المسار :حين يبدأ خلاف على الدور في تعبئة جالونات مياه الشرب، ثم ينتهي بقتيل ومصابين، فنحن لا نكون أمام «شجار عابر»، بل أمام إنذار خطير يقول إن السلاح أصبح أسرع من العقل، وإن الغضب المتراكم بات يجد طريقه إلى الزناد قبل أن يجد طريقه إلى الحوار أو القانون. وقد وثقت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في آب/أغسطس 2026 حادثة بدأت خلال تعبئة المياه، ثم تطورت إلى إطلاق نار أودى بحياة مواطن وأصاب ثلاثة آخرين بجروح حرجة، ضمن سلسلة حوادث دفعتها إلى التحذير من تنامي استخدام السلاح في الخلافات العائلية والشخصية.
ما يحدث لم يعد حالة فردية يمكن طيها بعطوة مؤقتة أو وساطة سريعة. سكان من مناطق مختلفة في غزة تحدثوا عن سماع إطلاق النار المرتبط بالخلافات بصورة تكاد تكون يومية، فيما حذر وجهاء من تحول المشكلة بين شخصين إلى تحشيد بين عائلتين، يُستدعى فيه الأقارب ويُشهر السلاح، فينتقل الخلاف من صاحبيه إلى عشرات الأشخاص الذين لم يكونوا طرفًا فيه.
وفي شباط/فبراير 2026 وحده، قال رئيس تجمع عشائري في غزة إن التجمع تعامل مع 888 مشاجرة عائلية و15 حادثة قتل، ضمن 1585 قضية مختلفة. وهذه أرقام صادرة عن جهة عشائرية وليست إحصاءً جنائيًا رسميًا، لكنها تكشف حجم الضغط الذي باتت تتحمله لجان الإصلاح، وخطورة أن تتحول المشاجرة إلى جزء ثابت من الحياة اليومية.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الواقع الذي صنعته الحرب. الناس يعيشون في اكتظاظ شديد، وفي خيام ومراكز نزوح تفتقر إلى الخصوصية، ويتنافسون على الماء والطعام والمكان والمساعدات. كثيرون فقدوا بيوتهم وأعمالهم وأقاربهم، ويحملون ضغطًا نفسيًا وغضبًا وخوفًا متراكمًا. كما تضررت مؤسسات الحماية والشرطة والقضاء، ووثقت مؤسسات حقوقية تكرار استهداف أفراد الشرطة ومقارها، محذرة من أن إضعاف أجهزة حفظ النظام يوسع الفراغ الأمني ويترك المدنيين أكثر عرضة للفوضى.
لكن فهم الظروف لا يعني تبرير الجريمة.
ليس كل نازح قاتلًا، وليس كل جائع يحمل السلاح، وليس كل من فقد بيته يستبيح حياة الآخرين. الحرب تفسر ارتفاع التوتر، لكنها لا تمنح أحدًا حق إطلاق النار. والسلاح حين يُستخدم في خلاف على ماء أو مكان أو كلمة أو مساعدة لا يصبح وسيلة دفاع، بل يتحول إلى أداة قتل وإرهاب للمجتمع كله.
الأخطر من الرصاصة نفسها هو العقل الذي يحول خطأ الفرد إلى قضية عائلة كاملة. يرتكب شخص جريمة، فتتحرك العصبية لحمايته، ويُستدعى الأقارب، ويبدأ التهديد والحصار والانتقام، وقد يُستهدف أشخاص لا علاقة لهم بالخلاف إلا أنهم يحملون اسمًا عائليًا معينًا.
عندها تضيع المسؤولية الفردية، ويصبح الأبرياء رهائن لانتمائهم العائلي. قد يُحرق بيت لم يطلق صاحبه رصاصة، ويُعتدى على شاب لم يكن حاضرًا، ويعيش أطفال ونساء وكبار سن أيامًا من الخوف لأن شخصًا قرر أن يحشد عائلته بدل أن يحتكم إلى القانون.
العائلة وُجدت لتحمي أبناءها من الجريمة، لا لتحمي المجرم من العدالة. وكرامة العائلة لا تُصان بإخفاء القاتل أو تبرير فعله، بل بمنعه من جرها إلى الدم، وتسليمه إلى القضاء، والوقوف إلى جانب حق الضحية.
ولجان الإصلاح والوجهاء يؤدون دورًا بالغ الأهمية في وقف النزيف وتهدئة النفوس ومنع الثأر. لكن الصلح العشائري، مهما كانت قيمته، لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن العدالة. فالعطوة توقف إطلاق النار، لكنها لا تمحو الجريمة، والدية قد تعالج الحق الشخصي وفق ما يقبله أهل الضحية، لكنها لا تلغي حق المجتمع ولا مسؤولية القانون.
الصلح بلا محاسبة قد يؤجل الانفجار ولا ينهيه. أما الصلح الذي يحفظ الحقوق، ويسلم المتهم، ويمنع الانتقام، ويعيد الأمن إلى الناس، فهو الذي يحمي المجتمع فعلًا.
المطلوب اليوم موقف لا يحتمل المجاملة: لا غطاء عائليًا أو سياسيًا لأي قاتل، ولا حصانة لمن يستخدم السلاح، ولا إفلات من العقاب تحت عنوان «حقن الدماء». يجب التحقيق السريع والشفاف في كل حادثة، ومحاسبة الفاعل وكل من شارك أو حرض أو أخفى السلاح، ومصادرة السلاح المستخدم بصورة نهائية. وقد التقت مطالب المؤسسات الحقوقية ووزارة الداخلية على ضرورة ملاحقة مطلقي النار، ومنع استخدام السلاح خارج القانون، والتدخل المبكر لمنع تحول الخلافات الفردية إلى صراعات واسعة.
كما تتحمل العائلات مسؤولية منع التحشيد، ويتحمل الوجهاء والقوى الوطنية والمؤسسات المجتمعية مسؤولية التدخل قبل سقوط الضحية، لا بعد إقامة بيت العزاء. فالمشكلة التي تُحتوى عند أول كلمة غاضبة قد توفر جنازة، وتحمي طفلًا من اليتم، وتمنع خصومة تمتد سنوات.
وللإعلام وصفحات التواصل مسؤولية لا تقل أهمية. نشر أسماء العائلات، وتداول مقاطع إطلاق النار، وتبادل الاتهامات غير الموثقة، والتعليقات التي تستدعي الثأر، كلها قد تصب الزيت على النار. واجب الإعلام أن ينقل الحقيقة ويطالب بالمحاسبة، لا أن يحول الجريمة إلى مواجهة بين أسماء عائلية، أو يمنح المسلحين بطولة لا يستحقونها.
غزة اليوم لا تحتمل حربين: حربًا يشنها الاحتلال عليها من الخارج، وحربًا يفتحها بعض أبنائها في داخلها. فكل رصاصة تُطلق في شارع أو مخيم أو سوق لا تصيب الضحية وحدها؛ إنها تصيب شعور الناس بالأمان، وتضعف وحدتهم، وتزرع ثأرًا جديدًا، وتضيف يتيمًا وأمًا مفجوعة إلى مجتمع دفع من دمائه ما يفوق الاحتمال.
هذه النزاعات المسلحة سرطان ينهش الجسد الفلسطيني من داخله. وإذا لم يُوقف بحزم القانون وحكمة المجتمع وشجاعة العائلات في ردع أبنائها، فسيترك وراءه مجتمعًا مثقلًا بالثأر والخوف، وعائلات تحمل السلاح في وجه بعضها بدل أن تتكاتف لحماية وجودها ومستقبلها.
القوة ليست أن تجمع رجال عائلتك بعد وقوع الخلاف، بل أن تمنع الغاضب بينهم من الضغط على الزناد. والشرف ليس في الثأر، بل في حماية بريء من رصاصة جديدة. والوطنية لا تبدأ من الشعارات وحدها، بل من صون دم الفلسطيني وكرامته وأمنه.
دمنا ليس رخيصًا، وغزة لم يبقَ فيها بيت يحتمل مأتمًا جديدًا. فلا حماية لقاتل، ولا عائلة فوق القانون، ولا صلح يلغي العدالة، ولا مصلحة تعلو على حق الناس في الحياة والأمان.

