المسار : لم يعد العدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى المبارك يقتصر على اقتحامات المستوطنين ومحاولات فرض واقع جديد داخل ساحاته، بل بات يأخذ منحى أكثر خطورة مع اتساع أداء الطقوس الدينية اليهودية بصورة علنية ومنظمة.
فمع كل خطوة جديدة، تتسع مساحة ما يُسمح للمستوطنين بممارسته، من “الصلاة والسجود الملحمي وقراءة النصوص الدينية”، إلى إدخال الكتب والمواد الدينية إلى باحات المسجد، في مشهد يجري تحت حماية شرطة الاحتلال وبغطاء سياسي، بما يعكس مسارًا متدرجًا نحو تغيير هوية الأقصى وفرض واقع ديني جديد فيه.
وفي تطور خطير، كشفت “جماعات الهيكل” المتطرفة عن سماح شرطة الاحتلال لمستوطنين بإدخال كتب الصلاة التلمودية “السيدور” إلى المسجد الأقصى وأداء الشعائر الدينية علنًا داخل باحاته، في خطوة تمثل انتقالًا جديدًا من السماح بأداء الصلاة إلى السماح بإدخال أدواتها وكتبها الدينية إلى المسجد.
وبحسب ما أعلنته الجماعات المتطرفة، “حظيت الخطوة بموافقة وإقرار شخصي من مفوض شرطة الاحتلال داني ليفي، الذي اعتمد قائمة محددة تضم 15 مقتحمًا فقط للسماح لهم بإدخال كتب الصلاة إلى المسجد”.
ودعت إلى مزيد من التسهيلات للمستوطنين خلال الاقتحامات، بما يشمل السماح بإدخال أدوات دينية خاصة بالصلاة، ومن بينها “التفلين”.
ويأتي إدخال “كتب الصلاة” في سياق سلسلة من التغييرات المتدرجة التي شهدها المسجد الأقصى خلال العامين الأخيرين، وفق توثيق مركز معلومات وادي حلوة بالقدس المحتلة.
وحسب المركز، انتقلت الطقوس الدينية اليهودية داخل المسجد الأقصى من محاولات محدودة وفردية إلى ممارسات أكثر علنية وتنظيمًا، ثم إلى السماح بإدخال المواد الدينية، وصولًا إلى الكتب المستخدمة في أداء الصلاة.
ومنذ إعلان وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، في آب/أغسطس 2024، نيته إقامة كنيس يهودي في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، شهدت المنطقة تصاعدًا متواصلًا في مظاهر الصلاة اليهودية العلنية، وتحولت تدريجيًا إلى نقطة يومية للصلوات الجماعية، ومكان لعقد جلسات تعليمية، والجلوس على الكراسي والمصاطب، والتوقف لفترات طويلة تتراوح بين 20 و40 دقيقة خلال الاقتحامات.
وبذلك، لم يعد وجود المستوطنين في المنطقة الشرقية مقتصرًا على المرور ضمن مسار الاقتحام، وإنما بدأت تُفرض فيها أنماط جديدة من التواجد، تشمل الصلاة والجلوس والتجمع وعقد الجلسات، بما يعزز تحويلها تدريجيًا إلى مساحة مخصصة للممارسات الدينية اليهودية داخل المسجد.
وخلال عام 2026، تواصل هذا المسار وصولًا إلى تموز/يوليو الماضي، بالتزامن مع ما يسمى “ذكرى خراب الهيكل”، حيث نُصبت مظلة في المنطقة الشرقية خلال المناسبة، في خطوة ارتبطت بتسهيل وجود المقتحمين وممارساتهم في المنطقة.
خطوات خطيرة
رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر يرى أن السماح بإدخال كتب الصلاة إلى داخل المسجد الأقصى يأتي استكمالًا لخطوات عديدة اتُّخذت من قبل، هدفها تمكين المستوطنين من المسجد، وتحويلهم من مجرد أشخاص يدخلون لأداء “طقوس بسيطة وعابرة إلى أصحاب حقوق”.
ويقول خاطر في حديث له : إن الأمر بدأ بالدخول كسياحة، ثم تطور، وأصبح بشكل منتظم كجماعات دينية، لها شعارات وهتافات وصلوات، ثم سجود ورفع أعلام، انتهاءً الآن بإدخال كتب الصلاة، التي يمكن أن تتطور إلى أدوات أخرى.
ويضيف أن الأمور تتسارع اليوم داخل المسجد الأقصى، ما يشكل تطورًا خطيرًا وكبيرًا، ويمكن أن يؤدي إلى تفجير الأوضاع.
ويؤكد أن الاستخفاف بمشاعر المسلمين والتعامل مع المسجد الأقصى على أنه “مقدس يهودي”، إلى جانب إدخال كل الأدوات والشعارات اليهودية التي أصبحت قائمة داخل المسجد، من شأنه أن يفجر الأوضاع كنتيجة لا مفر منها.
ويحذر من أن استمرار هذه السياسة يدفع بسرعة كبيرة نحو انفجار الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وقد تكون شرارتها من المسجد الأقصى ومن القدس؛ لأن انتفاضات الشعب الفلسطيني وثوراته ارتبطت تاريخيًا بالمسجد الأقصى، ابتداءً من ثورة البراق عام 1929، مرورًا بانتفاضة الأقصى عام 2000، وصولًا إلى “طوفان الأقصى” عام 2023.
لذلك، فإن الأوضاع المتعلقة بالمسجد الأقصى تسير بخطوات سريعة وخطيرة، خاصة في ظل حكومة يمينية إسرائيلية متطرفة، ووجود وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يعتزم إقامة كنيس يهودي في المنطقة الشرقية من الأقصى. وفق خاطر
تقسيم مكاني
ولهذه الخطوة، يقول خاطر، تداعيات كبيرة على المسجد الأقصى، من شأنها أن تدفع نحو محاولة إيجاد موطئ قدم حقيقي للمستوطنين داخل المسجد المبارك.
ويتابع خاطر: “نحن الآن في مرحلة السيطرة المكانية على المسجد الأقصى، بعد انتزاع الحق الزماني الذي يتمثل في الاقتحامات اليومية والمناسبات الدينية وغيرها”.
لذلك، “نحن أمام محطة أكثر خطورة تتمثل في احتمال وإمكانية السيطرة على أجزاء من المسجد الأقصى بشكل رسمي وواضح، تُخصص لعبادات اليهود”.
ويشير خاطر إلى أن هذا الأمر حُدد تقريبًا على مدار السنوات الماضية بالقرب من باب الرحمة شرقي الأقصى، وهو المكان الذي تُقام فيه الصلوات التلمودية والرقصات، مؤكدًا أن هذا المكان بات محط أطماع المستوطنين والجماعات المتطرفة.
ويضيف أن هناك سباقًا انتخابيًا، إذ يسعى كل حزب إسرائيلي إلى استقطاب أكبر عدد من أصوات المتطرفين، من خلال توظيف المسجد الأقصى في خطابهم السياسي بشكل كبير وخطير، في محاولة للظهور بمظهر “المخلص اليهودي” الذي يسعى إلى “إعادة الهيكل لليهود وربطهم بهذا المكان المقدس”، وفق زعمهم.
ويحذر من أن الخطورة على المسجد الأقصى في هذه المرحلة باتت أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق، بحيث تتسع معها احتمالات تنفيذ أعمال غير مسبوقة داخل المسجد، بأشكال مختلفة، وسط محاولات لوضع اليد على أجزاء منه.
تنافس انتخابي
ومن وجهة نظر خاطر، فإن هذه الخطوات المتطرفة تأتي في ظل ظروف باتت مفتوحة للمزاودة السياسية بين الأحزاب اليمينية المتطرفة، إلى جانب انشغال العالم بأزمات وحروب خارجية، ما يتيح تمرير مزيد من الإجراءات الخطيرة بحق المسجد الأقصى.
ويعني ذلك أن المسجد الأقصى أمام خطوات أشد خطورة قبيل الانتخابات الإسرائيلية، كونه أصبح ميدانًا للتنافس الانتخابي منذ زمن، وليس الآن، لكن الخطورة اليوم تُكمن في أن زعماء الجماعات المتطرفة أصبحوا في مواقع رسمية وأحرزوا تقدمًا كبيرًا في أوساط الشارع الإسرائيلي.
ويتابع: “بالتالي، فإن هؤلاء لا يريدون التراجع أو فقدان هذا الرصيد، ومن أجل كسب مزيد من الرصيد الانتخابي، قد يؤدي ذلك إلى مزيد من العدوان على المسجد الأقصى”.
ويردف: “ربما نكون أمام اعتداءات مباشرة على المسجد الأقصى، تشمل إعلان السيطرة على أجزاء معينة منه، أو اتخاذ خطوات، مثل التقسيم الجغرافي، أو الحد من الصلاحيات أو نزعها، أو إخضاع المسجد الأقصى للسيطرة الإسرائيلية”.
بدورها، أدانت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير مصادقة وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير، على السماح للمستوطنين الإرهابيين بإدخال كتب الصلاة اليهودية الكاملة وإقامة صلوات علنية ومنظمة داخل باحات المسجد الأقصى.
واعتبرت الدائرة في بيان يوم الثلاثاء، أن هذه الخطوة تمثل تصعيدًا نوعيًا وخطيرًا في استهداف الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.
وأكدت أن هذا الإجراء يندرج ضمن مسار تدريجي وممنهج يبدأ بالطقوس الصامتة و”السجود الملحمي”، ويتطور إلى تنظيم الطقوس التلمودية الجماعية.
وأكدت أن هذا ما يكشف عن محاولة لتحويل الاقتحامات إلى ممارسة دينية منظمة وفرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى، وصولًا إلى تقويض هويته الإسلامية ومكانته التاريخية.


