سفيان بركات – مدير مركز واصل لتنمية الشباب
المسار :منذ عقود، شكّل التمويل الدولي مورداً أساسياً لاستمرار قطاع واسع من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وأسهم في الحفاظ على خدمات وبرامج حقوقية وتنموية وإنسانية في بيئة شديدة التعقيد. غير أن طول عمر هذه العلاقة أنتج إشكالية تتجاوز سؤال حجم التمويل أو ضرورته إلى طبيعة المنظومة التي تشكلت حوله. فحين تستمر الأدوات والشروط والأولويات التمويلية نفسها رغم التحولات العميقة في الواقع الفلسطيني، تتحول من ترتيبات مؤقتة لضمان إدارة الموارد إلى بنية شبه ثابتة تعيد تشكيل المجتمع المدني وفق منطقها الخاص. وهذا ما يمكن وصفه بتكلّس سياسات المانحين.
يظهر هذا التكلّس في منظومة مترابطة من الاشتراطات السياسية وإجراءات التحقق والامتثال، ودورات التمويل القصيرة، والمؤشرات المصممة مسبقاً، والأولويات التي تتغير وفق أجندات التمويل الدولية أكثر مما تتغير وفق المسارات الطويلة للمجتمع الفلسطيني. المشكلة ليست في وجود معايير للمساءلة أو الرقابة، وهي ضرورية، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها هذه المعايير هي التي تحدد حدود الفعل المدني المقبول، ما القضايا التي يمكن تمويلها، وكيف يمكن تعريفها، وأي لغة يمكن استخدامها، ومن يمكن أن يكون شريكاً، وما الذي يمكن اعتباره نتيجة قابلة للقياس.
في السياق الفلسطيني تصبح هذه الإشكالية أكثر حدة، لأن كثيراً من أدوات التنمية التقليدية تفترض إمكانية فصل المشكلة التنموية عن بنيتها السياسية. البطالة تتحول إلى مسألة مهارات وتشغيل، والفقر إلى مشكلة دخل، والنزوح إلى ملف احتياجات، والصمود إلى قدرة على التكيف؛ بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالبنية التي تعيد إنتاج هذه الحالات. وهنا يحدث تحول بالغ الدلالة، بدلاً من أن يساعد التمويل المجتمع على زيادة قدرته على تغيير الواقع، يمكن أن يصبح أكثر تركيزاً على رفع قدرته على التكيف معه. فتُدار نتائج الأزمة بفعالية، بينما تبقى أسبابها خارج حدود المشروع.
والأثر الأعمق لهذا النموذج لا يقع على البرامج فقط، بل على بنية منظمات المجتمع المدني نفسها. فسنوات العمل وفق دورات المشاريع أدت إلى نشوء مؤسسات تتشكل هياكلها الداخلية بدرجة كبيرة حول متطلبات التمويل، تطوير المقترحات، إدارة العقود، المشتريات، الامتثال، المتابعة والتقييم، التقارير والاتصال بالمانحين. وهي وظائف ضرورية للمهنية، لكن هيمنتها قد تجعل القدرة المؤسسية تُقاس بمدى قدرة المنظمة على إدارة المنحة وليس بمدى ارتباطها بقاعدتها الاجتماعية أو قدرتها على إنتاج أجندة مستقلة. وهكذا قد تصبح بعض برامج «بناء القدرات»، في مفارقة واضحة، أكثر نجاحاً في بناء قدرة المؤسسة على الاستمرار داخل نظام التمويل من بناء قدرتها على الاستقلال عنه.
ومع مرور الوقت، أنتج ذلك ما يمكن تسميته طبقية داخل قطاع المجتمع المدني الفلسطيني. ففي قمة الهرم توجد مؤسسات كبيرة ومهنية تمتلك تاريخاً طويلاً مع المانحين، وأنظمة إدارية ومالية متقدمة، وفرقاً متخصصة في كتابة المقترحات وإدارة البرامج والتقارير باللغة والخطاب اللذين يتطلبهما التمويل الدولي. وتمنحها هذه القدرة ميزة تراكمية، التمويل السابق يؤهلها للحصول على تمويل جديد، والتمويل الجديد يسمح لها بتطوير أنظمتها وتوسيع فرقها، ما يعزز قدرتها على المنافسة في الجولة التالية. وبذلك يمكن أن يتشكل عملياً رأس مال مؤسسي تمويلي تحتكره مجموعة محدودة نسبياً من المنظمات.
في المقابل، قد تجد المؤسسات الصغيرة والمبادرات المحلية واللجان والمجموعات الأكثر قرباً من المجتمعات نفسها أمام حاجز دخول مرتفع: سجل مالي سابق، تدقيقات، أنظمة مشتريات، سياسات حماية وامتثال، قدرة على التمويل المسبق، كوادر باللغة الإنجليزية، وخبرة في التعامل مع النماذج والمؤشرات المعقدة. والمفارقة أن الجهة الأكثر معرفة بالاحتياج المحلي قد تكون الأقل قدرة على الوصول مباشرة إلى الموارد المخصصة لمعالجته. فتنشأ سلسلة هرمية يصبح فيها المانح في الأعلى، ثم المؤسسات الأكبر القادرة على الوصول إليه، ثم المؤسسات المحلية كشركاء تنفيذ، وفي النهاية المجتمع باعتباره «فئة مستهدفة». وهكذا لا يعاد توزيع المال فقط، بل يعاد توزيع النفوذ داخل المجتمع المدني.
وتنعكس هذه الطبقية أيضاً داخل المؤسسات ذاتها. فالوظائف المرتبطة بإدارة المنح والعلاقات الدولية وصناعة المقترحات تصبح أكثر مركزية في تحديد مستقبل المؤسسة من المعرفة الميدانية في بعض الحالات، بينما تبقى قطاعات واسعة من العاملين مرتبطة بعقود المشاريع ومددها. وينشأ بذلك تفاوت بين من يملكون القدرة على الوصول إلى دوائر صناعة القرار والتمويل، وبين من ينفذون البرامج في الميدان، وبين المجتمعات التي يُفترض أن العمل المدني يمثل مصالحها. ومع الوقت، يمكن أن ينتقل مركز الثقل من سؤال «ماذا يحتاج المجتمع؟» إلى سؤال أكثر براغماتية: «ما الذي يمكن تمويله؟».
كما يخلق هذا النظام منافسة دائمة بين المؤسسات على الموارد المحدودة، وهو ما يضعف إمكان بناء تنظيم أفقي وتحالفات مستقرة. فالمنظمات التي يفترض أن تتعاون حول قضايا وطنية ومجتمعية مشتركة تجد نفسها متنافسة على الدعوات التمويلية نفسها. ومن هنا لا يؤدي التكلّس إلى التبعية المالية فقط، بل قد يساهم في تفتيت المجال المدني نفسه إلى مؤسسات ومشاريع وقطاعات متوازية، لكل منها علامتها المؤسسية وشبكة مانحيها ومصالحها في الاستمرار، فيما تتراجع القدرة على تشكيل أجندة جماعية تتجاوز دورة المشروع.
لكن تحميل المانحين المسؤولية وحدهم سيكون تبسيطاً للمشكلة. فقد تكيف جزء من المجتمع المدني الفلسطيني مع هذه المنظومة، وتشكلت حولها وظائف وهياكل ومصالح وأشكال من النفوذ المؤسسي. لذلك فإن كسر التكلّس يحتاج إلى مراجعة مزدوجة: لسياسات التمويل من جهة، وللنموذج الذي بنته المؤسسات الفلسطينية حول هذا التمويل من جهة أخرى. فالاستقلال لا يعني رفض التمويل الدولي، وإنما رفض أن يصبح التمويل هو الذي يعرّف المؤسسة ووظيفتها وحدود خطابها.
ويبدأ البديل من تنويع مصادر الموارد، لكنه لا ينتهي عندها. التمويل المجتمعي، ومساهمات الشتات، والتبرعات الفردية، والصناديق الوطنية، والاستثمار الاجتماعي، والشراكات القائمة على القيم يمكن أن تقلل الاعتماد على مصدر واحد، لكن الاستقلال الحقيقي يتطلب أيضاً إعادة بناء التنظيم الأفقي للمجتمع المدني، وإعطاء المؤسسات المحلية الصغيرة وصولاً أكثر عدالة للموارد، وبناء مواقف مشتركة تجاه الشروط التمويلية، وإعادة تعريف العلاقة مع المانحين باعتبارها علاقة تفاوض وشراكة لا علاقة متلقٍ بممول. وهذا هو جوهر التصور الذي تطرحه مبادرة مسارات الصمود من خلال الربط بين التمويل البديل، وتنظيم المجتمع المدني، والحوار النقدي مع المانحين، وبناء تحالفات أوسع قائمة على التضامن والقيم المشتركة.
المسألة في النهاية ليست رفض الدعم الخارجي، بل السؤال عمّا يتركه هذا الدعم وراءه. فإذا انتهت عقود التمويل بمجتمع مدني يمتلك مؤسسات أكبر لكنه أكثر اعتماداً، وأكثر مهنية لكنه أكثر تفاوتاً، وأكثر قدرة على إدارة المشاريع لكنه أقل قدرة على تحديد أجندته بصورة جماعية، فإن علينا إعادة النظر في معنى «بناء القدرات» ذاته. الدعم الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي موّلها، بل بمدى قدرته على تقليص الحاجة إليه، وتوسيع استقلال المجتمع المدني، وإعادة توزيع القوة داخله، وتعزيز صلته بالمجتمع الذي يستمد منه شرعيته. عند هذه النقطة تحديداً يصبح كسر تكلّس المانحين جزءاً من استعادة المجتمع المدني لدوره، لا مجرد إصلاح في طريقة تمويله.
جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

