كتب عوض عبد الفتاح : تحالف الجبهة والتجمّع: هل يوفّر فرصة للتحوّل الاستراتيجي واستعادة التوازن؟

المسار : يمكن اعتبار التحالف بين التجمّع والجبهة نوعًا من الفرز السياسي، بعد أن أصرّت قيادة الحركة الإسلامية الجنوبية على التمسّك بنهجها الهجين الخطير، مع أنّ غالبية الناس الذين يشاركون في انتخابات الكنيست تشوّقوا بحرارة لولادة القائمة الانتخابية الرباعية، لاستشعارهم الخطر الداهم على وجودهم. غير أنّ هذه الرغبة بدّدها الإصرار على تفضيل التحالف مع حكومات الإبادة على التحالف مع أبناء الشعب الواحد.

ولكن تحوّل هذا الفرز إلى واقع، وإلى شراكة استراتيجية سياسية ونضالية فاعلة، مرهون بتوفير شروط أساسية تقع على عاتق الطرفين، وعلى من سيلتحق بهذا التحالف لاحقًا. سنأتي على هذه الشروط لاحقًا، ولكن أهمها يتلخّص في توافر الوعي باللحظة التاريخية ومستحقاتها الاستراتيجية، وليس الاقتصار على الشواغل الآنية المتعلقة بإسقاط نتنياهو وحكومته الإبادية فحسب.

تحوّلات المرحلة وحدود المقاربات التقليدية

في ظل حرب المحو المستمرة في قطاع غزة، وتصاعد جرائم المشروع الاستعماري الإحلالي الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في النقب والساحل والجليل والمثلث، وعلى المجال السياسي، لم تعد الانتخابات الإسرائيلية حدثًا سياسيًا اعتياديًا بالنسبة إلى فلسطينيي الداخل، كما لم يعد الجدل التقليدي بين المشاركة والمقاطعة كافيًا للإجابة عن أسئلة المرحلة.

فالمشهد الفلسطيني والإسرائيلي والإقليمي والدولي يشهد تحوّلات عميقة، تفرض إعادة النظر في الأدوات السياسية، وفي طبيعة المشروع الوطني الذي ينبغي أن يحكمها، خاصة أنه، على الرغم من صمود الشعب الفلسطيني واللبناني واليمني، وتورّط التحالف الأميركي الإسرائيلي في حرب عدوانية ضد إيران بلا مخرج، فإنّ ذلك لم يوفّر للشعب الفلسطيني القدرة على منع استمرار الإبادة واستباحة الضفة الغربية، وعلى فرض معادلة سياسية منصفة حتى الآن.

من هذا المنطلق، يُفترض أن يكتسب التحالف الانتخابي بين التجمّع الوطني الديمقراطي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة أهمية تتجاوز حدود المنافسة على عدد المقاعد في الكنيست. فالقضية الحقيقية ليست مجرد نجاح التحالف في عبور نسبة الحسم، على أهميته، بل في إمكانية تحوّله إلى بداية مسار سياسي جديد يعيد بناء الخطاب الوطني الفلسطيني في الداخل، ويفتح الباب أمام شراكة استراتيجية قادرة على مواجهة التحوّلات التاريخية التي تهدّد حياة فلسطينيي الـ48 ومستقبلهم، والتي تعصف بالقضية الفلسطينية وبإسرائيل نفسها.

لا يعني ذلك تجاهل الجدل التاريخي حول المشاركة في انتخابات الكنيست، أو التقليل من أهميته. فهذا الجدل نشأ من مفارقة أخلاقية وسياسية عميقة: كيف لشعب أصلاني اقتُلعت غالبيته من وطنها، وبقي جزء منه تحت حكم الدولة التي قامت على أنقاض مجتمعه، أن يشارك في برلمان تلك الدولة؟ لا سيما في الظرف الراهن الذي يتطلب، منطقيًا، من الشعب المستعمَر المساهمة في تأزيم المنظومة الإبادية التي تحكم هذه الدولة.

لكن حصر الإجابة عن هذا السؤال في البعد الأخلاقي الصرف، على أهميته، لم يعد كافيًا للإحاطة بتعقيدات الواقع وما يترتب عليه من مخرجات ضرورية، مهما كانت مؤلمة.

مسار الجدل بين المشاركة والمقاطعة

لقد ظل هذا السؤال حاضرًا منذ قيام إسرائيل، ولم يكن يومًا خلافًا بين وطنيين وغير وطنيين، بل كان خلافًا حول الوسيلة الأنسب لحماية المجتمع الفلسطيني وصيانة هويته الوطنية في ظل واقع استعماري شديد القسوة. لهذا السبب تعدّدت الإجابات:

• خيار المشاركة: منذ السنوات الأولى بعد النكبة، اختارت قوى سياسية المشاركة في الكنيست باعتبارها وسيلة للدفاع عن الحقوق المدنية، وكبح سياسات المصادرة والتمييز، واستثمار الهامش السياسي المتاح لحماية المجتمع، وإن كانت هذه القوى قد ذهبت بعيدًا في تقديم التنازلات المبدئية، وتحديدًا الحزب الشيوعي، الذي لم يراجع حتى الآن تلك التنازلات الكبيرة.

• خيار المقاطعة: في المقابل، رأت قوى أخرى أنّ المشاركة تمنح شرعية لمؤسسات الدولة الاستعمارية، وأنّ الحفاظ على الموقف الوطني يقتضي مقاطعة الكنيست وربط نضال فلسطينيي الداخل مباشرة بالمشروع التحرري الفلسطيني، وهو خيار مشروع ويمكن أن يكون فاعلًا في ظروف معينة. بدأت حركة الأرض بفكرة المقاطعة في أوائل الستينيات، ثم عدّلت موقفها، بعد ملاحقتها والتضييق عليها، نحو المشاركة لتكون قريبة من الجماهير، ومع ذلك تم حظرها وتشتيت قادتها. وفي السبعينيات، نشأت حركة أبناء البلد، كحركة وطنية فلسطينية، معلنة مقاطعة الانتخابات. وفي التسعينيات، بادرت وساهمت بفعالية في إنشاء حزب التجمّع، وشاركت في انتخابات الكنيست عام 1996، ثم عادت إلى مقاطعة الكنيست لاحقًا. أما الحركة الإسلامية الشمالية التي تتبنى المقاطعة، دون أن تخوض حملات منظمة منهجية، فقد تم حظرها، وملاحقة وسجن أبرز قادتها. وحتى بعد الحظر يتواصل التضييق عليها، ومحاصرة نشاطها السياسي وحتى الاجتماعي، مما ترك جزءا كبيرا من القاعدة الإسلامية مستباحة للتيار الإسلامي الجنوبي الذي يسرح ويمرح متفلتا من أي قيود وطنية أو دينية.

وعلى امتداد عقود، بقي النقاش يدور داخل هذه الثنائية دون أن ينجح في إنتاج رؤية وطنية جامعة تتجاوزها. فظل كل حزب أو حركة يحتفظ ببرنامجه الخاص، إلى جانب التنسيق في قضايا نضالية يومية أو قضايا تضامنية مع شعبنا الفلسطيني.

غير أنّ التحوّلات التي شهدتها السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها حرب الإبادة، كشفت حدود المقاربتين معًا:

أولًا، العمل البرلماني: فقد جانبًا كبيرًا من قدرته على التأثير في ظل الانزياح الحاد للمجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، وإقرار “قانون القومية”، وتضييق المجال السياسي أمام الفلسطينيين.

ثانيًا، المقاطعة: لم تتحوّل، في المقابل، إلى مشروع وطني منظّم يمتلك مؤسسات قادرة على قيادة المجتمع وتحصينه.

والآن، وللمفارقة، بعد أن كانت إسرائيل تحتاج إلى التمثيل العربي في الكنيست، بشروط معينة طبعًا، لأسباب تتعلق بـ”الديمقراطية اليهودية”، فإنّ “إسرائيل الجديدة” باتت تعمل على محاربة هذا التمثيل وإلغائه.

وهكذا، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل نشارك أم نقاطع؟ بل أصبح: ما المشروع الوطني الذي ينبغي أن يوجّه قرار المشاركة أو المقاطعة؟ وكيف يتحوّل فلسطينيو الداخل من مجرد رد فعل على سياسات إسرائيل إلى قوة سياسية فاعلة ومبادرة، تتولى صياغة مستقبلها بوعي، لا بأسلوب تبشيري؟

هذا التحوّل في طبيعة الأسئلة يعكس تغيّرًا أعمق في طبيعة المرحلة نفسها. فالنموذج السياسي الذي حكم القضية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو يتآكل بصورة متسارعة، بينما تدخل إسرائيل أزمة بنيوية غير مسبوقة، تُمسّ فيها شرعيتها الأخلاقية، وتتكشّف الطبيعة الاستعمارية لمشروعها أمام الرأي العام العالمي، دون أن تدفعها تلك الأزمة إلى التراجع حتى الآن، بل إلى مزيد من التطرف والعنف والتوحش.

وفي الوقت نفسه، لم تعد التحوّلات تقتصر على إسرائيل أو على القضية الفلسطينية عمومًا، بل طالت أيضًا الحركة السياسية لفلسطينيي الداخل. فخلال العقدين الماضيين، وحتى وقت قريب، شهدت الأحزاب الوطنية مراجعات فكرية وسياسية مهمة، أفرزت تقاطعات سياسية ونضالية لم تكن موجودة سابقًا، وخلقت أرضية جديدة لإعادة التفكير في طبيعة العلاقات بينها. وشملت هذه المراجعات التيارين الرئيسيين الآخرين إلى جانب التيار القومي، أي اليساري والإسلامي، بحيث شكّل التعاون بين هذه التيارات الثلاثة نموذجًا لافتًا أثار فضول شرائح فلسطينية واسعة وقوى سياسية مركزية، بل إعجابها.

ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى التحالف بين الجبهة والتجمّع باعتباره استجابة ظرفية لقانون الانتخابات أو لخطر عدم اجتياز نسبة الحسم، بل باعتباره فرصة لفرملة الانحراف السياسي، واستعادة الموقف الوطني السليم وصيانته، بما يمكن أن يمهّد لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني في الداخل على أسس أكثر نضجًا ووضوحًا.

فنجاح هذا التحالف لن يُقاس بعدد المقاعد التي سيحصل عليها، بل بقدرته على الانتقال من تنسيق انتخابي مؤقت إلى شراكة سياسية طويلة المدى، تستند إلى قراءة مشتركة لطبيعة الصراع، ولموقع فلسطينيي الداخل فيه، وللمهام التاريخية التي تفرضها المرحلة.

خلفية التقارب بين الحزبين

إنّ التحوّلات التي فرضتها السنوات الأخيرة لا تقتصر على المشهد الفلسطيني العام، بل طالت أيضًا الأحزاب الوطنية في الداخل، وفي مقدمتها الجبهة والتجمّع. فمن يقرأ مسار الحزبين خلال العقدين الماضيين يلاحظ أنّ مساحات التباعد والتوترات الشديدة بينهما قد تقلّصت، وأنّ نقاط التقاطع قد اتسعت، ليس نتيجة اعتبارات انتخابية فحسب، وإنما بفعل تغيّر الواقع نفسه. وقد حصل هذا التقارب في المواقف دون أن يتحوّل إلى تقارب فعلي ودائم، إذ ظلّت التوترات الشديدة والمناكفات تُثار بين الحين والآخر.

• الجبهة: انطلقت تاريخيًا من مقاربة ركّزت على النضال المدني والديمقراطي داخل إسرائيل أكثر من تركيزها على إعادة تنظيم فلسطينيي الداخل في هيئة قومية منتخبة. إلا أنّ خطابها شهد تطورًا متدرجًا نحو تأكيد أوضح للهوية الوطنية الفلسطينية، وإدراك متزايد لحدود الرهان على التحالفات مع القوى الإسرائيلية الليبرالية، وإن كانت الأصوات التي لا تزال تراهن على ذلك حاضرة داخلها. وقد جاءت السنوات الأخيرة، بما حملته من تصاعد غير مسبوق للفاشية الإسرائيلية، لتؤكد أنّ الأزمة ليست أزمة حكومة يمينية بعينها، بل أزمة مشروع استعماري استيطاني يتجه باطراد نحو مزيد من التطرف والإقصاء والتدمير.

• التجمّع: مثّل امتدادًا وتجديدًا للتيار القومي في الداخل، وخاض تجربة سياسية مختلفة منذ نشأته، تمثّلت في تحدي “يهودية الدولة” وترسيخ المقولة السياسية الأساسية: “لا مساواة متحققة، ولا حق تقرير مصير للشعب الفلسطيني ممكن، طالما تصر إسرائيل على التمسك ببنيتها الصهيونية الإقصائية”. وترك الباب مفتوحًا نحو أفق سياسي أرحب يتجاوز فكرة التقسيم وحل الدولتين. كما رسّخ نقده البنيوي المنهجي ليهودية الدولة، وواصل الدفاع عن الفلسطينيين في الداخل بوصفهم جماعة أصلانية، لا مجرد أقلية قومية تطالب بالمساواة. غير أنّ تجربة التجمّع تطرح بدورها أسئلة جديدة، وفي مقدمتها ضرورة ربط هذا الخطاب بصورة أوضح بالمشروع التحرري الفلسطيني الشامل، وإخراج هذا النقاش من الإطار الداخلي إلى المجال العام، وهي مهمة يتباطأ التجمّع في إنجازها دون مبرر. بل إنّ النقاش الداخلي القاعدي لا يزال محدودًا، ما يشكّل تراجعًا عن التقليد الذي اعتمده التجمّع في السابق، أي التثقيف المنهجي وتدريب الكوادر.

إنّ هذه التحوّلات لا تعني زوال الفوارق الفكرية بين الحزبين، ولا ينبغي لها أن تفعل. فالتحالف الاستراتيجي لا يقوم على التطابق الكامل، بل على الاتفاق حول القضايا المؤسسة والاعتراف بشرعية الاختلاف في القضايا الأخرى. ولذلك، فإنّ المطلوب ليس اندماجًا تنظيميًا ولا ذوبان أحد الحزبين في الآخر، وإنما بناء شراكة سياسية طويلة الأمد، قوامها رؤية مشتركة للمرحلة وبرنامج عمل يتجاوز الاستحقاق الانتخابي.

وتنبع أهمية هذا التحوّل من كون المجتمع الفلسطيني في الداخل يواجه اليوم تحديات لم تعد الأدوات التقليدية قادرة على التعامل معها منفردة. فإسرائيل لا تستهدف التمثيل البرلماني فحسب، بل تعمل على إضعاف المجتمع نفسه، وتفتيته، ودفعه إلى الهجرة عبر خنق المجال السياسي، وتغذية الجريمة المنظّمة، وتفكيك البنى الاجتماعية، وتحويل الفلسطينيين إلى أفراد منشغلين بالدفاع عن أمنهم الشخصي بدلًا من الانخراط في الفعل الوطني.

وفي مواجهة هذا الواقع، يصبح من الضروري الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مشروع وطني طويل النفس، يعيد تنظيم المجتمع ويعزّز مناعته. ومن هنا، ينبغي أن تكون وظيفة التحالف أوسع بكثير من إدارة حملة انتخابية مشتركة.

فالمطلوب أن يتحوّل إلى إطار يطلق نقاشًا وطنيًا واسعًا حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، ويستقطب الطاقات الفكرية والشبابية والمجتمعية، ويفتح المجال أمام المستقلين والنساء والنقابات والفعاليات المحلية، بل وأمام من يختلفون مع خيار المشاركة في الانتخابات، طالما يلتقون حول المشروع الوطني العام.

بناء المؤسسات والمراجعة الفكرية

وفي هذا السياق، تبدو إعادة بناء لجنة المتابعة العليا مهمة مركزية لا تقل أهمية عن الانتخابات نفسها. فقد كان يُفترض بهذه اللجنة أن تتطور إلى مرجعية وطنية جامعة منتخبة، تمتلك أدوات التخطيط والمبادرة، وتدير مؤسسات بحثية وقانونية واقتصادية وإعلامية تعزّز صمود المجتمع. غير أنّ التوجهات الاندماجية التقليدية للحزب الشيوعي حالت دون ذلك. واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لإعادة الاعتبار إلى هذا الإطار، بوصفه الحاضنة الطبيعية لأي مشروع وطني جامع، ليس فقط لصالح فلسطينيي الـ48، بل للشعب الفلسطيني كله.

لكن أي تحالف استراتيجي لن ينجح إذا اقتصر على التنسيق التنظيمي، دون مراجعة فكرية وسياسية مشتركة تتواصل مع الفكرة الفلسطينية التحررية الشاملة ومع الفكرة التحررية الكونية. وأعتقد أنّ هذه المراجعة ينبغي أن تنطلق من ست قضايا أساسية:

أولًا، إعادة تعريف طبيعة الصراع بوصفه صراعًا مع مشروع استعماري استيطاني إحلالي، لا مجرد صراع على المساواة داخل دولة لم تعد تأبه بديمقراطيتها اليهودية. فهذا التعريف يعيد إدراج النضال من أجل الحقوق المدنية في سياقه الطبيعي، باعتباره جزءًا من مشروع التحرر الوطني والديمقراطي، لا بديلًا عنه.

ثانيًا، إعادة فتح النقاش حول الأفق السياسي: فإسرائيل لم تكتفِ بإجهاض “حل الدولتين” الظالم، بل عملت طوال العقود الماضية على تقويض شروط قيامه، إلى أن أصبح الحديث عنه دوليًا بمثابة محاولة لإنقاذ إسرائيل من عزلتها الدولية، لا لتحقيق العدالة. وهذا يفرض على القوى الوطنية التفكير بجرأة في البديل الديمقراطي القائم على المساواة الكاملة والعدالة التاريخية في وطن واحد، علمًا بأنّ هناك أصواتًا قيادية داخل الجبهة بدأت تلمّح إلى إعادة النظر في حل الدولتين واستعادة برنامج الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل النكبة.

ثالثًا، تطوير الخطاب الديمقراطي والاجتماعي والحريات الفردية، بحيث يصبح الدفاع عن الحريات الفردية والجماعية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية جزءًا أصيلًا من المشروع الوطني، لا قضية مؤجلة إلى ما بعد التحرر. فلا يمكن أن تنفصل المقاومة عن المبادئ الديمقراطية التي هي شرط لإقامة مجتمع سليم ومحصّن ضد الخارج.

رابعًا، بناء مقاربة أكثر نضجًا للعلاقة مع البعد الحضاري والديني للشعب الفلسطيني والأمة العربية، باعتباره عنصرًا من عناصر الهوية والثقافة والمقاومة السياسية والأخلاقية، لا مجالًا للاستقطاب أو الإقصاء.

خامسًا، إعادة صياغة العلاقة مع القوى اليهودية المناهضة للصهيونية والعنصرية على أساس وضوح الرؤية السياسية والاستقلالية الوطنية، بعيدًا عن النماذج الهجينة التي أوجدت ارتباكًا خلال السنوات الأخيرة.

سادسًا، تعميق الرؤية النقدية للمنظومة الرأسمالية العالمية، وتطوير العلاقة مع حركات الشعوب التضامنية والتحررية، بخاصة في دول الغرب والجنوب؛ فقد باتت تقاطعية النضال واقعًا شعبيًا وسياسيًا في العديد من بقاع الأرض، لا سيما في دول المنظومة الرأسمالية.

إنّ هذه القضايا ليست برنامجًا حزبيًا مغلقًا، وإنما هي بداية نقاش فكري وسياسي يحتاجه الحزبان ويحتاجه المجتمع الفلسطيني كله. فالمطلوب اليوم ليس تغيير البرامج أو تعديلها أو تطويرها بين ليلة وضحاها، وإنما بناء وعي جديد يواكب التحوّلات التاريخية التي تعيشها القضية الفلسطينية.

وبهذا النوع من النقاش والقضايا، تبدأ العلاقة مع القضية الوطنية الفلسطينية بأخذ شكل متقدم، علمًا بأنّ هذه العلاقة الفكرية والتنظيمية لا تأتي من فراغ؛ فمنذ أكثر من عقدين، ينخرط عدد من المفكرين والأكاديميين والنشطاء الفلسطينيين من الداخل في الجهد التحليلي وإنتاج الفكر السياسي الذي يعيد تعريف إسرائيل كنظام أبارتهايد واستعمار استيطاني، والقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، وأنّ قضية فلسطينيي الداخل لا تُختزل في المساواة. هذا إضافة إلى نشوء أشكال مختلفة من الروابط الثقافية والاجتماعية والفنية والأدبية المشتركة. وتندرج “حملة الدولة الديمقراطية الواحدة”، التي انطلقت من مدينة حيفا عام 2018، ضمن هذه الروابط العابرة للتجزئة والتقسيم، إذ يتمثّل في هيئتها التنسيقية العليا مثقفون وأكاديميون ونشطاء فلسطينيون من فلسطين التاريخية والشتات، فضلًا عن يهود مناهضين للاستعمار. وتشكّل هذه الحملة منبرًا للتداول في الأفق الاستراتيجي النهائي للصراع وكيفية الوصول إلى الغاية النهائية، وتنتج أدبيات جادة بهذا الشأن.

خاتمة

لقد أثبت المجتمع الفلسطيني في الداخل، رغم كل ما تعرّض له من تهميش وملاحقة، أنه يمتلك طاقات بشرية وسياسية وثقافية تؤهله للقيام بدور يتجاوز حدوده الجغرافية. فهو التجمّع الفلسطيني الوحيد الذي ما زال يمتلك هامشًا، ولو محدودًا، للعمل السياسي داخل الوطن، فضلًا عن كونه راسخًا في أرضه. وهذه الحقيقة لا تمنحه امتيازًا على بقية التجمّعات الفلسطينية، لكنها تمنحه مسؤولية خاصة في المساهمة في إعادة بناء المشروع الوطني، ومد الجسور بين مختلف مكوّنات الشعب الفلسطيني.

إنّ السؤال الاستراتيجي الحقيقي الذي يواجه فلسطينيي الداخل ليس: هل نشارك أم نقاطع؟ فهذا سؤال تكتيكي تتغيّر إجابته بتغيّر الظروف وموازين القوى.

بل إنّ السؤال هو: كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل لتصبح شريكًا كاملًا في صياغة المشروع الوطني، وقادرة على حماية مجتمعها، والدفاع عن هويته، والمساهمة في تفكيك نظام الاستعمار الاستيطاني، لبناء مستقبل يقوم على الحرية والمساواة والعدالة التاريخية؟

عند هذه النقطة فقط، تكتسب المشاركة أو المقاطعة معناهما السياسي الحقيقي؛ فهما ليستا غاية في ذاتهما، بل وسيلتان ضمن استراتيجية وطنية أشمل، غايتها إعادة الاعتبار إلى مشروع التحرر الفلسطيني.

المصدر … عرب ٤٨

Share This Article