كتب مرزوق الحلبي : أن نحمل سرديتنا وهويتنا بشرف

المسار : يكذب عليكم وعلينا مَن يقول لكم إنه ذاهب للانتخابات من أجل الميزانيات أو من أجل التأثير. ففي نظام طبيعته فاشية كالذي نعيش في ظلّه الآن، لا يُمكن لهذا الكلام أن يُصرف. ولو لأمر بسيط، وهو التطابق الذي يحصل في ظلّ الفاشيّة بين الحكومة وبين الدولة، وبين الدولة وبين المجتمع. أمّا الطبقة البيروقراطيّة الوسيطة بين الناس وبين الدولة، فقد تآكلت تمامًا في السنوات الأخيرة مع إغراق القطاع العام بنشطاء الأحزاب والمقرّبين على حساب الكفاءة والمؤهّلات والاعتبارات المهنيّة. ليس هذا فحسب، فإن وظائف مؤسّسات الدولة و”السلطات” فيها تتحوّل بدورها، ويتمّ إفراغها من مضمونها. وفي رأس هذه المؤسّسات البرلمان، كما هو حاصل في إسرائيل في العقود الأخيرة. كما أن الانتخابات العامّة يُمكن أن تتغيّر وظائفها من تداول السلطة إلى تكريس الهيمنة ومنح الفاشيّة شرعيّة متجدّدة بدعوى تأييد الشعب ومناصرته، كما هو حاصل.

من هنا فإننا أمام سؤال مشروع من أهلنا: لماذا إذن نذهب إلى صناديق الاقتراع ما دام الوضع على هذا النحو؟ وهو سؤال في مكانه، سيّما أن الحالة الفاشية مقرونة في سياقنا بحرب إبادة واقتلاع وحروب متتاليّة ضد دول الجوار وشعوبه. ويصير السؤال ملحًّا في ضوء اختيار قائمة عربيّة انتخابيّة أن تنشقّ وتبحث عن “تأثير” و”ميزانيّات” في أروقة الفاشيين. في الحالة الفاشيّة تتغيّر الغاية من الانتخابات، وعلينا أن نُدرك هذا كي لا تظلّ توقّعاتنا على ما هي أو منسوخة عن غاياتها في المجتمع الفاشي. فماذا يبقى لشعب أصلانيّ أن يفعله في وضع ينزع فيه مجتمع الثكنة إلى تغييب الشعب الأصلانيّ وحرمانه من المورد السياسيّ؟ سأحاول أن أسجّل هنا الأهداف الممكنة من المشاركة في الانتخابات كما أراها في هذه المرحلة، المرحلة الفاشيّة.

ـ الهدف الأوّل للمشاركة هو الحضور في الحيّز العام في وقت يُراد لنا فيه أن نغيب كلّيًا من الوعي ومن الجغرافيا ومن السياسة. أن تنتخب قيادة وممثّلين هي فعل حضور وامتلاك لمورد السياسة، ولو أنّه محدود. فالحفاظ على الصوت مسموعًا ضرورة سياسيّة ووجوديّة. من هنا اعتبارنا خطوة الموحّدة، الاختفاء ضمن إرهاصات الليبرالية اليهوديّة الآيلة إلى نهايتها، تنازلًا عن الحضور أو تبعيّة للخواجة. أمّا مُقاطعة الانتخابات فقد كانت مجدية في الزمن الذي كانت فيه النُخب في الثكنة معنيّة بها و[أوسع شكل لها. يومها، كان للمقاطعة جدوى سياسيّة، أما اليوم، في ظروف نزع شرعيتنا السياسيّة والإنسانية، فلا أعتقد أن المقاطعة أمر حكيم أو ذات جدوى.

ـ الهدف الثاني هو ضمان وجود قيادة عربيّة مُنتخبة تعبّر عن إرادة جامعة للفلسطينيين في إسرائيل، ليس بوصفهم مواطنين ـ والمواطنة مادة سائلة تصوغها الدولة على هواها ـ بل كجزء من شعب له قضيّة ورواية ومطالب. له هويّة، والهويّة هنا مورد وكنز، وليست حدبة أو نقطة ضعف كما تراها الموحّدة فترميها في سلّة النفايات القريبة إكرامًا للخواجة أو شروطه المذلّة. أن تكون لنا قيادة مُنتَخبة نختلف معها وننتقدها أفضل ألف مرّة من أن يؤول الوضع إلى فوضى عارمة تستغلّها السلطة الفاشيّة لفرض المزيد من القهر والإخضاع، أو إلى تسليط “الموحّدة” على رقابنا بنهجها النكوصيّ سياسيًّا واجتماعيًّا ومعنويًّا، كما تمّ تسليط جماعات الإسلام السياسيّ ضد مجتمعاتها في مواقع عدّة في بلدان الجوار. هذا ناهيك عن أن قيادة مُنتخبة هي أمر هام في ممارسة التمثيل والسياسة تجاه الخارج من منطلق تبنّي السردية الفلسطينيّة وعدالة القضيّة التي تحملها.

ـ الانتخابات تشكّل فُرصة للانتظام السياسيّ. ومن هنا تشديدنا في هذه المرحلة على أهميّة أن يكون شكل الاصطفاف الانتخابيّ بأوسع صورة ممكنة للشعب الأصلانيّ بوصفه كيانًا سياسيًّا مُستهدفًا من مجتمع الثكنة. في هذه الحالة تصير الانتخابات، وهي أداة قليلة الكلفة تنظيميًا وسياسيًّا، فُرصة لتشكيل إرادة سياسيّة جامعة بوصفها موردًا وآليّة فعل واقتدار. أمّا أفضل اصطفاف فهو قائمة انتخابيّة وحدويّة واسعة تمثّل في هذه المرحلة إرادة الناس في التعاضد والتضامن والشعور بالوحدة، ليس للمعنويات فقط، بل كقيمة سياسيّة قائمة بذاتها. الوحدة هنا غاية بذاتها وليست وسيلة للوصول إلى البرلمان بأكبر عدد ممكن من النوّاب ـ وهذا هام بذاته ـ بل لأن الحضور بأوسع تشكّل سياسيّ يُشكّل أوتوماتيكيًّا ردعًا للسلطة ويزيد من شعور مجتمعنا بقوته وثقته بنفسه. من هنا تحديدًا، نعيب على “الموحّدة” الانشقاق والمراهنة على أداء لم يشفع للعرب زمن الوساع، فكيف سينفعهم في الزمن الفاشيّ. في ظل الإبادة والاقتلاع يسعى الناس إلى التكتّل والوحدة، وتسعى الموحّدة إلى تعطيل ذلك بقصد قاصد.

ـ الانتخابات فُرصة لشعبنا أن يقول “لا” كبيرة للفاشية وأن يعترض مشاريعها من خلال السعي إلى اعتراض هيمنتها البرلمانيّة. وهنا لا بدّ من القول إن المسؤوليّة تجاه شعبك ومجتمعك تتطلّب اعتراض الفاشيّة، لا التذرّع بالتطهّر الضميريّ أو بادّعاءات تقادمت وحرمان جماعتك من صوت “لا” مدوٍّ. لأن الحسابات في النهاية عدديّة، من المهم أن يحصل العرب الفلسطينيون على أكبر عدد من المقاعد على حساب الكتلة اليمينيّة المهيمنة ومنعها من تشكيل حكومة تواصل فاشيتها وعدوانها وحروبها. صحيح أن لا أحد يضمن أن تُحدث حكومة بديلة انعطافًا جذريًّا في الوضع، ومع هذا، لماذا لا نراهن على قوتنا الانتخابيّة وعددنا في البرلمان لنواجه المدّ الفاشيّ ونصدّه؟ لقد اختارت “الموحّدة” أن تذهب عكس المنطق السياسيّ آنف الذكر باستعدادها لدخول أي حكومة في المستقبل، وهو ما يعطّل، ولو بشكل جزئيّ، الاحتمال الكامن في قوة برلمانيّة عربية وازنة تحمل هويّتها وروايتها ووجودها بشرف.

في ظلّ الفاشيّة الأوروبيّة اختارت جماعات وشعوب راحتها على حريّتها، وانضوت قوى سياسيّة في الأقطار كافة تحت لواء النازية وحلفائها من الفاشيين. إلّا أن ذلك لم يحمِ بلادها من القهر والعنف وفظائع النازيّة. أمّا الأقطار التي انضوى فيها الناس تحت لواء جبهات المقاومة ـ في يوغسلافيا السابقة وبلغاريا ـ فكسب الناس المعركة، ولم تتلوّث الشعوب هنا بلوثة النازية. حبّذا لو أن كل شعبنا ذهب في هذا الخيار ورفض أن يكون تابعًا للقاهرين على أشكالهم.

Share This Article