المسار :الانتخابات التشريعية الفلسطينية حق واستحقاق وطني، لكن السؤال اليوم ليس فقط: هل نستطيع إجراء الانتخابات؟ بل: هل نستطيع أن نجريها في واقع فلسطيني ما زال يعيش آثار الحرب والتهجير والدمار والانقسام، وفي ظل ترتيبات دولية وإقليمية جديدة تتعلق بمستقبل قطاع غزة؟
الموعد المعلن للانتخابات التشريعية هو 28 نوفمبر 2026، ولجنة الانتخابات بدأت فعلياً إجراءاتها، لكن الواقع على الأرض ما زال شديد التعقيد، خصوصاً في غزة.
لذلك، فإن الذهاب إلى الانتخابات يجب ألا يكون مجرد استحقاق شكلي، وإنما جزءاً من ترتيب وطني شامل.
اليوم توجد لجنة تكنوقراط مطروحة لإدارة غزة، كما أن هناك ترتيبات مرتبطة بما يسمى “مجلس السلام”، فيما تتواصل المحاولات للوصول إلى صيغة للمرحلة المقبلة. وفي المقابل، ما زال الوضع الإنساني والأمني والسياسي هشاً.
في هذه الظروف، أعتقد أن الأولوية الفلسطينية يجب أن تكون إنقاذ الإنسان الفلسطيني وإنهاء الانقسام وإعادة بناء القرار الوطني.
أما ما يتردد عن تفاهم أو تحالف بين محمد دحلان وبعض الفصائل، ومنها حماس والجهاد الإسلامي، أو مع شخصيات مثل ناصر القدوة، فيجب ألا يُنظر إليه من زاوية الأسماء فقط، خصوصاً أن ما يتداول في هذا الشأن لا يكفي لاعتباره اتفاقاً نهائياً.
المعيار الحقيقي لأي تحالف يجب أن يكون: ماذا سيقدم للفلسطينيين؟
إذا كان الهدف هو إعادة تقاسم السلطة والنفوذ، فلن يكون ذلك مقنعاً للفلسطينيين.
أما إذا كان الهدف هو إنهاء الانقسام، وإنقاذ غزة، وإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد الموقف الفلسطيني، والتحضير لانتخابات حقيقية، فقد يكون من الممكن النظر إليه كجزء من حل وطني أوسع.
ولهذا فإن المطلوب، برأيي، ليس تحالفاً بين فصيل وفصيل، وإنما توافق وطني على برنامج مشترك.
برنامج لمدة عام، تكون مهمته الأساسية:
إنهاء الانقسام الفلسطيني.
إنقاذ ما تبقى من حياة المواطن الفلسطيني.
دعم إعادة إعمار غزة.
إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية.
إعادة بناء منظمة التحرير على أساس مشاركة الجميع.
التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية ووطنية نزيهة.
إشراك المستقلين والشباب والمرأة والمجتمع المدني.
وإعطاء الفلسطينيين في الشتات والجاليات والسفارات دوراً حقيقياً في حماية القضية والرواية الفلسطينية.
وهنا يمكن التفكير في مجلس وطني انتقالي لمدة عام واحد فقط، يضم مختلف القوى السياسية والشخصيات المستقلة وممثلين عن الداخل والشتات.
لا يكون هذا المجلس بديلاً عن الانتخابات، ولا وسيلة لتمديد الانقسام، وإنما يكون مهمته الأساسية تهيئة الظروف لإنهاء الانقسام والانتقال إلى انتخابات فلسطينية شاملة.
وهذه الفكرة ليست بعيدة عن النقاش القائم أصلاً، فهناك بالفعل توجه معلن لتنظيم انتخابات للمجلس الوطني بمشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات.
الأهم أن ندرك أن المرحلة الحالية ليست مرحلة انتصار فصيل على فصيل.
هي مرحلة إنقاذ شعب وقضية.
وإذا كان هناك توافق فلسطيني حقيقي لمدة عام، يتفق فيه الجميع على برنامج واحد، ويكون هدفه إنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية المواطن، وتعزيز الرواية الفلسطينية، وإشراك الجاليات والشتات والسفارات، ثم الذهاب إلى انتخابات شاملة، فقد يكون ذلك أكثر فائدة من انتخابات تجري بينما ما زالت أسباب الانقسام والأزمة قائمة.
نحن بحاجة اليوم إلى أن نتفق أولاً على كيف ننقذ فلسطين، وبعد ذلك نذهب إلى الصندوق ليتنافس الجميع ديمقراطياً.
فالانتخابات يجب أن تكون نتيجة للتوافق الوطني وليست سبباً جديداً للانقسام.

