المسار : طالبت عشر نقابات عمالية بريطانية رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام بالتحرك للضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل إنهاء الحرب الدائرة مع إيران، معتبرة أن استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط بات أحد أبرز العوامل التي تغذي أزمة غلاء المعيشة في المملكة المتحدة، عبر ارتفاع أسعار الطاقة والوقود والمواد الغذائية.
وجاءت هذه الدعوة في رسالة مفتوحة وقعتها قيادات عشر نقابات تمثل أكثر من 2.3 مليون عامل، نشرتها “الغارديان”، شددت فيها على أن الحكومة البريطانية مطالبة باتخاذ خطوات عملية لخفض التوتر، تبدأ بإلغاء السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لشن غارات على إيران.
ورأت النقابات أن لندن تمتلك نفوذاً حقيقياً في مسار الأزمة، نظراً لاعتماد واشنطن على قواعد بريطانية، أبرزها قاعدة “راف فيرفورد” في مقاطعة غلوسترشير وقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، لتنفيذ عملياتها الجوية.
وقالت الرسالة إن سحب الإذن باستخدام هذه القواعد سيحد من قدرة الولايات المتحدة على توسيع العمليات العسكرية، وسيبعث برسالة سياسية واضحة تدفع نحو وقف التصعيد.
وأضافت أن استمرار الحرب لا يمثل كارثة إنسانية في الشرق الأوسط فحسب، بل تحول أيضاً إلى عبء اقتصادي مباشر على المواطنين البريطانيين.
وأكدت النقابات أن انعكاسات الحرب بدأت تظهر بوضوح على الاقتصاد البريطاني، مشيرة إلى أن متوسط فاتورة الطاقة السنوية للأسر البريطانية ارتفع بنحو 221 جنيهاً إسترلينياً منذ اندلاع الحرب، في حين يتوقع أن ترتفع فاتورة الغذاء الشهرية للأسرة بنحو 32.8 جنيهاً.
وقالت الرسالة: “من دون إنهاء الحرب لن تكون هناك نهاية لأزمة غلاء المعيشة”.
وأوضحت أن الحكومة الحالية تبذل جهوداً لمعالجة الضغوط الاقتصادية على الأسر، إلا أن هذه الجهود ستظل محدودة الفاعلية ما دامت الحرب تؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.
وأبدت النقابات “قلقاً بالغاً” من سماح الحكومة البريطانية باستخدام أراضيها في العمليات العسكرية الأمريكية، معتبرة أن هذه الخطوة تتعارض مع الجهود الرامية إلى احتواء الصراع.
وشددت على أن القواعد البريطانية أصبحت أكثر أهمية للولايات المتحدة في ظل تعرض قواعدها في الشرق الأوسط لضغوط وهجمات مضادة، ما يجعل بريطانيا لاعباً مؤثراً في مسار الحرب.
ومن بين الموقعين على الرسالة قيادات نقابات كبرى، منها “يونيسون”، أكبر نقابة في المملكة المتحدة، إضافة إلى نقابة التعليم الوطنية، واتحاد الجامعات والكليات، واتحاد رجال الإطفاء، ونقابة العاملين في الاتصالات، ونقابة الممثلين “إيكويتي”.
وجاءت الرسالة بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إلى واشنطن، حيث أجرى أول لقاءاته مع مسؤولي إدارة ترامب منذ توليه منصبه الشهر الماضي.
ومن المتوقع أن تكون الحرب على إيران في صدارة مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أعلن أخيراً إحراز تقدم في المحادثات مع إيران وسلطنة عُمان بشأن تسهيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مع الإقرار بعدم التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن.
وفي المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يمنح إيران “فرصتها الأخيرة”، بعدما أدى تبادل الضربات العسكرية المكثفة خلال الأسبوع الماضي إلى تجدد المخاوف بشأن مستقبل الحرب وانعكاساتها على أسواق النفط والغاز.
وحظيت مطالب النقابات بدعم عدد من الاقتصاديين البريطانيين. وقال أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة في كلية كينغز بلندن، جوناثان بورتيس، إن الحكومة الجديدة تضع تحسين مستويات المعيشة ضمن أولوياتها، لكن استمرار الحرب والسياسات الأمريكية يعرقلان تحقيق هذا الهدف.
وأضاف أن الحرب، إلى جانب السياسات التي تقوض نظام التجارة الدولية، تزيد الضغوط على الاقتصاد البريطاني وتحد من قدرة الحكومة على معالجة أزمة المعيشة.
كما اعتبر خِم روغالي، المدير المشارك لمشروع “أمن المرحلة الانتقالية”، الذي نسق الرسالة، أن السماح للقاذفات الأمريكية بالانطلاق من الأراضي البريطانية قد يجعل المملكة المتحدة شريكاً في انتهاكات محتملة للقانون الدولي، فضلاً عن مساهمته في حرب تزيد الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
في المقابل، دافعت الحكومة البريطانية عن موقفها، مؤكدة أنها لم تشارك في العمليات الهجومية ضد إيران.
وقال وزير الخارجية إد ميليباند إن بلاده سمحت باستخدام قواعدها في إطار “الدفاع عن الحلفاء” وليس للمشاركة في عمليات هجومية، معتبراً أن ذلك “القرار الصحيح”.
وأضاف أن الأولوية الأساسية للحكومة هي منع اتساع دائرة الصراع والعمل مع الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، مؤكداً أن إنهاء الحرب يمثل جزءاً أساسياً من جهود معالجة أزمة غلاء المعيشة.
وقال ميليباند: “لم نصل بعد إلى وقف دائم لإطلاق النار، لكن علينا أن نبذل كل ما في وسعنا لتحقيق ذلك، لأن معالجة أزمة المعيشة تبدأ أيضاً بإنهاء الحرب”.
وتأتي هذه المطالب في ظل استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة مع تبادل الضربات الجوية والصاروخية واستهداف منشآت عسكرية وبنى تحتية، ما أدى إلى اضطراب حركة الملاحة في الخليج العربي وارتفاع المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية. وألقى التصعيد بظلاله على الأسواق الدولية، إذ ارتفعت أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن والتأمين، وهو ما انعكس على أسعار الوقود والكهرباء والمواد الغذائية في العديد من الدول، بما فيها بريطانيا، وسط تحذيرات اقتصادية من أن استمرار الحرب سيعمّق الضغوط التضخمية ويؤخر تعافي الاقتصادات من أزمة غلاء المعيشة.
وتتهم أطراف دولية الولايات المتحدة و”إسرائيل” بدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد، في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية، بوساطة سلطنة عُمان وعدد من الشركاء الإقليميين، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية.

