كما رأى المحلل “الإسرائيلي” أنها: “ليست المرة الأولى التي نقف فيها أمام تخلٍّ أميركي. عندما هدد بايدن بوقف شحنات الأسلحة، صرح نتنياهو: “إذا اضطررنا لذلك؛ سنقاتل بأظافرنا”. لكن حتى آنذاك واصلت الولايات المتحدة تزويد “إسرائيل” بمعظم الأسلحة التي احتاجت إليها. أما هذه المرة؛ فالوضع مختلف جوهريًا: حماس لم تهدد الوجود المادي لـ”إسرائيل”، أما إيران فتفعل ذلك. المفارقة المريرة هي أن ترامب، في محاولته منع إيران من الاندفاع نحو حرب نووية، قد يدفع “إسرائيل” إلى إشعال واحدة”.
خلص الكاتب إلى القول: “قد تجد “إسرائيل” نفسها مضطرة إلى الاعتماد على كل وسيلة متاحة لها، بما فيها أسلحة غير تقليدية، إذا كانت تملك القدرة على الوصول إليها، ضد من يهدد بتدميرها. ذلك ببساطة؛ لأن المصلحتين الأميركية “الإسرائيلية” لم تعودا، هذه المرة، متطابقتين”.
—————-انتهت النشرة—————–

