المسار : في ما أُطلق عليه أميركياً «يوم الحسم الاقتصادي» ضد إيران، كان المشهد أكثر تعقيداً من مجرد إعلان حزمة جديدة من العقوبات، واشنطن صعّدت خطابها الاقتصادي، ووسّعت دائرة العقوبات لتشمل نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بإيران، ووجّهت رسالة واضحة إلى الدول والشركات التي ما زالت تتعامل مع طهران: إما الابتعاد عن الاقتصاد الإيراني، أو مواجهة خطر العقوبات الثانوية الأميركية.
لكن المفارقة أن «يوم الحسم» لم يكن، حتى الآن، ضربة اقتصادية أميركية شاملة كما كان يتوقع البعض، بل بدا أقرب إلى إطلاق عدٍّ تنازلي طويل، فواشنطن بدأت بتوسيع دائرة الضغط، لكنها لم تذهب فوراً إلى أقصى ما لديها من أدوات، خصوصاً في ما يتعلق باستهداف المؤسسات المالية الصينية الكبرى التي تلعب دوراً أساسياً في شراء النفط الإيراني، وهذا يعني أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بكل قوتها بعد، وأن السؤال الأكبر أصبح: إلى أي مدى ستذهب واشنطن عندما تبدأ باستهداف شرايين الاقتصاد الإيراني مباشرة؟
فالهدف الأميركي لم يعد مجرد معاقبة إيران، وإنما محاولة عزلها عن النظام المالي والتجاري العالمي، النفط، المصارف، الشحن، الذهب، التكنولوجيا، الطيران والعملات الرقمية كلها أصبحت ساحات للضغط، وإذا نجحت واشنطن في إجبار الشركات والبنوك والدول على الاختيار بين السوق الأميركية والسوق الإيرانية، فإن العقوبات يمكن أن تتحول من أداة ضغط إلى حصار اقتصادي فعلي.
وهنا تكمن خطورة العقوبات الثانوية؛ لأنها لا تستهدف إيران وحدها، وإنما تجعل أي شركة أو دولة تتعامل معها معرضة لخسارة إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي، وبذلك تحاول واشنطن استخدام ثقل الدولار والنظام المالي العالمي كسلاح سياسي واقتصادي يتجاوز الحدود الأميركية.
لكن إيران ليست دولة تبدأ المواجهة الاقتصادية من الصفر، فهي تعيش منذ عقود تحت العقوبات، وطوّرت شبكات للالتفاف عليها، كما بنت علاقات اقتصادية وسياسية مع الصين وروسيا ودول أخرى، ولذلك فإن نجاح الاستراتيجية الأميركية لن يتوقف على حجم العقوبات التي تعلنها واشنطن، وإنما على قدرتها على إغلاق منافذ التهرب ومنع المشترين والوسطاء وشركات الشحن من الاستمرار في التعامل مع النفط الإيراني.
وهنا تحديداً تظهر الصين باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في هذه المعادلة، فالصين من أكبر المشترين للنفط الإيراني، وأي محاولة أميركية للذهاب بعيداً في استهداف المؤسسات والشركات الصينية قد تحول الحرب الاقتصادية مع إيران إلى أزمة أكبر بين واشنطن وبكين، ولذلك يبدو أن واشنطن تتحرك بحسابات دقيقة: تريد خنق إيران، لكنها لا تريد بالضرورة فتح جبهة اقتصادية واسعة مع الصين في الوقت نفسه.
وفي الجانب الآخر، تدرك طهران أن سلاحها الأقوى ليس فقط قدرتها على الصمود الداخلي، وإنما قدرتها على رفع كلفة الحصار على خصومها، ولهذا جاءت التهديدات الإيرانية بالرد على الدول التي تتعاون مع العقوبات، وصولاً إلى التلويح بإيقاف صادرات النفط من الخليج إذا استمر ما تصفه طهران بالحرب الاقتصادية.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد عقوبات على اقتصاد دولة واحدة، فإذا تحولت المواجهة إلى تعطيل واسع لتدفقات النفط أو اضطراب الملاحة في الخليج، فإن آثارها ستصل سريعاً إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، ولن يكون المواطن الإيراني وحده من يدفع الثمن.
أما الريال الإيراني، فقد أصبح أحد أبرز المؤشرات على عمق الأزمة، فقد وصل إلى مستويات قياسية متدنية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من التضخم وتراجع القدرة الشرائية ونقص الوقود وارتفاع الضغوط المعيشية، لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن أن تدهور الاقتصاد لا يعني تلقائياً سقوط النظام أو قبول القيادة الإيرانية بالشروط الأميركية، فحتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن الضغوط الاقتصادية وحدها أجبرت القيادة الإيرانية على الاستسلام.
وهنا يجب التفريق بين إضعاف إيران وإجبار إيران.
العقوبات تستطيع أن تضعف العملة، وتقلل الإيرادات، وتزيد التضخم، وتضغط على حياة المواطنين، وتحد من قدرة الدولة على تمويل برامجها، لكنها لا تضمن وحدها أن تتحول هذه الأزمات إلى تنازلات سياسية، بل قد تدفع القيادة الإيرانية إلى مزيد من التشدد، خصوصاً إذا اعتبرت أن المعركة أصبحت معركة بقاء.
ومن هنا فإن الرهان الأميركي الحقيقي ربما لا يكون على انهيار الاقتصاد الإيراني فقط، وإنما على أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى عامل يدفع طهران في النهاية إلى العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر ضعفاً.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة ، فإيران تستطيع الرد عبر أدوات متعددة: النفط، الملاحة، الممرات البحرية، الحلفاء الإقليميون، والهجمات السيبرانية، إضافة إلى قدرتها على استخدام الاقتصاد نفسه كساحة للمواجهة، ولذلك فإن كل درجة إضافية في العقوبات قد تقابلها درجة إضافية في الرد الإيراني، بما يجعل المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة: كلما حاولت واشنطن خنق إيران، زادت احتمالات أن تحاول طهران رفع كلفة الخنق على العالم.
لهذا فإن «يوم الحسم» الأميركي قد لا يكون يوماً واحداً على الإطلاق، بل بداية مرحلة طويلة من الضغط والاختبار المتبادل، واشنطن تختبر قدرة إيران على الصمود، وإيران تختبر قدرة واشنطن على تحمل تبعات التصعيد، بينما تراقب الصين وروسيا ودول الخليج والأسواق العالمية اتجاه هذه المواجهة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع العقوبات إسقاط الاقتصاد الإيراني قبل أن تدفع إيران والمنطقة إلى مواجهة أوسع؟
ربما تستطيع واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تستطيع ضمان أن تكون طهران هي الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن، بينما فالاقتصاد الإيراني قد يتراجع، والريال قد ينهار، والضغط على المواطن قد يتزايد، لكن إذا ردت إيران بإغلاق طرق الطاقة أو ضرب مصالح الخصوم، فإن الأزمة ستنتقل من شوارع طهران إلى أسواق النفط العالمية.
ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط بين الدولار والريال، ولا بين واشنطن وطهران، بل ستكون اختباراً لقدرة الطرفين على ممارسة الضغط دون الانزلاق إلى انفجار أكبر، وفي هذه المعركة، قد يكون «يوم الحسم» مجرد بداية العدّ التنازلي، لا نهايته.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

