المسار : لا يمكن بناء حركة نقابية قوية وديمقراطية من دون احترام تاريخها ومناضليها وصون ذاكرتها الجماعية، لأن المناضلين الذين خاضوا التجارب ودافعوا عن حقوق العمال وشكلوا جزءًا من تاريخ الحركة النقابية يمثلون، بما لهم وما عليهم، جزءًا من الذاكرة والقدوة التي تحتاج إليها الأجيال الجديدة.
ومن أخطر الظواهر التي تصيب الحركة النقابية تحطيم صورة المناضل والقدوة والمثل الأعلى، ليس من خلال النقد الموضوعي والمحاسبة الديمقراطية، وإنما من خلال التشويه والتهميش والإقصاء وتزييف الوقائع والتاريخ. فالاختلاف مع أي مناضل أو قيادي لا يبرر إلغاء تاريخه أو إنكار دوره أو تحويل أخطائه إلى وسيلة لإسقاط كل ما قدمه.
إن النقد والمساءلة حقان أساسيان في أي تنظيم ديمقراطي، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد المسؤول وبين تحطيم القدوة. النقد يهدف إلى تصحيح الأخطاء وتطوير التجربة، أما تحطيم القدوة فيهدف إلى إسقاط الثقة بالنماذج النضالية، وإفراغ التاريخ من مضمونه، وقطع الصلة بين الأجيال.
*أولًا: تحطيم القدوة وإسقاط الرموز النضالية*
عندما يجري التعامل مع المناضلين وأصحاب التجارب باعتبارهم عبئًا على الحاضر، أو يجري التقليل من أدوارهم وتضحياتهم، فإن ذلك لا يضر بالأفراد وحدهم، بل يضر بالحركة النقابية نفسها.
فالمناضل ليس شخصًا معصومًا من الخطأ، ولكنه يمثل تجربة يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلم منها. ومن الطبيعي أن تخضع هذه التجربة للنقد والتقييم، لكن من غير المقبول تحويل النقد إلى تشويه أو إسقاط أو إنكار للتاريخ.
إن غياب القدوة يترك فراغًا أخلاقيًا وتنظيميًا، ويجعل معيار التقدم داخل المؤسسة قائمًا على العلاقات الشخصية وموازين القوة بدلًا من الكفاءة والنزاهة والتاريخ النقابي.
*ثانيًا: تزوير التاريخ وإعادة إنتاج الرواية التنظيمية*
من أخطر مظاهر إفساد الحياة النقابية تزوير التاريخ أو إعادة صياغته بما يخدم أشخاصًا أو مراكز نفوذ معينة.
ويظهر ذلك في إنكار أدوار مناضلين حقيقيين، ونسب الإنجازات إلى غير أصحابها، وإخفاء مراحل وأحداث مهمة، وإعادة تقديم بعض الأشخاص باعتبارهم صانعي تاريخ لم يكونوا جزءًا أساسيًا منه.
إن التاريخ النقابي ليس ملكًا للأشخاص ولا للقيادات الحالية، وإنما هو ملك للحركة النقابية وقواعدها وأجيالها. ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف تاريخها كما حدث، بما فيه من نجاحات وأخطاء وصراعات وتجارب، حتى تستطيع أن تبني مستقبلها على المعرفة لا على الروايات الانتقائية.
فتزوير التاريخ يؤدي في النهاية إلى تزوير الوعي، ومن يسيطر على رواية الماضي يستطيع أن يؤثر في فهم الحاضر وتحديد اتجاه المستقبل.
*ثالثًا: السيطرة على المال العام والنقابي*
تتحول المؤسسة النقابية إلى مؤسسة ضعيفة عندما يصبح المال وسيلة للسيطرة على القرار واستقطاب الولاءات بدلًا من أن يكون أداة لخدمة العمال والأعضاء وتطوير العمل النقابي.
إن الموارد المالية للنقابة أمانة، ويجب أن تخضع للشفافية والرقابة والمساءلة، وأن تكون أوجه إنفاقها واضحة أمام الهيئات المختصة والقواعد النقابية.
أما استخدام المال لإرضاء بعض الأشخاص أو شراء الولاءات أو التأثير في المواقف والانتخابات، فإنه يحول المال من وسيلة لخدمة التنظيم إلى أداة للنفوذ والسيطرة.
ولهذا فإن حماية المال النقابي تتطلب مؤسسات رقابية حقيقية، وموازنات واضحة، وتقارير مالية دورية، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
*رابعًا: تقريب الفاشلين وتهميش الكفاءات*
من علامات تراجع المؤسسة أن تصبح العلاقة الشخصية أو الولاء أهم من الكفاءة والخبرة والتاريخ النقابي.
وعندما يجري تقريب أشخاص أثبتوا فشلهم، وإبعاد أصحاب الخبرة والكفاءة، فإن المؤسسة تبدأ بفقدان قدرتها على التطور، لأن المواقع والمسؤوليات لم تعد مرتبطة بالقدرة على الإنجاز وخدمة العمال.
إن استمرار الفشل في المواقع القيادية لا يصبح مشكلة فردية عندما يتحول إلى سياسة؛ إذ يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، وإغلاق الطريق أمام الطاقات الجديدة، وإحباط الكفاءات، ودفع الأجيال الشابة إلى الابتعاد عن العمل النقابي.
المطلوب ليس إقصاء أحد لمجرد الاختلاف، وإنما وضع معيار واضح للمسؤولية يقوم على الكفاءة والنزاهة والإنجاز والالتزام النقابي.
*خامسًا: تزوير الانتخابات الداخلية*
الانتخابات الداخلية هي أساس الشرعية النقابية، لأنها الوسيلة التي تمنح الهيئات القيادية تفويضها من القواعد.
وعندما تتعرض الانتخابات للتلاعب أو التزوير أو التحكم في العضوية أو التمثيل أو إجراءات المؤتمر، فإن المشكلة لا تكون في النتيجة وحدها، بل في شرعية المؤسسة كلها.
فالانتخابات التي لا تعكس إرادة القواعد لا تستطيع إنتاج قيادة تتمتع بثقة حقيقية، كما أن إعادة إنتاج القيادات نفسها من خلال أدوات غير ديمقراطية تؤدي إلى تجميد المؤسسة ومنع تجديدها.
ولهذا يجب أن تكون المؤتمرات والانتخابات النقابية خاضعة لنظام واضح، وتمثيل عادل للعضوية، ورقابة تنظيمية مستقلة، وإجراءات شفافة تضمن حق العضو في الانتخاب والترشح والاعتراض.
*سادسًا: التغييب والإقصاء*
لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية نقابية حقيقية مع تغييب القواعد أو إقصاء أصحاب الرأي المختلف.
فالمؤسسة النقابية ليست ملكًا لقيادتها، وإنما هي ملك لأعضائها، والقيادة منتخبة لخدمة التنظيم وليست صاحبة حق دائم في احتكار القرار.
إن إبعاد الأصوات المختلفة، وتعطيل مشاركة الهيئات، وتهميش المؤتمرات، وعدم إشراك القواعد في القرارات الأساسية، كلها ممارسات تؤدي تدريجيًا إلى تحويل المؤسسة من تنظيم جماعي إلى دائرة مغلقة.
والاختلاف داخل النقابة ليس خطرًا، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير في إطار مؤسسي وديمقراطي. أما تحويل الاختلاف إلى مبرر للإقصاء فهو بداية لإضعاف الوحدة النقابية.
*سابعًا: سياسة التجهيل المتعمد*
من أخطر الممارسات التي يمكن أن تصيب أي مؤسسة نقابية حرمان أعضائها من المعرفة.
فالعضو الذي لا يعرف نظام نقابته، ولا يعرف حقوقه وواجباته، ولا يطلع على القرارات والميزانيات، ولا يعرف آليات الانتخاب والمساءلة، يصبح أقل قدرة على الدفاع عن حقه وأكثر قابلية للتوجيه والسيطرة.
ولهذا فإن نشر الثقافة النقابية والقانونية ليس عملًا ثانويًا، وإنما هو جزء أساسي من بناء النقابة.
أما استمرار الجهل بالأنظمة والحقوق والواجبات، وعدم تدريب الأعضاء، واحتكار المعلومات، وعدم إتاحة الوثائق، فإنه يؤدي إلى خلق علاقة غير متوازنة بين القيادة والقواعد.
إن النقابة القوية هي التي تنتج عضوًا واعيًا بحقوقه، قادرًا على السؤال والمناقشة والمحاسبة والمشاركة، وليس عضوًا تابعًا ينتظر التعليمات.
*ثامنًا: كيف تتحول هذه الممارسات إلى منظومة واحدة؟*
هذه الظواهر لا تعمل منفصلة عن بعضها، بل يمكن أن يغذي بعضها بعضًا.
فتزوير التاريخ يؤدي إلى تحطيم القدوة، وتحطيم القدوة يؤدي إلى إضعاف الوعي، وإضعاف الوعي يسهل السيطرة على القرار والمال، والسيطرة على القرار تسهّل التحكم في الانتخابات، والتحكم في الانتخابات يؤدي إلى إعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم، ثم تُستخدم سياسة التغييب والإقصاء والتجهيل لحماية هذا الواقع ومنع تغييره.
وبذلك لا تعود المشكلة مجرد أخطاء فردية أو خلافات بين أشخاص، وإنما تتحول إلى أزمة في بنية الحياة التنظيمية والديمقراطية والأخلاقية داخل المؤسسة النقابية.
*تاسعًا: الأثر على الأجيال الجديدة*
أخطر ما ينتج عن تحطيم القدوة هو تأثيره على الجيل الجديد.
فالشاب الذي يدخل العمل النقابي يحتاج إلى نماذج حقيقية يتعلم منها معنى الالتزام والتضحية والنزاهة وخدمة العمال. وعندما يرى أن أصحاب التاريخ يتم تشويههم، وأن الفاشلين تتم مكافأتهم، وأن الكفاءة تُهمش، وأن الانتخابات يمكن التحكم بها، وأن المال والنفوذ أهم من العمل والإنجاز، فإنه يفقد الثقة بالعمل النقابي نفسه.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ لأن خسارة الثقة لدى الأجيال الجديدة تعني خسارة مستقبل الحركة النقابية.
إن تجديد الحركة النقابية لا يعني محو تاريخها، كما أن ضخ دماء شابة لا يعني إلغاء أصحاب التجربة. المطلوب هو الجمع بين الخبرة والتجديد، وبين احترام المناضلين وفتح المجال أمام الشباب، وبين الحفاظ على الذاكرة وتصحيح الأخطاء.
*عاشرًا: استعادة القدوة وبناء الحياة النقابية السليمة*
إن مواجهة هذه الظواهر تتطلب إعادة الاعتبار إلى القيم التي تأسست عليها الحركة النقابية: النضال، التضحية، النزاهة، الديمقراطية، الشفافية، المشاركة، العدالة، واحترام الإنسان.
كما تتطلب:
▪️حماية التاريخ النقابي من التزييف والتوظيف الشخصي.
▪️احترام المناضلين وأصحاب التجربة مع إخضاع الجميع للنقد والمساءلة.
▪️ضمان الشفافية الكاملة في المال والموارد النقابية.
▪️اعتماد الكفاءة والإنجاز والنزاهة معيارًا لتولي المسؤوليات.
▪️إجراء انتخابات داخلية ديمقراطية وشفافة.
▪️تفعيل المؤتمرات والهيئات المنتخبة.
▪️إنهاء سياسة الإقصاء والتغييب.
▪️نشر الثقافة النقابية والقانونية بين الأعضاء.
▪️تمكين الشباب والمرأة من المشاركة الفعلية.
▪️توفير آليات مستقلة للمراجعة والمحاسبة.
▪️الفصل بين الولاء الشخصي والمصلحة النقابية.
▪️بناء قيادة جماعية تمنع احتكار القرار.
الخلاصة
إن تحطيم القدوة والمثل الأعلى لا يعني فقط الإساءة إلى أشخاص أو مناضلين، بل يمثل اعتداءً على الذاكرة النقابية وعلى وعي الأجيال ومستقبل الحركة.
والحركة النقابية التي تفقد احترام تاريخها ومناضليها، وتسمح بتزوير تاريخها، وتهمش كفاءاتها، وتقرب الفاشلين، وتسيطر على مالها، وتعبث بانتخاباتها، وتغيب قواعدها، وتنشر الجهل بدل المعرفة، تصبح عاجزة عن أداء دورها الحقيقي في الدفاع عن العمال.
لذلك فإن إصلاح العمل النقابي لا يبدأ فقط بتغيير الأشخاص، وإنما يبدأ بإعادة بناء القيم والمؤسسات والقواعد التي تمنع إعادة إنتاج الفشل.
فالقدوة ليست صنمًا لا يُنتقد، والمناضل ليس فوق المحاسبة، لكن التاريخ لا يجوز أن يُمحى، والتجربة لا يجوز أن تُزوّر، والنقد لا يجوز أن يتحول إلى تشويه، والانتخابات لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ.
إن المطلوب هو حركة نقابية تحترم تاريخها، وتكرّم مناضليها، وتحاسب أخطاءها، وتتعلم من تجاربها، وتفتح أبوابها أمام الشباب والكفاءات، وتضع المال والقرار والانتخابات تحت رقابة المؤسسات والقواعد؛ لأن بناء القدوة الحقيقية يبدأ من بناء مؤسسة ديمقراطية ونزيهة، قادرة على حماية تاريخها وصناعة مستقبلها.
النقابي/ وائل خلف
عضو الأمانة العامة لاتحاد نقابات عمال فلسطين

