المسار : هناك لحظات في تاريخ المشاريع السياسية وخاصة الاستعمارية الكبرى تعجز فيها القوة العسكرية عن صناعة اليقين، وتتوقف فيها الآلة الدعائية عن الإقناع، فتُجبَر المنظومة برمّتها على مواجهة أسئلتها المؤجَّلة. وما تشهده إسرائيل اليوم يبدو من هذا القبيل تحديدًا؛ فالأزمة التي تتكشّف وتتعمّق لم تعد قابلة للاختزال في خلاف ائتلافي عابر، أو تعثّر عسكري ميداني، أو حتى في حرب لم تُحقّق أهدافها المعلنة. إنها، كما يصفها كثير من المحلّلين أنفسهم داخل إسرائيل وخارجها، أزمة في *بنية المشروع الصهيوني ذاته*، في فرضياته التأسيسية، وفي معادلات أمنه، وفي السردية التي قدّمها للعالم طوال عقود. والسؤال الذي حاولت الحركة الصهيونية تجاوزه بالقوة وبالدعم الخارجي يعود اليوم بإلحاح متجدّد،” هل يمكن لمشروع استيطاني إحلالي أن يُنتج استقرارًا دائمًا فوق أرض شعب آخر؟ وإلى متى يمكن للقوة العسكرية أن تُعوّض غياب الشرعية؟
قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ التأسيس على ما صاغه جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي، وعُرف بـ “الجدار الحديدي”. والفكرة في جوهرها بسيطة وقاسية في آن واحد – لا تفاوض مع الشعب الفلسطيني صاحب الحق الأصلي، ولا اعتراف بحقوقه، بل إخضاع متواصل عبر تفوّق عسكري ساحق، حتى يستسلم هذا الشعب ويقتنع بأن مقاومته عبثية- لم تكن هذه العقيدة مجرد خيار تكتيكي عابر، بل تصوّرًا استراتيجيًا كاملًا لكيفية إدارة الصراع مع “الآخر” الأصلي، القوة أولًا، والزمن كفيل بالباقي. بدت هذه المعادلة فاعلة ظاهريًا لعقود، إذ نجحت إسرائيل في فرض وقائع متلاحقة على الأرض دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا يوازي حجم ما ارتكبته. إلا أن حرب الإبادة المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني، والتي بلغت ذروتها بعد السابع من أكتوبر، كشفت حدود هذه المعادلة كشفًا غير مسبوق من أن تستعيد إسرائيل ردعها المفقود، وجدت نفسها في حرب استنزاف مفتوحة، بلا أفق سياسي واضح ولا نهاية محدّدة، تستنزف جيشها واقتصادها ومعنويات مجتمعها في آن واحد. لقد كشفت هذه الحرب زيف الادّعاء القائل إن القوة العسكرية وحدها كفيلة بإنهاء الصراع، وفضحت هشاشة السردية التي رُوِّج لها طويلًا. والأهم من ذلك أنها كشفت أن الجدار الأكثر هشاشة ليس ذلك الموجَّه نحو الخارج، بل الجدار الداخلي، الذي بدأ يتصدّع عبر انقسام بنيوي يشكّل تهديدًا وجوديًا لا يقلّ خطورة عن أي تهديد عسكري خارجي. فحين تُبنى دولة على معادلة “القوة تحل محل الشرعية”، فإن أول من يدفع ثمن انكشاف هذه المعادلة هو المجتمع الذي بُنيت الدولة باسمه.
لعلّ أخطر ما تكشفه القراءة الإسرائيلية الراهنة هو انتقال مركز الثقل في التهديد من الخارج إلى الداخل. فالمجتمع الإسرائيلي يعيش اليوم انقسامًا متعدد الأوجه والطبقات وليس انقساما عابراً، بل تتراكب طبقاته وتتغذّى إحداها من الأخرى، *انقسام دستوري*، حول طبيعة الدولة ذاتها وحدود سلطة القضاء واستقلاليته، وهو خلاف لم يعد قانونيًا بحتًا، بل صراعًا على من يملك تعريف “الدولة” نفسها. *انقسام ديني–علماني*، حول العلاقة بين الدين والدولة، ومكانة الحريديم وإعفاءاتهم من الخدمة العسكرية، وهو ما يمسّ مباشرة مبدأ “تقاسم العبء” الذي قام عليه العقد الاجتماعي الإسرائيلي منذ التأسيس. *انقسام اقتصادي–اجتماعي*، بين نخب تكنولوجية وعسكرية من جهة، وقوى يمينية شعبوية من جهة أخرى، حول توزيع الأعباء والثروة والموارد، *انقسام سياسي حاد*، حوّل الخلاف من تنافس بين برامج وأحزاب إلى صراع على شرعية النظام السياسي ذاته، وعلى من يملك حق تمثيل “الدولة اليهودية. لم تعد هذه التناقضات خلافات قابلة للاحتواء ضمن اللعبة البرلمانية التقليدية، بل تحوّلت إلى أزمة تمسّ جوهر العقد الاجتماعي الإسرائيلي نفسه. وحين يفقد المجتمع تماسكه وثقته بمؤسساته، تفقد الجيوش التي يقف خلفها معناها الرمزي والوظيفي معًا؛ فالجيش لا يقاتل باسم نفسه، بل باسم مجتمع يفترض أنه متماسك خلفه. وهذا بالضبط ما يدفع خبراء الأمن الإسرائيليين أنفسهم إلى وضع الانقسام الداخلي في مرتبة تضاهي، إن لم تتجاوز، تهديد المخاطر العسكرية الخارجية.
ربما تكون الأسطورة الأكثر جوهرية التي تتآكل اليوم هي أسطورة “الأمن المطلق الذي تصنعه القوة”. فالعقيدة الصهيونية وعدت مستوطنيها بأن التفوّق العسكري، مدعومًا بالتحالفات الغربية، سيضمن لهم أمانًا نهائيًا لا رجعة فيه. لكن الوقائع، جولة بعد جولة، أثبتت العكس تمامًا، فالقوة العسكرية، مهما بلغت ذروتها التقنية والعددية ومهما تجاوزت في استخدمها وكسرها لكافة المحرمات الدولية وتجردها من كافة القيم الإنسانية لم تنجح في كسر إرادة شعب يناضل من أجل حقوقه على مدى أكثر من سبعة عقود. والردع الذي بُني على الخوف لم يمنع تصاعد المقاومة بأشكالها المختلفة، بل ربما غذّاها، لأن الردع القائم على القهر وحده لا يُنتج استسلامًا دائمًا، بل يُراكم غضبًا مؤجَّلًا. وفي كل جولة عسكرية جديدة، تنتهي الأزمة إلى مزيد من التعمّق لا إلى الحل، لأن جذر المشكلة سياسي بامتياز وليس عسكريًا في جوهره. فما يتآكل اليوم ليس مجرد صورة إسرائيل الإعلامية، ولا حتى شرعية حكومة بعينها، بل القناعة التأسيسية الأعمق بأن القوة يمكن أن تحلّ محل الشرعية، وأن الأمن يمكن أن يُفرض من طرف واحد على شعب يُنكَر وجوده وحقّه في الأرض والتاريخ.
تشهد المكانة الدولية لإسرائيل تراجعًا بوتيرة متسارعة، في مقابل تقدّم لافت للسردية الفلسطينية على المستوى العالمي. فجرائم الحرب والإبادة الجماعية، وسياسات التجويع والتدمير الممنهج، لم تعد تمرّ دون محاسبة أو تساؤل، ولو كان بطيئًا ومتفاوتًا بين العواصم. تغيّرت صورة إسرائيل في الرأي العام العالمي تغيّرًا نوعيًا، وارتفعت الأصوات المطالبة بالعقوبات والمقاطعة والملاحقة القضائية الدولية على نحو لم يكن مألوفًا قبل سنوات قليلة. فالرواية التي قدّمت إسرائيل عبرها نفسها لعقود، بوصفها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” أو “واحة الديمقراطية” أو “الضحية الدائمة”، باتت تتآكل أمام مشاهد الإبادة المباشرة، سواء في غزة أو في الضفة الغربية. وحتى داخل الحلفاء التقليديين لإسرائيل، بات النقاش أكثر صراحة حول كلفة الارتباط غير المشروط بسياسات حكومة إسرائيلية تمضي بثبات نحو مزيد من التطرف. ولا يعني ذلك أن الدعم الغربي سينقطع فجأة أو قريبًا، لكنه لم يعد بلا ثمن سياسي داخلي في العواصم الغربية نفسها، وهذا تحوّل نوعي بحد ذاته، وإن بدا بطيئًا. فهذا التحوّل ينعكس سلبًا على إسرائيل تدريجيًا، ويقودها خطوة بخطوة نحو عزلة متصاعدة في مواجهة المجتمع الدولي، لا عزلة فورية وحاسمة، بل عزلة تراكمية تنخر في شرعيتها على المدى الطويل.
شكّل الاقتصاد لعقود أحد أهم أعمدة القوة الإسرائيلية فلديها قطاع تكنولوجي متقدّم، استثمارات أجنبية كبيرة، وعمالة مؤهّلة تنافسيًا على المستوى العالمي. لكن الحرب الإبادة المستمرة وضعت هذا النموذج بأكمله تحت ضغوط بنيوية متراكمة لا يمكن تجاهلها. فإسرائيل اليوم تعاني تضخّمًا غير مسبوق في الإنفاق العسكري، وتراجعًا في الاستثمارات الأجنبية، وهروبًا لرؤوس الأموال، وهجرة متزايدة للعقول والكفاءات بحثًا عن استقرار غائب داخل الكيان نفسه. يضاف إلى ذلك أزمة تجنيد متفاقمة، مع اتساع دائرة الإعفاءات وتحمّل فئة محدودة العبء الأكبر من كلفة الحرب البشرية. وفوق كل ذلك، فإن غياب الأفق السياسي يعني بالضرورة غياب الأفق الاقتصادي؛ فلا الاقتصاد الإسرائيلي، ولا أي اقتصاد آخر في العالم، يستطيع أن يحمل مشروعًا توسعيًا مفتوحًا بلا سقف زمني أو سياسي إلى ما لا نهاية. فالحروب المفتوحة تستنزف حتى الاقتصادات الأكثر متانة، وإسرائيل ليست استثناءً من هذه القاعدة، مهما بدت قدرتها على الصمود قصيرة المدى.
غير أن القراءة الرصينة تقتضي تحذيرًا مهمًا هنا فالدولة الاستعمارية حين تدخل مرحلة الأزمة البنيوية، لا تصبح بالضرورة أقل عدوانية، بل غالبًا ما تلجأ إلى تصدير أزماتها الداخلية نحو الخارج، عبر الإصرار على مواصلة الحروب، وتصعيد الاستيطان، وفرض مزيد من الوقائع على الأرض، كأنها تسابق الزمن قبل أن تُغلق النافذة أمامها. وهذه ليست علامات قوة كما قد تبدو ظاهريًا، بل أدوات لإعادة إنتاج التماسك الداخلي عبر التخويف الدائم من “العدو الخارجي”. فاليمين الفاشي الحاكم يدرك جيدًا أن بقاءه السياسي مرهون بإدامة حالة الطوارئ المستمرة، وأن أي تهدئة أو حل سياسي حقيقي سيكشف هشاشته الداخلية أمام ناخبيه أنفسهم. ومن هنا، فإن الأزمة البنيوية قد تُنتج، في المدى المنظور على الأقل، مزيدًا من العدوانية لا أقل منها.
إن الرهان الفلسطيني لا يجوز، ولا ينبغي، ولا يجب أن يقوم على انتظار تفكك إسرائيلي ذاتي وتلقائي. فالتاريخ أثبت مرارًا أن المشاريع الاستعمارية تتآكل فعلًا مع الوقت، لكنها لا تنهار من تلقاء نفسها أبدًا دون فعل مقاوم منظّم ومستمر يستثمر هذا التآكل ويحوّله إلى استحقاقات سياسية ملموسة. وأمام هذه الخلاصة، يصبح مطلوبًا فلسطينيًا، وبإلحاح متجدّد ولا يقبل المماطلة أو التأجيل:
إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج وطني جامع لا يقصي أحدًا ولا يُختزل في مصالح فصائلية ضيقة.
إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وفق مبدأ الشراكة والديمقراطية الحقيقية، بما يعيد لها تمثيلها الجامع لكل مكوّنات الشعب الفلسطيني.
تصعيد المقاومة الشعبية بأشكالها المختلفة، بوصفها أداة ضغط مستدامة ومتجدّدة الأدوات ينخرط فيها عموم الشعب وقواه.
توسيع المواجهة القانونية والدبلوماسية، لعزل الاحتلال ومحاسبته أمام المؤسسات الدولية، واستثمار التراجع في شرعيته الدولية.
بناء صمود مجتمعي واقتصادي حقيقي، يحوّل المعاناة اليومية إلى طاقة مقاومة متجدّدة، لا إلى استسلام أو إنهاك تراكمي.
واليقين المطلق هنا أنه كلما تعمّقت أزمة المشروع الاستيطاني الصهيوني بنيويًا، ازدادت مسؤولية الحركة الوطنية الفلسطينية في تحويل هذا التآكل إلى مكسب سياسي ملموس وقابل للقياس، لا مجرد انتصار معنوي عابر.
ربما يبقى الدرس الأعمق في هذه اللحظة أن مستقبل الصراع لن يُحسم بميزان القوة العسكرية وحده. فالقوة العسكرية تستطيع أن تدمّر، وأن تقتل، وأن تهدم، لكنها لا تستطيع أن تمنح شرعية لاحتلال، ولا أن توفّر استقرارًا حقيقيًا ودائمًا لمشروع يقوم أصلًا على إنكار وجود شعب آخر وحقوقه التاريخية والقانونية. إن ما يُحسم به مستقبل الصراع فعليًا هو ميزان الإرادة السياسية، والقدرة على الصمود، ووحدة الشعب في مواجهة مشروعه القائم على تفتيته، وتصاعد العزلة الأخلاقية والقانونية للاحتلال في المحافل الدولية.
وكلما سقطت أسطورة الأمن المطلق حجرًا بعد حجر، اقتربت لحظة الحقيقة، لحظة الاعتراف بأنه لا أمن بلا عدالة، ولا استقرار بلا حقوق، ولا مستقبل لمشروع يُنكِر أصلًا وجود شعب كامل. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا ينحاز للقوة الغاشمة إلى الأبد، بل ينحاز، عاجلًا أو آجلًا، لمن يملك الحقّ والإرادة والصبر على النضال.

