المسار :الانتخابات في المجتمعات الديمقراطية الصحية هي “آلية للمحاسبة وتداول السلطة”، أما في واقعنا الحالي فهي صرخة جيل كامل أنهكه الانتظار، وأرهقته وعود السياسيين التي تتبخر مع كل موسم انتخابي، فقد تُحولت الانتخابات في كثير من الأحيان إلى “طقوس لتجديد الشرعية” لنفس الوجوه والأدوات، في كل موسم انتخابي، نغرق في تفاصيلنا الداخلية، وننشغل بـ “تغيير الوجوه” دون أن نلمس تغييراً في “النهج”. نتبادل نفس الأشخاص، ونعيد تدوير نفس الشعارات، وكأننا نبحث عن مسكنات لألم مزمن، بينما المرض يتفاقم والعدو يبتلع أرضنا. لقد حان الوقت لنطرح السؤال الجوهري الذي يتجاوز ضيق الأفق الشخصي والفصائلي: ما هو التغيير الحقيقي الذي نريده من صناديق الاقتراع؟ حين تسأل: “هل لديكم حلولاً للأزمات المتراكمة؟” فأنت تطالب بالانتقال من ثقافة “الشعارات العاطفية” و”الخطابات الرنانة” إلى ثقافة “البرامج القابلة للقياس والتنفيذ”. المواطن الفلسطيني لم يعد يطعمه الوهم، بل يريد خططاً اقتصادية تنقذه من البطالة، وخططاً أمنية وسياسية تحمي ما تبقى من أرض وحقوق وخطط اجتماعية ويريد من يحفظ له ما تبقى من كرامة، ففي كل موسم انتخابي، نسمع نفس العبارات، ونرى نفس الوعود، ونواجه نفس الوجوه بأقنعة جديدة. نتساءل: هل ننتظر منهم أن يغيروا واقعنا أم أنهم يسعون لتحسين أوضاعهم الخاصة؟ سؤال جوهري يجب أن يطرحه كل مواطن قبل أن يدلي بصوته، قبل أن يمنح فرصة جديدة لمن أثبتوا عجزهم عن التغيير.
لسنوات طويلة، منحنا الثقة تلو الثقة، وفرصة تلو الأخرى، لنفس الأشخاص، بنفس الأدوات، وبنفس التفكير العقيم. والنتيجة؟ واقع مرير يتفاقم يوماً بعد يوم، بطالة مستفحلة، فقر مدقع، أزمات متراكمة، أفق سياسي مغلق وأجيال كاملة تنتظر في طابور الأمل الذي لا ينتهي. نحن نحتاج إلى ثورة في مفهوم الانتخابات؛ أن نتحول من ناخبين يبحثون عن “مُنفعة” إلى مواطنين يبحثون عن “مُخلص”. الانتخابات يجب أن تكون “عقداً وطنياً” يُسأل فيه المرشح: ما هي رؤيتك لإنهاء الانقسام؟ وكيف ستبني مؤسسات دولة تحمي المواطن قبل أن يحمي نفسه؟ لأن الداخل المتهالك هو الهدية المجانية للاحتلال. الانتخابات أصبحت لحماية المصالح العائلية والشخصية. المشكلة الكبرى في منظومتنا السياسية أنها لم تعد تفرق بين “العام” و”الخاص”. فالوظائف والمناصب لم تعد تُمنح للكفاءات لإنقاذ الوطن، بل تُوزع كغنائم لتوسيع قاعدة النفوذ وإحكام السيطرة، مما خلق طبقة سياسية واقتصادية متضخمة، بينما يغرق المواطن في مستنقع الفقر والبطالة لكن المفارقة المُرّة أن هؤلاء الذين فشلوا في تغيير واقعنا، نجحوا بامتياز في شيء واحد وهو حماية مصالحهم، وتضخيم ثرواتهم، وتوسيع نفوذهم، وضمان مستقبل أبنائهم وأقاربهم على حساب مستقبل شعب بأكمله.
ما جدوى أن نغير رئيساً أو حكومة إذا كان الواقع على الأرض يزداد سوءاً؟ الاحتلال لم يتوقف، والاستيطان يبتلع الأرض، وعربدة المستوطنين في الضفة الغربية لم تعد مجرد اعتداءات يومية، بل هي حرب إبادة ممنهجة بدعم من الدولة العبرية. وفي غزة، الجرح ينزف، والإعمار يتعثر، وأهالينا يعيشون في خيام بينما يتضخم رصيد بعض الساسة في البنوك. وبناء عليه يجب أن يكون السؤال الانتخابي الأول والأخير: أين أنت من الاحتلال؟ هل يمتلك المرشح برنامجاً سياسياً واستراتيجياً حقيقياً لكسر عزلتنا الدولية، وإعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة العالم كقضية تحرر وطني؟ أم أن برنامجه يقتصر على إدارة الأزمة اليومية وتوزيع المساعدات؟ نحن لا نريد من يدير كارثتنا بكفاءة، بل نريد من يملك رؤية لإنهائها. لقد اكتوينا بنار “الخطاب الشعبوي” و”مزايدة المنصات” في كل انتخابات، نسمع خطباً رنانة عن المقاومة، وتبادلاً للاتهامات حول من هو “الأكثر تشدداً” أو “الأكثر وطنية”. ولكن حين تشتد المعارك، وتُفرض التسويات، أو حين يُطلب الموقف الحازم، نكتشف أن الكثير منهم يمارسون “مقاومة الخطب” دون أن يربطوها بفعل أو عمل. السؤال الذي يجب أن يُسقط الكثير من الأقنعة هو: هل سيكون المرشح في مقدمة صفوف المقاومة الحقيقية، أم سيكتفي بمقاومة الخصوم بالكلام؟ المقاومة ليست شعارات تُرفع في المهرجانات الانتخابية، وليست بيانات شجب تُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي. المقاومة تتطلب بناء الوحدة الداخلية، وإعادة بناء القرار الوطني ليكون قرار المقاومة قراراً سيادياً يحمي الشعب، وتحمّل الكلفة، أن يكون المرشح مستعداً لدفع ثمن موقفه، لا أن يخطب فينا وهو آمن في مقره، بينما يدفع الثمن شبابنا وأبناؤنا في الميدان.
هنا تكمن المأساة الحقيقية. فقد تحولت الانتخابات في وعي بعض المرشحين من واجب وطني لخدمة الشعب إلى فرصة ثمينة لتحسين الوضع الشخصي والعائلي، فأصبح الهمّ الشاغل ليس “كيف نخرج الوطن من أزمته؟” بل “كيف نضمن مصالحنا ونوسع دائرة نفوذنا؟” والدليل على ذلك واضح للعيان: حين يعد المرشحون بتوفير فرص العمل، يسأل المواطن نفسه هل يقصدون توظيف الخريجين أم أقاربهم؟ وحين يعدون بالإصلاح الاقتصادي، يتساءل هل سيشمل الجميع أم دائرة المصالح الضيقة؟ إن التنظيمات تنتقد بعضها بينما المواطن يُذبح، هي مأساة بحد ذاتها. والاحتلال جريمة كبرى، ولكن الأداء الداخلي الضعيف والمتخندق وراء المصالح الحزبية ضاعف من كارثتنا، خاصة في غزة التي تنزف وتحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية جامعة، لا إلى مساومات سياسية. الأسرى في السجون، والعمال على المعابر، والخريجون الذين يحملون شهاداتهم ويتسولون الفرص، كلهم ينتظرون “دولة مؤسسات” لا مؤسسات فصائل وأحزاب.
نحن نعيش لحظة لا تحتمل أنصاف الحلول، احتلال يواصل التهام الأرض، ومستوطنون يمارسون عربدتهم شبه اليومية في الضفة الغربية دون رادع، وغزة التي لا تزال تنزف وتنتظر إعادة إعمار حقيقية لا وعوداً مؤجلة. في ظل هذا الواقع، لا يمكن أن يكون عضو المجلس التشريعي القادم بمعزل عن هذه القضايا، منشغلاً بترتيبات داخلية أو مكاسب شخصية، بينما الوطن يُختصر يومياً على الأرض. أيها الناخب، حين تحمل ورقة التصويت، تذكر أنك لا تنتخب “مديراً لمصالحك”، بل تنتخب “شريكاً في تحرير وطنك”. فالانتخابات القادمة ليست مجرد طقس ديمقراطي روتيني، بل هي لحظة حاسمة في تاريخنا، إما أن نستخدم صندوق الاقتراع كأداة لتحرير الوطن، وإعادة بناء الداخل، ووضع حد لسياسات المحسوبية التي نهشت في جسدنا؛ وإما أن نستخدمه لتجديد شرعية الفشل، وتكريس واقعنا المأساوي. لا تبع صوتك بوظيفة مؤقتة، ولا تقايض به وعوداً كاذبة. صوتك هو رصاصة في خاصرة الاحتلال، وحجر أساس في إعادة إعمار غزة، وضمان لمستقبل أبنائك. عضو المجلس التشريعي القادم مطالَب بأن يحمل الهمّ الوطني كجزء أصيل من مهامه، لا كملحق يُذكر في المناسبات. أن يكون صوتاً حاضراً في مواجهة الاستيطان، وضاغطاً من أجل ملف الإعمار، ومدافعاً عن وحدة الموقف الداخلي بوصفها شرط بقاء لا ترفاً سياسياً.
لا يكفي أن نغير الوجوه إذا بقينا على نفس النهج. المشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في العقلية التي تتعامل مع الشأن العام كأنه ملكية خاصة، ومع المناصب كأنها غنائم حرب. التغيير الحقيقي يتطلب ثورة في التفكير قبل أن يكون ثورة في الصناديق. يتطلب أن نفهم أن المنصب العام أمانة وليس حقاً مكتسباً، وأن المال العام خط أحمر لا يُسمح بالمساس به، والمصالح الشخصية يجب أن تتوقف عند باب المصلحة العامة. فالانتخابات ليست نهاية المطاف، بل بداية للمحاسبة والمساءلة، وطرح الأسئلة ومعرفة الإجابة قبل التصويت: ما هو برنامجك العملي لحل أزمة البطالة؟ كيف ستتعامل مع الفساد والمحسوبية؟ ما هي خطتك الملموسة لإعادة الإعمار؟ كيف ستضمن الشفافية في التعيينات؟ هل لديك حلول واقعية أم مجرد وعود رنانة؟ فالشعب لم يعد يقبل أن يُباع له الوهم مقابل أصواته. لقد آن الأوان لندرك أن البقاء على نفس النهج يعني استمرار المعاناة. آن الأوان لنقول كفى للوجوه التي أثبتت فشلها، كفى للوعود الكاذبة، كفى لتحويل الشأن العام إلى مزرعة خاصة. فالتغيير ليس خياراً فاخراً، بل هو ضرورة وجودية. إما أن نغير نهجنا وتفكيرنا في التعاطي مع الشأن العام، وإما أن نظل ندور في نفس الحلقة المفرغة، ننتخب نفس النوع من الأشخاص، بنفس العقلية، لنحصل على نفس النتائج الكارثية.
المعيار الأهم في عضو التشريعي هو: أين موقع هذا العضو فعلياً؟ هل هو في الشارع، بين الناس، يلمس معاناتهم اليومية، أم أنه محصور خلف شاشة أو حول طاولة اجتماعات، يدير الملفات من بعيد ويكتفي بالبيانات والتصريحات؟ المقاومة الحقيقية للواقع الصعب لا تُدار من مكتب مغلق، ولا تُختصر في تدوينة أو تصريح صحفي. القرب من الناس ليس شعاراً انتخابياً يُرفع في المهرجانات ثم يُطوى بعدها، بل هو ممارسة يومية، بأن يكون العضو حاضراً في الحي والقرية والمخيم، يسمع قبل أن يتحدث، ويعمل قبل أن يعد. وهناك فارق كبير بين “مقاومة الخطاب” و”مقاومة الميدان”، هو الفارق بين من يكتفي بإدانة الواقع من مكانه الآمن، ومن يضع نفسه فعلياً في مواجهة هذا الواقع، ويتحمّل كلفة موقفه. والناخب اليوم مطالَب أن يميّز بين النوعين، وأن يسأل كل مرشح: أين كنتَ حين احتاجك الناس؟ وأين ستكون حين يحتاجونك؟
الشعب يستحق أكثر من ذلك، والأجيال الصاعدة تستحق مستقبلاً أفضل، والوطن يستحق من يعمل لمصلحته لا لمصلحته الخاصة. فلتكن الانتخابات القادمة بداية لمرحلة جديدة، مرحلة يُحاسب فيها كل مسؤول، ويُساءل فيها كل مرشح، ويُنتخب فيها من يملك برنامجاً حقيقياً للتغيير، لا من يملك فقط علاقات ووساطات. الصوت الذي يُمنح غداً ليس امتيازاً يُهدى، بل أمانة تُستحق. ومن يستحقها هو من يثبت، بموقعه وممارسته، أنه في خدمة الناس، لا أن الناس في خدمته.

