الصحافة الاسرائيلية- الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 10/9/2026
هل يوجد بديل حقيقي لمضيق هرمز؟
بقلم: د. يوئيل غوزانسكي، خبير في شؤون دول الخليج، وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة تل أبيب
أظهرت الحرب مع إيران أن مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف، ليس فقط لصادرات الطاقة، بل لربط اقتصادات الخليج بالعالم. وقد أثبتت البدائل الحالية جدواها، ولكنها كشفت أيضاً عن محدوديتها: فقد أدى تحويل النفط السعودي إلى ينبع إلى زيادة الاعتماد على باب المندب، الخاضع لحصار الحوثيين؛ ولا تقدم الفجيرة سوى حل جزئي؛ ولا يوجد حالياً بديل لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية. لذا، فإن الهدف ليس استبدال مضيق هرمز، بل إنشاء بنية احتياطية – شبكة من خطوط الأنابيب والموانئ والممرات التي من شأنها أن تُمكّن من احتواء الحصار. في هذا السياق، من المناسب دراسة مدّ خط أنابيب من شرق المملكة العربية السعودية عبر سلطنة عُمان إلى بحر العرب، متجاوزًا مضيق هرمز وباب المندب، ومتجهًا مباشرةً إلى أسواق آسيا. ويتطلب المنطق نفسه إعادة النظر في ممر IMEC. فما دام مدخله الشرقي هو ميناء جبل علي، فإنه يعتمد على هرمز. ولا جدوى من التخلي عن جبل علي، المركز اللوجستي الهام في الشرق الأوسط، إلا أن الحرب أظهرت مخاطر الاعتماد عليه كبوابة وحيدة للممر. لذا، من الصواب تطوير مداخل إضافية خارج هرمز، في الفجيرة والدقم، إلى جانب جبل علي. وبهذه الطريقة، سيتحول ممر IMEC من ممر يعتمد على نقطة اختناق واحدة إلى شبكة ذات احتياطيات.
تُظهر الاضطرابات المستمرة في حركة ناقلات النفط، وتضرر صادرات دول الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة، مدى هشاشة الوضع البيئي العالمي، إذ يعتمد جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية على مضيق هرمز، الممر البحري الضيق قرب إيران. وعلى الرغم من ذلك، صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت باسنت مؤخرًا بأن المضيق سيصبح “بلا قيمة” في غضون عامين، مع تحوّل دول الخليج معظم صادراتها من الطاقة إلى خطوط الأنابيب البرية.
وتُشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أنه قبل الحرب، كان يمر عبر مضيق هرمز نحو 21 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، بالإضافة إلى المشتقات والمكثفات، أي ما يُعادل خُمس الاستهلاك العالمي للنفط. وفي الربع الثاني من عام 2026، انخفضت حركة النقل إلى 4.9 مليون برميل يوميًا فقط، أي بانخفاض يزيد عن 75 في المئة. وفي نهاية آب، بلغ متوسط عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز 17 سفينة فقط يوميًا، مقارنةً بـ 135 سفينة قبل الحرب. في الوقت نفسه، شهدت السعودية تحولاً ملحوظاً في تدفق النفط إلى مضيق هرمز، ومنه إلى باب المندب: إذ ارتفعت التدفقات عبر باب المندب من 5.4 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2025 إلى 8.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني، أي بزيادة تقارب 50 في المئة. مع ذلك، لا تأخذ هذه الأرقام في الحسبان الإغلاق الذي أعلنه الحوثيون في تموز، والذي أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في التجارة عبر مضيق باب المندب. ونتيجة لذلك، انخفضت صادرات النفط السعودية إلى أدنى مستوى لها في عقد من الزمان في آب 2026، لتصل إلى حوالي 3 ملايين برميل يومياً فقط، مقارنةً بـ 7.3 مليون برميل يومياً في شباط. توضح هذه النتيجة إمكانية تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وحدوده: فتقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة قد يزيد الاعتماد على نقطة اختناق أخرى.
يُشكل الخطر المادي في مضيق هرمز بُعدًا إضافيًا يصعب قياسه، ألا وهو عدم اليقين ونقص المعلومات الموثوقة حول حالة المضيق. فالبيانات الواردة من مصادر مختلفة حول عدد الهجمات وحجم حركة الملاحة والألغام والمناطق الخطرة لا تتطابق دائمًا، وفي ظروف الحرب، يصعب التأكد من سلامة مسار مائي معين. ومن وجهة نظر شركات الشحن والتأمين، فإن مجرد فتح المضيق لا يكفي طالما بقي الشك قائمًا حول المخاطر الفعلية. ومع استمرار استهداف السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن حالة عدم اليقين هذه تُثني الشركات عن العودة إلى هرمز، وترفع أقساط التأمين، وتُطيل أمد الاضطراب حتى بعد انحسار التهديد العسكري المباشر. وهذا يُضيف بُعدًا آخر لمخاوف دول الخليج: فليس كافيًا ضمان فتح هرمز، بل يجب إقناع السوق بأنه آمن. ومن ثم، فإن استعادة حرية الملاحة تُمثل تحديًا كبيرًا يتعلق بالمعلومات والثقة وإدراك المخاطر، وليس فقط بالسيطرة العسكرية على المجال البحري.
تتناول هذه المقالة إمكانية تجاوز المضيق، وإلى أي مدى، باستخدام خطوط الأنابيب (التي تنقل النفط الخام فقط، وليس المشتقات النفطية) وطرق التصدير البديلة، وتحلل قيود كل بديل، وتقترح إمكانية مدّ خط أنابيب نفط سعودي إلى عُمان. تتجاوز أهمية هذه المسألة أمن الطاقة، فبقدر نجاح دول المنطقة في بناء شبكة من الطرق البديلة، قد يضعف أحد أهم أدوات الضغط الاستراتيجية الإيرانية، مما قد يُغير الواقع الجيوسياسي في الخليج تدريجيًا. لا يكمن السؤال في إمكانية الاستغناء عن مضيق هرمز تمامًا، بل في إمكانية تحويل إغلاقه من حدث مُعيق إلى حدث قابل للاحتواء.
التحويل إلى الغرب: ينبع
يُعدّ نظام خطوط الأنابيب السعودي، الذي يربط حقول النفط في شرق المملكة بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، البديل الأهم لتجاوز مضيق هرمز. بحسب شركة أرامكو، تبلغ الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب حوالي 7 ملايين برميل يوميًا، منها حوالي مليوني برميل تُضخ إلى مصافي التكرير في غرب المملكة، ما يترك حوالي 5 ملايين برميل يوميًا للتصدير (مع عدم وضوح إمكانية الحفاظ على هذا التدفق الأقصى على المدى الطويل). وقد زادت الحرب بالفعل من أهمية هذا الخط بشكل ملحوظ، وتدرس الرياض حاليًا توسيع طاقته الاستيعابية بمقدار مليوني برميل إضافية يوميًا، وإشراك دول مجاورة، بما فيها الكويت. يُعد هذا الخط الأكثر قدرة على تغيير معادلة مضيق هرمز. فإذا تمكنت السعودية من زيادة طاقتها الاستيعابية، لتعزيز قدرة ميناء ينبع على استيعاب كميات أكبر من النفط، ونقل معظم صادراتها النفطية غربًا بانتظام، فإن ذلك سيحد بشكل كبير من قدرة إيران على استخدام المضيق ضد المملكة. علاوة على ذلك، فإن ربط الكويت أو غيرها من الدول المنتجة للنفط بالشبكة السعودية في المستقبل سيحولها من بنية تحتية وطنية إلى “شريان استراتيجي” إقليمي.
مع ذلك، لا يُعد هذا حلاً كاملاً. يُعرّض التصدير من ينبع البنية التحتية لخطوط الأنابيب للهجوم (وقد هاجمتها إيران بالفعل)، ويستبدل نقطة اختناق بأخرى – باب المندب، حيث يوجد حاليًا حصار من قبل الحوثيين. يمكن ضخ النفط شمالًا عبر البحر الأحمر إلى العين السخنة، ومن هناك عبر خط أنابيب سوميد المصري، الذي تبلغ طاقته حوالي 2.5 مليون برميل يوميًا، إلى سيدي كرير في البحر الأبيض المتوسط، أو عبر ناقلات النفط عبر قناة السويس.
ومع ذلك، يُعد هذا حلًا طارئًا أكثر منه بديلًا اقتصاديًا كاملًا: فمعظم عملاء النفط السعوديين موجودون في آسيا، لذا يجب دمج النفط الواصل إلى البحر الأبيض المتوسط إما في عمليات تبادل الشحن العالمية أو مواصلة رحلته عبر جبل طارق ورأس الرجاء الصالح شرقًا. والنتيجة هي زيادة مدة الإبحار، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، والحاجة إلى عدد أكبر من ناقلات النفط. وبالتالي، يوفر خط سوميد وقناة السويس للمملكة بعض المرونة، لكنهما لا يحلان مشكلة جغرافية السوق السعودي.
التوجه جنوبًا: الفجيرة
تتمتع الإمارات العربية المتحدة بموقع جغرافي أكثر ملاءمة. يربط خط أنابيب حبشان-الفجيرة حقول النفط في أبو ظبي مباشرةً بساحل خليج عُمان، أي خارج مضيق هرمز. تبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية للخط حوالي 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا. وقد أعلنت أبو ظبي أنها تعمل على مضاعفة طاقتها، وهي خطوة من شأنها أن تسمح لها بنقل أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027. وبهذا المعنى، يُعد النموذج الإماراتي أقرب ما يكون إلى “تجاوز مضيق هرمز”: خط أنابيب قصير نسبيًا، يقع بالكامل داخل أراضي الدولة، ويصل مباشرةً إلى المحيط الهندي دون الاعتماد على باب المندب أو قناة السويس. مع ذلك، لا يخلو الأمر من المخاطر. تقع الفجيرة على خليج عُمان، في بيئة يسهل الوصول إليها بواسطة الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والأنشطة الإيرانية.
علاوة على ذلك، لا تقتصر المشكلة على صادرات الطاقة. باستثناء المملكة العربية السعودية، التي تمتلك منفذًا رئيسيًا على البحر الأحمر، تعتمد دول الخليج أيضًا على مضيق هرمز لتلبية احتياجاتها التجارية المستمرة. تقع الموانئ الرئيسية في الكويت وقطر والبحرين، بالإضافة إلى ميناء جبل علي في دبي، وموانئ أخرى في الإمارات العربية المتحدة، وموانئ سعودية هامة، داخل الخليج. لذا، فإن أي انقطاع طويل الأمد في حركة هرمز لا يؤثر فقط على صادرات النفط والغاز، بل يؤثر أيضًا على دخول سفن الحاويات والمواد الغذائية والمواد الخام والسلع المستوردة. ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي أوسع بكثير من مجرد أمن الطاقة. وتُجسد حالة دبي أبعاد المشكلة: فقبل الحرب، كان ميناء جبل علي يُستوعب حوالي 40 ألف حاوية نمطية (TEU) يوميًا، ولكن في الأسابيع الأولى من الحرب، انخفض النشاط بأكثر من 90 في المئة وكاد أن يتوقف تمامًا. وقد تعافى الميناء منذ ذلك الحين. إنه ليس مجرد ميناء، فالنظام الاقتصادي الذي تطور حول جبل علي مسؤول عن أكثر من خُمس الناتج المحلي الإجمالي لدبي. لذا، حتى دولة كالإمارات العربية المتحدة، التي نجحت في إيجاد بديل جزئي لصادرات النفط عبر الفجيرة، تبقى عرضةً بشدة لإغلاق مضيق هرمز، الذي أدى حصاره إلى عزل جزء كبير من اقتصادات الخليج عن سلاسل التجارة العالمية.
ومن المتوقع أن يتفاقم التحدي الذي يواجه الإمارات. فقد كان خروج الإمارات من منظمة أوبك في أيار 2026 يهدف، من بين أمور أخرى، إلى تمكينها من استغلال طاقتها الإنتاجية التي وسعتها في السنوات الأخيرة بحرية أكبر، وتستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ حوالي 5 ملايين برميل يوميًا في عام 2027. ومع ذلك، حتى بعد التوسعة المخطط لها لخط أنابيب حبشان-الفجيرة، من المتوقع أن تصل طاقته إلى حوالي 3 ملايين برميل يوميًا فقط. وبالتالي، حتى في حالة التوسع الكامل، لن يكون خط الأنابيب كافيًا لنقل كامل إمكانات التصدير الإماراتية. وتُظهر هذه الفجوة أن زيادة الاستقلالية في سياسة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة الاستقلالية في القدرة التصديرية.
العراق: مخرجٌ نحو الشمال والغرب
لقد أظهرت الحرب هشاشة العراق الشديدة، الذي كانت معظم صادراته النفطية تمر عبر البصرة وممر هرمز. واستجابةً لذلك، بدأت بغداد في إعادة إحياء سلسلة من طرق التصدير البديلة. ويُعدّ خط أنابيب البصرة-الحديث المكوّن الرئيسي لهذه الطرق، إذ من المفترض أن ينقل ما يصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا من جنوب العراق إلى غربه، وأن يتيح إمكانية الربط مع سوريا وتركيا وحتى الأردن. وفي الوقت نفسه، تُجرى مناقشاتٌ لإعادة فتح الطريق عبر سوريا إلى بانياس وطرابلس، وتوسيع الصادرات عبر خط أنابيب كركوك-جيهان في تركيا. وإذا ما تحققت هذه المشاريع، فقد تُشكّل من أهم التغييرات الهيكلية التي أفرزتها الأزمة: بناء قدرة عراقية على توجيه النفط غربًا نحو البحر الأبيض المتوسط. إلا أن هذه المشاريع مكلفة وتستغرق سنواتٍ عديدة، وتعتمد على الاستقرار السياسي والأمني في العراق وسوريا. ولا ينبغي النظر إليها كحلٍّ للأزمة الراهنة، بل كاستثمارٍ في تعزيز القدرة على الصمود خلال العقد القادم.
عُمان: بديل مُحتمل
تتمتع عُمان بميزة فريدة بفضل موقعها الاستراتيجي. فميناءاها في الدقم وتلالة يطلان مباشرةً على بحر العرب والمحيط الهندي. ولذلك، يُمكن لعُمان أن تُصبح تدريجيًا “بوابة خلفية” للخليج. على المدى القريب، لا يوجد حاليًا نظام أنابيب قادر على ضخ كميات كبيرة من النفط السعودي أو الإماراتي أو الكويتي إلى الدقم أو تلالة. مع ذلك، على المدى المتوسط والبعيد، يُمكن النظر في دمج خطوط الأنابيب والقطارات ومرافق التخزين والمصافي والموانئ. ويُوضح الربط المُخطط له بين شبكة السكك الحديدية الإماراتية وصحار إمكانية جعل عُمان جزءًا من بنية تحويلية أوسع. وتكمن ميزة المسار العُماني في جانبين: فهو يتجاوز مضيق هرمز ولا يتطلب المرور عبر باب المندب. مع ذلك، حتى هذا المسار ليس بمنأى عن المخاطر نظرًا لقربه النسبي من إيران، التي هددت عُمان وألمحت إلى إمكانية استهدافها لمنشآت استراتيجية على أراضيها.
يُوصى بدراسة مدّ خط أنابيب من حقول النفط في شرق المملكة العربية السعودية جنوبًا، مرورًا بالربع الخالي، وصولًا إلى سلطنة عُمان. من الناحية الهندسية، لا يُعدّ هذا المسار مستحيلًا، فقد سبق لشركة أرامكو مدّ خطوط أنابيب أطول. كما أن ظروف الصحراء ليست عائقًا تامًا، إذ يوجد خط أنابيب يربط حقل الشيبة بمنشآت أرامكو شمالًا. ووفقًا لمقترحات نُشرت سابقًا، يُمكن أن تصل طاقة خط الأنابيب السعودي العُماني إلى 7 ملايين برميل يوميًا. لذا، فإن ميزته واضحة: سيمنح المملكة العربية السعودية منفذًا تصديريًا إضافيًا مع وصول مباشر إلى بحر العرب وأسواق آسيا، دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز أو باب المندب. أما عيبه، فيكمن في ارتفاع تكلفة الإنشاء والاعتماد على عُمان كدولة عبور، ولكن هناك مجال لإعادة النظر فيما إذا كانت هذه التكلفة أقل من التكلفة الاستراتيجية للاستمرار في الاعتماد على هرمز.
ليست هذه الفكرة جديدة، بل سبق أن حظيت بدعم شعبي على مستوى رفيع في عُمان. في تشرين الثاني 2021، دعا وزير الاقتصاد العماني سعيد بن محمد الصقري إلى إحياء خطة مدّ خط أنابيب نفط من السعودية إلى عُمان. ووصف الصقري المشروع بأنه ذو “أهمية استراتيجية”، مؤكدًا أن الوقت قد حان لنقل النفط السعودي إلى بحر العرب عبر عُمان. لم تُحرز الخطة تقدمًا يُذكر منذ ذلك الحين، إلا أن الحرب منحتها بُعدًا جديدًا: فبخلاف الربيع، سيتجاوز خط دكم مضيق هرمز وباب المندب، وعلى عكس الطرق المتجهة شمالًا إلى البحر الأبيض المتوسط، سيتجه مباشرةً نحو آسيا – السوق الرئيسية للنفط السعودي.
نقطة الضعف: الغاز الطبيعي المسال
أي نقاش حول “تجاوز هرمز” يجب أن يُفرّق بين النفط والغاز الطبيعي المسال. توجد بدائل للنفط، لكن لا توجد بدائل تُذكر للغاز الطبيعي المسال. فعلى سبيل المثال، تمر جميع صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تقريبًا إلى السوق العالمية عبر مضيق هرمز، ونحو 80 في المئة منها مُخصصة لآسيا. لا يوجد حاليًا مسار بديل لنقل هذه الكميات إلى السوق العالمية. خط أنابيب دولفين من قطر إلى الإمارات وعُمان محدود السعة، ومنشآت تسييل الغاز في عُمان تعمل بكامل طاقتها تقريبًا. لذا، من الممكن تقليل اعتماد صادرات النفط على مضيق هرمز بشكل كبير، بينما يصعب تحقيق ذلك بالنسبة للغاز. على المدى البعيد، يمكن تصور إنشاء خط أنابيب غاز من قطر إلى عُمان، وبناء منشآت إضافية للغاز الطبيعي المسال في الدقم أو على الساحل العربي. إنه مشروع هندسي وجيوسياسي ضخم، لكنه لم يعد مجرد فكرة نظرية بعد الحرب. بالنسبة لقطر، التي تُعدّ قدرتها التصديرية أساس قوتها الاقتصادية والسياسية، قد يصبح إنشاء “مخرج ثانٍ” إلى السوق العالمية ضرورة استراتيجية.
أظهرت الحرب أنه حتى مع ضمان حرية الملاحة في المضيق، فإن البنية التحتية للإنتاج والتسييل نفسها تُشكّل نقطة ضعف. ألحقت الهجمات الإيرانية في آذار 2026 أضرارًا برأس لفان، مركز تسييل الغاز الحيوي في قطر، مما أدى إلى خسارة نحو 17 في المئة من طاقة التصدير القطرية. وتشير التقديرات إلى أن الإصلاح سيستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات، مع خسارة سنوية في الإيرادات تُقدر بنحو 20 مليار دولار. وقد أعلنت قطر للطاقة حالة القوة القاهرة، واضطرت حتى إلى شراء شحنات من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي للوفاء ببعض التزاماتها تجاه عملائها في آسيا. إن حجم الاضطراب هائل: ففي الأشهر الستة الأولى من الحرب، لم تُصدّر قطر سوى 18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال، مقارنةً بـ 509 شحنات في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بانخفاض يزيد عن 90 في المئة في الصادرات. لذا، لا يقتصر التحدي الذي يواجه قطر على كيفية تجاوز مضيق هرمز فحسب، بل يتعداه إلى كيفية إنشاء بدائل لسلسلة التصدير بأكملها، بدءًا من إنتاج الغاز وتسييله وصولًا إلى نقله إلى الأسواق. فعلى سبيل المثال، لن يكون مدّ خط أنابيب إلى عُمان ذا جدوى إلا إذا تم إنشاء محطة تسييل كبيرة ومحمية خارج منطقة الخليج في نهايته. لذا، في حالة قطر، يُعدّ الحل الحقيقي أكثر تكلفة وتعقيدًا من مدّ خط أنابيب نفط بديل. كما يُمكن أن يُمثّل ربط قطر مستقبلًا بالشبكة السعودية وخط أنابيب الغاز الطبيعي المسال “لينبع” (المجاور لخط أنابيب الشرق والغرب) فكرة استراتيجية واعدة، إذ سيُتيح للدوحة، ولأول مرة، خيارًا بريًا غربًا لا يعتمد على مضيق هرمز، إلا أن هذه الخطوة تتطلب زيادة حجم الإنتاج والحصول على موافقة السعودية.
وتُثير مسألة تقليل الاعتماد على مضيق هرمز قلق إيران أيضًا، التي تُدرك منذ زمن أن نقطة الاختناق تُمثّل مصدر قوة ونقطة ضعف في آنٍ واحد. ولذلك، قامت بمدّ خط أنابيب يربط المناطق النفطية في غرب البلاد بمحطة جاسك في خليج عُمان، خارج مضيق هرمز. ويهدف المشروع، الذي دُشّن عام 2021، إلى السماح بتصدير النفط في حال حدوث اضطراب أو انسداد في المضيق، وفي عام 2026، بدأ استخدام المحطة مجددًا لتحميل البضائع، وإن كان ذلك على نطاق محدود. إن استثمار إيران نفسها في إنشاء بديل لمضيق هرمز يُفاقم المفارقة: فقدرتها على تهديد المضيق تمنحها نفوذاً كبيراً على جيرانها وسوق الطاقة العالمي، لكن اعتمادها على هذا الممر يُقيّد حريتها في التحرك.
الآثار المترتبة
الاستنتاج الرئيسي للسياسة هو أنه لا حاجة للبحث عن “بديل لمضيق هرمز”. فليس هناك طريق واحد قادر على نقل كميات النفط والغاز والبضائع التي كانت تمر عبره. بدلاً من ذلك، يكمن الحل في بنية احتياطية: خطوط أنابيب وموانئ وممرات ملاحية متعددة، بحيث لا يؤدي أي عطل في أحدها إلى شلّ النظام بأكمله. بالنسبة للسعودية، يعني هذا مدّ خط الأنابيب إلى ينبع مع تطوير خيارات باتجاه عُمان في الوقت نفسه. أما بالنسبة للإمارات، فيعني هذا توسيع الفجيرة والربط البري بعُمان. وبالنسبة لقطر، يعني هذا دراسة إنشاء خط أنابيب غاز ومرافق تسييل خارج الخليج. وينبغي استكمال ذلك بتخزين استراتيجي، والقدرة على تكرير وتصدير المنتجات النفطية خارج الخليج، وشبكات سكك حديدية، وبنية تحتية للكهرباء. لا تتحقق المرونة باستبدال مسار بآخر، بل بالقدرة على الاختيار بين عدة مسارات في أوقات الأزمات.
ومن القيود الأخرى لبعض البدائل لممر هرمز، ليس هندسيًا بل تجاريًا. فمن حيث المبدأ، يُمكن نقل النفط العراقي شمالًا إلى تركيا، لكن عملاء النفط العراقي الرئيسيين يقعون في شرق آسيا. وينطبق وضع مماثل على المملكة العربية السعودية، التي يقع معظم عملائها في شرق آسيا، فعندما يتعطل النقل في هرمز بسبب النفط القادم من ينبع، يجب أن يمر عبر باب المندب في طريقه إلى آسيا. وإذا ما أُغلق باب المندب أيضًا، فسيتعين على النفط من المنبع المتجه إلى آسيا أن يسلك طريقًا عبر البحر الأبيض المتوسط، ثم يدور حول أفريقيا، ويعود إلى المحيط الهندي، وهو مسار يُضيف أسابيع، وتكاليف نقل وتأمين، وقيودًا على نوع وحجم ناقلات النفط. لذلك، لا تُعدّ المسارات المتجهة شمالًا وغربًا بديلًا حقيقيًا لممر هرمز. ولهذا السبب أيضاً يعتبر البديل الجنوبي عبر عُمان مثيراً للاهتمام بشكل خاص: فهو لا يتجاوز هرمز وباب المندب فحسب، بل ينقل النفط مباشرة إلى المحيط الهندي، في الاتجاه الذي يتواجد فيه معظم عملائه على أي حال.
تُسرّع الحرب بالفعل من التحوّل من الحلول الطارئة إلى بنية لوجستية جديدة. فعلى سبيل المثال، وسّعت شركة موانئ دبي العالمية استخدام الطرق البرية التي تربط جبل علي بموانئ الساحل الشرقي، بينما أنشأت دبي وعُمان “ممرًا أخضر” يسمح بتفريغ البضائع في عُمان ونقلها برًا إلى الإمارات العربية المتحدة. ما بدأ كاستجابة مؤقتة للاضطرابات في مضيق هرمز قد يصبح عنصرًا دائمًا في النظام التجاري الإقليمي. في الوقت نفسه، تُجري عُمان محادثات مع إيران بشأن ترتيبات مستقبلية للمرور الآمن عبر مضيق هرمز، وتأمل دول الخليج أن تتوصل مسقط إلى تفاهمات مع طهران تسمح باستئناف حركة الملاحة المنتظمة في المضيق، حتى لو تطلّب ذلك في نهاية المطاف ترتيبًا تفاوضيًا ودفعًا مقابل المرور الآمن. تسعى دول الخليج إلى بناء بدائل، لكنها تُدرك أن المضيق سيظل شريانًا حيويًا، وبالتالي هناك حاجة إلى آلية للحد من مخاطر الملاحة فيه.
في ضوء ذلك، فإن توقعات وزير الخزانة الأمريكي بعيدة المدى، وربما صدرت في سياق سياسي. لا يُتوقع أن يفقد مضيق هرمز أهميته، وبالتأكيد ليس في غضون عامين. مع ذلك، يكمن وراء هذا الخطاب تغيير محتمل: فقد سرّعت الحرب الانتقال إلى مفهوم تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. الهدف الواقعي ليس عالماً بلا مضيق هرمز، بل نظام طاقة إقليمي لا يُعيق فيه تعطيل المضيق صادرات الطاقة الخليجية. تمكنت السعودية والإمارات من تصدير النفط جزئياً بفضل البنية التحتية التي أنشأتاها قبل الحرب. في المقابل، تراجعت إيرادات العراق وقطر والكويت بشكل حاد، ما يؤثر سلباً على اقتصاداتها. والبدائل ليست بمنأى عن ذلك أيضاً: فخلال الحرب، تعرضت البنية التحتية لخطوط الأنابيب السعودية ومنشآت ميناء الفجيرة للهجوم.
لإسرائيل مصلحة في تقليل الاعتماد الإقليمي على مضيق هرمز، إذ يُقلل ذلك من قدرة إيران على تحويل التهديد العسكري للملاحة البحرية إلى ضغط اقتصادي عالمي. إضافةً إلى ذلك، لإسرائيل مصلحة أخرى: فمع ازدياد اعتماد نظام الطاقة الإقليمي على البر وترابطه، تزداد أهمية ممرات النقل والبنية التحتية التي تعبر الشرق الأوسط. على المدى البعيد، قد يُضفي الربط بين شبه الجزيرة العربية والأردن والبحر الأبيض المتوسط بُعدًا اقتصاديًا وبنيويًا على مشاريع مثل الممر الهندي (IMEC). مع ذلك، يربط الجزء الشرقي من الممر الهند بموانئ الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما جبل علي، الواقع في الخليج العربي والمعتمد على مضيق هرمز. في هذه الحالة، لا يُعالج الممر الهندي نقطة الضعف الأولى في سلسلة الموانئ، وهي مضيق هرمز. لذا، فإن الحرب تستدعي إعادة النظر، على الأقل، في مسار الممر الهندي: ينبغي أن تكون نقطة الدخول الشرقية للممر خارج مضيق هرمز، مثلاً في الفجيرة أو بدقم، ومن هناك إلى المملكة العربية السعودية، وإلا سيرث الممر الهندي التبعية الاستراتيجية التي يُفترض أن يُساهم في تقليلها.
——————————————
هآرتس 10/9/2026
بريطانيا ثبتت سابقة دولية في الفصل بين إسرائيل والمناطق المحتلة
بقلم: ليزا روزوفسكي
بعد اقل من شهرين على تولي اندي برنهام رئاسة الوزارة البريطانية، حطمت بريطانيا حاجز الخوف، واعلنت ان الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة غير شرعي، وانها ستحظر التجارة مع المستوطنات الاسرائيلية وتفرض عقوبات على من يعملون على توسيعها. وقد تطور هذا الاعلان على مدى اشهر. ساعات من النقاشات والمداولات في اروقة وزارة الخارجية في لندن، ومحاولات استمالة المسؤولين ومتخذي القرارات في القدس، وضغوط من نواب حزب العمال وسقوط حكومة ستارمر التي اعتبرت نفسها مقيدة بالتزامها تجاه الجالية اليهودية، لا سيما ازدياد الضغط الشعبي على هذه القضية التي اصبحت من القضايا الرئيسية في الخطاب السياسي البريطاني، مثلما هي الحال في الكثير من الدول الاوروبية الاخرى – كل ذلك شكل خطوة هامة في مجال السياسة الخارجية البريطانية.
وقد تضافرت هذه العمليات الداخلية في بريطانيا مع ازدياد عنف المستوطنين وطرح مناقصة البناء في منطقة “إي 1” خلافا للوعد الذي قطع لبريطانيا وغيرها من الدول الاوروبية الكبرى بشأن هذه القضية. ولكن قد يكون هناك سبب آخر لتوقيت هذه الخطوة: الانسحاب الامريكي الثلاثي.
أولا، ادارة الرئيس دونالد ترامب متورطة في الازمة المستمرة المتعلقة بايران ومضيق هرمز، وليست حرة وليست في افضل وضع للقيام بدورها التقليدي كحامية لاسرائيل. ثانيا، سئمت الادارة الامريكية من حكومة نتنياهو على خلفية فشل خطة ترامب في غزة واستمرار دعمها للارهاب اليهودي في الضفة الغربية. ثالثا، تشمل الايديولوجيا الهجينة التي تتسم بالفوضى والاندفاع عناصر انفصالية، كما نذكر، وقد حددت عقيدة ترامب في السياسة الخارجية التي نشرت في السنة الماضية، هدف الانسحاب الامريكي من الشرق الاوسط لصالح مناطق اخرى في العالم. ان التورط الايراني ومشروع غزة الطموح لا يسمحان بتحقق هذا الانسحاب عمليا، لكن لماذا تتدخل واشنطن في قضايا اخرى؟ وهكذا، لم تتحقق المخاوف والتقارير البريطانية بشأن احتمالية شن امريكا حرب جمركية ضد بريطانيا ردا على تحركها ضد المستوطنات حتى الآن. على سبيل المثال، عندما سئل وزير الخارجية ماركو روبيو عن هذه المسألة امتنع عن الاشارة مباشرة الى الاجراءات البريطانية، بل المح بانه لا يختلف جوهريا مع تصور بريطانيا للواقع في الضفة الغربية، وقال: “نحن نتشارك هدف الاستقرار، ولا نريد مشاهدة تصاعد في العنف والتوترات في الضفة الغربية”. باستثناء مايك هكابي، السفير الامريكي في اسرائيل والصديق المقرب من حكومة نتنياهو، والنائب الجمهوري راندي باين، لم يهب أي احد في امريكا لحماية المستوطنات.
بالنسبة لبرنهام تعتبر هذه الخطوة قبل أي شيء الدليل على قدرة بريطانيا على القيادة والتمسك بالمباديء، كما كتب في منشور في “اكس” واصدر تصريح مشابه في البرلمان. قبل اسبوع تقريبا من الاعلان وخلال زيارة الرئيس الفرنسي عمانويل ميكرون في لندن، اتفق هو وبرنهام على انضمام فرنسا الى مقاطعة منتجات المستوطنات، وانضمت كندا، العضو في مجموعة السبعة، الى هذه الخطوة ايضا. وهكذا، بعد سنة على “انجرارها” وراء باريس في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تمكنت لندن من ان تكون في صدارة اهم خطوة حتى الان في مقاطعة المستوطنات في الضفة الغربية.
هذا بمعنى معين هو تكرار لـ “التسونامي السياسي” الذي شاهده السنة الماضية: ففي اجتماع قادة الجمعية العمومية في شهر ايلول اصدرت عدة دول غربية اعلان مشترك يعترف بالدولة الفلسطينية، في حين التقى ممثلو ثماني دول اسلامية اقليمية مع الرئيس ترامب في نفس الوقت، وفي الاجتماع الذي نتجت عنه خطة العشرين بند لغزة، التي ادت في نهاية المطاف الى وقف اطلاق النار. يصعب تصديق ان اجتماع القادة في نيويورك في هذه السنة سينتج عنه أي تحرك واسع النطاق، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات في اسرائيل.
ايضا انضمت عدة دول اوروبية اخرى الى بيان يسمح بتفسير واسع يدعم حل الدولتين، ويدين ضم الاراضي الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين، ويعرب عن نية – غامضة بنسبة معينة – تقييد التجارة مع المستوطنات. في الحقيقة تنقسم الدول الـ 12 التي وقعت على الاعلان الى عدة مجموعات: بريطانيا وفرنسا وكندا، التي اعلنت عزمها على سن تشريعات مناسبة في البرلمان، ودول مثل اسبانيا وايرلندا، التي حظرت بالفعل التجارة مع المستوطنات في داخل حدودها، ودول مثل السويد والدانمارك تدعم هذه الخطوة، لكنها لا تهتم أو غير مستعدة للعمل بشكل منفرد، بل كجزء من الاتحاد الاوروبي، ودول مثل فنلندا التي ما زالت غير مؤكدة من دعمها لمقاطعة شاملة لمنتجات المستوطنات على المستوى الاوروبي، ودول مثل بولندا التي صرح سفيرها بان بلاده مستعدة لفحص اتخاذ اجراء احادي الجانب ضد منتجات المستوطنات، لكنها تفضل العمل مع الاتحاد الاوروبي.
وتشير فرنسا ايضا الى ان العمل الاوروبي المشترك ما زال الخيار المفضل لها. فالى جانب رغبتها في مواصلة مسيرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بدعم من بريطانيا، يكمن وراء الخطوة الفرنسية ايضا الاحباط من المازق الذي وصلت اليه المبادرة الفرنسية – السويدية لتقييد التجارة مع المستوطنات في الاتحاد الاوروبي. ومن المفهوم في فرنسا ان الخطوة التي اعلنت عنها قد لا تؤتي ثمارها على الاطلاق. فمثلما هي الحال في بريطانيا وفي كندا سيحتاج حظر منتجات المستوطنات الى تشريع مطول في فرنسا، ومع ذلك، فبينما يوجد امام الحكومة البريطانية الحالية مهلة حتى العام 2029، فستجرى الانتخابات الرئاسية في فرنسا في وقت مبكر في شهر نيسان القادم. واذا لم يتم استكمال التشريع حتى ذلك الحين فليس من المستبعد ان تتخلى الحكومة القادمة عن المشروع، لا سيما اذا كانت حكومة يمينية متطرفة، وهو سيناريو مرجح جدا بالنظر الى الاستطلاعات في فرنسا.
في غضون ذلك صرح مسؤول بريطاني رفيع المستوى للمراسلين الاسرائيليين أمس ان التشريع البريطاني سيتيح بعض المرونة. والمح الى ان الاجراءات البريطانية في هذا الشأن ستعتمد بشكل مباشر على سياسة الحكومة القادمة. وقد سعت الحكومة التي انضم اليها الرئيس اسحق هرتسوغ وزعيم المعارضة يئير لبيد الى ربط التحرك ضد المستوطنات بفترة الانتخابات الاسرائيلية والادعاء بان الامر يتعلق بتوقيت خاطيء واعتبارات خاطئة (لبيد) وتدخل سافر (هرتسوغ). لم تسفر هذه المحاولة الا عن غضب الفرنسيين والبريطانيين. فبالنسبة لهم تعتبر هذه محاولة للحكومة لاستغلال الانتخابات لصالحها، متجاوزة بذلك الخطوط الحمراء الراسخة، والاعلان عن مناقصة بناء في منطقة “إي1” قبيل الانتخابات.
بغض النظر عن اعتبارات بريطانيا فان هذه المملكة هي التي رسخت الاساس السياسي لاقامة دولة اسرائيل في وعد بلفور، ثم صعبت على اليهود الهجرة الى ارض اسرائيل وشراء الاراضي فيها من خلال الكتاب الابيض. وقد فرضت عقوبات محددة على المستوطنين العنيفين في السابق، لكن هذه المرة يتعلق الامر بمقاطعة اقتصادية شاملة لجميع المستوطنات، مرفقة باعتراف رسمي بان الاحتلال نفسه غير شرعي، وهذا له تداعيات، مثلا على صادرات السلاح الى اسرائيل.
تتخذ هولندا، مثل اسبانيا وايرلندا، خطوات مشابهة، وتفحص دول اخرى الانضمام اليها. لكن بريطانيا، بفضل اعلانها المبدئي بعدم شرعية الاحتلال وثقلها الاقتصادي والنطاق الواسع للعقوبات المحتملة التي اعلنتها، ترتقي بهذه الخطوة الى مستوى آخر. وبهذا رسخت المملكة المتحدة سابقة دولية بفصل واضح لا لبس فيه بين دولة اسرائيل السيادية والاراضي المحتلة التي تسيطر عليها بشكل غير شرعي منذ ستة عقود تقريبا. حتى لو تمكنت اسرائيل من عرقلة تصويت ما في الاتحاد الاوروبي أو في الامم المتحدة أو الضغط على حلفائها المتنفذين في الغرب بالتهديد بطرد الدبلوماسيين واغلاق السفارات، فان هذا الفصل بتداعياته السياسية والاقتصادية سيتعمق.
——————————————
معاريف 10/9/2026
ما لا يفهمه الأوروبيون هو أن مقاطعة المنتج ليست مقاطعة المستوطنات
بقلم: د. موشي العاد
منذ عهد الانتداب وحتى أيامنا هذه لا يزال البريطانيون يفضلون الخطوة التي تبدو صحيحة وواجبة في لحظة معينة، حتى لو كان السؤال الأهم حقا هو ماذا ستكون نتائجها. فمقاطعة منتج مصدره في المستوطنات هي مثال جيد على ذلك. الفكرة من خلفها واضحة: اذا كانت المستوطنات هي جزء من المشكلة فينبغي فرض عقوبات اقتصادية عليها. غير أن الطريق من المنتج الذي على الرف الى تغيير الواقع السياسي أطول بكثير مما يخيل.
احد الأمثلة التي تجسد هذا بالملموس هو قصة شركة “صودا ستريم”. على مدى سنين عمل مصنع “صودا ستريم” في ميشور ادوميم وشغل نحو 1.300 عامل، بينهم مئات العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية. تحولت الشركة الناجحة الى احد اهداف حركة المقاطعة الدولية بسبب موقع المصنع خلف الخط الأخضر. في 2014 أعلنت “صودا ستريم” عن نقل المصنع الى النقب. اغلق المصنع في ميشور ادوميم في العام 2015، وانتقل العمل الى منطقة لهافيم. في اعقاب الانتقال فقد مئات العمال الفلسطينيين مكان عملهم. الشركة نفسها لم تختفي. ما لا يفهمه الأوروبيون هو أن مقاطعة المنتج ليست بالضرورة مقاطعة المستوطنات.
على مدى قرابة عقدين جرت في دول مختلفة محاولات لمقاطعة او تقييد تسويق منتجات مصدرها المستوطنات. الهدف: خلق ثمن اقتصادي للعمل خلف الخط الأخضر وتحفيز إسرائيل على تغيير سياستها. غير انه يوجد فارق جوهري بين المس بالمنتج وبين المس بالالية التي تنتج وتوسع المستوطنات. المصنع يمكنه ان ينتقل الى أراضي إسرائيل. المنتج يمكنه أن يباع في السوق الإسرائيلية او في أسواق أخرى. أحيانا يكون ممكنا تغيير مبنى العمل بحيث تضر المقاطعة بقدر اقل مما خطط لها.
هنا ينشأ تناقض. فسياسة هدفها ممارسة الضغط على إسرائيل وتحسين وضع الفلسطينيين من شأنها، اذا لم تكن تترافق وسياسة استكمالية ان تمس بالذات بالاشخاص الذين يعملون في المصانع التي يمارس عليها الضغط. فاذا كانت بريطانيا ودول أخرى تريد أن تقلص العمل الاقتصادي في المستوطنات، فان عليها ان تفكر بالتوازي كيف تسمح للعامل الفلسطيني ان ينتقل من مصنع في المستوطنات الى مصنع فلسطيني وليس من قاعة الإنتاج الى قاعة البطالة.
توجد أسباب أخرى لفشل المقاطعة المرة تلو الأخرى. فمثلا من الصعب متابعة مصدر المنتج. منتج ينتقل من المصنع الى معمل التغليف، الى شركة التسويق، الى المصدر والمورد، يمكنه أن يتنقل بين الايادي مرات عديدة. منتج زراعي يمكنه ان يدخل الى سلسلة توريد. شركة إسرائيلية يمكنها أن تسوق وتصدر منتجات مصدرها يهودا والسامرة. اذا كان مصدر المنتج غير قابل لتشخيص مصداق فان انفاذ المقاطعة يكون اشكاليا.
وماذا ينبغي لهم في بريطانيا ان يفهموا أيضا؟ ان المقاطعة للمنتج ليست بالضرورة ضغطا على أصحاب القرار. ينشأ هنا فخ. اذا كانت المقاطعة صغيرة ومركزة، فان تأثيرها الاقتصادي محدود. اذا ما وسعت بحيث تصبح ذات تأثير اقتصادي كبير فانها تبدأ بالمس أيضا بالشركات، بالعمال وبالعمل غير الذين مرتبطين مباشرة بالمستوطنات.
——————————————
يديعوت احرونوت 10/9/2026
رسالة لبنان لإسرائيل: هذه هي الفرصة الأخيرة للسلام
بقلم: ايتمار آيخنر
“يجب على إسرائيل مساعدتنا. يجب على إسرائيل أن تُمدّ لنا يد العون. الشعب اللبناني يحلم اليوم بالسلام مع إسرائيل. بدأ هذا الأمل عندما قضت إسرائيل على نصر الله، الذي كان أقوى رجل في لبنان واحتجز البلاد رهينة. حزب الله هو سرطان لبنان، ولكن لكي ينجح هذا، نحتاج إلى مساعدتكم”. هذا ما قاله مسؤول لبناني يوم الأربعاء في حوار حصري مع موقعي “Ynet” و”يديعوت أحرونوت”.
دار حوارنا على هامش مؤتمر MEAD الرابع، المنعقد في واشنطن، والذي يأتي في أحد أكثر الأوقات حساسية وأهمية منذ تأسيسه، في ظل حالة عدم اليقين المحيطة بالقتال مع إيران، ومصير خطة الرئيس ترامب في غزة، والمفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان بوساطة أمريكية. ويحضر المؤتمر ممثلون عن 24 دولة من الولايات المتحدة وإسرائيل والشرق الأوسط، بما في ذلك دول لا تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية.
وسعى المسؤول اللبناني، الذي تحدث أيضاً نيابةً عن كبار المسؤولين اللبنانيين، إلى توجيه رسالة إلى الشعب الإسرائيلي: “يجب على إسرائيل أن تضمن لنا عدم وجود احتلال إسرائيلي في لبنان. عليكم وقف نهب جنودكم في جنوب لبنان. توقفوا عن حرق المناطق بقنابل الفوسفور الأبيض المصممة لإحراق مساحات واسعة. جنودكم يسرقون أشجار الزيتون. تُنشر تقارير في لبنان حول تصريحات وزرائكم المتطرفين بشأن إقامة مستوطنات في لبنان”.
وأقر المسؤول اللبناني بأن التجربة الرائدة لتنظيف ثلاث قرى لبنانية من الأسلحة والبنية التحتية لم تكن ناجحة تماماً. بحسب قوله، يكمن السبب في أن الجيش اللبناني لا يزال ضعيفًا جدًا لمواجهة حزب الله. وأضاف: “من الواضح لنا أنكم وحدكم القادرون على القيام بهذه المهمة، ولكن عليكم القيام بها على النحو الأمثل. عليكم أن تعلنوا أنه بمجرد نزع سلاح حزب الله، ستنسحب إسرائيل بالكامل. حينها فقط سيصبح السلام ممكنًا بين البلدين. لم يكره الشعب اللبناني إسرائيل قط. كراهية إسرائيل ليست من طبيعة اللبنانيين. كانت هناك كراهية لإسرائيل بعد مجزرة قرية قانا عام 1996، لكنها لم تعد موجودة الآن”. وأشار المسؤول إلى وجود مخاوف في لبنان من أن يقوم حزب الله باغتيال الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. وقال: “لكنهما قائدان شجاعان ومتمسكان بإيمانهما. سيستغرق السلام وقتًا، لكنه ممكن. هناك حاجة إلى خطوات إيجابية من جانب إسرائيل. عليكم أن تدركوا أن لبنان ليس غزة. لبنان دولة ذات سيادة وكرامة. يدعم المجتمع الدولي تعزيز الجيش اللبناني، لكن ذلك يتطلب وقتًا، وعلى إسرائيل أن تمنحنا فرصة وألا تبالغ في رد فعلها على هجمات حزب الله، الذي يسعى إلى تفجير العملية”.
“حزب الله يطلق طائرات مسيرة على قوات الجيش الإسرائيلي لاستفزاز رد إسرائيلي غير متناسب، بهدف تدمير كل شيء. يجب على إسرائيل ضبط النفس في استخدامها للقوة. يجب على إسرائيل الامتناع عن مهاجمة بيروت. هذه نقطة حساسة تُضعف الحكومة بشكل كبير. هناك زخم الآن، لكننا نفقده عندما نسمع وزراء متطرفين في إسرائيل يقولون إنه يجب إقامة مستوطنات في لبنان. هذا غباء. هناك إجماع في جميع الطوائف في لبنان، باستثناء معظم الشيعة، على رغبتهم في السلام مع إسرائيل. هذه هي الفرصة الأخيرة. هناك احترام كبير لرئيسكم، إسحق هرتسوغ، فهو قائد حقيقي يتحدث بأسلوب متزن. نتنياهو لا يحظى بتقدير كبير، على الرغم من أنه يُشكر على القضاء على نصر الله.”
وعندما سُئل المسؤول اللبناني عما إذا كان يرى إمكانية أن يتناول الإسرائيليون الحمص في بيروت، أجاب: “لم لا؟ بعد نزع سلاح حزب الله، من المؤكد أن ذلك ممكن. سيستغرق الأمر بضع سنوات، لكنه قابل للتحقيق.” وفي ختام المحادثة، أكد قائلاً: “لا يمكن أن يكون أمن إسرائيل على حساب سيادة لبنان. فعندما تنسحب إسرائيل من لبنان، سيصبح لبنان أقوى، وسيضعف حزب الله”.
——————————————
إسرائيل اليوم 10/9/2026
إسرائيل عشية السنة العبرية تشفز (5877): 10.305.000 نسمة
بقلم: ايالي يعقوبي
قبل لحظة من دخول سنة تشفز (5877) نشر مكتب الإحصاء المركزي أمس التقرير الديمغرافي التقليدي الذي يجمل السنة المنصرمة ويعرض صورة وضع معقدة للمجتمع الإسرائيلي.
يقدر عدد سكان إسرائيل بـ 10.3 مليون نسمة، ومن رأس السنة الماضي ازداد عدد السنة بـنحو 124 الف نسمة (1.2 في المئة). في التقسيم الديمغرافي يعد السكان اليهود 7.828 مليون نسمة (78.3 في المئة من عموم الإسرائيليين بينما يعد السكان العرب 2.173 مليون (21.7 في المئة). كما يقيم في إسرائيل نحو 304 الف اجنبي. وبالاجمال يعيش في العالم اليوم 15.9 مليون يهودي، 46 في المئة منهم يسكنون في دولة إسرائيل.
احد المعطيات البارزة في التقرير الحالي هو ميزان الهجرة الدولي، الذي أصبح سلبيا واقتطع من عدد سكان الدولة نحو 8 الاف نسمة في السنة الماضية. وبينما وصل الى البلاد 24 الف مهاجر جديد (الى جانب نحو 4 الاف آخرين في اطار لم شمل العائلات) ونحو 21 الف إسرائيلي عادوا من الخارج – فان عدد المغادرين كان اكبر بكثير وبلغ نحو 57 الف ممن هاجروا الى دول أخرى.
هذا الميل يواصل معطيات العام 2025 حين سجلت مغادرة 69.5 الف إسرائيلي الى جانب انخفاض في عدد القادمين الجدد. وبالاجمال منذ قيام الدولة وصل الى إسرائيل 3.51 مليون مهاجر جديد. ويعتمد النمو السكاني أساسا على الزيادة الطبيعية: في اثناء السنة المنصرمة ولد في إسرائيل نحو 182 الف وليد مقابل نحو 50 الف حالة وفاة.
39.6 من اليهود الراشدين يعرفون انفسهم علمانيين، بينما 21.8 في المئة يعرفون انفسهم تقليديين وغير متدينين، 14 في المئة تقليديين – متدينين، 12.4 في المئة متدينين و 11.5 في المئة حريديم. الخلية العائلية في إسرائيل تواصل كونها شاذة في حجمها بالنسبة للعالم الغربي: متوسط 3.17 نفس للعائلة ومعدل خصوبة 2.88 طفل للمرأة – ضعف المتوسط في الـ OECD الذي يبلغ 1.41 فقط.
في مجال الصحة، تحافظ إسرائيل على مكانة القمة العالمية. مدى العمر بقي يرتفع في 2025 وبلغ 81.4 سنة للرجال و 85.9 سنة للنساء. في المستوى الدولي، الرجال الإسرائيليون يتقاسمون المكان السابع مع استراليا، آيسلندا واليابان، والنساء الاسرائيليات تأتين في المكان الثامن.
رغم التحديات الأمنية، الازمة في الطرق وغلاء المعيشة، 92.2 في المئة من الجمهور راضون عن حياتهم بشكل عام. ومع ذلك، الصورة الاقتصادية معقدة اكثر: بينما 70 في المئة من الإسرائيليين راضون عن وضعهم الاقتصادي نحو 30 في المئة غير راضين. نحو ربع السكان يبلغون بانهم يجدون صعوبة في تغطية كل النفقات الشهرية للعائلة.
——————————————
هآرتس 10/9/2026
عقوبات على المستوطنين؟ هذه مزحة، المستوطنات هي اسرائيل والعكس صحيح
بقلم: جدعون ليفي
الجميع يقومون بلعب هذه اللعبة: بريطانيا تفرض عقوبات ظاهريا، وينضم اليها حوالي 12 دولة اوروبية، لكن ليس فعليا، واسرائيل ترد بخطوات تشبه الفأر الذي يعاقب الفيل، فقط لاظهار كيف اذقنا البريطانيين الويل، والجميع راضون عن انفسهم. لن يتوقف انشاء حظائر المستوطنين على الاراضي المسروقة في الضفة الغربية، ولن يتوقف نهب الاغنام بسبب قرار بريطانيا الذي يشيد به العالم.
اعادة حكومة بريطانيا الجديدة التاكيد على وجود تطهير عرقي في الضفة الغربية. وهي اول حكومة في الغرب تعترف بذلك. هذا يبعث على الامل، وخطوة اخلاقية، تحية لبريطانيا بدون سخرية. ولكن بريطانيا قررت معاقبة المستوطنين فقط، وهذا قرار خطير يرسخ سابقة خطيرة. وهكذا، تعلن ان هناك اسرائيل وهناك مستوطنات، هناك دولة وهناك احتلال، هناك اسرائيليون وهناك مستوطنون.
يسهل التمييز بينهم، مثلما يتم التمييز بين بنيامين نتنياهو من عالم الحروب، وبين المعارضة من عالم السلام. بهذه الطريقة ربما لن يتهم أي احد بريطانيا باللاسامية، باستثناء جدعون ساعر الذي يحسن لوم العالم ومعاقبته.
لكن لا وجود للمستوطنات ككيان سياسي مستقل. عندما فرضت اوروبا عقوبات على شبه جزيرة القرم المحتلة، فرضت ايضا عقوبات على الدولة المحتلة، روسيا. كيف يمكن معاقبة المستوطنين فقط بدون معاقبة من يقومون بتمويلهم وحمايتهم ودعمهم وارسالهم، حكومات اسرائيل؟.
المستوطنات هي اسرائيل واسرائيل هي المستوطنات. لم يعد يوجد خط اخضر منذ زمن، ولم يعد يوجد خط اخضر يفصل الضفة الغربية عن اسرائيل، باستثناء خط الفصل العنصري. جميعنا اسرائيليون ومستوطنون، وجميعنا نتحمل المسؤولية عما يتم ارتكابه باسمنا.
اذا كانت بريطانيا ترى ان التطهير العرقي يحدث في الضفة الغربية، وان بعض عناصره تعتبر من اخطر جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، فما هي الفائدة من معاقبة المستوطنين. فهم مجرد شركاء في هذه الفظائع ومسؤوليتهم مخففة، هم فقط منفذون، هم جنود الجريمة.
ان مشروع الاستيطان هو مشروع اسرائيلي شامل، حكومي ومنهجي. لا توجد جهة رسمية واحدة في اسرائيل غير متورطة فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء بفعل أو تقصير، بفرح أو لامبالاة. كان يجب على الدولة، لو انها كانت دولة قانون، معاقبة المستوطنين العنيفين؛ لكن هذا ليس دور العالم. يجب معاقبة المسؤولين عن هذا المشروع العالمي، لان حكومة اسرائيل، أي حكومة، لا يمكنها معاقبة نفسها.
اوروبا الكلاسيكية في مواجهة دانييلا فايس، مستحيل أن لا تضحك، يا جدعون ليفي. لذلك، قرار بريطانيا فرض عقوبات على المستوطنين هو تهرب من المسؤولية من جانب المجتمع الدولي. يجب على العالم الذي على الاغلب يتوهم ان نتنياهو هو مصدر كل شر، التذكر ايضا ان نتنياهو لم يقم بتاسيس هذا المشروع، فالمشروع الصهيوني برمته يقف من وراء المستوطنات، ومعه المؤسسة الصهيونية في ارجاء العالم.
حتى من حيث الفعالية فان العقوبات المفروضة على المستوطنين لا معنى لها. فبالنسبة للاوغاد المقطوعين عن ثقافة العالم، والقوميين المتطرفين الذين يعتقدون ان دولة اسرائيل أن تقوم بدونها، لن تمنعهم أي عقوبات من الزحف على الاراضي المسروقة.
ايضا العقوبات المفروضة على استيراد منتجات المستوطنات هي خطوة اهميتها ضئيلة. فـ 2.3 في المئة من صادرات اسرائيل الى اوروبا هي من المستوطنات. في مستوطنة ايش كوديش يتم انتاج من الكراهية اكثر مما يتم انتاجه من التكنولوجيا المتقدمة. وفي مستوطنة عيدي عاد يتم انتاج من العنف اكثر مما يتم انتاجه من بندورة الشيري. ان نبيذ المستوطنات هو نبيذ الاوغاد، وعنبهم هو عناقيد الغضب الذي يزرع على اراضي مسروقة.
تظهر اسرائيل اللامبالاة تجاه العقوبات المفروضة على المستوطنات، والمستوطنون بدورهم لا يكترثون كثيرا، وهم محقون في ذلك. فبعد اقل من يوم على اعلان العقوبات ناقشت الادارة المدنية امس اضافة 747 وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية. والاكثر اهمية من كل ذلك هو ان الحكومة في ويست منستر تشعر بالسرور والتفاخر.
——————————————-
معاريف 10/9/2026
في الانتخابات لا يوجد حزب اجتماعي اقتصادي يهتم بالطبقات الضعيفة والفقيرة
بقلم: افرايم غانور
إنتهى مهرجان تقديم قائمة مرشحي الأحزاب التي تتنافس في الانتخابات للكنيست الـ 26. فالعين والشعور لا بد انتبها انه من أصل أكثر من 20 حزب يتنافس في هذه الانتخابات، لا يوجد أي حزب اجتماعي – اقتصادي حقيقي. ليس من أجل الشيوخ الذين يعيشون من مخصصات متدنية، ليس من أجل العمال باجر متدنٍ، ليس من أجل مستأجري الشقق الذين يستصعبون احتمال اجر الشقة وليس من أجل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وما شابه. حزب خط على علمه: “العيش بكرامة” – ليس حزب يسار، ليس حزب يمين بل حزب رفاه.
وفقا لمعطيات التأمين الوطني التي نشرت في كانون الثاني 2026، يعيش في دولة إسرائيل هذه الأيام نحو مليوني رجل وامرأة دون خط الفقر منهم نحو 880 الف طفل. المعنى هو ان 28 في المئة من عموم الأطفال في إسرائيل فقراء، ان واحد من كل خمسة إسرائيليين يعرف رسميا كفقير ونحو ثلاثة من كل عشرة أطفال يعيشون في بيوت توجد تحت خط الفقر.
المرة الأخيرة التي تنافس فيها حزب رفاه اقتصادي هنا في الانتخابات للكنيست كان في 2005، في الانتخابات للكنيست الـ 17، عندما عرض حزب “غيل” (متقاعدو إسرائيل للكنيست) برئاسة رافي ايتان اجندة تحدثت عن التقاعد، الصحة، السكن وحقوق المتقاعدين. اصبح في حينه مفاجأة الانتخابات حين نال 7 مقاعد وبقدر غير قليل بفضل العديد من الشبان الذين ايدوه من اجل أهاليهم. منذ ذلك الحين ارتفع مدى العمر في إسرائيل بشكل واضح، وهو من الأعلى في العالم ويبلغ اليوم متوسط 83.8 سنة. هذه الحقيقة وحدها فيها ما يدعو الى إقامة حزب يهتم بالجمهور الغفير المهمل والمظلوم منذ زمن بعيد.
تتركز الانتخابات في إسرائيل اليوم على الامن، الهوية القومية، اليمين واليسار، وبالفعل بيبي – لا بيبي، الحريديم، العرب، الدين والدولة – باستثناء الحياة نفسها، باستثناء المعطيات المقلقة الصادرة عن التأمين الوطني وأزمة المتقاعدين. هنا وهناك احزاب تطرح موضوع الضائقة، الفقر او مشاكل المتقاعدين على جدول الاعمال، في ما يبدو كلاصقة لمرض جسيم.
الحزب الأخير والوحيد الذي طرح هذه المواضيع على جدول الاعمال كان إسرائيل بيتنا، الذي نشر في آب الماضي برنامجا للمواطنين القدامى (كبار السن)، بما في ذلك رفع مخصصات الشيخوخة، حماية أموال التقاعد وتخفيض مستوى المعيشة. لا خلاف في أن هذا لا يكفي بل ولم ينتج خطوات حقيقية. في حالات عديدة هذا ليس اكثر من ضريبة كلامية منه نية حقيقية.
فقط حزب فوري يمكنه أن يعطي جوابا حقيقيا وواقعيا لجمهور غفير يعيش في أزمات اقتصادية واجتماعية مشتركة لكن ليس له هوية سياسية مشتركة – العجوز الحريدي يصوت بخلاف العجوز العلماني، الفقير في بلدات المحيط يصوت بشكل مختلف عن الفقير المديني او الفقير العربي. ولهذا فمطلوب حزب يوجد هذا الجمهور الغفير تحت عنوان: “نحن هنا معا فقط وحصريا كي نخدم ازماتنا”. الامن ليس فقط الدبابات، الطائرات والصواريخ، الامن هو أيضا أن تعرف بانك اذا ما سقطت، فثمة من يدعمك ويساعدك على النهوض. لو كان انتظم هنا حزب كهذا، مع قيادة جيدة وعملية مثلما كان حزب غيل في انتخابات 2006، لكان وقف في 28 أكتوبر مع 8 – 10 مقاعد وبدونه على ما يبدو لا يمكن تشكيل الحكومة التالية.
ان حزب متقاعدي سلوفانيا هو مثال كلاسيكي على النجاح. فهو منذ سنين يوجد في البرلمان وفي الائتلاف، يحمل حقائب أساسية ويشكل عنصرا مركزيا في مبنى وتشكيلة الحكومات.
في هولندا حزب رفاه المواطنين القدامى يحمل بضع حقائب أساسية في الدولة، مع عدد لا بأس به من المقاعد في البرلمان الهولندي. في كرواتيا حزب المتقاعدين يعمل منذ التسعينيات ويحتل مكانا مركزيا في البرلمان، الحقيقة التي تؤثر بشكل ملموس على سياسة المخصصات في الدولة.
توجد امثلة مشابهة في بريطانيا، المانيا، سويد وغيرها، لكن فقط هنا في إسرائيل، بعد أربع سنوات صعبة، مع حرب من ثلاثة سنوات لم تنتهي بعد، مع غلاء معيشة لم يسبق له مثيل هنا، مع أزمات اقتصادية ونفسية عديدة، بعضها ثمرة الحرب، ومع مستقبل مغلف بالغموض ومقلق – للأسف الشديد لم يقم حزب كهذا كان سيحصل بلا شك على تأثير عظيم جدا على تشكيلة الحكومة التالية وكان سيغير إيجابا وضع الكثير جدا من الإسرائيليين.
——————————————-
هآرتس/ ذي ماركر 10/9/2026
شركة للامن السيبراني في بئر السبع، ساعدت انظمة غير ديمقراطية في جمع معلومات عن المعارضين
بقلم: غور مجيدو وعوفر بن يعقوب
في صيف 2024 اندلع احتجاجات مدنية في نيجيريا، تحولت بسرعة الى حمام دماء وحشي. حتى قبل ان يتمكن المتظاهرون من الخروج الى الشوارع احتجاجا على غلاء المعيشة، قامت قوات الامن في نيجيريا بتفريقهم من خلال اطلاق النار الحية على اجسادهم، واحيانا على رؤوسهم، مثلما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية بعد ذلك. كانت النتائج كارثية. فقد قتل 24 مواطن واصيب عدد كبير وتم اعتقال 1200 شخص تقريبا، وتم احتجاز العشرات لاشهر قبل المحاكمة في نهاية المطاف في محكمة في ابوجا بتهم ملفقة مثل الخيانة.
بعد بضعة اشهر، في كانون الثاني 2025، في حين كان عشرات المتظاهرين تتم محاكمتهم، دخلت شركة اسرائيلية على الخط. بدأ مارك ليبا، الموظف في شركة “سايبر غلوبس”، المتخصصة في المعلومات المكشوفة “اوسينت”، بجمع معلومات عن المشاركين في تلك المظاهرات وتحليلها. بحث ليبا في ادوات الشركة عن شعار الاحتجاج هاشتاغ “اند.باد.غفرنناس في نيجيريا”، وعن الاشخاص الذين يحتمل مشاركتهم في الاحتجاج. بعد ذلك قام بتصدير النتائج الى مجلد في محرك اقراص الشركة تحت عنوان “نيجيريا، مظاهرات كانون الثاني 2025”.
تم توثيق الاستعلامات التي ادخلها ليبا الى نظام استخبارات الشركة في تسريب ضخم للوثائق، حصلت عليه “ذي ماركر” ونشر هنا لاول مرة. يكشف التسريب ان “المشروع” في نيجيريا، حيث تظهر الوثائق تثبيت سيرفر تابع للشركة من العام 2023، هو واحد من مشاريع كثيرة استخدمت فيها الشركة برمجياتها من اجل مساعدة انظمة في دول غير ديمقراطية على تحديد هوية المواطنين وتصنيفهم بناء على مواقفهم السياسية. وتقول الشركة ان التسريب ناتج عن اختراق حواسيبها من قبل جهة مجهولة، يقال انها معادية لدولة اسرائيل، وان بعض الوثائق المسربة التي ترفض الشركة التعليق على بعضها، تم “تعديلها” من قبل قراصنة قبل تسريبها. وامتنعت الشركة عن تقديم تفاصيل محددة حول الادعاء بالاختراق والتزوير.
متابعة المدونين
طورت شركة “ساير غلوبس” (سي.جي) ادوات تجمع كمية كبيرة من البيانات في الشبكات الاجتماعية، بما في ذلك بيانات غير متاحة للمستخدم العادي، بهدف تسويقها لانظمة وشركات خاصة لاغراض استقصائية. ويقول مصدر مقرب من الشركة بانها تسوق فقط برامج تساعد العملاء على جمع المعلومات المكشوفة، ولا تشارك في عمليات البحث والاستخبارات لصالح عملائها.
مع ذلك، تظهر الوثائق ان موظفي الشركة شاركوا بنشاط في استخدام النظام، حيث ادخلوا استفسارات تشير الى طمس الحدود بين الاخلاق والقانون والقيم، سواء لخدمة انظمة قمعية أو كجزء من خدمة تقدمها لهم. ففي الحالة التي سيتم تناولها لاحقا في هذا المقال، ساعدت الشركة وكالة حكومية في اندونيسيا على انشاء قوائم باسماء افراد مجتمع المثليين مع تحديد المجموعات التي ينتمي اليها هؤلاء الافراد. ظاهريا، كجزء من الدعم التقني. وحسب تقارير منظمات حقوق الانسان، يتعرض افراد هذا المجتمع الى الاضطهاد في البلاد بسبب ميولهم الجنسية.
وتظهر الوثائق ايضا ان شركة سي.جي ساعدت حكومة رواندا وحكومة الكويت في تعقب المدونين المنتقدين، وبحثت لصالح شخص مجهول في الوثائق عن كلمات مرور الحسابات الخاصة لآري لايتستون، العضو البارز في “مجلس السلام” والمستشار البارز في ادارة ترامب، وقامت بتعقب عدد من نشطاء البيئة في عدد من الدول الاوروبية، اضافة الى جهات تنظيمية في الولايات المتحدة وكندا.
يكشف التسريب ايضا قائمة للدول التي قدمت لها الشركة خدماتها، أو قدمت لها عروض توضيحية لمفهومها، بما في ذلك انظمة لها سجل حافل بخروقات جسيمة لحقوق الانسان مثل السعودية، الامارات، المغرب، انغولا، اندونيسيا وبنغلاديش. في بعض الحالات تباع قدرات الشركة ضمن حزمة منتجات امنية اخرى، وفي بعض الحالات تقدم الشركة خدماتها مباشرة لشركات اخرى تجري ابحاث بمساعدتها. اضافة الى ذلك قدمت الشركة خدماتها لحكومات غربية، بما في ذلك الولايات المتحدة والنرويج.
يشمل التسريب الذي استند اليه تقرير “ذي ماركر” افلام فيديو توضيحية وعروض تقديمية وصور متبادلة بين موظفي الشركة والعملاء، ناهيك عن سجلات نشاطات توثق ما كان يحدث في حواسيب الشركة. وقد ساعدت وثائق اخرى حصلت عليها الصحيفة من مصادر خارجية على التحقق من الموارد المسربة والتاكد من ان افلام الفيديو والعروض التقديمية توثق بالفعل نظام “سايبر غلوبس” والعملاء الذين خدمتهم.
تحدثت “ذي ماركر” ايضا مع عدد كبير من المصادر في الامن السيبراني، الذين اطلعوا اعمال الشركة في ظروف مختلفة، وقاموا بمراجعة جزء كبير من المواد الرقمية الموجودة لدى الصحيفة.
——————————————-
هآرتس 10/9/2026
التحالف الاقليمي يؤتي ثماره، نتنياهو ودولة اسرائيل هم الذين يفضلون تجاهلها
بقلم: كسينيا سبتلوفا
بعد الكشف الكبير الذي نشره شلومي الدار وروت يوفال في “هآرتس”، والذي افاد بان حاكم دولة الامارات محمد بن زايد حذر نتنياهو من زلزال يدبره يحيى السنوار، رئيس حماس في غزة، ركزنا في معظمنا على جانب واحد فقط في هذه القصة وهو الدهشة من مستوى استخفاف رئيس الحكومة، الذي لم يشارك التحذير مع رؤساء الشباك والموساد، واستمر في الغفلة حتى 7 اكتوبر. هذا اضافة الى الحزن العميق على الارواح التي كان يمكن انقاذها لو ان نتنياهو تصرف بشكل مختلف. مع ذلك، هناك جانب آخر مهم وله دلالة كبيرة في هذه القصة وهو التحالف الاقليمي.
في بداية الحرب في قطاع غزة نشرت المراسلة سمدار بيري معلومات تفيد بان المخابرات المصرية ارسلت تحذير الى دولة اسرائيل حول نوايا السنوار. واتضح الان ان دولة الامارات كانت قلقة جدا ايضا، وحذرت نتنياهو من ان ما يحدث في غزة لن يبقى محبوس فيها. فقد احدث الزلزال الذي خطط له السنوار الصدمة في ارجاء العالم، وشعرت كل دولة في الشرق الاوسط بآثار سهام حماس المسمومة. ان السلام مع دولة الامارات دافيء اكثر من السلام بين اسرائيل ومصر. ولكن هاتين الدولتين حرصتا على تحذير اسرائيل وابلاغها بالكارثة الوشيكة، لاننا جميعنا في نهاية المطاف في نفس المركب، هذه هي طبيعة التحالفات: الحلفاء يبلغون بعضهم بالاخطار المحدقة.
أما نتنياهو الذي اختار تجاهل تحذيرات شركاءه العرب بل واستخف بها كما يبدو، فقد جعل من العلاقات مع الدول العربية، لا سيما دول الخليج، شغفه وانجازه الكبير في مسيرته السياسية.
كان من المفروض ان يكون التطبيع مع السعودية بمثابة تتويج لاتفاقات ابراهيم، ويبدو ان رؤية استقبال حافل في الرياض، عاصمة السعودية، قد ابهر نتنياهو الى درجة ان كل التحذيرات الاخرى – من قادة المؤسسة الامنية والسياسيين، ومن حلفاء اسرائيل في الشرق الاوسط – لم تجد اذنا صاغية. من هو الذي يملك القدرة على الانشغال بشؤون قطاع غزة الكئيبة والمملة، في حين ان اتفاق سلام تاريخي مع السعودية على وشك التوقيع هناك؟.
ولمن لم يدركوا الامر حتى الان: هناك ارتباط مباشر بين هذين الهدفين، ولن يتم فرش السجاد الاحمر في الرياض بدون ضمان حل في قطاع غزة بشكل خاص، وحل سياسي للقضية الفلسطينية بشكل عام. لم يتم الاعلان عن الاتفاق مع السعودية في ذلك الحين، في 2023، ولم تتم معرفة مدى القرب من تحقيق هذا الهدف المامول. معروف ان التحالفات مع الدول العربية صمدت امام اختبار الزمن وبقيت قائمة حتى الان، رغم السنوات الثلاثة الاخيرة التي هزت المنطقة.
تتشارك دولة اسرائيل وحلفاءها في الشرق الاوسط اعداء مشتركين، وحماس ليست الا احدهم. ايضا توجد مصالح مشتركة في التنمية الاقتصادية وحماية البيئة وايجاد فرص عمل والاستقرار الاقليمي. اذا ظهرت قيادة مختلفة، تستمع بصدق الى الحلفاء في المنطقة وفي العالم وتتصرف بمسؤولية وحكمة، فان الشرق الاوسط سيشاهد تحول جذري نحو الافضل في هذه المرة.
—————-انتهت النشرة—————–

