المسار : لم يعد ما يجري في مدينة القدس المحتلة مجرد سياسة استيطانية تقليدية أو نزاع على عقارات وأراضٍ كما تحاول إسرائيل تسويقه أمام العالم، بل تحول إلى مشروع متكامل لإعادة هندسة المدينة ديموغرافياً وجغرافياً ودينياً، بحيث تصبح القدس مدينة ذات أغلبية يهودية مطلقة، فيما يُدفع الفلسطينيون تدريجياً خارجها عبر سلسلة من القوانين والمحاكم والضرائب والهدم والتهجير القسري.
وفي هذا السياق، جاء قرار المحكمة العليا الإسرائيلية برفض طلب الاستئناف المقدم من أفراد عائلة سرحان في حي بطن الهوى ببلدة سلوان، ليمنح المستوطنين الضوء الأخضر لإخلاء اثنتي عشرة عائلة فلسطينية من منازلها وتسليمها لجمعية “عطيرت كوهانيم” الاستيطانية، في واحدة من أخطر عمليات التهجير التي تستهدف الأحياء الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك.
ولم يكن اختيار سلوان مصادفة، فهي تمثل البوابة الجنوبية للمسجد الأقصى، والسيطرة عليها تعني إحكام القبضة على المدينة القديمة وإحاطة الأقصى بحزام استيطاني متصل، وهو مشروع تعمل عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ سنوات طويلة، لذلك فإن كل منزل فلسطيني يُصادر في سلوان لا يمثل مجرد خسارة لعائلة، بل يشكل خطوة جديدة في تنفيذ مخطط استراتيجي يهدف إلى تغيير هوية القدس بالكامل.
وتزامن القرار القضائي مع اقتحام استفزازي نفذه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لبلدة سلوان ومحيط المسجد الأقصى، في رسالة سياسية تؤكد أن الحكومة الإسرائيلية لا تفصل بين الاستيطان والسياسة والأمن والقضاء، بل توظف جميع مؤسسات الدولة لخدمة مشروع التهويد، فبينما توفر المحاكم الغطاء القانوني لعمليات المصادرة، يتولى المستوطنون تنفيذ الاستيلاء على المنازل، ويحضر الوزراء لإعلان الانتصار السياسي على أصحاب الأرض.
وتحاول إسرائيل إضفاء صبغة قانونية على عمليات التهجير عبر الاستناد إلى ادعاءات تتعلق بأوقاف أو ملكيات يهودية تعود إلى ما قبل عام 1948، بينما ترفض في المقابل بشكل قاطع أي حق للفلسطينيين في استعادة ممتلكاتهم التي صودرت في القدس الغربية أو في المدن والقرى التي هُجروا منها خلال النكبة، وهذا يكشف حجم الازدواجية التي تحكم المنظومة القانونية الإسرائيلية، حيث يُمنح الاحتلال ما يشاء من الحقوق، بينما يُحرم الفلسطيني حتى من حقه في منزله الذي ورثه عن آبائه وأجداده.
وتكشف قضية عائلة سرحان حجم الظلم الذي يتعرض له المقدسيون، فالعائلة تمتلك الأرض منذ أكثر من ستين عاماً، وشيدت منازلها بصورة قانونية، إلا أن سنوات طويلة من التقاضي انتهت بقرار يصادر الأرض ويمنحها لجمعية استيطانية، دون حتى منح أصحابها فرصة حقيقية للدفاع عن حقوقهم، وهو ما يؤكد أن القضاء الإسرائيلي لم يعد جهة مستقلة، بل أصبح جزءاً من منظومة الاحتلال التي تستخدم القانون لتحقيق أهداف سياسية واستيطانية.
ولا يمكن فصل ما يجري في سلوان عن التصعيد المتواصل في المسجد الأقصى، سواء عبر الاقتحامات اليومية للمستوطنين أو محاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد، لأن الاحتلال يدرك أن السيطرة على محيط الأقصى لا تقل أهمية عن السيطرة على المسجد نفسه، لذلك يعمل على تفريغ الأحياء الفلسطينية المحيطة به، واستبدال سكانها بالمستوطنين، بهدف خلق أغلبية يهودية تمنح إسرائيل القدرة على فرض سيادتها الكاملة على المدينة المقدسة.
وتسعى الجمعيات الاستيطانية، بدعم مباشر من الحكومة الإسرائيلية، إلى تنفيذ مشروع يعرف بـ”الحوض المقدس”، وهو مشروع يهدف إلى تطويق البلدة القديمة بسلسلة من البؤر الاستيطانية والحدائق التوراتية والمواقع الأثرية التي يجري توظيفها لخدمة الرواية الإسرائيلية، في محاولة لطمس التاريخ العربي والإسلامي للقدس وإحلال رواية توراتية مكانه.
إن عمليات التهجير في سلوان ليست حدثاً معزولاً، بل هي امتداد لما جرى في الشيخ جراح، وما يجري في أحياء القدس المختلفة، ضمن سياسة ممنهجة تعتمد التدرج في اقتلاع الفلسطينيين من المدينة، فكل عملية إخلاء تصبح سابقة قانونية تُستخدم لاحقاً ضد عائلات أخرى، حتى يتحول التهجير إلى سياسة دائمة وليست استثناءً.
ورغم الإدانات الدولية المتكررة، فإن حكومة الاحتلال تواصل مشاريعها الاستيطانية مستفيدة من غياب أي إجراءات دولية رادعة، وهو ما شجعها على الانتقال من سياسة الاستيطان التدريجي إلى سياسة الحسم الديموغرافي، التي تستهدف تغيير الواقع السكاني للقدس بصورة تجعل أي حل سياسي مستقبلي فاقداً لمعناه.
إن معركة سلوان اليوم ليست معركة اثنتي عشرة عائلة فلسطينية فقط، بل هي معركة على مستقبل القدس بأكملها، فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الأحياء المحيطة بالمسجد الأقصى تعني الاقتراب أكثر من فرض مشروعه التهويدي، فيما يدرك الفلسطينيون أن صمودهم في هذه الأحياء هو خط الدفاع الأول عن المدينة المقدسة.
وإذا استمرت إسرائيل في تنفيذ مخططاتها دون محاسبة، فإن القدس ستواجه واحدة من أخطر مراحل التهويد في تاريخها الحديث، لكن التجربة أثبتت أيضاً أن المقدسيين، رغم كل ما تعرضوا له من هدم واعتقال وتهجير، ظلوا يشكلون العقبة الأكبر أمام المشروع الاستيطاني، لأن معركة القدس لم تكن يوماً مجرد صراع على الحجر، بل هي صراع على الهوية والوجود والرواية، وهي معركة ما زالت مفتوحة ولن يحسمها قرار محكمة ولا اقتحام وزير ولا توسع مستوطنة.
وفي خضم هذا التصعيد الاستيطاني المحموم، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أين تقف السلطة مما يجري في القدس وسلوان؟ فبينما تمضي إسرائيل بخطوات متسارعة لفرض وقائع لا رجعة عنها عبر الاستيطان والتهجير وتهويد المدينة، لا تزال القيادة الفلسطينية تراهن على عملية سياسية ماتت منذ سنوات، وتنتظر العودة إلى طاولة مفاوضات لم تعد إسرائيل نفسها تؤمن بها، بل تستغل الوقت الذي تمنحه لها لتوسيع مشروعها الاستعماري.
إن ما يحدث اليوم في القدس يثبت أن إسرائيل لا تتفاوض على الأرض، بل تتفاوض على الوقت، وخلال هذا الوقت تبتلع المزيد من الأرض، وتبني المزيد من المستوطنات، وتهجر المزيد من الفلسطينيين، حتى يصبح أي حديث عن حل الدولتين أو القدس عاصمة للدولة الفلسطينية مجرد شعار يصطدم بواقع صنعته الجرافات والمحاكم والمستوطنون.
لقد تجاوزت إسرائيل مرحلة إدارة الصراع، وانتقلت إلى مرحلة حسمه على الأرض، بينما لا يزال الخطاب الرسمي الفلسطيني أسير الرهان على الوسيط الأمريكي والمجتمع الدولي، رغم أن الوقائع اليومية تثبت أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة فرض القوة وسياسية الأمر الواقع، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا تبقى للتفاوض عليه إذا كانت القدس تُهوَّد، والأرض تُصادَر، والمنازل تُهدَم، وسكانها يُهجَّرون أمام أنظار العالم؟ إن استمرار الرهان على مسار أثبت فشله، في الوقت الذي تُعاد فيه صياغة مستقبل فلسطين بقوة الاحتلال، لا يعني سوى منح إسرائيل مزيداً من الوقت والغطاء السياسي لاستكمال مشروعها، في يوم لا يبقى فيه ما يمكن التفاوض عليه أصلاً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

