كتب “اسماعيل الريماوي “من فلسطين أكشن إلى مستوطنين الضفة.. عالم بمعايير مزدوجة في تعريف الارهاب

المسار : في عالم يرفع شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة، تبدو فلسطين مرة أخرى شاهدة على واحدة من أكثر حالات ازدواجية المعايير السياسية والأخلاقية وضوحاً، فحين يتعلق الأمر بفلسطيني أو بحركة تتضامن مع الشعب الفلسطيني، تتحول اللغة السياسية الغربية سريعاً إلى لغة الإرهاب والتطرف والتهديد للأمن، أما حين يتعلق الأمر بعنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، فتتغير المفردات، وتصبح الجرائم «أعمالاً فردية» أو «تطرفاً» أو «اضطرابات»، وكأن الضحية الفلسطينية أقل قيمة، وكأن الدم الفلسطيني لا يستحق التعريف نفسه للجريمة.

 

الولايات المتحدة اختارت أن تضع حركة «فلسطين أكشن» على قوائم الإرهاب، في قرار يعكس إلى حد كبير الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع كل نشاط يرتبط بالقضية الفلسطينية، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة: إذا كان الاعتداء على الممتلكات أو ممارسة العنف سبباً كافياً لوصف جهة ما بالإرهاب، فماذا عن الاعتداءات المتكررة التي يمارسها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية؟ ماذا عن إحراق المنازل والمركبات، واقتلاع الأشجار، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على المزارعين، ومهاجمة القرى، وتهجير العائلات والاستيلاء على الأراضي؟

هل تتغير تسمية الجريمة عندما يكون مرتكبها مستوطناً إسرائيلياً؟

هذه ليست مسألة لغوية، وإنما مسألة سياسية وأخلاقية وقانونية في غاية الخطورة، فالإرهاب إذا كان العالم جاداً في محاربته، لا ينبغي أن تكون له جنسية أو دين أو قومية، لا يمكن أن يكون العنف إرهاباً عندما يرتكبه فلسطيني، ثم يتحول إلى «تطرف» أو «فوضى» أو «تصرفات فردية» عندما يرتكبه مستوطن إسرائيلي.

الأكثر خطورة أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية لم يعد ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها مجموعة من الحوادث المنفصلة، لقد أصبح العنف في كثير من المناطق جزءاً من واقع يومي يعيشه الفلسطينيون، ويتقاطع مع التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي ومحاولات فرض أمر واقع جديد بالقوة.

وعندما يترافق اعتداء المستوطنين مع حماية الجيش الإسرائيلي أو تقاعس السلطات عن محاسبة المعتدين، فإن القضية تتجاوز سلوك أفراد إلى منظومة تنتج الخوف والتهجير وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي على الأرض.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: العالم الغربي الذي يطالب الفلسطينيين بإدانة العنف، ويضع الحركات المؤيدة لفلسطين تحت المجهر، ويستخدم أقسى المفردات عندما يكون الفاعل فلسطينياً، يبدو عاجزاً عن استخدام اللغة نفسها عندما يكون المعتدي إسرائيلياً.

بل إن بعض المسؤولين الأميركيين أنفسهم اضطروا إلى الاعتراف بأن ما يقوم به المستوطنون يمكن أن يصل إلى مستوى الإرهاب، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نرى السياسة نفسها، والضغط نفسه، والعقوبات نفسها، والملاحقات نفسها؟

لماذا تصبح معاقبة جهة متضامنة مع الفلسطينيين قضية أمن قومي، بينما لا تتحول الاعتداءات المنظمة على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم إلى قضية دولية بالخطورة نفسها؟

إن المشكلة الحقيقية ليست في قرار واحد، وإنما في منظومة كاملة من المعايير المزدوجة، منظومة تجعل إسرائيل حليفاً فوق المساءلة، وتجعل الفلسطيني دائماً موضع اتهام ودفاع عن نفسه، حتى عندما يكون هو الضحية.

هذه السياسة لا تؤدي فقط إلى ظلم الفلسطينيين، بل تدمّر أيضاً مفهوم مكافحة الإرهاب نفسه، فعندما تستخدم الدول الكبرى مصطلح الإرهاب بصورة انتقائية، تفقد الكلمة معناها الأخلاقي والقانوني، وتتحول من أداة لحماية المدنيين إلى سلاح سياسي يستخدم ضد الخصوم.

والسؤال الذي يجب أن تسمعه واشنطن والعواصم الغربية ليس معقداً: هل قيمة حياة الإنسان الفلسطيني تساوي قيمة حياة الإنسان الإسرائيلي؟

إذا كانت الإجابة نعم، فعليهم أن يثبتوا ذلك بالأفعال، لا بالبيانات.

وإذا كان الاعتداء على المدنيين جريمة، فليكن جريمة أياً كان مرتكبها، وإذا كان إحراق منزل أو الاعتداء على إنسان أو تهجيره أو الاستيلاء على أرضه فعلاً إجرامياً، فلا يجوز أن تتغير التسمية بمجرد أن يكون المعتدي مستوطناً إسرائيلياً.

لقد آن الأوان لإنهاء هذه اللغة الانتقائية التي تقسم العالم إلى ضحايا يستحقون التعاطف وضحايا يمكن تجاهلهم، وإلى إرهاب «مقبول سياسياً» وإرهاب «مرفوض سياسياً».

فالعدالة الحقيقية لا تعرف لون العلم ولا هوية المعتدي.

إذا كان العالم يريد فعلاً محاربة الإرهاب، فعليه أن يبدأ بمحاربة ازدواجية المعايير التي تجعل إرهاباً يُدان وإرهاباً آخر يُبرر أو يُتجاهل. أما أن يكون الفلسطيني دائماً هو المتهم، والإسرائيلي دائماً هو الاستثناء، فهذه ليست عدالة، ولا قانوناً دولياً، ولا دفاعاً عن حقوق الإنسان؛ إنها سياسة منحازة تقتل ما تبقى من مصداقية النظام الدولي.

وما يحدث في الضفة الغربية اليوم والابادة في غزة ليست بحاجة إلى بيانات جديدة تعبر عن «القلق»، بل إلى حماية حقيقية للفلسطينيين، ومحاسبة حقيقية للمعتدين، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.

فإما أن يكون القانون واحداً للجميع، أو أن تعترف القوى الكبرى صراحة بأن ما تسميه نظاماً دولياً قائماً على القواعد ليس سوى نظام تتغير فيه القواعد بحسب هوية الضحية وهوية الجاني.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار 

Share This Article