المسار : إلى باب خيمتها فرّت (س.ط) وصغيرتها، من حر تموز في الداخل. أرادت أن تلتقط أنفاسها بعد سيلٍ من المهام اليومية التي فرضتها عليها حياتها الزوجية المبكرة.
مدّت يدها لتمسح بطرف ثوبها دمعةً فرتّ من عينيها، وكان العرقُ يتصبّبُ على وجهها، فيما تهدهد صغيرتها على حجرها، وتسألها في حيرة: “لم كلُّ هذا البكاء؟!”.
سؤالٌ في واقع الأمر بقي بلا إجابة، تسأله أمٌ صغيرة (س.ط) في السابعة عشرة من عمرها، لطفلةٍ بعمر العام والنصف. متظاهرةً أمامها بالصلابة، مع أنها في واقع الأمر أرق مما تبدو بكثير.
“تركت ابني الثاني، عمره ثلاثة أشهر في الداخل، لا أعرف كيف أتعامل مع هذه البنت؟، تبكي معظم الوقت، استشرت أمي وكل نساء المخيم، لكنني لا أعرف لم تبكي؟، بكاءها يتعبني، وفي كثير من الأوقات أشعر أنني أريد البكاء مثلها”، تقول (س.ط).
تزوجت (س.ط) في السادسة عشرة من عمرها، زُفّت دون فستان أبيض أو حفل زفاف، إلى خيمةٍ لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، فيما بقيت كلمات والدتها تتردد في أذنها دائمًا: “أنتِ صغيرة، ما زلتِ طفلة، انتظري حتى تبلغي العشرين لتصبحي أكثر نضجًا”.
بدأت مأساتها حين دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلتها في مدينة غزة، فنزحت عائلتها قسرًا إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة ثم إلى مدينة حمد السكنية شمال مدينة خانيونس جنوباً.
كانت (س.ط) تحلم بشريك حياة يكون سنداً وعوناً لها في قسوة الأيام، فاختارت الزواج على أن تعيش قساوة حياة تعيشها مع عائلتها، لكنها اصطدمت بواقع مرير، تتعرض للضرب والإهانة بشكل يومي من زوجها، حتى أمام عائلته التي تشاركهم تفاصيل الحياة في خيمة صغيرة لا تتجاوز 14 متر ولا تتسع إلا لفرشتين، حيث تنعدم الخصوصية تماماً.
ورغم مناشدات والدها المتكررة وإعلانه الاستعداد لاستعادتها، يقف الفقر المدقع وعجز الوالد المادي حائلاً دون إنقاذها، لتبقى (س.ط) أسيرة لواقعها، تتلقى الضربات وتصمت لتتجنب لقب “مطلقة”.
لم تنل من مهرها البالغ 3 آلاف دينار أردني سوى 500 شيكل، حيث تنصل والد الزوج من وعوده بتجهيزها بعد أن انفصل هو الآخر عن زوجته، وباتت طرود الملابس التي تقدم كمساعدات إنسانية هي المصدر الوحيد لتوفير ملابسها وملابس أطفالها.
لم تكن قصة (ر. ح)، ابنة السابعة عشرة، أقل إيلاماً، إذ نزحت عائلتها قسرًا بفعل الحرب الإسرائيلية على القطاع، من حي الصحابة في غزة إلى شقة في دير البلح وسط القطاع، وهناك في سن الخامسة عشرة، تقدم لخطبتها شاب يعمل في صناعة الفخار.
وأصر أحد اقارب والدتها على إقناع والدها بتزوجيها من ذلك الشاب، ثم تبين بعد ذلك أن ذلك الإقناع كان سببه رشوة قدمت له من الشاب ليقبل والدها تزويجها، وبعد فترة خطوبة لم تتجاوز عشرة أيام، تم الزفاف على عجل، وفي ليلة زفافها، تحت ذريعة الخوف من السرقة، جردتها حماتها من مصاغها الذهبي.
في اليوم الرابع لزواجها، اكتشفت (ر.ح) الوجه الحقيقي لزوجها؛ حياة مرتبطة بالمخدرات وعلاقات مشبوهة، وعندما واجهته، كان رده صفعة قاسية تحولت إلى اعتداء وحشي باستخدام “شوبك” خشبي، ما تركها تعاني من آلام مبرحة في الرأس لشهر كامل.
حاولت العودة إلى عائلتها، لكن وعوده الكاذبة بالتوبة أعادتها لبيت الطاعة، ليفاجئها في اليوم الأول بنواياه الحقيقية: “أعدتك فقط لأنتقم من والدك”، واستمر التعذيب حتى أنقذها شقيق زوجها وأعادها لعائلتها.
لم تنتهِ مأساة (ر.ح) هنا فخلال تواجدها في مركز الإيواء المقام على أرض ملعب اليرموك وسط مدينة غزة، تعرضت لمحاولة اختطاف مرعبة على يد امرأتين مجهولتين حاولتا إجبارها على العودة لزوجها تحت تهديد السلاح الأبيض، قبل أن تنجو بأعجوبة.
أثقلت الحرب حياة (ر.ح) الذي بسببها كان لها نصيب من الزواج المبكر، ظلت معلقة لمدة عام ونصف، حتى ساومها زوجها على حريتها يوم ميلادها؛ الطلاق مقابل التنازل عن مهرها البالغ 3 آلاف دينار أردني وكافة حقوقها الشرعية.
اليوم، تعود (ر.ح) لمقاعد الدراسة في مرحلة الثانوية العامة “التوجيهي”، تحمل ندوباً نفسية عميقة وخوفاً يمنعها حتى من السير في الشارع بمفردها.
الحرب والنزوح بيئة خصبة
تفسر الاعلامية والباحثة الاجتماعية “ماجدة البلبيسي” هذا التزايد المطرد في حالات الزواج المبكر كقضية اجتماعية ذات أبعاد صحية ونفسية خطيرة، وتوضح قائلة: “الحرب والنزوح وفرا بيئة خصبة لهذه الظاهرة؛ فالخوف من انعدام الأمن، وتكدس العائلات الغريبة داخل الخيمة الواحدة، دفع الأسر للبحث عن “السترة” لبناتهم خوفاً من الاستغلال والتحرش.”
إلى جانب ذلك بينت أن الدوافع الاقتصادية تلعب دوراً حاسماً، فالأهل يسعون لتخفيف الأعباء المعيشية وتكاليف التعليم، بينما يستغل أهل الزوج الوضع لتأجيل دفع المهور وتحويلها إلى مجرد “حبر على ورق”، في التفاف واضح على حقوق الفتاة.
ومن جهة أخرى تحدثت البلبسيي: “يرى بعض الشباب في الزواج فرصة مادية بحتة للحصول على مساعدات نقدية وعينية إضافية والاستفادة من حصص الغاز المخصصة للمتزوجين”.
افتقار للخبرة ومهارات الحياة
ومن منظور نفسي، تؤكد الأخصائية النفسية زينب صيام أن الفتاة في سن 14 إلى 16 عاماً تكون في مرحلة بناء هويتها الشخصية، وتحتاج إلى الاحتواء والتوجيه، لا إلى أعباء تفوق قدرتها على التحمل، مشيرةً إلى ضرورة التفريق بين النمو الجسدي والنضج النفسي؛ فالفتاة قد تبدو جاهزة للزواج جسدياً، لكنها تفتقر للخبرة ومهارات الحياة.
وتؤكد صيام أن “الانتقال المفاجئ من بيئة الأهل إلى بيئة الزوج يخلق صدمة نفسية، تتجلى أعراضها في القلق والاكتئاب والعزلة وفقدان الثقة بالنفس، والشعور بالعجز، وتتضاعف هذه المعاناة مع مسؤوليات الحمل والولادة في ظروف مادية ونفسية قاهرة، ومع تجارب الفقد والنزوح التي تزيد من حدة التوتر والاضطرابات”.
“وبسبب صغر سنهن وغياب الوعي بحقوقهن، تعجز هؤلاء الطفلات عن وضع حدود للعنف أو طلب المساعدة، لتنتهي القصة بخسارة فادحة لطفولتهن، براءتهن، وأحلامهن”، تكمل حديثها.
كما تؤكد صيام، فإن التعليم هو السلاح الوحيد للفتاة، ويجب أن تُمنح الفرصة لتكبر وتختار حياتها عندما تكون مستعدة حقاً لمواجهتها”.
من جانبها تقول المحامية هديل النفار: “إن القانون حدد السن بـ18 للشاب و17 للفتاة، لكن العمل القضائي يجيز الزواج من 16 و15 هجريًا بإذن القاضي بعد التحقق من الأهلية والرضا، ومع ذلك، فإن سلطة الولي لا تعني الموافقة المطلقة، ولا تغني عن رضا الفتاة نفسها”.
وتضيف: “في ظل الحرب والنزوح ضعفت الرقابة وتعطلت إجراءات الحماية، فارتفعت حالات الزواج المبكر”.
وعن الآثار تابعت: “هذا يعرض القاصرات لعنف وحمل مبكر، مع صعوبة إثبات الحقوق والمطالبة بالنفقة أو التفريق، ما يستدعي تشريعًا موحدًا ورقابة فعلية لحماية الفتيات”.
في غزة، لم يعد الزواج المبكر “عُرفًا”. صار ورقة نجاة تُوقّع في خيمة، وعقدًا يُختَم قبل أن تُختَم شهادة المدرسة. القانون موجود، لكن الاستثناءات واسعة والرقابة هشّة، والحرب جعلت من الفقر والنزوح والخوف مبررًا لتزويج البنات.

