بقلم “نعيم حرب” إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني:  الانتخابات أولاً والتوافق الوطني حين يتعذر الانتخاب

المسار :في واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخ القضية الفلسطينية، هي المرحلة الراهنة التي تتقاطع فيها حرب الإبادة والتهجير والاستيطان والضم وإرهاب المستوطنين وتتزايد فيها ومشاريع الفصل والوصاية وإدارة السكان والانقسام وغياب الوحدة وحالة التفرد والاستحواذ على القرار الفلسطيني ، لم تعد إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته مسألة مؤجلة أو ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة وطنية عاجلة ترتبط مباشرة بقدرة الشعب الفلسطيني على حماية وحدته الوطنية، وصون مشروعه الوطني التحرري، ومواجهة محاولات فرض وقائع سياسية جديدة على الأرض. فالمواجهة مع الاحتلال ومشاريعه لا تحتاج فقط إلى موقف سياسي واضح، وإنما إلى نظام سياسي فلسطيني يستند إلى شرعية شعبية متجددة، تقود نضاله التحرري تبني ومؤسسات وطنية قادرة على تمثيل إرادة الفلسطينيين في الوطن والشتات، وإلى حياة ديمقراطية تعيد وصل المجتمع بمؤسساته وقراراته.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على غيره ليس فقط: هل نحتاج إلى إعادة بناء النظام السياسي؟ بل كيف نعيد بناءه؟ ومن يمنح مؤسساته الشرعية؟ وما هي الآليات التي تضمن أن يكون التمثيل تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات؟ (من يمثل الشعب الفلسطيني؟ وكيف تُنتج الشرعية؟ ومن يملك حق اختيار ممثليه؟) فالإجابة الأكثر وضوحاً والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الانتخابات الحرة والديمقراطية هي الطريق الطبيعي والأكثر شرعية لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات، وأن أي بدائل عنها ينبغي أن تبقى استثنائية ومؤقتة، ولا تُستخدم كبديل دائم عن حق الشعب في اختيار ممثليه.

 

لقد أظهرت التجربة الفلسطينية خلال السنوات الماضية أن استمرار المؤسسات السياسية من دون تجديد ديمقراطي منتظم أضعف الثقة بها، ووسع الفجوة بين الشعب ومراكز القرار، وأتاح لمراكز النفوذ والحسابات الفئوية والجغرافية أن تلعب دوراً أكبر من دور الإرادة الشعبية. وان تحرف البوصلة اتجاه القضايا الذاتية بعيدا عن المصلحة الوطنية إضافة الى التضيق على الحريات العامة والتغول على دور مؤسسات المجتمع المدني ناهيك أن تفشى ظاهرة الفساد وغياب المساءلة والمحاسبة وتغيب القانون، ولهذا، فإن إعادة بناء النظام السياسي لا يمكن أن تقوم على مجرد إعادة توزيع المواقع أو إعادة تشكيل المؤسسات القائمة، بل يجب أن تنطلق من إعادة الاعتبار إلى الشعب باعتباره مصدر الشرعية وصاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه وتحديد اتجاه مؤسساته الوطنية. فالانتخابات ليست مجرد إجراء تقني لاختيار أعضاء المجالس، وإنما هي عملية سياسية ومجتمعية تعيد إنتاج الشرعية، وتجدد العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وتمنح النظام السياسي القدرة على تمثيل التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني خلال السنوات الماضية. لهذا فإن أي انتخابات يجب ألا تكون مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الواقع السابق أو تدوير الوجوه نفسها، وإنما فرصة حقيقية للتغيير والتجديد وإدخال أجيال جديدة من الشباب والنساء والكفاءات والطاقات الوطنية إلى الحياة السياسية. ولاهم من ذلك تغير النهج وتصيح المسار.

تكتسب مسألة إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني أهمية استثنائية؛ فالمجلس الوطني ليس مؤسسة تخص الفلسطينيين في الضفة الغربية أو قطاع غزة فقط، وإنما هو الإطار البرلماني والسياسي الذي يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وهو أحد أهم مكونات منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية الجامعة. ولهذا، فإن التعامل مع المجلس الوطني باعتباره مجرد بديل إداري أو سياسي مؤقت عن المجلس التشريعي يختزل وظيفته التاريخية والوطنية. والمطلوب هو إعادة الاعتبار إلى المجلس الوطني باعتباره مؤسسة تمثيلية جامعة، وإعادة وصل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم بمؤسساتهم الوطنية، بما يعزز وحدة الشعب الفلسطيني السياسية، ويحافظ على منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع.

الأصل في تشكيل المجلس الوطني يجب أن يكون الانتخاب الحر والمباشر والديمقراطي كلما سمحت الظروف بذلك. فهذا هو الطريق الأكثر وضوحاً لتجديد شرعيته وإعادة الثقة به، لكن الواقع الفلسطيني وتعقيدات وجود ملايين الفلسطينيين في دول مختلفة، واختلاف القوانين والظروف السياسية للدول المضيفة، قد تجعل إجراء انتخابات مباشرة شاملة في جميع أماكن وجود الشعب الفلسطيني أمراً بالغ الصعوبة أو متعذراً في بعض الحالات.وهنا لا ينبغي أن يتحول تعذر الانتخابات في بعض الساحات إلى ذريعة لتعطيل إعادة بناء المجلس الوطني، كما لا ينبغي في المقابل أن يتحول إلى مبرر لفرض تمثيل مُعد مسبقاً، حين تحول الظروف الموضوعية دون إجراء انتخابات مباشرة، فإن البديل الأكثر شرعية هو التوافق الوطني الواسع والمعلن، وليس التعيين الفوقي أو المحاصصة الفصائلية أو هندسة النتائج مسبقاً والتوافق الوطني المطلوب لا يعني اتفاق مجموعة محدودة من القوى السياسية على توزيع المقاعد، وإنما يعني عملية تشاركية تشمل القوى والفصائل والمؤسسات والاتحادات والجاليات والكفاءات والشخصيات الوطنية ومكونات المجتمع الفلسطيني ذات الصلة. بهذا المعنى، يمكن بناء آليات توافقية مؤقتة وشفافة تستند إلى معايير واضحة للتمثيل، وتراعي التنوع السياسي والجغرافي والاجتماعي، وتضمن مشاركة حقيقية للفلسطينيين في الشتات، إلى أن تصبح الانتخابات المباشرة ممكنة. أما ما يسمى بـ«المجمعات الانتخابية»، فينبغي ألا تتحول إلى تسمية تُستخدم لإضفاء صفة ديمقراطية على آليات لا تتوافر فيها شروط التمثيل الحقيقي.

ربما يكون السؤال الأهم حول المجمع الانتخابي هو: من اختار أعضاءه؟ ومن يمثلون؟ وما المعايير التي اعتمدت لاختيارهم؟ وهل يمثلون فعلاً الجالية الفلسطينية أم يمثلون جهة سياسية أو تنظيمية محددة؟ هذه أسئلة جوهرية لأن شرعية المجمع الانتخابي لا تأتي من اسمه، وإنما من طريقة تشكيله، واتساع قاعدة المشاركة فيه، وشفافية معاييره، واستقلالية أعضائه، وقدرته على التعبير عن المكونات الفلسطينية المختلفة. لقد نشأت في الشتات الفلسطيني على مدى عقود اتحادات ونقابات ومؤسسات وجاليات وأطر ثقافية واجتماعية، وشخصيات، وكفاءات، وطنية. وهذه المكونات لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد أدوات تنفيذية تابعة لأي جهة سياسية. إن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني تتطلب الاعتراف بأن المجتمع الفلسطيني أكثر تنوعاً واتساعاً من الفصائل، وأن منظمة التحرير يجب أن تعكس هذا التنوع لا أن تختزله. ومن هنا، فإن أي صيغة لإعادة تشكيل المجلس الوطني ينبغي أن تقوم على التعددية، وتكافؤ الفرص، والتمثيل الحقيقي، والاستقلالية، وأن تبتعد عن منطق المحاصصة التي تجعل المؤسسة الوطنية انعكاساً لموازين القوى التنظيمية بدلاً من أن تكون تعبيراً عن المجتمع الفلسطيني. فالتجديد الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير أسماء، بل بتغيير المعايير التي تنتج التمثيل السياسي.

المشكلة الأساسية التي تواجه النظام السياسي الفلسطيني اليوم هي أن تعطيل الانتخابات لفترات طويلة، واستمرار آليات التعيين، وتغول مراكز النفوذ، وضعف المشاركة الشعبية، كلها ساهمت في تعميق أزمة الشرعية.

ولهذا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم بالأدوات ذاتها التي أسهمت في إنتاجها. ولا يمكن أن نقول إننا نريد تجديد المؤسسات ثم نستخدم آليات مغلقة لإعادة إنتاج المؤسسات نفسها. ولا يمكن أن نتحدث عن الوحدة الوطنية بينما تستمر المحاصصة في تحديد من يمثل الشعب. ولا يمكن أن نرفع شعار الديمقراطية بينما تكون النتائج معروفة قبل أن تبدأ العملية الانتخابية. التجديد الحقيقي يبدأ عندما تصبح الإرادة الشعبية هي المرجعية الأساسية في إنتاج الشرعية.

المعادلة التي يحتاجها النظام السياسي الفلسطيني اليوم يمكن اختصارها في ثلاث قواعد: الانتخاب عندما يكون ممكناً، والتوافق الوطني عندما يتعذر الانتخاب، والعودة دائماً إلى الانتخابات عندما تصبح ممكنة، هذه المعادلة تمنع أمرين متناقضين: الأول تمنع تعطيل إعادة بناء المؤسسات بحجة صعوبة الانتخابات، والثاني تمنع استخدام صعوبة الانتخابات لتبرير التعيين الدائم. وفي حالة المجلس الوطني، ينبغي اعتماد خارطة طريق وطنية واضحة تبدأ بتحديد أماكن وإمكانيات الانتخاب المباشر، وتحديد الساحات التي يتعذر فيها ذلك، ثم بناء آليات توافقية شفافة ومؤقتة في تلك الساحات، على أن يكون الهدف النهائي هو الوصول إلى صيغة انتخابية شاملة تمكن الفلسطينيين من اختيار ممثليهم أينما كانوا. وهذا يتطلب أيضاً توافقاً وطنياً على معايير العضوية والتمثيل، وآليات الإشراف، وحدود صلاحيات الهيئات المشرفة، بما يمنع تحول العملية إلى أداة بيد أي فصيل أو جهة رسمية.

 

في ظل الاحتلال والاستيطان والقيود المفروضة على الحركة والتهجير ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، قد تبدو الانتخابات للبعض قضية داخلية ثانوية أمام التحديات الكبرى، لكن العكس هو الصحيح. إن قدرة الشعب الفلسطيني على ممارسة حقه في اختيار ممثليه وتجديد مؤسساته هي في حد ذاتها جزء من معركته السياسية والوطنية. فالاحتلال لا يهدد الأرض فقط، وإنما يسعى أيضاً إلى إضعاف وحدة الشعب الفلسطيني وتفكيك تمثيله السياسي وفرض أشكال مختلفة من إدارة السكان والوصاية والفصل. وفي مواجهة ذلك، فإن إعادة بناء مؤسسات فلسطينية ذات شرعية شعبية، وقادرة على تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات، تصبح ضرورة من ضرورات الصمود الوطني. ومن هنا يجب وضع ملف الانتخابات وتجديد المؤسسات الوطنية في صلب الحراك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه حق الشعب الفلسطيني في ممارسة حقوقه السياسية والديمقراطية، وليس التعامل مع الانتخابات باعتبارها شأناً إجرائياً داخلياً فقط.

 

في النهاية، لا تحتاج فلسطين إلى انتخابات شكلية تعيد إنتاج الواقع القائم، كما لا تحتاج إلى توافقات مغلقة بين النخب والقوى السياسية. إنها تحتاج إلى عملية وطنية ديمقراطية شاملة تعيد الشعب إلى قلب النظام السياسي. ففلسطين أكبر من الفصائل، ومنظمة التحرير أكبر من أي قيادة أو تنظيم، والشرعية أكبر من الأشخاص والمواقع والمناصب. والمجلس الوطني، بوصفه برلمان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، يجب أن يكون انعكاساً لهذا المعنى الجامع، لا مجرد مساحة لتقاسم المقاعد. والطريق إلى ذلك واضح: انتخابات حرة كلما أمكن، وتوافق وطني واسع وشفاف عندما يتعذر الانتخاب، وتجديد مستمر للشرعية كلما سمحت الظروف.

فلا يمكن بناء نظام سياسي فلسطيني قوي من دون شعب حاضر، ولا يمكن تجديد الشرعية من دون ديمقراطية، ولا يمكن حماية الوحدة الوطنية من دون مؤسسات تمثل الجميع. لقد آن الأوان للانتقال من إدارة أزمة الشرعية إلى إعادة إنتاج الشرعية، ومن إعادة توزيع المواقع إلى إعادة بناء النظام السياسي، ومن تمثيل الفصائل للشعب إلى تمثيل الشعب لنفسه. فالمؤسسات التي تخشى إرادة الناس تضعف، أما المؤسسات التي تستمد قوتها من الناس فتتجدد وتبقى. وفي هذه اللحظة التاريخية، ربما يكون أهم قرار وطني هو أن نعيد الشعب الفلسطيني إلى مكانه الطبيعي: مصدر الشرعية، وصاحب القرار، وشريكاً أساسياً في بناء مؤسساته الوطنية وتحديد مستقبله.

 

 

Share This Article