المسار :تقرير – تتسع في أوروبا النقاشات القانونية والسياسية المرتبطة بمناهضة الصهيونية والتضامن مع الشعب الفلسطيني، بين أحكام قضائية تؤكد حماية بعض المعتقدات المناهضة للصهيونية، وملاحقات قضائية يرى مؤيدون للقضية الفلسطينية أنها تستهدف نشطاء التضامن وتبعث برسائل تخويف إلى الحركات الداعمة للحقوق الفلسطينية.
حكم بريطاني يكرّس حماية المعتقد المناهض للصهيونية
في بريطانيا، أيدت محكمة استئناف العمل، في معظم جوانبها، حكماً سابقاً لصالح الأكاديمي البريطاني ديفيد ميلر، مؤكدة أن معتقداته المناهضة للصهيونية يمكن أن تحظى بالحماية القانونية باعتبارها «معتقداً فلسفياً» بموجب قانون المساواة البريطاني لعام 2010.
وتعود القضية إلى قرار جامعة بريستول فصل ميلر عام 2021، على خلفية تصريحات ومواقف تناولت الصهيونية وإسرائيل ودور مؤسسات وجماعات سياسية. وطعن الأكاديمي في قرار فصله، مؤكداً أن معاملته ارتبطت بمعتقداته السياسية والفلسفية.
وفي عام 2024، خلصت محكمة العمل إلى أن المعتقد الذي يتبناه ميلر يستوفي المعايير القانونية اللازمة للاعتراف به كمعتقد فلسفي محمي، كما اعتبرت أن فصله كان تمييزياً وغير عادل.
واستأنفت الجامعة الحكم أمام محكمة استئناف العمل، التي نظرت القضية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل أن ترفض معظم طعون الجامعة في أغسطس/آب 2026، مع الإبقاء على جوهر الحماية القانونية للمعتقد محل القضية.
ولا يعني الحكم أن المحكمة أصدرت قاعدة عامة تعتبر كل أشكال مناهضة الصهيونية محمية قانونياً، أو أنها قررت بصورة مطلقة أن مناهضة الصهيونية لا تساوي معاداة السامية؛ وإنما انصبّ القرار على مدى استيفاء معتقد ميلر المحدد لشروط الحماية بموجب قانون المساواة البريطاني.
ويمنح الحكم أهمية خاصة للنقاش المتعلق بحرية التعبير والمعتقد داخل الجامعات وأماكن العمل، في ظل تصاعد الجدل في بريطانيا وأوروبا حول حدود التعبير السياسي المتصل بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
«خُماسي أولم».. محاكمة تتجاوز المتهمين إلى حركة التضامن
وفي ألمانيا، تتواصل محاكمة ما يُعرف بـ«خُماسي مدينة أولم»، وسط انتقادات فلسطينية ترى أن القضية لا تستهدف الأشخاص الخمسة وحدهم، وإنما تحمل، بحسب هذا الطرح، رسالة تخويف إلى حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني، بهدف دفعها إلى التراجع عن نشاطها ومواقفها الداعمة للحقوق الوطنية الفلسطينية.
وقال المتحدث الإعلامي باسم الجالية الفلسطينية في ألمانيا، جورج رشماوي، إن الرد الفلسطيني على القضية «لن يقتصر على البيانات»، بل سيمتد إلى الشارع والإعلام والمسار القانوني.
وأشار رشماوي إلى وجود تحضيرات لتنظيم مظاهرات واعتصامات في مدينة أولم وعدد من المدن الألمانية، مؤكداً أن الجالية الفلسطينية حاضرة في 26 مدينة ألمانية ولن تقف، وفق تعبيره، «متفرجة» أمام ما تعتبره استهدافاً لنشطاء ومتضامنين مع فلسطين.
وتأتي هذه التحركات في ظل نقاش متصاعد داخل ألمانيا حول حدود النشاط السياسي والتضامن مع فلسطين، وما بين حماية حرية التعبير والتجمع من جهة، وفرض قيود قانونية على بعض أشكال النشاط أو الخطاب من جهة أخرى.
وبينما تختلف الوقائع والمسارات القانونية بين قضية ميلر في بريطانيا ومحاكمة «خُماسي أولم» في ألمانيا، فإن القضيتين تلتقيان في مساحة أوسع تتعلق بمستقبل حرية التعبير السياسي والنشاط التضامني مع فلسطين في أوروبا، وحدود تدخل المؤسسات والسلطات في التعامل مع المواقف المناهضة للصهيونية أو الداعمة للحقوق الفلسطينية.

