المسار : مع وصول الحملة الانتخابية في المغرب إلى يومها الرابع، لم تحتج قوافل المرشحين، وهي تجوب الشوارع والأحياء وتنظم التجمعات واللقاءات، إلى حرارة الطقس المفرطة لتعلن عن سخونة المواجهة المرتقبة في 23 أيلول/سبتمبر، وذلك خلافًا للفتور الذي اتسمت به انطلاقة الحملة.
وبالموازاة، يبرز متغير أساسي، يتمثل في اتساع حضور الحملة على المستوى الرقمي، وهو مسار بدأ يتشكل منذ انتخابات 2021. فقد أصبحت الشوارع الافتراضية امتدادًا لقوافل المرشحين، عبر «الكبسولات» المصورة والبث المباشر للتجمعات والأنشطة الحزبية، ولا سيما تلك التي يقودها أبرز القيادات الحزبية. ومع ذلك، ظلّت ملامح الحملة المرتبطة بأرض الواقع حاضرة بقوة من خلال اللقاءات المباشرة للمرشحين مع المواطنين.
ولم يقتصر الاستعداد لهذا الموعد الانتخابي على الأحزاب والمرشحين فقط، بل شمل كذلك مختلف الفاعلين المرتبطين بالعملية الانتخابية. فالإعلاميون الشباب، الذين يخوض عدد منهم هذه المحطة لأول مرة في مسارهم المهني، وجدوا بين أيديهم دليلاً أعده «المنتدى المغربي للصحافيين الشباب» بهدف تعزيز تغطية انتخابية مهنية ومسؤولة، تقوم على الدقة والتوازن والتعددية والتحقق من المعلومات.
وأظهرت المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية المغربية ارتفاعًا ملموسًا في حجم التنافس، مقارنة بالاستحقاقات التشريعية السابقة. فقد بلغ عدد لوائح الترشيح المقدمة على صعيد البلاد 1850 لائحة، تضم 7288 مرشحاً ومرشحة، بمعدل يفوق 18 ترشيحاً لكل مقعد.
ولا تعني هذه الأرقام مجرد زيادة حسابية في عدد المرشحين، بل تكشف عن اتساع مساحة المنافسة على عضوية مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، وعن استمرار انخراط عدد كبير من الأحزاب والفاعلين السياسيين في السباق نحو المؤسسة التشريعية. وبالمقارنة مع انتخابات 2021، ارتفع عدد اللوائح المقدمة في الدوائر المحلية من 1472 إلى 1615 لائحة، كما انتقل عدد المرشحين من 5046 إلى 5505، بما يعكس توسعاً في حجم المنافسة على المقاعد المحلية.
وتبرز قراءة خريطة الترشيحات تفاوتاً واضحاً في القدرة التنظيمية والامتداد الجغرافي بين الأحزاب. فقد تمكنت خمسة أحزاب من تغطية جميع الدوائر الانتخابية المحلية البالغ عددها 92 دائرة، وهي أحزاب «الأصالة والمعاصرة» و»الاستقلال» و»التقدم والاشتراكية» و»العدالة والتنمية» و»التجمع الوطني للأحرار»، بنسبة تغطية بلغت 100 في المئة.
أما على مستوى الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، فقد قدمت أربعة من هذه الأحزاب لوائح في الجهات الاثنتي عشرة، فيما قدم حزب «التجمع الوطني للأحرار» 11 لائحة جهوية من أصل 12. وتمكّن حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، بدوره، من تغطية 90 دائرة محلية من أصل 92، إلى جانب تقديم 11 لائحة جهوية من أصل 12.
وتمنح هذه الخريطة صورة أولية لحجم الانتشار التنظيمي للأحزاب وقدرتها على توفير المرشحين والكوادر لخوض المنافسة عبر مختلف مناطق البلاد، لكنها لا تقدم، في المقابل، حكماً مسبقاً على قدرتها على الفوز. فالتغطية الواسعة للدوائر قد تعكس الجاهزية التنظيمية، لكن صناديق الاقتراع وحدها هي التي ستترجم هذا الحضور إلى مقاعد.
وفي المقابل، اختارت أحزاب أخرى التركيز على دوائر بعينها، وهو ما يعكس تفاوتاً في الانتشار الجغرافي والإمكانات التنظيمية، ويجعل من خريطة الترشيحات نفسها لوحة أولية للحضور الحزبي في الميدان، قبل أن تتحدث النتائج بلغة مختلفة.
ويحضر العنصر النسائي بقوة في هذه الخريطة، إذ بلغت الترشيحات النسائية 2658 مرشحة، أي 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات. وتتوزع هذه الحصيلة بين 1783 مرشحة ضمن اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، و875 مرشحة ضمن اللوائح المحلية. كما ترأست 121 امرأة لوائح محلية بصفة وكيلات لوائح. ويكشف هذا الحضور عن استمرار توسع مشاركة النساء في العملية الانتخابية، لكنه يعيد في الوقت نفسه طرح السؤال حول طبيعة هذه المشاركة وحدودها. وترى العديد من المنظمات الحقوقية النسائية أن العدد لا يكفي وحده لقياس التمثيلية، ما لم يترجم إلى مواقع متقدمة داخل اللوائح وإلى حضور فعلي داخل المؤسسة التشريعية ومواقع صناعة القرار. ولا تخلو خريطة الترشيحات من عودة أسماء برلمانية تسعى إلى تجديد عضويتها في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول تجديد النخب السياسية مقابل استمرار الوجوه نفسها في التنافس على المقاعد.
وتشير معطيات وزارة الداخلية إلى أن 227 برلمانياً حالياً تقدموا مجدداً للترشح، من بينهم 204 نواب و20 نائبة و3 مستشارين. ويضع هذا المعطى الناخب أمام اختيار يتجاوز المفاضلة بين الأحزاب والبرامج إلى تقييم أداء الوجوه التي تطلب تجديد الثقة بها، في مقابل مرشحين جدد يراهنون على تقديم أنفسهم باعتبارهم بديلاً عن النخب القائمة.
بيد أن كل هذه المؤشرات تظل رهينة بمعطى واحد لا يمكن استنتاجه من عدد اللوائح، ويتعلق الأمر بسلوك الناخب يوم الاقتراع. ففي انتخابات 2021، بلغت نسبة المشاركة 50.35 في المئة على مستوى البلاد، بعدما كانت في حدود 42.29 في المئة في الانتخابات التشريعية لسنة 2016، أي بزيادة تناهز 8.06 نقاط مئوية. وقد مثل ذلك ارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال على الاقتراع مقارنة بالاستحقاق السابق

