بريطانيا: وسط توالي فضائح الفساد.. “اختبار وجودي” لحزب “الإصلاح الإسلاموفوبي” وزعيمه

المسار : يواجه حزب “ريفورم يو كي” (إصلاح المملكة المتحدة) اليميني المتطرف، و“الإسلاموفوبي” ومعه زعيمه نايجل فاراج اختبارا وجوديا مع فضيحة جديدة فجرها تحقيق تلفزيوني هزت أركان الحزب، الذي كان قبل أشهر فقط يتقدم في استطلاعات الرأي، وكان يسوق نفسه كبديل سياسي جاهز لتولي الحكم. وقد ألقت الفضيحة الجديدة بظلالها على مؤتمر الحزب السنوي، الذي تحول إلى امتحان صعب لقيادة فاراج ومصداقية حزبه.

تحقيق “القناة الرابعة” كشف بالصوت والصورة عن محادثات شارك فيها اثنان من كبار مساعدي فاراج بشأن استطلاعات رأي ممولة من جهة أمريكية متخفية، وعن آلية مقترحة لتمرير تبرع بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني عبر نجل متبرع أجنبي (أمريكي)، وهو ما يمنعه القانون البريطاني. وقد نفى الحزب ارتكاب أي مخالفة قانونية، فيما تنحى المساعدان المعنيان عن منصبيهما.

الصحافة البريطانية اهتمت بأبعاد وتداعيات هذه التطورات. وترى صحيفة “فايننشال تايمز” في هذه التطورات حلقة جديدة ضمن سلسلة من الفضائح والتساؤلات التي باتت تحيط بتمويل حزب “الإصلاح” وبفاراج شخصيا، لأن المشكلة ـ حسبها ـ لا تقتصر على حادثة واحدة، وإنما تتمثل في تراكم قضايا التمويل والشفافية، بما يضعف الصورة التي يحاول الحزب تقديمها عن نفسه بوصفه قوة سياسية مختلفة عن الأحزاب التقليدية.

ووفق الصحيفة تزداد حساسية الأمر لأن “الإصلاح” بنى جزءا كبيرا من خطابه على مهاجمة المؤسسة السياسية واتهامها بالفشل والفساد، وبالتالي، فإن تورط شخصيات بارزة فيه في قضية تتعلق بالتمويل السياسي قد يجعله يبدو، على عكس ما يظهر، شبيها بالطبقة السياسية التي يهاجمها.

وكان حزب الإصلاح أعلن، أمس الجمعة، استقالة اثنين من كبار مساعدي فاراج هما دان جوكس وجميس أور، مضيفا أنه فتح تحقيقا في اتهامات كشف عنها تحقيق استقصائي سري أجرته القناة الرابعة التلفزيونية، تم بثه عشيه خطاب فاراج أمام مؤتمر الحزب.

ويشدد فاراج (62 عاما) على أن حزبه “لم يخرق أي قوانين”، فيما أكدت شرطة لندن أنها “على علم بالتقارير الإعلامية … المتعلقة بالتبرعات للأحزاب السياسية”.

وتستمر التساؤلات بشأن تبرع بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني (6,7 ملايين دولار) من الملياردير البريطاني في مجال العملات المشفرة كريستوفر هاربورن، وسط جدل جديد برز مساء الخميس.

ويقول فاراج إن الأموال تلقاها قبل انتخابه وبالتالي لم يكن ملزما بالإفصاح عنها للسلطات البرلمانية.

ولا يزال فاراج الشخصية الأبرز في هذا الحزب، إذ يرتبط صعود الأخير ارتباطا وثيقا بشخصيته السياسية بوصفه شعبويا يتحدث بصراحة ويعارض المؤسسة السياسية القائمة.

وينصبّ التركيز الرئيسي للحزب على سياساته المناهضة للهجرة، ولا سيما وضع حد لوصول آلاف المهاجرين غير القانونيين على متن قوارب إلى الساحل الجنوبي لإنكلترا.

وقال أستاذ العلوم الحكومية في جامعة إسيكس بول وايتلي لوكالة فرانس برس قبيل المؤتمر في مدينة برمنغهام بوسط إنكلترا، إن فاراج كان “ورقة رابحة كبيرة لحزب “ريفورم” منذ سنوات” لكنه “يبدو الآن في وضع حرج إلى حد بعيد”.

وأضاف “كل ذلك ناجم عن هذه الفضائح، أي تلقي الأموال، مبلغ خمسة ملايين. وهذا يضرّ بصورته”.

ويواجه نائب زعيم الحزب ريتشارد تايس أيضا اتهامات بعدم الإفصاح عن هبات مالية تلقاها.

أقل قادة الأحزاب شعبية

بعد إطاحة رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر الذي كان يواجه ضغوطا كبيرة، أصبح نايجل فاراج الآن “أقل قادة الأحزاب الرئيسية شعبية” وفقا لوايتلي، رغم غياب “أي مؤشرات إلى وجود تحد لقيادته”.

وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة أوبينيوم الشهر الماضي أن فاراج تراجع 28 نقطة في نسبة التأييد مقابل 11 نقطة زائدا لرئيس الوزراء العمالي الجديد آندي بيرنام.

ويأمل حزب “ريفورم ” في ترسيخ مكانته كمنافس رئيسي لحزب العمال الحاكم في جبهة اليمين. ويملك حاليا ثمانية مقاعد فقط في برلمان وستمنستر الذي يضم 650 مقعدا، رغم حصوله على 14% من الأصوات في الانتخابات العامة عام 2024.

وشهد حزب العمال المنتمي ليسار الوسط عامين مضطربين بقيادة ستارمر، بعد أن حلّ مكان حزب المحافظين عقب 14 عاما في السلطة.

وحقق حزب “الإصلاح” مكاسب كبيرة في الانتخابات الفرعية التي جرت في أيار/مايو قبل أن تتفجر فضيحة التبرع من هاربورن.

وقالت المحاضرة في العلوم السياسية بجامعة سري آليا ميدلتون إن “قضية الهبة لفاراج البالغة 5 ملايين جنيه إسترليني من ملياردير في مجال العملات المشفرة هي شوكة في خاصرة الحزب ومشكلة لفاراج نفسه”.

وأضافت “هناك بعض المؤشرات، مبدئيا، إلى أن الحزب قد يكون قد بلغ ذروته في الانتخابات الفرعية، إذ يشهد تراجعا في استطلاعات الرأي، لا سيما منذ تولي بيرنام رئاسة الوزراء”.

ورأت أن هناك “احتمالا حقيقيا” أن يُسفر التحقيق في الأموال عن تعليق عضوية فاراج في البرلمان، ما قد يؤدي إلى انتخابات فرعية أخرى في دائرته الانتخابية في كلاكتون أون سي.

الكونت وجه السطل”

في تموز/يوليو تسببت استقالة فاراج من منصبه نائبا عن كلاكتون، في إجراء انتخابات فرعية في تلك الدائرة مع تصاعد الجدل حول مبلغ التبرع.

وبوجه التحقيقات التي هزّته وسلطت الضوء على ثروته، قدم فاراج الانتخابات الفرعية على أنها “حكم الشعب” ضد “النخب”.

لكن الأحزاب التقليدية قاطعت الانتخابات، ما أسفر عن منافسة غريبة تواجه فيها “الكونت وجه السطل” (كاونت بينفايس) أمام فاراج، بينما كان قادة آخرون يمضون عطلتهم الصيفية.

وقال محاضر العلوم السياسية في جامعة بريستول سام باور “لا مجال لتجميل الأمر. لقد كان الصيف سيئا جدا بالنسبة الى حزب الإصلاح”.

وأضاف “لم يكن أحد مهتما إلا بالكونت وجه السطل… وبصراحة، هذا ليس أفضل ما يمكن أن يظهر به المرء إذا كان يرغب في الظهور كسياسي جاد”.

Share This Article