| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 30/6/2026،
الحكومة تدفن حل الدولتين في خطوة منهاجية ومخطط
بقلم: متان غولان
“اليوم نضع الحقائق التاريخية على ارض الواقع. يتم محو الدولة الفلسطينية عن الطاولة، ليس بالشعارات، بل بالافعال. كل مستوطنة، كل حي، كل وحدة سكنية، هي مسمار آخر في نعش هذه الفكرة الخطيرة”، هذا ما قاله الوزير بتسلئيل سموتريتش في آب السنة الماضية عند الموافقة على خطة “إي1”. واضاف: “هذه خطوة مهمة تمحو عمليا وهم الدولتين”.
حصلت الموافقة على الخطة التي كان من المفروض ان تفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، التي تاخرت لسنوات بسبب الضغوط الدولية، على اهتمام الرأي العام في العالم وفي اسرائيل. ولكن بعيدا عن عيون الاعلام، وخلال سنوات الحكومة الحالية، تم اتخاذ خطوة اوسع نطاقا، تغلق بالتدريج الباب امام امكانية ما زال كثيرون في الراي العام الاسرائيلي يؤمنون بها، وهي الانفصال الجغرافي عن الفلسطينيين. يتم ذلك من خلال الموافقة على ليس اقل من 103 مستوطنات، وهو حدث استراتيجي يغير خارطة الضفة الغربية.
منذ العام 1967 وحتى تشكيل الحكومة الحالية اقامت اسرائيل 127 مستوطنة في الضفة الغربية ووقامت تسويتها، ولكن منذ بداية الولاية الاخيرة تضاعف عددها تقريبا، على الاقل نظريا. والى جانبها هناك اكثر من 300 بؤرة استيطانية قيد التسوية، اقيم اكثر من نصفها خلال الحرب. وقد اشار وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، مؤخرا الى خطوة تقترب من تسوية تقريبا 140 بؤرة منها.
نتيجة لذلك يوجد حاليا في كل ارجاء الضفة الغربية اكثر من 470 بؤرة استيطانية مصممة لمحو أي فرصة لاقامة الدولة الفلسطينية. وقد عبر سموتريتش عن ذلك بطرق مختلفة، بما في ذلك فيلم فيديو نشره في الشبكات الاجتماعية في كانون الثاني الماضي، وقام باهدائه للرئيس الفرنسي، وقال فيه: “هكذا يتم دفن الفكرة الفلسطينية”. وهو يحصل على الدعم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في هذه المسألة، الذي اوضح في ايلول الماضي بأنه “لن تتم اقامة الدولة الفلسطينية”.
وقد قالت حجيت عوفران، من طاقم مراقبة الاستيطان في حركة “السلام الان”: “هذا انقلاب حقيقي يحدث في الخفاء. لم تعد الضفة الغربية مثلما كانت قبل ثلاث سنوات. تحدث هنا امور خطيرة جدا – الموافقة على مستوطنات جديدة، الانسحاب من اتفاق اوسلو الى واقع الضم الفعلي، ضخ اموال كثيرة في البنى التحتية والشوارع، انهيار السلطة الفلسطينية، الاستيلاء على مزارع تمتد على مليون دونم، عمليات طرد مشتركة بين الجيش الاسرائيلي والمستوطنين – ولا يوجد أي نقاش عام حولها على الاطلاق”.
وحسب عوفران فان هذا ينذر بانفجار قريب. “ستلقي المستوطنات الجديدة عبء كبير على المؤسسة الامنية، التي لم تقتصر مهمتها على تأمينها فقط، بل ستضطر ايضا الى التعامل مع آثارها – غياب أي افق سياسي، ازدياد الضغط على الفلسطينيين ويأسهم، في حين يضعف ذلك الموقف السياسي لاسرائيل”. يتفق معها في هذا الموقف معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل ابيب، الذي نشر مؤخرا وثيقة تشير الى ان التحول السياسي والايديولوجي الذي يحدث في الضفة الغربية، والمستوطنات الجديدة التي تشكل جوهره، يعتبر خطر امني وسياسي كبير جدا على دولة اسرائيل.
كل ذلك يكلف اموال طائلة. فحسب معطيات حركة “السلام الان”، استثمرت الحكومة الحالية ليس اقل من 19.8 مليار شيكل في تطوير المستوطنات والبنى التحتية. وبالطبع، هذا المبلغ لا يشمل الزيادة المتوقعة على ميزانية الدفاع، اذا ما استدعى حجم التحدي، مثلما قال اللواء آفي بلوط قائد قيادة المنطقة الوسطى مؤخرا، انشاء فرقة جديدة. وتقول عوفران: “يجب أن يعرف الجمهور بان الاموال المخصصة لتطوير البلاد اصبحت اقل، لاننا ننشغل في الدفاع عن كل المناطق خارج الحدود وداخل المناطق الفلسطينية”.
ويظهر تحليل البيانات المتعلقة بالمستوطنات الـ 103 التي تمت الموافقة عليها، عملية مخطط لها بدقة، ويشمل هذا ظواهر تجنبتها اسرائيل لعقود، وظواهر جديدة مثل شرعنة مستوطنات في مناطق التدريب، تسوية وضع البؤر الاستيطانية التي شاركت في طرد التجمعات الفلسطينية، ولكن قبل أي شيء آخر، يكشف ذلك عن هدف واضح وهو ان المستوطنات الجديدة، التي يتوقع اقامة بعضها في مناطق لم تشاهد وجود اسرائيلي أبدا، تهدف الى تمزيق النسيج الفلسطينية في الضفة الغربية.
في حين يصمم سموتريتش على وصف ذلك بانه “ثورة”، يبدو ان الراي العام في اسرائيل الذي خرج باعداد كبيرة للتظاهر من اجل الطابع الديمقراطي واليهودي لاسرائيل، يتجاهل ما يحدث، رغم الصلة الواضحة بين افشال حل الدولتين وطبيعة الدولة. لقد تمكنت ظاهرة الارهاب اليهودي من التسلل الى وسائل الاعلام الرسمية، لكنها ليست الا غيض من فيض تحرك اوسع بكثير لضم الضفة الغربية بالسر. ولا يقود هذا التحرك مستوطنون محليون، أو رؤساء بؤر استيطانية، بل الحكومة الاسرائيلية. وحسب خبراء في الاكاديميا وفي منظمات المجتمع المدني قد يكون هذا الامر قد اصبح غير قابل للتراجع. ولم يعد هذا الضم واقع فقط، بل اصبح ايضا حق قانوني.
هوس الموافقة
لقد كانت اهم خطوة في ثورة الضم هي الخطوة التي تم التوقيع عليها في اتفاقات الائتلاف، تعيين سموتريتش كوزير مساعد في وزارة الدفاع، وانشاء ادارة التوطين التي تولت السلطات المدنية في المناطق ج من الادارة المدنية. هكذا، اصبح سموتريتش هو الجهة المسؤولية عن ادارة عمل الجيش في مجال الاراضي والتنظيم والتخطيط والتنفيذ، والتشريع في المجالات المدنية من خلال الاوامر العسكرية وما شابه. ايضا نقلت الاستشارات القانونية في هذه المسائل من المستشار القانوني العسكري، الذي يلتزم بالقانون الدولي، الى المدعي العام في وزارة الدفاع.
في العام 2023 تم اتخاذ خطوات متكاملة. ففي شهر شباط فوضت الحكومة الكابنت بمناقشة انشاء المستوطنات وتنظيمها بالنيابة عنها، وفي شهر حزيران اقر تعديل اختصر اجراءات الحصول على رخص البناء في المستوطنات، ونقل صلاحيات اصدار هذه الرخص من وزير الدفاع الى سموتريتش. ونتج عن ذلك تسارع كبير في وتيرة تشجيع البناء في الضفة الغربية من جهة، وتسريع الموافقة على المستوطنات فيها من جهة اخرى. وحسب بيانات حركة “السلام الان” فانه في نهاية 2025 تمت الموافقة على اكثر من 40 ألف وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية – سموتريتش اعلن في هذا الشهر بان العدد بلغ 60 الف وحدة سكنية – اضافة الى اقامة 103 مستوطنات. بالمقارنة، لم تتم الموافقة الا على 6 مستوطنات فقط في العقد الذي سبق ولاية الحكومة الحالية.
بين شباط 2023 وآذار 2025 اجتمع الكابنت ثلاث مرات وصادق على 28 مستوطنة، كلها اما بؤر استيطانية قائمة أو “احياء” معزولة عن الكتل الاستيطانية القائمة. ولكن منذ أيار 2025 ازداد هذا التوجه، سواء من حيث عدد المستوطنات المعتمدة – 74 مستوطنة في اقل من سنة – أو من حيث موقعها. وفي شهر آذار الماضي صادق الكابنت على بناء 34 مستوطنة جديدة، بما في ذلك على اراضي فلسطينية خاصة، وفي مناطق كانت توصف بأنها مناطق تدريب، وفي مواقع معزولة بين التجمعات الفلسطينية. وفي نفس الاجتماع حذر رئيس الاركان من ان هذه ااخطوة تتعارض مع احتياجات الجيش الاسرائيلي من القوة العاملة. في المقابل، انتقد الائتلاف تصريحاته.
تشمل الـ 103 مستوطنات المصادق عليها 48 بؤرة استيطانية و24 توسع أو انفصال عن مستوطنات قائمة و31 مستوطنة جديدة، بينها 4 مستوطنات تم اخلاءها في عملية “الانفصال”. مع ذلك فان البارز في تحليل البيانات هو المنطق المكاني الذي يواجه المصادقات. فالى جانب تكثيف التجمعات الاستيطانية القائمة، مثلما هي الحال في شيلو وتلمونيم، يمكن ملاحظة توجه نحو تكثيف نقاط الاستيطان على طول طرق المناطق ج وفي مواقع معزولة، الامر الذي يقسم المناطق التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية ويمنع تواصلها.
تخدم هذه الخطوة الاخيرة رؤية سموتريتش المباشرة لـ “خطة الحسم والسيادة” التي تهدف الى اقامة كانتونات فلسطينية منفصلة واغلاق الباب امام طموحات الفلسطينيين الوطنية. في شهر ايلول الماضي اوضح سموتريتش أن حق التصويت الوحيد الذي سيعطى لهم سيكون في الانتخابات البلدية في هذه الكانتونات، حيث ستتم ادارتهم منها، وليس لـ “برلمان له سيادة”.
وحسب عوفران فان هذه ليست رؤية مستقبلية. “الوضع في الضفة الغربية الان هو انه يوجد للاسرائيليين حقوق، في حين يتم حرمان الفلسطينيين منها. وليس بالصدفة أن يصفه العالم بالفصل العنصري”، قالت. ان كثافة المستوطنات في المناطق الفلسطينية وانهيار السلطة الفلسطينية، هو خطوة حاسمة تمنع التوصل الى حل سياسي ودي. لماذا؟ لان ذلك يحتاج وجود كيان يمكن التوصل معه الى حل وسط. لا يمكن بناء كيان فلسطيني واقتصاد فلسطيني في ظل وجود مئات النقاط على اراضيه تحت سيطرة دولة اخرى، بما في ذلك الطرق المحيطة لها. ببساطة، هذا امر غير ممكن.
عوفران تضيف: “تأملوا ايضا في الرسالة التي توجهها اسرائيل للشعب الفلسطيني. نحن نوضح لهم بانه لا فائدة من محاولة حل الصراع بشكل سلمي، بل ندفعهم نحو حلول متطرفة وعنيفة. سموتريتش يعرف ان اضعاف السلطة يقوي حماس”. لقد قال بصراحة “حماس ذخر لنا”.
بالنسبة لكثير من الاسرائيليين الذين يعرفون انفسهم بانهم ليبراليين، تعتبر خطة سموتريتش للسيادة وتقسيم الاراضي فكرة متطرفة و”وهمية”. ولكن هذا هو الواقع على الارض بدرجة كبيرة. فرغم وجود كيان وطني فلسطيني يتمثل بالسلطة الفلسطينية، الا ان الخطة تهدف الى التخلص منه ايضا. ففي ايلول الماضي، بعد ان اوضح نتنياهو بانه لن يفرض السيادة في الضفة الغربية، صرح وزير المالية بانه سيستخدم كل الطرق المتاحة له لاسقاط السلطة الفلسطينية المتهاوية ايضا، بما في ذلك نظامها الصحي. وتقول عوفران: “في الواقع تسيطر اسرائيل بالفعل على كل الضفة الغربية. وقد اصبحت السلطة الفلسطينية فقط جهة متعاقدة من الباطن تتولى تنظيف القمامة ودفع رواتب المعلمين”.
ويرز التخطيط المكاني الذي يحدد هذه الخطوة بشكل خاص في المجلس الاقليمي السامرة، حيث تمت الموافقة على بناء 28 مستوطنة، 12 منها جديدة، وبعضها في مناطق لم تشاهد وجود اسرائيلي من قبل. 19 من بينها توجد في شمال الضفة الغربية، حيث تقع اكبر منطقة متصلة من المناطق أ في المنطقة، مقسمة بقسمين من المناطق ج، التي كانت تخضع لقانون الانفصال حتى العام 2023، وتم منع الاسرائيليين من الدخول اليها. تشمل المستوطنات التي تمت المصادقة عليها في المنطقة الاربع مستوطنات التي اخليت في عملية الانفصال، اضافة الى نقاط جديدة، جميعها على اراضي تحيط أو تقطع المناطق الفلسطينية المتصلة. وللتنقل بينها يجب على المستوطنين العبور في المناطق أ، من اجل تجنب الالتفاف للوصول الى الاراضي الاسرائيلية السيادية والعودة الى الضفة الغربية عبر نقطة تفتيش اخرى. بكلمات اخرى، هذا يعني مزيد من التآكل لاتفاق اوسلو.
ينعكس هذا الهدف في مناطق اخرى في الضفة الغربية. ففي تلال الخليل الغربية تمت الموافقة على ثلاث مستوطنات جديدة، اثنتان على جزء ضيق من مناطق ج يعيش فيه فلسطينيون. اليوم تقع مستوطنة نيغوت المعزولة فقط في المنطقة، والتي يمكن الوصول اليها من الغرب من خلال نقطة تفتيش تخدمها فقط. ولكن المستوطنات الاضافة ستنشيء منطقة متصلة تتطلب شق شوارع جديدة، ستؤدي الى تفكيك المنطقة الفلسطينية المتاخمة وعزل القرى القريبة من الجدار في المناطق ب واغلاقها من الغرب بتواصل مناطق أ، الموجودة بين الظاهرية والخليل. هنا ايضا تسير العملية بسرعة كبيرة، وقد بدأت اعمال اعداد الارض في هذا الشهر. وبالمثل، شرق افرات يتم التخطيط لاقامة مستوطنة معاليه عروغوت، بين ثلاث قرى فلسطينية، بحيث تكون نقطة تربط بين تجمعات المستوطنات في منطقة غرب غوش عصيون وشرقها، التي تفصل بينها الآن منطقة فلسطينية متواصلة.
في اماكن اخرى تعمل المستوطنات التي تمت المصادقة عليها على اغلاق المساحات الفلسطينية لمنع أي تطوير في المستقبل. ففي محيط مدينة اريحا وقرية العوجا المجاورة، اللتان تربطهما المناطق المتصلة أ، تمت المصادقة على اربع مستوطنات جديدة ستزيد الحصار المفروض على الفلسطينيين. واحدة منها هي مستوطنة اليشع التي ستقام بين احياء فلسطينية على مشارف اريحا، على بعد عشرات الأمتار عن البيوت المبنية على اراضي فلسطينية خاصة خاضعة للتنظيم في المناطق ج.
في غرب في رام الله تمت المصادقة على اقامة مستوطنات في قسمين منفصلين، الامر الذي ادى انشاء امتداد متواصل حتى الجدار الفاصل والخط الاخضر، بطريقة تطمس فيها الحدود: ثلاث مستوطنات بين بيت حورون ومفو حورون، وخمس مستوطنات بين غوش تلمونيم في الشرق ونعلين في الغرب. في احتفال افتتاح مستوطنة معوز تسور، التي اقيمت على اراضي كانت مصنفة كاراضي خاصة ضمن منطقة تدريب، قال الامين العام لمنظمة “أمانة”، زئيف حيفر (زمبيش)، ان هذا حلم اصبح حقيقة: “نحن نضيق الفجوة بين موديعين وبيت حورون، وفي الاشهر القادمة، بعون الله، سنربطها ايضا بغوش تلمونيم ودولب”. ويجري طمس الخط الاخضر في مناطق اخرى، بما في ذلك انشاء نقاط استيطانية على طول الجدار.
هدية على الطرد
يكشف تحليل بيانات المستوطنات عن ظواهر شوهد بعضها من قبل، لكن اسرائيل تجنبتها لعقود مثل انشاء سبع مستوطنات على اراضي كانت تستخدم كمواقع عسكرية، واقامة 44 مستوطنة على اراضي ليست اراضي دولة، بما في ذلك اراضي فلسطينية خاصة. اضافة الى جانب تم رصد ظواهر غير مسبوقة مثل المصادقة على انشاء مستوطنات في مناطق تدريب وتسوية وضع البؤر الاستيطانية المتورطة في طرد التجمعات الفلسطينية واقامة مستوطنات على اراضي تم تطهيرها عرقيا.
الرقم الاخير يتضح من خلال مقارنة مواقع المستوطنات مع خارطة التجمعات التي تم طردها، التي اعدتها “بتسيلم”. في 19 حالة من اصل 103 حالات صادقت الحكومة على اقامة بؤر استيطانية قرب تجمعات تم طردها منذ العام 2022، وفي معظم هذه الحالات يعرف عن تورط المستوطنين بشكل مباشر في عملية الطرد. في حالتين اخريين تمت المصادقة على اقامة مستوطنات جديدة قرب تجمعات فلسطينية تم طردها. وقد تم تحديد لعشر مستوطنات منطقة اختصاص قضائي، لكن هذا الاختصاص لم يطبق على المباني المهجورة للتجمعات، التي على الاغلب كانت توجد في معظمها على اراضي معترف بها رسميا ومصنفة كاراضي فلسطينية خاصة.
اقيمت بؤر المزارع بالتنسيق مع القيادة السياسية والقيادة الامنية، ووزعت عليها بطريقة غير شفافة قطع من اراضي الدولة كمراعي. ويكشف تقرير من العام 2024 لحركة “السلام الان” وجمعية “كيرم نبوت” بان معظم الاراضي التي سيطرت عليها المزارع التي تبلغ مساحتها الاجمالية مئات آلاف الدونمات، ليست اراضي دولة على الاطلاق ولم يتم تخصيصها قانونيا للمزارع. ومنذ بداية الحرب هربت عشرات التجمعات من الخطر الذي يهدد سكانها.
مثلا، تعتبر مستوطنة متسوكي ايرتس، وهي سلسلة مزارع لنيتسح هرئيل، التي اقيمت في العام 2023 بين تجمعات المعرجات الوسطى، مباني التجمع كانت تقع على اراضي فلسطينية خاصة خاضعة للتنظيم، بينما اقيمت المزرعة على قطعة ارض قريبة من اراضي دولة وفرضت الرعب على محيطها. في كانون الاول من نفس السنة اضطر هذا التجمع الى النزوح. تظهر صورة للاقمار الصناعية من العام 2023 المزرعة بين مباني التجمع، وفي صورة اخرى من العام 2025 تظهر المزرعة وهي مقامة قرب مباني التجمع المهجورة.
نفس الامر حدث في مستوطنة كنفيه هشاحر. فقد بدأت طريقها كمزرعة “غئون يردين” التي اقيمت في 2020 على قطعة ارض صغيرة من اراضي الدولة شمال تجمع عين ساميا وغرب تجمع رأس التين، التي كانت موجودة على اراضي فلسطينية خاصة منظمة. في تموز 2022 تم طرد سكان رأس التين، وفي ايار 2023 تم طرد سكان تجمع عين ساميا، وقريبا من هناك، اقيمت في 2023 ايضا مزرعة التينة في وسط الطريق شمال مزرعة “ملائكة السلام”، التي اعطيت صفة مستوطنة في نفس السنة. كان يوجد بين المزرعتين تجمع القابون، الذي تم طرده في آب 2023.
تعتبر مزرعة “ملائكة السلام” التي اقيمت في 2025، المزرعة الام في المنطقة. اقيم فرعها الاول، مزرعة الرشاش، في العام 2020، التي ضمت مساحات كبيرة من المراعي. وفي تشرين الاول 2023 تم طرد تجمع عين الرشاش القريب، وبعد شهرين تم طرد تجمع خربة جبعيت. ايضا تم طرد تجمعات اخرى على اطراف قرية دوما وخلايل المغير، بعد تنمر متواصل لبؤر استيطانية اخرى منبثقة عن ملائكة السلام، من بينها بؤرة ابطال داود، التي تمت شرعنتها في آذار الماضي، وهو الشهر الذي طرد فيه تجمع الكعابنة. وفي حين يتساءل سكان تجمع الكعابنة اذا كان يجب عليهم محاولة العودة الى بيوتهم التي كانت موجودة على اراضي معترف بها كاراضي فلسطينية خاصة، ويتم تصنيفها الان بأنها اراضي تحت التسوية، فقد وافق الكابنت بالفعل على اقامة مستوطنة جديدة هناك.
تجسد مستوطنة “ملائكة السلام” كل جوانب آلية الاستيلاء على الاراضي الفلسطينية. توجد المستوطنة على اراضي فلسطينية خاصة تابعة لقرية المغير، التي اصدر الجيش امر للاستيلاء عليها في نهاية سبعينيات القرن الماضي. ورغم ان القانون الدولي ينص على ان مثل هذه الاوامر يجب فرضها لاغراض عسكرية فقط وبشكل مؤقت، الا انها كانت في تلك السنين الوسيلة الرئيسية لاقامة المستوطنات، التي قالت الدولة في حينه بانها تخدم الاغراض الامنية بشكل مؤقت. في العام 1979، بعد قرار المحكمة العليا في قضية الون موريه، اوضح المستوطنون بانه من ناحيتهم الحديث يدور عن استيطان دائم، وعندها تغيرت النظرة السائدة. الحكومة اصدرت القرار 145، الذي نص على ان اقامة المستوطنات ستكون من الان فصاعدا على اراضي دولة.
بقيت معظم الاوامر العسكرية المفروضة سارية المفعول، واقيمت نقطة استيطانية لـ “الناحل” على اراضي المغير، التي تم تحويلها الى قاعدة للمدفعية. على مر السنين تقلصت مساحة القاعدة، وفي العام 2015 اقتحم المستوطنون القسم المهجور فيها. مرت ثماني سنوات، وفي شباط 2023 وافق الكابنت على شرعنة وضع البؤرة الاستيطانية. ولكن من المستحيل الموافقة على خطط البناء على هذه الاراضي، وهي اراضي فلسطينية خاصة موجودة في منطقة يفترض انه تمت مصادرتها لاغراض عسكرية. ومن اجل حل هذه المشكلة تم اللجوء الى حل قديم: في حزيران السنة الماضية تم الاعلان عن 750 دونم بانها اراضي دولة، لغرض شرعنة المستوطنة باثر رجعي. بعد ذلك تم تحديد منطقة اختصاص قضائية للمنطقة، وشرعنتها الكاملة ستكون في القريب.
ويتوقع استخدام هذه الحيلة لشرعنة وضع 43 مستوطنة اخرى موجودة على اراضي غير تابعة للدولة، التي تمت الموافقة على اقامتها. ومثل مستوطنة ملائكة السلام توجد 15 مستوطنة منها على اراضي وصفتها الادارة المدنية بانها اراضي فلسطينية خاصة. وتعتبر ملائكة السلام ايضا مستوطنة من بين سبع مستوطنات تمت المصادقة على اقامتها في قواعد عسكرية مهجورة. في هذا الصدد تعتبر هذه حالة متطرفة: مستوطنة اقيمت على اراضي خاصة كانت خاضعة لامر مصادرة عسكري، وتم تنفيذ حولها عملية تهجير جماعية لتجمعات، ويتم تسوية وضعها من خلال اعلانها كاراضي دولة.
هذه حالة متطرفة ولكنها غير استثنائية. فعلى مدى العقود بعد القرار 145، تم الاعلان عن مئات آلاف الدونمات في الضفة الغربية كاراضي دولة. وحسب لوائح لاهاي يفترض أن تحتفظ سلطة الاحتلال (اسرائيل) بموارد الاراضي المخصصة للسكان المحليين كوديعة مؤقتة، وان تديرها لمصلحتهم. ولكن في 2018، بعد تقديم التماس لمنظمة “بمكوم” وجمعية “الحقوق المدنية” تبين ان اكثر من 99 في المئة من اراضي الدولة المخصصة لغرض التطوير المدني اعطيت للمستوطنات.
اضافة الى ذلك تمت الموافقة على اقامة سبع مستوطنات في مناطق محظور على المدنيين الدخول اليها، وهذا حظر يتم تطبيقه على الفلسطينيين فقط الذين يخرقونه. هذه ظاهرة جديدة ولكنها مالوفة بشكل معين في التاريخ، ولا يجب ان تثير الدهشة. ففي السنوات بعد العام 1967 اعلن عن 20 في المئة تقريبا من اراضي الضفة الغربية، بما في ذلك الاراضي بملكية خاصة للفلسطينيين، كمناطق تدريب. في محضر مناقشة اللجنة الوزارية المعنية بالاستيطان في العام 1979، اوضح وزير الزراعة في حينه اريئيل شارون، بان “مناطق التدريب تم الاستيلاء عليها لغرض واحد: كانت هذه هي ارض احتياطنا للاستيطان”.
على مر السنين استمرت الدولة في الجمع بين الاغراض الامنية الظاهرة والنية المبيتة لمنع أي تطوير فلسطيني في المنطقة. وضمن امور اخرى، قال مسؤول رفيع في قيادة المنطقة الوسطى في العام 2014 بان التدريب في مناطق النيران يهدف الى تقليص عدد الفلسطينيين الذين يعيشون فيها. وفي 2022 سمحت المحكمة العليا بطرد 8 قرى من منطقة التدريب 918 في مسافر يطا، بعد ادعاء الجيش بانها حيوية للحفاظ على كفاءة المقاتلين. ومنذ ذلك الحين تمت اقامة حوالي 10 بؤر استيطانية هناك، من بينها 3 مزارع اقيمت بالتنسيق مع القيادة السياسية والقيادة الامنية، الامر الذي لم يمنع الجيش من الادعاء من جديد في حزيران 2025 بان البناء الفلسطيني يعيق القدرة على التدريب. وقد وقع قائد المنطقة الوسطى مؤخرا على اوامر لمصادرة اراضي في عدة مناطق تدريب في الضفة الغربية بعد أن توغلت بؤر استيطانية فيها، وهذه خطوة يتوقع أن تسرع تسويتها.
ضعضعة الوضع الراهن
تأمل شرائح واسعة في الشعب الاسرائيلي ان يحدث التغيير في الانتخابات القادمة، عند تغيير حكومة نتنياهو. لكن هل يمكن التراجع عن الثورة التي تمر فيها البلاد في السنوات الاخيرة؟ في الضفة الغربية بالتحديد؟. عوفران تقول: “بعض الخطوات قابلة للتراجع. يمكن اعادة الصلاحيات التي تم نقلها، ويمكن الغاء الميزانيات. يمكن تغيير الكثير من الامور بشكل جذري، وهو الامر الذي يحتاج خطوات ناجعة بتكلفة سياسية باهظة، لا سيما فيما يتعلق بمسألة الاخلاء. ستتمكن الحكومة القادمة من الغاء بناء مستوطنات جديدة، لكنه يتم بناءها بالفعل بشكل غير قانوني على ارض الواقع (بسبب عدم استكمال عملية شرعنتها) بوتيرة متسارعة وبميزانية محددة. كل خطوة يتم اتخاذها، طرح مناقصة، التوقيع على عقد، اقامة مبنى، ستحتاج الى جهد سياسي اكبر بكثير اذا رغبوا في الغائها. وكلما ابتعدنا عن الاتفاق السياسي ارتفع ثمنه”.
وحسب عوفران فان السؤال الاساسي لا يقتصر على مدى قوة معارضي المستوطنات فقط، بل يتجاوزه الى كيفية تعاملهم معها. فاذا اختاروا عدم اثارة المشاكل حفاظا على تماسك الائتلاف، مثلما فعلوا في العشرين سنة الاخيرة فانه لن يتغير أي شيء، ونفس الشيء اذا تصرفوا مثل حكومة التغيير التي صرحت بانها لا تنوي “تغيير الوضع الراهن”. فعند الحديث عن كل المستوطنات التي تمت الموافقة عليها سيقولون “هذا ليس جديد. هذا الامر تم حسمه في السابق”.
ويقدم الدكتور شاؤول اريئيلي، رئيس مجموعة “تمرور” للابحاث، المعنية بالصراع بين اسرائيل والفلسطينيين، رأي مختلف: “على المدى القصير تعتبر المستوطنات الجديدة وهي 103 مستوطنات مجرد مناورة بيروقراطية، في محاولة لخلق بنية تحتية مستقبلية. واضاف بان معظمها هو عبارة عن تقسيم لاحياء ومناطق معزولة، وليس انشاءات اضافية أو زيادة في عدد السكان. وقال ايضا “في الواقع في العشرين سنة الاخيرة كان هناك انخفاض تدريجي في اجمالي الهجرة الى هذه المستوطنات. وخلال فترة الحكومة الحالية اصبح الوضع سلبي، حيث يزيد عدد المغادرين على عدد القادمين. لذلك، على المدى المتوسط، حتى لو لم تغير الحكومة القادمة سياستها، وتم توطين هذه المستوطنات فانه يتوقع ان يعيش فيها مئات السكان فقط، الامر الذي سيشكل عبء امني كبير. من ناحية عسكرية، كلما تقلص حجم المستوطنة كان اخلاءها اسهل. يكمن الحل في اتخاذ قرار واتخاذ اجراءات منهجية شاملة لتنفيذه – هذا يحتاج الى نظام سياسي يختلف عن النظام الحالي”. ويؤكد اريئيلي على انه ما زالت توجد امكانية لحل الدولتين. “ما زالت الارض تسمح بالانفصال بتكلفة سياسية محتملة للطرفين. وفي حالة تبادل 4 في المئة من الاراضي يمكن ابقاء 80 في المئة من السكان الاسرائيليين خارج الخط الاخضر تحت سيادة اسرائيل، ولكن نحن نواجه صعوبة في توفير هذه البيانات للجمهور. ان شعور المستوطنين بان الحل السياسي لم يعد حل واقعي، هو انتصار لوعيهم على الرأي العام في اسرائيل”.
ماذا على المدى البعيد؟ يقول اريئيلي: “اذا اقيمت الـ 103 مستوطنات في المنطقة واتجهت اسرائيل نحو تسوية سياسية فان الثمن الوطني الذي ستدفعه سيرتفع، جزئيا بسبب الحاجة الى اخلاء هذه المستوطنات. من ناحية اخرى، اذا اختارت عدم التوجه لتسوية سياسية، بل ضم الاراضي، فان هذه المستوطنات الـ 103 لن تغير من خسارة الاغلبية اليهودية، أو من خسارة النظام الديمقراطي في اسرائيل”.
لا يبدو درور ايتكس، من جمعية “كيرم نبوت” متفائل، حيث قال: “من الواضح ان ما حدث في الضفة الغربية في السنوات الثلاثة والنصف الاخيرة لا رجعة عنه”. ان الدولة العاجزة والتي لا ترغب في اخلاء البؤر الاستيطانية في مناطق السلطة الفلسطينية، التي اقيمت بهدف افشال اتفاق اوسلو، والتي هي عاجزة على فرض، ولا ترغب، الطاعة على جنودها، لن تخلي بالتاكيد اكثر من 200 بؤرة استيطانية اقيمت في فترة الحكومة الحالية، الامر الذي يعتبر عقد تحالف مع الجريمة الوطنية.
ان اخلاء هذه البؤر والمستوطنات المختارة بعناية، أو حتى جزء صغير منها، سيجبر الدولة على ممارسة سلطة وعنف غير مسبوقين ضد المستوطنين في الضفة الغربية، حتى في عملية الانفصال. يصعب تصور دخول الرئيس التنفيذي السابق لمجلس “يشع”، نفتالي بينيت، الى مثل هذا الصراع مع اصدقائه. ايضا ايزنكوت، الذي تم التقاط صورة له قبل بضعة اشهر في البؤرة الاكثر عنفا في الضفة الغربية. في السنوات القادمة ستواصل اسرائيل تعميق التورط في مستنقع الفصل العنصري الذي انشأته وقامت برعايته بنفسها.
——————————————
معاريف 30/6/2026،
خطة فك الارتباط مع الولايات المتحدة
بقلم: يعقوب نيغيل
اتفاق المساعدات بين إسرائيل والولايات المتحدة الذي وقع في 2016 ودخل الى حيز التنفيذ للعقد في 2028، يبلغ 38 مليار دولار: 33 مليار لمشتريات امنية و 5 مليار لشراء وتطوير مشترك للدفاع ضد الصواريخ الباليستية. لجنة نيجل لميزانية الامن أوصت في تقرير رفعته الى رئيس الوزراء في نهاية 2024 التوقيع في اقرب وقت ممكن على اتفاق جديد مع إدارة ترامب، عدم العودة الى مبنى الاتفاق القائم الذي كان صحيحا لزمنه ولم يعد مناسبا اليوم، والتأكد من أن كل المساعدات ستستخدم فقط لشراء منصات أساسية واسلحة خاصة تنفذ كلها في الولايات المتحدة.
إسرائيل لن تطور وتنتج طائرات قتالية، مروحيات وشاحنات بالوقود، وبالتالي فان اتفاق المساعدات الذي يسمح بميزانية لشرائها لن يمس باستقلالية السلاح الإسرائيلي بل العكس. بدون اتفاق فان توجيه قسم من ميزانية الدفع بالشيكل لهذه المشتريات، بشكل لا مفر منه، سيمس بالميزانية الشاغرة بالاستقلالية في السلاح. نوصي بان كل ميزانية المساعدات لا تتحقق الا في الولايات المتحدة وتخلق أماكن عمل، تقنع المشرعين ذوي الصلة بتأييدها.
لا يوجد أي ارتباط بين استمرار المساعدات اذا عملنا بشكل صحيح وأقنعنا المشرعين الأمريكيين باهميته الكبرى للولايات المتحدة أيضا (وهذا لن يكون سهلا) – وبين الاستقلال السياسي حيال الولايات المتحدة، غير المتعلق فقط بالمساعدات بل بكثير من المقاييس. من يدعي خلاف ذلك ببساطة لا يفهم كيف تعمل القوى الجغرافية السياسية في العالم وبخاصة في العلاقة التي بين إسرائيل والولايات المتحدة.
بالتوازي مع المشتريات من الولايات المتحدة لقسم من الأسلحة، من المهم أن نبني ونحفظ خطوط انتاج إسرائيلية بحجوم مناسبة، كجزء من بناء النظام الاقتصادي الصناعي في إسرائيل وحفظ استقلالية الإنتاج كما هو مفصل في تقرير اللجنة.
لقد سبق لإسرائيل ان تعهدت بشراء منصات أساسية لطائرات شحن بالوقود ومروحيات كجزء من الاتفاق التالي بحجم أكثر من 25 مليار دولار، وإذا لم يوقع اتفاق جديد، مع فصل بمثل هذا الحجم على الأقل، فسيتعين على الميزانية أن تأتي من ميزانية الدولة/الدفاع على حساب أمور حيوية، بما في ذلك الاستقلال السلاحي.
لقد أعلن نتنياهو أكثر من مرة في وسائل الاعلام وفي لقاءاته مع رئيس الولايات المتحدة ترامب بانه ينبغي لإسرائيل أن تستعد للشفاء التدريجي من المساعدات. الاتجاه صحيح على مدى الزمن لكن من المهم أن نفهم جيدا نيته ونبني آلية لتنفيذه بشكل عاقل كون نتنياهو على حد علمي لا يعتزم المس بامن الدولة، الذي هو شمعة تضيء خطاه – بل العكس.
محظور استخدام اتفاق الإطار السيء الذي وقع مع ايران لاجل المطالبة بتعويض. هذا ليس صحيحا في إطار العلاقات بين الدولتين إذ انه لا يباع أمن وجودي مقابل دفعات تعوض والولايات المتحدة ستدعي بان الاتفاق الذي وقعت عليه هو اتفاق ممتاز وستستخدم طرح الطلب كذريعة لتقليص الميزانية، في ضوء الانخفاض في التهديد الإيراني. فكرة مغلوطة كهذه طرحت في اطار المفاوضات السابقة التي كان لي الشرف في ادارتها بتكليف من نتنياهو، بعد التوقيع على الاتفاق الرهيب وشطبناها عن الطاولة قبل ان تطرح.
لقد سمعت الكثير من التصريحات وكتبت مقالات وبحوث من جهات تدعي بانها تعرف أفضل من الجميع التغييرات في ميزان القوى السياسي في الولايات المتحدة. وحسب هذه الجهات فاننا لن ننجح في أن نحصل من إدارة ترامب على اتفاق من النوع الذي اقترحه.
اقترح على الجميع ان يقرأوا التصريحات من العام 2013، مع بداية المفاوضات على الاتفاق السابق، التي قررت بالطبع اننا لن نحصل من الولايات المتحدة التي توجد في ازمة مالية وبالتأكيد ليس من أوباما – اتفاقا يقترب حتى من الاتفاق السابق (30 مليار). اما النتيجة النهائية فكانت بالطبع مختلفة، بعد عمل دؤوب للطاقم الإسرائيلي وإقناع الطاقم الأمريكي بان الاتفاق هام للولايات المتحدة أيضا.
اتفاق مساعدات جديد سيحفظ بالطبع الحلف الاستراتيجي والتعاون مع الولايات المتحدة، سيشدد على الالتزام طويل السنين من الولايات المتحدة تجاه إسرائيل وبالاساس سيساعد في شراء المنصات الأساسية والأسلحة الخاصة التي يحتاجها سلاح الجو في العقد القادم والتي تعهدت إسرائيل بان تشتريها.
احد الاستنتاجات الأساسية في تقرير نيجل كان انه صحيح ان 7 أكتوبر لم يحصل كنتيجة لحجم القوات او مدى السلاح لكن ما حصل بعد ذلك أثبت بان نظرية الجيش الصغير والذكي لا تنجح وان الجيش الإسرائيلي ملزم بان يكون “جيش كبير وذكي”، مع كل المعاني الاقتصادية النابعة من ذلك.
لقد استند الاقتراح الى تعهد بالتشريع، بموافقة وزارة المالية. الوزارة عارضت في حينه وستعارض بشدة اليوم أيضا هذا الاقتراح الذي يتضمن قرارا بتخصيص قسم ثابت من الناتج المحلي الخام لميزانية الدفاع. فتخصيص نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الخام (اليوم نحو 120 مليار شيكل) لميزانية الدفاع، بشكل دائم غير قابل للتغيير (باستثناء ميزانية خاصة لتغطية نفقات حرب ما)، سيسمح بتلبية كل توصيات اللجنة واحتياجات جهاز الامن.
طالما لم يتخذ مثل هذا القرار، غير القابل للالغاء بعد أن نقرر التخلي عن المساعدات فاننا ملزمون بالحفاظ على الاتفاق للعقد القادم على الأقل، في ظل اجراء تعديلات تسمح بتوسيع فصول التعاون التكنولوجي والدفاع ضد الصواريخ الى جانب التقليص التدريجي حتى الإلغاء التام في نهاية الاتفاق لفصل المساعدات لميزانية الدفاع.
*عميد احتياط، مستشار الامن القومي لرئيس الوزراء ورئيس هيئة الامن القومي للوكالة سابقا
——————————————
إسرائيل اليوم 30/6/2026
لبنان يسير نحو المجهول
بقلم: العميد احتياط تسفيكا حايموفيتش
حاولت ايران مع نهاية “زئير الأسد” توثيق الارتباط بينها وبين حزب الله، واشترطت كل تقدم في المفاوضات مع الولايات المتحدة بانسحاب إسرائيل الى خط الحدود الدولية. وحظيت هذه المسائل في ان تدرج في اتفاق مبادئ ولاقت مفعولا رسميا.
لم تتبقى لإسرائيل الكثير من الإمكانيات، باستثناء الوصول الى اتفاق تفاهم مباشر مع حكومة لبنان. يسحب الاتفاق البساط من تحت أقدام ايران في دورها كسيدة (دون أن يكون طُلب منها ذلك)، وحكومة لبنان تأخذ المسؤولية عن أراضيها وتترك تواجد الجيش الإسرائيلي في المنطقة الفاصلة، طالما لم ينزع سلاح حزب الله. لعل هذا هو الإنجاز الوحيد والفوري للاتفاق الذي يلف الغموض باقي بنوده.
لمن نسي، نذكر انه قبل أقل من سنة كنا في وضع مشابه اتخذت فيه حكومة لبنان قرارا بنزع سلاح حزب الله على أربع مراحل، وكلفت الجيش اللبناني بتنفيذه. في نهاية تلك السنة بلغ الجيش اللبناني بان المرحلة الأولى من تطهير جنوب لبنان انتهت – البلاغ الذي رأينا كم هو بعيد عن الواقع. يتشكل الجيش اللبناني من 40 في المئة من الشيعة، ممن هم ملتزمون في هذه النقطة الزمنية بحزب الله اكثر مما هم ملتزمون بلبنان. قدرته على نزع سلاح حزب الله حتى في جنوب لبنان فقط، موضع شك. ربما هذه المرة، تحت رعاية الدعوة للدول العربية بان تكون شريطة في الخطوة، سيسهل على حكومة لبنان الإيفاء بتعهداتها.
يأتي اتفاق المبادئ بين إسرائيل ولبنان بعد أن “ولدت” تحت رعاية اتفاق المباديء بين الولايات المتحدة وايران آلية لمنع الاحتكاك في لبنان غايتها تقييد ردود فعل الجيش الإسرائيلي ضد مخربي حزب الله وبناه التحتية. الان توجد ظاهرا آليتان – في احداهما إسرائيل ليس شريكا – يفترض بهما ان تديرا الواقع اليومي في لبنان. الالية الإيرانية – القطرية لم تذكر في اتفاق المبادئ بين إسرائيل ولبنان، ومن المتوقع لها ان تتحدانا.
أربعة سيناريوهات لمواصلة الطريق
يبدو ان مجال الإمكانيات واسع، ومع ذلك يمكن رسم أربعة سيناريوهات أساسية:
السيناريو المتفائل: اتفاق المبادئ يصبح اتفاقا دائما، حكومة لبنان وجيشه ينجحان في مهمتهما وفي وقت معقول (اشهر او سنوات قليلة) ينزعان سلاح حزب الله ويؤديان بناء على ذلك الى انسحاب الجيش الإسرائيلي الى الحدود الدولية.
السيناريو المتشائم: الاعمال في الميدان تؤدي الى احتكاك دائم. البعد الزمني يصبح بعدا يعطل كل عمل لبناني، المشروع التجريبي في المجالات التي تحددت ليزحف بكسل ولا يخلق زخما.
السيناريو المعقول: حكومتا إسرائيل ولبنان تتقدمان الى اتفاق دائم وتتعاونان في اعمال منسقة ضد حزب الله في جنوب لبنان في ظل حفظ المنطقة الفاصلة. انسحاب إسرائيل لا يتم الا بخطوة اكراه دولية وليس انطلاقا من اضطرار عملياتي لواقع جديد في الميدان.
السيناريو الخطير: حزب الله يدهور برعاية ايران لبنان الى مواجهة عنيفة، لدرجة حرب أهلية من شأنها أن تدخل الدولة الى فوضى – تؤثر مباشرة على أمن إسرائيل.
من السابق لاوانه التقدير الى أي اتجاه يتطور اتفاق المبادئ لكن على إسرائيل ان ترافق التقدم لفهم وتشخيص للتغييرات، تمتنع عن فقدان السيطرة والإفادة القصوى من الفرصة مع حكومة لبنان.
——————————————
يديعوت احرونوت 30/6/2026
ترامب يختبئ وراء الاقتصاد
بقلم: سيفر بلوتسكر
في خطاباته خلال مراسم توقيع مذكرات التفاهم مع إيران، كرر الرئيس الأمريكي ما اعتبره حجة دامغة لصالح التوقيع: بعد التوقيع، ستنخفض أسعار النفط بشكل حاد، وبالتالي سترتفع أسعار الأسهم. ووعد ترامب بحدوث طفرة في سوق الأسهم، ومعها عودة الازدهار.
أوضح الرئيس استعداده لتقديم تنازلات للنظام الإيراني لتجنب “كارثة اقتصادية عالمية”، أي انهيار الاقتصاد العالمي ودخوله في كساد، وبطالة جماعية، وموجات تضخم، وكل ذلك بسبب زرع الألغام في مضيق هرمز – وهو ممر مائي ضيق نسبياً في الخليج العربي – مما أضر بسلسلة إمدادات النفط والغاز الطبيعي. وقد لاقى تفسيره صدى واسعاً في الخطاب الاقتصادي العالمي. تكرر هذا الكلام مرارًا وتكرارًا من قِبل قادة الرأي العام، والمستثمرين القلقين، وبالطبع السياسيين المؤيدين لتسوية ترامب. استذكروا مرارًا وتكرارًا الأيام العصيبة لأزمات النفط في عامي 1973/1974 و1979/1980 وعواقبها الوخيمة: الظلام الذي خيّم على المدن الكبرى في الغرب، وتوقف الإنتاج المستمر، والضرر الذي لحق بالصناعة والوظائف، والطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، والارتفاع الحاد في مؤشرات الأسعار. باختصار، كارثة بكل المقاييس.
ترامب وجوقة مُروّجي الذعر الذين تبعوه “نسوا” أمرًا واحدًا فقط: لقد مرّت خمسون عامًا على أزمات النفط تلك، والتي شهد خلالها قطاع الطاقة تحولًا جذريًا. في عام 1980، كان يُنتج حوالي 40 في المئة من كهرباء العالم من النفط؛ أما في الربع الأخير من عام 2025، فلم تتجاوز هذه النسبة 2 في المئة. لذا، فإن ارتفاع أو انخفاض سعر النفط لا يؤثر اليوم إلا تأثيرًا طفيفًا على أسعار الكهرباء وأسعار المنتجات والخدمات التي يُستخدم النفط في إنتاجها. شهد قطاع النقل تحولاً ملحوظاً: فأسطول السيارات أصبح أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، وحصّة السيارات الكهربائية والهجينة في ازدياد مطرد. بل وأكثر من ذلك، فقد أدى التحسين المستمر لكفاءة الطاقة إلى خفض استهلاك النفط بنسب تصل إلى عشرات بالمئة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي الحقيقي. وبفضل هذه التوجهات، فاقت احتياطيات النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) العام الماضي، حتى قبل أن تزيد الولايات المتحدة إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي بنسبة ملحوظة رداً على حصار مضيق هرمز. أنتج العالم من النفط أكثر بكثير مما كان يستهلكه. ورغم أن ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود لا يزال ملحوظاً، إلا أن أثره لا يتجاوز 1 إلى 2 في المئة على مستوى المعيشة، ولا توجد أي بوادر للذعر. وعلى النقيض تماماً من ادعاءات ترامب، واصلت أسواق الأسهم ارتفاعها خلال أشهر النزاع في مضيق هرمز، ثم انخفضت بنسبة لا تقل عن 3 إلى 4 في المئة منذ توقيع مذكرة التفاهم/الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران.
لنكن واقعيين. إن القدرة العسكرية المزعومة للحرس الثوري الإيراني على إطلاق طائرة مسيرة بين الحين والآخر على سفينة حاويات أو ناقلة نفط في مضيق هرمز لا تجعلها قوة عظمى أو دولة ذات نفوذ. إيران أبعد ما تكون عن هذا الوضع؛ فهي في أسفل هرم الثروة العالمية. هذه دكتاتورية إسلامية فقيرة، منهكة، ومنهارة، يعيش شعبها في خوف دائم. خوف من الانفصال وما يتبعه من تضخم مالي، خوف من الاضطهاد الوحشي، خوف من القصف. يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إيران حوالي 3400 دولار أمريكي العام الماضي، أي أقل بنسبة 97 في المئة تقريبًا من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا، الذي يبلغ حوالي 94000 دولار أمريكي. النظام في إيران يقترب من حافة الانهيار، وهو غير قادر فعليًا على تهديد أمريكا أو الاقتصاد الغربي أو حرية المرور عبر مضيق هرمز. إنه يُلوّح بمسدس ماء.
والنتيجة واضحة. لقد اختار ترامب عن وعي أن يُثير مخاوفه من العواقب الاقتصادية العالمية الوخيمة المزعومة لاستمرار إغلاق مضيق هرمز، ويُسوّق هذه الرواية بقوة للرأي العام. تُشكّل هذه الكارثة الاقتصادية غطاءً ملائماً لتبرير تحوّله في سياسته تجاه إيران، وهي سياسة جديدة تُفضّل الحوار، حتى وإن كان جزئياً ومعيباً، على اندلاع حرب أخرى، حتى وإن كان من المؤكد أن تُسفر عن نصر أمريكي ساحق. هذا خيار يُمكن تفسيره دون الحاجة إلى اختلاق مبررات اقتصادية سخيفة.
——————————————
يديعوت احرونوت 30/6/2026
لو سحبت تهمة الرشوة الهشة في قضية نتنياهو، لكانت القضية قد انتهت الآن
بقلم: راز نزري
قبل ثلاث سنوات بالضبط، في مقال نُشر في هذه الصحيفة، بعد أن اقترح القضاة سحب تهمة الرشوة، كتبتُ أنه من المستحيل تجاهل أن البلاد تعيش في مأزق منذ سنوات بسبب قضايا نتنياهو، وأعربتُ عن أملي في أن نتجنب سنوات إضافية ستستمر في إلحاق الضرر بنا جميعًا. وأشرتُ إلى أن كلا الطرفين سيخسر الكثير من استمرار المحاكمة، وأن من الأفضل دائمًا تقليل الخسائر بدلًا من التشبث بالموقف والانهيار في نهاية المطاف. وخلصتُ إلى القول إنه إلى جانب مصالح الأطراف، هناك مصلحة عليا لدولة إسرائيل ومواطنيها، ولذلك “يُعد التوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب أمرًا ضروريًا، ولو كان ذلك قبل ساعة لكان أفضل”.
مرّت ساعة، ثم عام، بل ثلاثة أعوام؛ ولم يتم التوصل إلى اتفاق، ورفضت النيابة العامة اقتراح القضاة بشطب تهمة الرشوة. بالأمس، كرّر القضاة اقتراحهم مجدداً.
لو أن المستشارة القانونية والنيابة العامة استجابا لنصيحة المحكمة وسحبا تهمة الرشوة الضعيفة، لكانت القضية قد انتهت الآن، أو على الأقل في مراحلها النهائية، حتى بدون تسوية. خلال السنوات الثلاث الماضية، خُصصت جلسات استماع وشهود كثر لجريمة الرشوة، وبالطبع، بدونها، لكانت هذه الإجراءات زائدة عن الحاجة. كما رفضت المستشارة اقتراح القضاة باللجوء إلى الوساطة لأسباب غير واضحة. كان من الممكن أن تساعد الوساطة الجنائية، في ظل انعدام الثقة التام بين الطرفين في هذه القضية، كلا الطرفين على إعادة النظر في موقفهما الحقيقي، وانزلهما عن الشجرة، وتقريب المحاكمة من نهايتها.
ما حدث لا يمكن تغييره، حتى وإن كان من المحتم التعبير عن الأسف والإحباط حياله. علينا الآن أن ننظر إلى الواقع بموضوعية في ضوء بيان القضاة الصادر أمس، والذي يؤكد ثبات موقفهم بشأن تهمة الرشوة.
بعد اقتراح القضاة السابق، ادعى البعض أن النيابة العامة تعتقد أن استجواب نتنياهو سيعزز الأدلة، وأنها ستتمكن من إثبات تهمة الرشوة. كنتُ أظن حينها أن هذا مجرد أمنيات أكثر منه تقييمًا قانونيًا موضوعيًا، ولكن حتى لو كانت النيابة تعتقد ذلك آنذاك، فمن الصعب عليّ تصديق وجود من لا يزال يعتقد ذلك اليوم. اختار القضاة، على غير العادة، تكرار اقتراحهم الآن للمرة الثانية، بعد انتهاء التحقيق مع نتنياهو، وفي الواقع لم يعد هناك أي سبيل حقيقي “لتعزيز” موقف النيابة. كل من لا يزال يعتقد اليوم أن هناك فرصة، ولو ضئيلة، لإدانة نتنياهو بتهمة الرشوة، إنما يتجاهل الواقع عن عمد وينكر حقيقة لا تروق له.
من الواضح أن رئيس الوزراء والمحامي حداد، كما جرت العادة بين المتهمين ومحامي الدفاع، يبذلان قصارى جهدهما لتأخير المحاكمة، من خلال زيادة عدد الشهود، وطلب التأجيلات، وما إلى ذلك. وهذا يصب عمومًا في مصلحة المتهمين، ومن الصعب بشكل خاص توقع أن يُعجّل سياسيٌّ يعتمد مستقبله السياسي على ذلك بمحاكمة قد تُفضي إلى إدانته. من جهة أخرى، من المناسب والضروري أن نتوقع من المستشارة القانونية والمدعي العام أن يتصرفا بشكل مختلف، وألا يستمرا في الإصرار العقيم؛ فقد أدى هذا الإصرار إلى رفض اقتراح القضاة السابق بإلغاء الرشوة، وكذلك اقتراحهم بالوساطة، وأضرّ أيضًا بالمصلحة العامة في تسريع المحاكمة. تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه حتى لو كان هناك من بين أعضاء النيابة العامة من لا يزال يعتقد بوجود أدلة كافية لإدانة المتهم بتهمة الرشوة، فإنه وفقًا لروح حكم المحكمة العليا بشأن اختبار “الاحتمالية المعقولة للإدانة”، وضرورة التنبؤ بالنتيجة مع “متابعة مسار القرار في المحاكمة”، من المفهوم أنه من الصواب تطبيق هذا المبدأ من حين لآخر، في ضوء تطورات المحاكمة، وبما أن موقف القضاة واضح، فإن النيابة العامة ملزمة بإعادة تقييم فرص الإدانة وفقًا لذلك.
من جهة أخرى، سُمعت أصوات الليلة الماضية من معلقين وصحفيين محبطين يتهمون القضاة بـ”فشل محاكمة نتنياهو”. من المؤكد أنه من الممكن انتقاد قرارات القضاة المختلفة، لكن أولئك الذين يعزون “فشل المحاكمة” إليهم، وليس إلى ضعف الأدلة لإثبات بعض التهم، متشبثون بموقفهم بشدة، ويسعون في الواقع إلى تحطيم المرآة التي تعكس النتيجة التي يعتبرونها غير مناسبة. هذان النوعان من ردود الفعل ليسا إلا مثالاً على عجزنا عن إجراء نقاشٍ جادٍّ حول سلوك المستشارة والنظام القضائي، حين يتهمهم منتقدوهم هنا بكلّ عيوبهم. يوفر لهم المجتمع، ومن يؤيدهم هنا، حمايةً تلقائيةً، ويفتقرون إلى أبسط معايير التفكير النقدي.
إلى جانب الأمل في اتباع نهجٍ موضوعيٍّ ومحايدةٍّ في محاكمة نتنياهو، لا بدّ من التمني أن تختفي هذه الظاهرة الخاسرة المتمثلة في الموقف التلقائي والمتعالي تجاه النظام القانوني. صحيحٌ أن التوقعات عالية، لكن يبقى الأمل قائماً.
* شغل منصب النائب الأول للمستشار القانوني، وهو حالياً شريكٌ أول ومدير قسم القانون العام والتنظيم وإدارة الأزمات في مكتب بيرون للمحاماة
——————————————
معاريف 30/6/2026
وزير الحرب
بقلم: افي اشكنازي
ثبت رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون مفهوم الامن لإسرائيل. فقد ثبت تحديا في أن تكون جولات الحرب قصيرة وان تتمكن إسرائيل بين الجولات من إدارة نمط وجود لدولة سيادية مزدهرة. عندما خرج رئيس الوزراء مناحيم بيغن الى حرب لبنان الأولى، اعتقد عن حق وحقيق ان البلاد ستهدأ 40 سنة، لكن البلاد لم تهدأ 40 يوما ولا حتى 40 دقيقة. لقد كان بيغن أكثر سذاجة من أن يعتقد بان إسرائيل من شأنها أن تدخل الى لبنان، تغرق في الوحل وبصعوبة تنجح في الخروج بعد 18 سنة، بعد أن سقط نحو الف مقاتل في الحزام الأمني وأصيب الالاف.
جيل مقاتلي الحزب الأمني هم اليوم أهالي مقاتلي الجيش الإسرائيلي في النظامي والاحتياط الذين يقاتلون في لبنان. البشرى الكبرى لحكومة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو هي ان إسرائيل ستبقى في لبنان، بحيث ان أبناء مقاتلي الجيش الإسرائيلي الذين يقاتلون الان في لبنان، والذين هم احفاد المقاتلين الذين قاتلوا في الحزام الأمني في الثمانينيات والتسعينيات سيقاتلون في لبنان حيث يصلون الى سن 18 شريطة ان على الطريق لا يصبحون متعلمي توراة. لقد كانت البشرى الأكثر اذهالا هي أنه حسب خطط حكومة نتنياهو، فانه حتى أبناء أبناء مقاتلي اليوم، الذين هم في واقع الامر أبناء أحفاظ مقاتلي الحزام الأمني، سيقاتلون في جنوب لبنان. بمعنى أنه لا يوجد أي أمل، لا توجد أي جولات، ولا توجد الا حرب وحرب أخرى. ليس لحكومة إسرائيل على ما يبدو مشكلة في أن تمتلىء المقابل العسكرية باجيال من الشهداء، شريطة الا يكونوا حريديم.
حسب نهج وزير الدفاع إسرائيل كاتس فانه “لا حاجة للناس لان يحبسوا انفاسهم ويسألوا من أي مكان ستنسحب إسرائيل لاحقا – فهذا لن يحصل. لا توجد لنا تطلعات إقليمية في لبنان لكننا لن ننسحب حتى ولا ملمتر واحد الى أن ينزع سلاح حزب الله في كل لبنان”. على حد قوله، فان نائب رئيس الأركان اللواء تمير يداعي اجرى منذ الان جولة في الميدان لغرض التخطيط للاستحكامات والتعليمات للجيش الإسرائيلي كانت الاستعداد لبقاء طويل في جنوب لبنان.
قال كاتس ان هدف إسرائيل هو دحر حزب الله عن خط الحدود حتى نهر الليطاني وخلق مجال مجرد من نشطاء التنظيم ووسائله القتالية. وعلى حد قوله، حسب التقديرات فانه في المجال الذي بين الحدود والليطاني يعمل اليوم نحو 2500 مقاتل من حماس.
اقوال وزير الدفاع واضحة. الهدف عادل. لكن السؤال هو ما هو الطريق. فهل فقط بقوة الذراع؟ أفليس من الاصوب والاذكى بناء منظومة سياسية، استغلال الوضع والفرص حين تكون إسرائيل، كما صرح اكثر من مرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، غيرت الواقع في ارجاء الشرق الأوسط؟ أفلم يحن الوقت لترجمة الاقوال الى فعل سياسي؟
اعترف كاتس بنزاهة كبيرة بان حكومة إسرائيل تصرفت بشكل اشكالي وضيعت ائتمانا سياسيا كان في ايديها، الى جانب خطوة عسكرية معقدة وبطيئة. فقد ادعى بان إسرائيل كانت جاهزة لتوسيع كبير للحرب بما في ذلك اخلاء السكان من البقاع اللبناني وتعميق الهجمات. لكن في اعقاب طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم الربط بين الساحة اللبنانية والساحة الإيرانية، غُيرت الخطة العملياتية.
“انتقلنا الى الخطة الاحتياط – تعميق الخط الأصفر”، شرح كاتس. لماذا لم تتصرف إسرائيل حسب جدول زمني عملياتي محدود، ولماذا لم تعمل مع الإدارة الامريكية كي تستنفد الخطوة العسكرية في لبنان. عن هذا لم يتحدث. والان بقينا مع نصف عمل، عالقين في لبنان، مع هذه المشكلة.
الساحة الثانية هي الحرب مع ايران. في الرزنامة السنوية نحن في شهر تموز. احتفالات 250 سنة على استقلال الولايات المتحدة ستجرى يوم السبت. حتى ذلك الحين يريد الرئيس ترامب هدوء في ساحات القتال، بخاصة في الخليج العربي. ماذا بعد ذلك؟ فتحت نافذة كفيلة الولايات المتحدة فيها أن تنفذ خطوة عسكرية قوية كي تغير روح النصر التي تمسك بالنظام الإيراني منذ وقف النار.
حسب كاتس، فانه “يوجد وضعان يستأنف فيهما القتال – قرار الرئيس ترامب ونار صاروخية إيرانية. هذا يمكن ان يحصل بعد يومين أيضا”. وشدد على أن “الجيش الإسرائيلي يستعد للعمل في ايران بشكل مستقل أيضا، في حملة أزرق – أبيض. الجيش الإسرائيلي ينتظر هذا فقط. توجد لنا اهداف للهجوم في ايران، والجيش الإسرائيلي جاهز ومتحفر لكننا لن نعرقل للرئيس الأمريكي خطوته مع الإيرانيين”. يفهم من حديث بان السؤال الأكبر هو ليس هل، بل متى وكيف بالضبط ستنتهي الهدنة مع ايران.
——————————————
هآرتس 30/6/2026
بن غفير بنهجه الانتخابي: بلغت الجريمة في الوسط العربي إلى 167 قتيلاً حتى الآن
بقلم: أسرة التحرير
يواصل وزير الأمن القومي بن غفير والمفتش العام للشرطة داني ليفي، تحطيم أرقام قياسية سلبية من انعدام أداء المهام. فقد وقعت أول أمس، خمس حالات قتل في غضون ساعات قليلة في كل البلاد. لم يعد هذا حدثاً شاذاً إنما هو فشل متواصل لثنائي خاص فريد من نوعه: واحد مجرم سيطر على الشرطة، وآخر مفتش عام فاشل.
عدد المقتولين في إسرائيل منذ بداية السنة يصل إلى 167 شخصاً – رقم قياسي في كل الأزمنة. للمقارنة، في الفترة الموازية، في أثناء ولاية الوزير السابق عومر بارليف، بلغ عدد المقتولين 64. الميل مقلق ليس فقط من ناحية عدد المقتولين: فلئن كان الحديث يدور حتى الآن عن إطلاق نار من أسلحة غير قانونية، فقد أصبح تفجير عبوات ناسفة في مركبات مسألة عادية في ظل إلقاء الرعب على مواطنين أبرياء.
يقع أمران بالتوازي في هذه الأثناء: بن غفير يواصل الكذب على الجمهور؛ فبينما تلتقط له أشرطة “تك توك” يروي فيها بأن منظمات الجريمة “يبولون في ملابسهم كالرضع”، فإن المجرمين المنظمين هم المسيطرون في شوارع إسرائيل. معطيات أداء بن غفير لمهامه ذات علاقة طردية مع الارتفاع في عدد مقاعده. ربما أكاذيبه تبدو مقبولة للجمهور، وربما الجمهور لا يكترث في فقدان الشرطة لسيطرتها على الشوارع. إن حقيقة أن وزيراً فاشلاً بهذا القدر لم يقله رئيس الوزراء بعد، لا تبدو حقيقة مفاجئة؛ لأن نتنياهو نفسه كان يعرف بالضبط من عيّن وما ستؤول إليه التداعيات.
المسيرة الثانية تقع في الشرطة؛ فبينما ينظر داني ليفي إلى فشله، يستجدي رئيس “الشاباك” دافيد زيني ليساعد الشرطة في الكفاح ضد المجرمين. كان يفترض بليفي اليائس أن يضع المفاتيح منذ زمن بعيد. فمن اليوم الذي اختير فيه للمنصب، ارتفع عدد جرائم القتل، ومركز نجاحه يقتصر على إيجاد مذنبين، بدءاً من رئيس الأركان والجيش الإسرائيلي الذين -على حد قوله- هم المسؤولون عن تسريب وسائل قتالية عسكرية إلى منظمات الجريمة، مروراً بالنيابة العامة والمحاكم وحتى “الشاباك” الذي يرفض، حالياً، تجاوز القانون وتوجيه وسائله الجبارة نحو مواطنين إسرائيليين ضالعين في أعمال جنائية.
لكن ليفي وبن غفير ليسا وحيدين في فشلهما؛ فقد أودع الاثنان المسؤولية عن سلامة مواطني إسرائيل والقضاء على الجريمة في أيدي قادة الألوية الذين عيناهم: قائد لواء الشمال يئير الياهو، قائد لواء الشاطئ يحيئيل بوهدنا، قائد لواء الوسط أمير كوهن، قائد لواء تل أبيب حاييم سرغلوف، وقائد اللواء الجنوبي حاييم بوبليل. هؤلاء يختبئون بمجهوليتهم خلف مفتش عام سيئ، لكن دورهم في الوضع الكارثي الذي تعيشه شوارع إسرائيل كبير بقدر لا يقل عن قائديهم.
إن ثمن استمرار ولاية الحكومة هو حياة الإنسان. ملزمون بتغيير الحكومة السائبة والمسيبة في تاريخ الدولة.
—————-انتهت النشرة—————–

