| الصحافة الاسرائيلية- الملف اليوميافتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت احرونوت 14/9/2026
إسرائيل تتصرف وكأن السابع من أكتوبر يمنحها مبرراً لفعل ما تشاء
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب
ترافق الجولة الحالية من الصدامات مع العالم في السياق الفلسطيني مع طقوسٍ متكررة. الأولى، وهي الأقدم، تتجسد في الإشارة إلى “الدوافع الخفية” وراء الإجراءات المتخذة ضد إسرائيل، مثل قرار مقاطعة السلع والخدمات القادمة من يهودا والسامرة، وقبل كل شيء، النفوذ المتزايد للجماهير الإسلامية في الغرب (الذي دفع نتنياهو مؤخراً إلى التصريح مازحاً بأن بريطانيا أصبحت “أول جمهورية إسلامية نووية”)، والسذاجة، والنفاق، وحتى معاداة السامية. أما الطقس الثاني، وهو الأحدث، فقد ظهر في أعقاب تصاعد العنف اليهودي في الضفة الغربية، ويتجسد في صرخة تبدو وكأنها يائسة، مفادها أن هذا العنف آفة تضر بمشروع الاستيطان برمته، لكن يمكن حلها من خلال “التواصل الجيد”.
تكشف الأزمة التي تفاقمت منذ الأسبوع الماضي مع بريطانيا عن نقطتي ضعف لدى إسرائيل. تتعلق الأولى بجوهر المشكلة. فالعالم منزعج بالفعل من تصاعد العنف اليهودي في يهودا والسامرة، والذي يترافق مع عدم كفاءة قوات الأمن ودعم ضمني من أعضاء الائتلاف، لكن الانتقادات أوسع نطاقًا، وتتعلق، من بين أمور أخرى، بالدعم المتزايد الذي يُسجل في الخطاب السياسي والعام في إسرائيل، والذي يتسم برفض تام لفكرة التسوية السياسية مع الفلسطينيين، والالتزام بتسريع وتيرة الاستيطان، مع تطبيع مفاهيم وأهداف كانت تُنسب سابقًا إلى عناصر متطرفة من اليمين، وأصبحت أجندة شبه رسمية.
أما النقطة الثانية فتتعلق بالصرخات غير المقنعة حول الضرر الذي تسببه “حفنة” من الأشخاص العنيفين. أولًا، الضرر لا يلحق بصورة إسرائيل، بل بصوابية مسارها الأخلاقي وركيزتها الأساسية. ثانيًا، لطالما أدرك العالم، وكذلك بعض الإسرائيليين، أن جوهر سياسة إسرائيل يكمن في تناقضٍ مُستحيل، مُصمّمٍ ليُمسك طرفي حبل: تشجيع إنشاء المزارع، التي لا يستند معظمها إلى أي أساس قانوني، وفي الوقت نفسه إظهار “الدهشة” إزاء تصاعد العنف وتدهور صورة إسرائيل.
وتعكس الردود على انتقادات إسرائيل إنكارًا للواقع. ففي القدس، تُشاد بخطوات تبدو جذرية، مثل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وإخراج ممثلي المملكة (ودول أوروبية أخرى) من مقر التنسيق في كريات جات. هذه خطوات مُشبعة بتفسيرات مفادها أننا وحدنا على صواب، وأن العالم غبي، وأننا نستطيع العيش بمعزل عنه. مع ذلك، لا تتضمن هذه الردود أي محاولة لتوضيح المشكلات العميقة المتجذرة في الأزمة المتفاقمة مع العالم، ولا سيما عدم إدراك أن هذه الردود لا توقف تدهور مكانة إسرائيل الدولية، وأن من المتوقع تفاقم الوضع السياسي المتأزم.
لا يبدو أن العالم متأثر بالإجراءات المضادة أو الجهود الدعائية التي تروج لها إسرائيل، ناهيك عن مظاهر “العقاب على الخطيئة” في أعقاب تصاعد العنف. فالمشاهد الواردة من الضفة الغربية في الأيام الأخيرة تُشكل صورة العالم لما يحدث في المنطقة: فلسطيني يُصاب برصاصة في ساقه من مسافة قريبة (“مخالفة إدارية”)، وأطفال مستوطنين يسيطرون على ملعب كرة قدم في بلدة فلسطينية، وبودكاست مع سموتريتش زعم فيه أنه سيكون من الضروري خوض الحرب وحيدين في الضفة الغربية، وأحدث المستجدات – إنشاء بؤرة استيطانية قرب مستوطنة مجد الكروم في الجليل، فيما يبدو أنه محاولة لتقليد نموذج الاستيلاء على الأراضي. يترافق كل هذا مع تزايد عدد الصور التي تُظهر جنودًا من الجيش الإسرائيلي يشاركون في أعمال عنف ضد الفلسطينيين.
تتخذ إسرائيل من “فقاعة” تُحاكي روح “العالم بأسره ضدنا” القديمة، وروح “إسبرطة الجديدة” الحالية. وتواصل العمل انطلاقًا من اعتقادها بأن مجزرة 7 أكتوبر تُبرر لها أخلاقيًا وسياسيًا فعل ما تشاء. لكنها تتجاهل حقيقة أن العالم توقف منذ زمن طويل عن منحها أي اعتراف، وينظر إليها كدولة تعيش حالة اضطراب. إضافةً إلى ذلك، من الواضح أن ترامب أصبح أكثر ترددًا في تقديم الدعم الاستراتيجي، كما يتضح من الحياد الذي أبداه تجاه الخطوة البريطانية الأخيرة، والتي كانت ستُثير في الماضي انتقادات أمريكية حادة.
لا ينبغي الاستخفاف بادعاءات الانفصال عن الواقع والدعوة إلى مناقشة تداعياته، أو الرد عليها بحجة بالية عن انعدام الوطنية أو السذاجة. صحيح أنه من الممكن تأييد التوسع الاستيطاني غير المحدود في الضفة الغربية، ورفض أي نقاش حول التسوية مع الفلسطينيين، وقبول الإرهاب في الضفة الغربية كأمر واقع، لكن من المهم إدراك طبيعة الدولة التي يُتوقع أن تنشأ من هذا الواقع: وطن بلا فواصل لشعبين متخاصمين، ذوي وضع مدني مختلف، معزول في المنطقة، ومنبوذ في العالم، تحركه رؤية طائفية دينية، وذو طابع ديني بارز، يخوض حروبًا أبدية، بينما تتفاقم الخلافات الداخلية حول الأهداف والقيم، أي بعبارة أخرى، خلق خطر وجودي غير مسبوق.
——————————————
هآرتس 14/9/2026
حرب الطاقة في الخليج تتعقد في عدة جبهات
بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس
تخلف الحرب بين الولايات المتحدة وايران تداعيات على كل ارجاء الشرق الاوسط، وتؤثر على صراعات اخرى، البارز منها الصراع بين الحوثيين والسعودية في اليمن. ان الاوهام التي يروجها الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بشان استسلام النظام السريع في طهران، لن تتحقق في الوقت الحالي. فالحرب تزداد تعقيدا على عدة جبهات، وقد يكون لها تداعيات على وضع اسرائيل.
قبل شهر ونصف، في 1 آب الماضي، تخلى ترامب عن فكرة العودة الى مواجهة عسكرية شاملة مع ايران. وحتى ذلك الحين كان الرئيس متردد بين خيارين. الاول هو استئناف الحرب بمساعدة اسرائيل، أو الخضوع لمواقف ايران والسعي الى انهاء سريع. في 1 آب اختار ترامب الخيار الثالث، وهو الضغط الاقتصادي من خلال اغلاق الممرات المائية جنوب مضيق هرمز وفرض عقوبات على نظام البنوك العالمي وشركات الطاقة. في الاسابيع الاخيرة حققت الولايات المتحدة النجاح في تجاوز الحصار الايراني وفتح ممر بحري لناقلات النفط والسفن القادمة من الخليج قرب شواطيء سلطنة عمان.
لكن القصة لم تنته بعد. فقد اعلنت ايران بالفعل تبني عقيدة جديدة في المنطقة، وهي نهج هجومي استباقي، ورد غير متناسب على الهجمات. وتتكامل هذه العقيدة مع التوسع في استخدام الوكلاء والمبعوثين والشركاء في المنطقة. المواجهة بين السعودية والحوثيين غير جديدة، لكنها جزء لا يجزأ من خطط ايران. دائما خشي الحوثيون من غزو بري سعودي لاراضيهم، دعما للحكومة الرسمية في اليمن. وفي الاسبوع الماضي سيطر الحوثيون على جزر ومناطق على الساحل تمكنهم من اغلاق باب المندب بشكل ناجع اكثر. والهدف العلني هو مضايقة الملاحة السعودية وامداداتها النفطة. ولكنها بذلك تعيد امتلاكها لمفتاح يعتمد عليه جزء كبير من حركة الملاحة الدولية.
في نفس الوقت سجلت هجمات بطائرات مسيرة على انبوب نفط رئيسي يمر في اراضي السعودية من الشرق الى الغرب، وكان من المفروض ان يكون هذا الانبوب قاعدة لتوسيع تصدير النفط السعودي الى الغرب، بدون المرور في مضيق هرمز. وتشير بعض التقارير الى ان الهجمات نفدتها مليشيات شيعية في العراق تدعمها ايران.
يدفع شركاء امريكا في المنطقة ثمنا باهظا تفرضه ايران وحلفاؤها. وقد يتطور هذا الوضع الى صراع طويل ومكلف ومرهق. ويعتبر النظام في طهران ان ايران تتمتع بميزة واضحة على الامريكيين من حيث القدرة على الاستيعاب والصبر. تجدر الاشارة ايضا الى ان التحالف الجديد بموجب اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان لم تتم ترجمته حتى الان الى وقوف القوتين الاسلاميتين الى جانب الشريكة التي تواجه صعوبات.
متسادا الشيعية
اما شريكة امريكا في المنطقة، اسرائيل، فهي تراقب الوضع من بعيد للحملة الحالية في الخليج. وقد ضغط رئيس الحكومة نتنياهو على ترامب من اجل العودة الى حرب شاملة واشراك الجيش الاسرائيلي فيها، لكن هذا الطلب رفض حتى الان. هذا لا يعني ان نتنياهو قد تنازل كليا عن أمله. فالاستفزازات المتكررة التي يقوم بها نتنياهو ووزير الدفاع اسرائيل كاتس تجاه ايران، هذه المرة على خلفية القتال في لبنان، يبدو كانها تهدف الى جر ايران الى الحرب.
في الاسبوع الماضي سجل الجيش الاسرائيلي انجاز بارز في القتال في جنوب لبنان. فبعد جهود مخطط لها استمرت لاشهر تمكنت قوات الفرقة 36 ولواء الكوماندو من السيطرة على مجمع الانفاق والمقرات التي بناها حزب الله لسنوات طويلة في مرتفعات علي طاهر في القطاع الاوسط. كانت هذه المنطقة هي مركز قيادة قوة بدر، التي يتركز منها جزء كبير من العمليات العسكرية ضد اسرائيل. في الاشهر الاخيرة قتل العشرات من اعضاء التنظيم الذين تحصنوا هناك. ويبدو ان عشرات آخرين تمكنوا من الهرب.
يمثل الاستيلاء على المرتفعات وتدمير الانفاق ضربة معنوية لحزب الله، الذي حاول تصوير علي طاهر كهدف حصين. من الواضح ان المجتمع الشيعي في جنوب لبنان يشعر بالحرج والقلق، لان هذه المرتفعات كانت تحمي منطقة النبطية القريبة، التي كانت تعتبر حتى الان محمية نسبيا. وقد يؤدي ذلك الى نزوح جماعي آخر للسكان الى منطقة بيروت والبقاع، خشية من غزو اسرائيل للمنطقة. ولكن حسب مسؤولين كبار في الجيش الاسرائيلي فان النهج الان مختلف. فبعد استكمال المهمة فوق المرتفعات ينوي الجيش الاسرائيلي سحب قواته قليلا واتخاذ مواقع اسهل للدفاع عنها.
ان رغبة الجيش في الاحتفال بهذا الانجاز مفهومة تماما. ولكن ما يبدو انه غير ضروري هو محاولة نتنياهو وكاتس تصوير معركة السيطرة على المجمعات التي تم احتلالها، وكأنها كانت حرب على متسادا الشيعية، والتبجح بالهزيمة التي مني بها حزب الله والتهديد مرة تلو الاخرى بعملية ضد ايران. ان الانجاز هنا هو اقل استراتيجية مما يحاول نتنياهو وكاتس تسويقه للرأي العام في اسرائيل. من الواضح ان اليد العليا هي للجيش الاسرائيلي في مواجهة عسكرية مباشرة، لا سيما بعد الضربات التي وجهها لحزب الله في الجولة السابقة في خريف 2024. ولكن يفضل عدم الاستخفاف بقدرة الحزب على الحاق الضرر. لم يستسلم قادته الجدد، ويشكل الاستخدام المتزايد للمسيرات المتفجرة التي تعمل بالالياف الضوئية تحد للجيش الاسرائيلي، لم يتم ايجاد رد مناسب له حتى الان.
——————————————
هآرتس 14/9/2026
خريطة المنطقة تتغير وامريكا تبتعد عن الصورة
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
تشير المكالمات الهاتفية التي اجراها ولي عهد السعودية محمد بن سلمان مع الرئيس الامريكي ترامب في يوم الخميس، الى التحول الاستراتيجي الذي يشاهده الشرق الاوسط. ووفقا لتقرير نشرته اكسيوس طلب ابن سلمان مساعدة ترامب بعد سيطرة الحوثيون على ميناء المخا قرب الحديدة، ولكن طلبه رفض. وافق ترامب على تقديم المساعدة الاستخبارية، وهي مساعدة قدمت في السابق، لكنه اوضح بانه لن يكون أي تدخل عسكري مباشر. يرى ترامب ان هذه الجبهة – حيث يهدد الحوثيون حوالي 12 في المئة من التجارة العالمية – هي مشكلة محلية وليست امريكية، خلافا للحرب في ايران التي اصبحت معركة حاسمة في انتخابات نصف الولاية في الكونغرس الامريكي. فمضيق باب المندب يقع ضمن مسؤولية “السكان المحليين”.
هذه ليست المرة الاولى التي تدرك فيها السعودية ان تحالفها التاريخي مع امريكا محاصر بمنظومة مصالح متضاربة. فقد برز ذلك في 2019 بعد ان هاجم الحوثيون منشآت النفط السعودية ثلاث مرات، الامر الذي ادى الى اضرار كبيرة، وتكرر نفس الامر عندما هوجمت السعودية في الحرب الاخيرة، وهو ما يحدث الان، بعد توقف تدفق النفط السعودي في هذا الممر التجاري الحيوي في نهاية الاسبوع الماضي.
ويكمل تمييز ترامب بين جبهة الخليج العربي والبحر الاحمر مناورة الكماشة التي تتبناها ايران، والتي تسعى من خلالها الى السيطرة على طرق التجارة العالمية وانشاء منظومة ادوات متشابكة. في هذا النظام يؤكد الحوثيون على انهم ليسوا امتداد لايران، بل شركاء كاملين في بناء اطار لسيطرة اقليمية لا تعرف الشبع.
في السنوات الاخيرة، لا سيما منذ بداية الحرب مع ايران، بادرت السعودية وقادت تحركات متعددة الجوانب لبناء قوة عسكرية تستطيع استبدال اعتمادها المطلق على الولايات المتحدة. ففي 2021 انهت مقاطعة قطر وحصارها، واستانفت العلاقات الدبلوماسية مع ايران، واتخذت تركيا شريكة تجارية وعسكرية، وفي ايلول الماضي وقعت على اتفاق دفاع مع باكستان، الذي تحول الى تحالف ثلاثي بانضمام تركيا. وفي نفس الوقت حافظت السعودية على وقف اتفاق اطلاق النار الذي وقعت عليه مع الحوثيين في 2022، ومولت رواتب المسؤولين الحكوميين اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسمحت بمرور البضائع والنفط الى موانيء الحوثيين، بل وطردت قوات دولة الامارات من اراضي اليمن.
لم تكن هذه الترتيبات تهدف الى استبدال الولايات المتحدة كحليف عسكري وسياسي، بل جعلها غير ضرورية. اضافة الى ذلك كان هدف هذه التحالفات هو منح الدول التي وقعت عليها القدرة على التاثير على السياسية الامريكية، لا سيما وقف توسيع الحرب مع ايران. وقد روج وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، لهذه الفكرة الاستراتيجية، حيث تحدث في هذا العام عن ضرورة انشاء اطار امني مستقل للدول الاوروبية ودول الشرق الاوسط، وقد انشيء التحالف الدفاعي الاقليمي باحتفالات كبيرة، لكنه لم ينجح بعد في بناء قوة عسكرية مشتركة قادرة على مواجهات التحديات التي تواجهه، ويمثل الحوثيون الان اول اختبار لهذا التحالف، وتشير المكالمات الهاتفية التي اجراها ابن سلمان مع ترامب الى ان التخلي عن الولايات المتحدة ليس خيار واقعي.
في ظل تحالف الدفاع الذي ما زال عاجز عن حماية السعودية، وادارة امريكية مترددة في خوض مغامرة اخرى، يواجه ابن سلمان معضلة صعبة: هل يجب عليه العودة الى حرب شاملة ضد الحوثيين، التي حاول الهرب منها بعد فشل الحرب السابقة ضدهم والتي استمرت سبع سنوات؟ بل والاكثر من ذلك، هل يستطيع نظام التحالفات الذي بذل جهد كبير في بنائه حول السعودية، حمايتها وحماية المنطقة؟.
بالمقارنة مع حرب ابن سلمان السابقة ضد الحوثيين، تكافح السعودية في هذه المرة على جبهتين تعتبران جبهة واحدة. فبعد ان جعلت ايران مهاجمة جيرانها جزء لا يتجزأ من استراتيجية بقائها واداة ضغط في مواجهة امريكا، فان أي هجوم سعودي ضد الحوثيين سيثير هجوم ايراني عليها على نطاق يصعب احتواءه. وحتى في هذه الحالة لا يمكن ضمان الدعم الامريكي. في الواقع وجدت السعودية نفسها في موقف قد تجرها فيه الحرب ضد الحوثيين الى حرب ضد ايران.
وتستند حركة الكماشة الايرانية – الحوثية التي يبدو انها منسقة، الى مصالح ليس بالضرورة متطابقة، وربما هذا هو الحل الذي يمكن ان تقدمه الرياض. تستخدم ايران الضغوط على الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز وعبر هجماتها على جيرانها، بهدف الحصول على اعتراف بسيطرتها على المضيق ورفع العقوبات المفروضة عليها، وانشاء آلية تعويض عن اضرارها، والقضاء على التهديد العسكري الامريكي. ولكن للحوثيين اجندتهم الخاصة. فهم يسعون الى الاعتراف بسيطرتهم على المناطق اليمنية التي سيطروا عليها، ورفع الحصار السعودي عن مجالهم الجوي، والحصول على مساعدات مالية سخية وان يكونوا شركاء رئيسيين في ادارة البلاد.
لذلك، حتى لو تم فتح مضيق هرمز وجلست الولايات المتحدة وايران على طاولة المفاوضات فان هذا لا ينهي بالضرورة الحرب في اليمن. ايضا الوضع في اليمن مختلف. ففي حين تستطيع الولايات المتحدة وحدها تحقيق طموحات ايران فان طلبات الحوثيين، على الاقل حتى الان، موجهة للسعودية.
وبتخلي ترامب عن السعودية فقد نقل اليها المسؤولية عن حل مشكلة الحوثيين، والان قد يكون الخيار الدبلوماسي والاقتصادي، بدلا من العسكري، هو المسار الذي تفضله السعودية، لكن الثمن غير زهيد. فهو لا يعني فقط توسيع نطاق المساعدات الاقتصادية، بل ايضا فتح المجال الجوي الذي سيؤدي الى هبوط الطائرات الايرانية، والاعتراف بنظام الحوثيين، واجبار حكومة اليمن المعترف بها على تقديم تنازلات سياسية. والاسوأ من ذلك هو انه عند سيطرة الحوثيين على جزيرة بريم وميناء المخا وحركة الملاحة في البحر الاحمر، فانه لا يتوقع ان يوافقوا على الانسحاب من هذه المناطق الاستراتيجية. ويتوقع ان يطالب الحوثيون، مثلما فعلت ايران في مضيق هرمز، بالاعتراف بسيطرتهم على هذه المناطق، بل وحتى فرض ترتيبات ملاحة تشمل دفع رسوم على العبور.
من جهة اخرى، قد تغير هذه المفاوضات مع الحوثيين مسار الحرب. فبدلا من حرب واحدة على جبهتين، قد تتمكن السعودية من فصلهما، وعلى الاقل ضمان تدفق نفطها عبر البحر الاحمر طالما ان مضيق هرمز يتعرض للهجوم.
سيتعين على السعودية في القريب تقرير كيفية ادارة “استقلالية القرار” التي اعطاها اياها ترامب، وان تحدد اذا كان ثمن التنازلات التي ستوافق على تقديمها اقل من ثمن حرب لن تحقق بالضرورة أي مكاسب كبيرة. قد يجد ترامب ان ادارة ظهره للسعودية ستسرع ما تعمل عليه الرياض منذ سنوات، وهو بناء اطار امني اقليمي مستقل، تعتبر فيه الولايات المتحدة غير ضرورية.
بكلمات اخرى، كلما ابتعد ترامب عن جبهة اليمن كلما تعززت في نظر ابن سلمان النتيجة التي يسعى اليها بالفعل، وهي انه يجب على السعودية ايجاد حلول بدون مساعدة امريكا، الامر الذي سيؤدي الى شرخ عميق في مكانة الولايات المتحدة كضامنة امنية يقوم عليها النظام الاقليمي كله. اضافة الى ذلك اذا قررت السعودية تبني المسار الدبلوماسي المستقل مع الحوثيين فقد تصبح نموذجا لاجراء مفاوضات اقليمية مع ايران، التي ستملي سياستها على الولايات المتحدة.
——————————————
إسرائيل اليوم 14/9/2026
فشل في عملية تسوية الأراضي شرقي القدس
بقلم: نداف شرغاي: فشل في عملية تسوية الأراضي في شرقي القدس
سبع سنوات مرت منذ انطلقت عملية تسوية الأراضي في شرقي القدس، لكن صحيح حتى العام 2025، السنة الهدف التي تقررت لانهاء العملية – تمت تسوية مكانة 4 في المئة من الأراضي فقط، 2286 دونم من أصل نحو 55 الف دونم. هذا ما يظهره بحث جديد لحركة “رغافيم” ينشر هنا لأول مرة.
تداعيات الفشل التي يفصلها التقرير قاسية: استمرار الفوضى التخطيطية في شرقي القدس، جرت وراءها على مدى السنين اعمال فساد وغش كثيرة؛ إخفاء مداخيل على نطاق واسع عن صندوق الدولة وكذا بناء غير قانوني بحجوم هائلة ومشاركة جهات معادية وجنائية في هذا البناء.
قرار الحكومة 3970 الذي اتخذ بمبادرة وزيرة العدل الأسبق آييلت شكيد، وصف في 2018 إجراءات تسوية الأراضي في شرقي القدس كهدف وطني وقضى بان تستكمل حتى 2025. قبل أربع سنوات الغي “نظام المختار” المعروف، المليء بمواضيع الخلل والتزوير، في خطوة تستهدف نقل التسجيل الى مسار قانوني ومرتب.
لكن البحث الجديد لـ “رغافيم” التقى بواقع بشع. من اصل نحو 55 الف دونم هي نحو 90 في المئة من مساحة شرقي القدس، نحو 2200 فقط تمت تسويتها. معظم المساحة التي سويت تتركز في احياء يهودية في مناطق صادرتها الدولة في الماضي واجتازت عملية التسجيل (نحو 1400 دونم). في الاحياء العربية لم تتم عمليا تسوية الا نحو 880 دونم، 92 دونم منها فقط مبنية بالفعل. والباقي هي مناطق جماهيرية، مقابر ومناطق مفتوحة في اطراف الاحياء.
الأرض التي تمت تسويتها في نطاق الاحياء العربية وفي جوارها سجلت في معظمها على اسم دولة إسرائيل، بلدية القدس، كيرن كييمت وجهات يهودية خاصة نجحت في استيفاء مطالب الاجراء الجديد الذي حل محل “نظام المختار”. نحو 20 دونم فقط من المساحة المذكورة سجلت على أسماء مدعي ملكلة عرب استوفوا كل متطلبات الأدلة اللازمة.
صفقات من تحت الرادار
لقد نبع القرار بالامتناع على مدى السنين عن تسجيل الأراضي في شرقي القدس لاسباب سياسية بالأساس. وقد أدى هذا الى فوضى تخطيطية، التي بغياب تسوية الأراضي تتواصل الان أيضا: وحسب تقرير “رغافيم” فان “صفقات شراء وبيع كثيرة تجري “من تحت الرادار”، ومعظمها ان لم تكن كلها لا تبلغ بها سلطات الضريبة. وهكذا تفقد الدولة نحو 300 مليون شيكل في السنة من جباية ضرائب الأراضي وحدها، المال الذي يفترض به أن يعود الى السكان من خلال التطور. وكتبوا في “رغافيم” ان إخفاء منهاجي للضريبة في هذه المناطق يمس مسا عميقا بالحوكمة، يخلق انعدام مساوا في العبء الضريبي ويترك مجالا واسعا للجريمة”.
فضلا عن ذلك فان حقيقة ان العديد من السكان يختارون أن يبنوا بيوتهم على ارض لا تعود لهم او هي غير مسجلة على أسمائهم في الطابو تولد مصاعب في القدرة على الحصول على قروض بنية مرتبة او قروض سكن. لهذا السبب نشأت في شرقي القدس ممارسة واسعة لبناء منازل غير قانونية بمال نقدي. وفي أحيان قريبة، بغياب إمكانية تمويل مرتب، يتوجه السكان الى مصادر ائتمان خارجي. ووجد البحث ان هذه المصادر تتشكل من عناصر ذات طابع جنائي في يهودا والسامرة تعطي القروض بفوائد عالية؟ فضلا عن ذلك فان المحافل المتماثلة مع السلطة الفلسطينية أيضا او مع منظمات إسلامية توفر قروضا لاهداف البناء.
“في ظل هذه القروض يمكن لجهات معادية ان تحصل على موطيء قدم في شرقي المدينة. هذا التعلق الناشيء يضر بالسكان من ناحية اقتصادية، يعمق تسلل جهات معادية وجنائية الى شرقي المدينة ويمس بالسيادة الإسرائيلية وبوحدة المدينة”. يؤكد البحث من جديد ميزة قديمة: غياب التسجيل في الطابو هو أيضا عائق يكاد لا يمكن اجتيازه للحصول على تراخيص البناء. فالعديد من السكان يبنون بخلاف القانون وعلى نطاقات واسعة تقدر على مدى السنين بـ 25 الف مبنى غير قانوني. وهكذا تمنع إمكانية حقيقية لاقامة بنية تحتية جماهيرية كالطرق، الأرصفة والمباني العامة.
حتى 2022، صدرت كما اسلفنا تراخيص البناء حسب “نظام المختار” الذي الغي. فقد درج حسب النظام القديم لاجل اصدار رخصة بناء اثبات ملكية على الأرض من مختارين، لكن هذا النظام خلق تشويها أخلاقيا عسيرا بسبب الضرر المنهاجي للفئات السكانية الضعيفة. فلما كانت الصلاحيات بإقرار الصلة بالأرض وضعت في يد مجلس مخاتير فقد نشأت آلية ميزت ضد النساء، الأقليات والسكان الذين لا توجد لهم علاقات سياسية. وبدلا من اجراء قانوني متساوٍ أصبح حق الملكية متعلق بالنية الطيبة للمخاطر، الذين استغلوا مكانتهم كي يقصوا جماعات ضعيفة ويفضلوا أصحاب النفوذ والمقربين.
النظام الجديد يطالب من يريد أن يبني بسلسلة من الوثائق التي تشهد على علاقته بالأرض. صحيح أن هذا الحاجز أوقف تماما تقريبا مدى خطط البناء على ارض غير مسواة وغير مسجلة في الاحياء العربية، لكن النظام الجدد شهد بالتوازي على عدم قدرة السكان على احتمال متطلبات الأدلة اللازمة لاثبات الملكية على الأرض التي يريدون البناء عليها.
يوصي تقرير “رغافيم” بتعميق الدعاية بين السكان العرب بشكل يوضح لهم بل ويساعدهم على استيفاء متطلبات النظام الجديد. وبالتوازي في “رغافيم” يوصون بمواصلة العمل على تسوية الأراضي مع التركيز بداية على الأراضي المفتوحة وبذلك “الحفاظ عليها من توسع البناء غير القانوني عليها”.
يعتقد كُتّاب التقرير ان تزاد جدا الميزانية المخصصة للتسوية للجهات التي تعنى بذلك ومنها مركز المسح الإسرائيلي، وزارة العدل، سلطة أراضي إسرائيل، وزارة القدس والتراث واقسام في وزارة المالية.
وحسب التقرير إضافة الى الاحواض التي انتهت التسوية فيها تجري الان التسوية في 681 حوض تقع على مساحة نحو 6.149 دونم وتوجد في مراحل مختلفة من التسوية.
منش شموئيلي، مدير قسم المساحة في حركة “رغافيم” يقول: “ما يفهم من التحقيق من حيث المعطيات والأرقام، واضح بشكل دراماتيكي على الأرض: فوضى في المباني، الطرق واضرار في الأمان وصفر حوكمة – ليس في مكان ما بعيد بل في عاصمة إسرائيل. هذا تقصير سخيف يؤدي الى صناعة مال اسود وعبث في الأمان. الدولة التي تعهدت بالعمل – فشلت المرة تلو الأخرى وتهربت من المسؤولية، لكن الواقع يلزمنا بالاعتراف بالمشكلة والتصدي لها بتصميم.
——————————————
معاريف 14/9/2026
تفاهمات على مسارات بحرية جديدة في مضيق هرمز
بقلم: افي اشكنازي
مع أنهاء احتلال وتطهير تلال علي طاهر في جنوب لبنان تغيرت الطبغرافيا وطبيعة التلال – بالضبط مثل التغيير الذي اجتازته تلال البوفور وقنطرة المجاورة. لم تعد هناك قمم في رأس الجبل. مكانها توجد حفر عميقة، كبيرة وبيضاء. منذ زمن ليس بعيد كانت ثلاثة قمم في رأس ثلاثة تلال هي رمز قوة حزب الله وايران، سيدة منظمة الإرهاب. لا يدور الحديث فقط عن ذخائر تكتيكية مبهرة بنيت على مدى نحو 20 سنة، كانت أيضا جزءً من منظومة قوة كان يفترض بها في يوم الامر ان تحتل الجليل وتصل حتى الكريوت وخليج حيفا.
الان، استبدلت القمم بنصب يراها الجميع، من على جانبي الحدود. نصب تذكارية لفقدان قوة حزب الله وايران في جنوب لبنان.
لقد وجد حزب الله نفسه في الأسابيع الأخيرة في ضائقة حقيقة. ليس له خط دفاع امام إسرائيل. الطرق الى بيروت، البقاع اللبناني ومدن الشاطئ صور وصيدا – مفتوحة امام الجيش الإسرائيلي.
وهذا لا ينتهي هنا. إضافة الى احتلال كل ذخائر حزب الله – القلاع في التلال، وسلسلة من البلدات – فقدت المنظمة أيضا كل الـ 14 مسار للانفاق في مشروع “مدن اللجوء”. والى هذا ينبغي أن يضاف نحو مليون لاجيء من بين سكان جنوب لبنان الشيعة، الكف الباردة من طهران في الأسابيع الأخيرة وحقيقة ان إسرائيل تخوض مفاوضات مباشرة مع حكومة لبنان. كل هذه تدفع حزب الله نحو زاوية لم يسبق له أن كان فيها في الماضي.
يبقي الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة فرقتين في لبنان. والفهم في هذه اللحظة هو أنه رغم تلقي حزب الله ضربة قاسية للغاية، رغم انه ضعيف، محشور في الزاوية ويتعرض لنقد جماهيري واسع في لبنان على الطريقة التي يسلكها – لا تزال منظمة الإرهاب لم تقل بعد الكلمة الأخيرة. فحزب الله لم ينثني وعلى ما يبدو لن ينثني قريبا.
لقد فهم حزب الله بان لا معنى للصراع على تلال علي طاهر وعرضه كفكرة بطولة، مثلا حاول أن يفعل في البداية. فقد سمع حزب الله نداءات النجدة من نحو 50 من رجاله في الانفاق التي اغلقها الجيش الإسرائيلي. فهم ان ايران لم تعد الى جانبه بل هي مشغولة حتى ما فوق الرأس في المعركة ضد الولايات المتحدة حول مضيق هرمز. كما أنه ليس للمنظمة قدرة على الربط بين الساحتين – لبنان وايران – ضد الأمريكيين.
وعليه فقد فضلوا في حزب الله ان يقلصوا الاضرار وان يحتشدوا في الخلف: في الغور اللبناني، في صور وفي الضاحية. لكن التقدير هو أن قريبا جدا سيحاول حزب الله خلق حرب عصابات ضد قوات الجيش الإسرائيلي.
ان الضباب السائد الان في المنطقة يسهل جدا على خلايا المخربين الوصول عبر الاودية لزراعة العبوات او تفخيخ منازل ومبان في مجال الحزام الأمني في جنوب لبنان. كما أن الاستيلاء على مبانٍ مرتفعة شمالي الخط الأصفر بهدف تنفيذ اطلاق نار قناصة على قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في المجال هو خيار أيضا.
وعليه فان الجيش الإسرائيلي يعمل الان على أساس يومي، بمعونة سلاح الجو والمدفعية لضرب ساحات العبوات امام عبور القوات البرية في المجال.
إسرائيل ملزمة بان تعمل الان بسرعة وبجذرية لاجل تعزيز حكومة لبنان والجيش اللبناني ولتغيير الواقع في جنوب لبنان وفي مناطق أخرى في الدولة. تعد هذه نافذة فرص لخطوة سياسية حقيقية. ان ضعف ايران وحزب الله الان هو معطى كفيل بان يتغير في المدى القصير او البعيد. وعليه فمن المجدي والمرغوب فيه استغلال الوضع لخلق واقع مختلف على الأرض.
على إسرائيل أن تعد خطة واسعة للجبهة الشمالية – لبنان وسوريا – وتبادر الى خطوة تقرر هي فيها المسار، وفقا لمصالحها.
——————————————
هآرتس 14/9/2026
البريطانيون يقاطعون، والفلسطينيون يتلقون الضربات
بقلم: عودة بشارات
في الوضع الحالي يبدو ان الفلسطينيين هم أول من يدفع ثمن المقاطعة التي بدأتها بريطانيا (وانضمت اليها 11 دولة اخرى) للمستوطنات. وهم الوحيدون حتى الآن. فقد اغلقت اسرائيل القنصلية البريطانية في شرقي القدس، التي تقدم الخدمات للمقيمين الفلسطينيين، وتم أمر السلطات البريطانية في رام الله، التي تساعد في تنسيق المساعدات الانسانية لغزة بالمغادرة. اضافة الى ذلك منع وزير الخارجية جدعون ساعر دخول 12 مسؤول منتخب ومواطن بريطاني، كانوا يرغبون في الاطلاع على ما يحدث في الاراضي المحتلة.
هذا هو الوضع الراهن. البريطانيون يقاطعون، والفلسطينيون يتلقون الضربات. يتحدثون عن حلاق اراد ان يعلم ابنه اسرار المهنة. الابن، الذي بدأ المهمة بمعالجة رأس زبون مسكين، جرح بالخطأ وجهه، والاب الغاضب حاول توجيه ضربة قوية لابنه، ولكن الابن قام بحني رأسه والزبون هو الذي تلقى الضربة على الجرح الذي في وجهه. وفي حالة اخرى قام الابن بقطع أذن مريض، واخفاها كي لا يراها الاب. هكذا هي الحال مع بريطانيا العظمى، أم وأب النكبة الفلسطينية. وحتى الحب الذي تسعى الى اعطائه للفلسطينيين ليس الا مثل وضع الملح على الجرح.
لكن هذه ليست حال ارمل فلسطين. فوقاحة اسرائيل لن تمر بدون ترد مناسب من قبل بريطانيا العظمى، وهي لن تسمح لاسرائيل بان تمس بشرف التاج. وهكذا، في رد حازم على اغلاق القنصلية البريطانية اعربت المتحدثة باسم وزارة الخارجية البريطانية في شؤون الشرق الاوسط، غوسلين والر، عن اسفها من تصرف ساعر في وسائل الاعلام (عرفت ان الوزير لم يغمض له جفن في تلك الليلة). بعد ذلك القت المتحدثة خطاب مؤثر عن الصداقة الرائعة بين الدولتين. بعد هذه الاقوال التي ظهرت وكأنها اعتذار للوزير المحترم، عرفت ان العقاب البريطاني لم يكن الا شيء تافه.
بدلا من وقف ساعر واصدقائه عند حدهم، تغدق بريطانيا التي كانت قبل يومين فقط اكبر امبراطورية في العالم، المديح عليه. كان عليها أن تأمره بالتوقف عن التفاخر، وان تذكره بالقوة العظمى هنا، التي مهدت الطريق لاقامة دولة اسرائيل، سياسيا وعسكريا، والتي تركت قواعد عسكرية حديثة للدولة الفتية، ولا ننسى ميناء حيفا الرائع. ربما من الانسب لها التذكير ايضا انه في عهدها ارتفعت نسبة اليهود هنا، من 9 في المئة من اجمالي عدد السكان في 1917، الى 30 في المئة.
بدلا من ان تقول له بصراحة “كفى!” بلهجة غاضبة، والتوقف عن الاعيبه البغيضة، وانه اذا استمر هو واتباعه بالمس بالفلسطينيين بسبب دعمها لهم وان تتخذ اجراءات صارمة، هي ستعتذر. لا يوجد جديد تحت الشمس. بريطانيا هي نفس بريطانيا. هكذا كانت الحال أمس واليوم وهكذا ستكون في الغد.
مع ذلك، مهم ان يعرف الرأي العام في اسرائيل ان صفع بريطانيا سيرتد في نهاية المطاف على مواطني اسرائيل، يهود وعرب. ممثلو المستوطنين في السلطة سيزيدون الميزانيات للمستوطنات، وسيدفع مواطنو اسرائيل ثمن بطولة بريطانيا.
اخيرا، قليل من الادب العربي لن يضر. كتب الشاعر العربي جرير بن عطية (650 – 728م) عن الشاعر الفرزدق، الذي اجرى معه المناظرة الكلامية المشهورة في الادب العربي، “زعم الفرزدق ان سيقتل مربعا فابشر بطول سلامة يا مربع”. هذا ما اقوله لمجرمي التلال بعد التهديد البريطاني، يمكنكم الاستمرار في حملة ارهابكم. وفي هذه الاثناء، ستحصلون على تعويض من الدولة عن أي خسارة لكم بسبب المقاطعة، هذا اذا وجدت.
يأتي المساء، والفلسطيني سيبقى تحت رحمة الزعران المدعومين من قبل اقوى جيش في الشرق الاوسط، وفي عالم منافق لا يقوى الا على الضعفاء.
——————————————-
هآرتس 14/9/2026
“نبعده ثم نرى”.. حين ينتهج معارضو نتنياهو الفاشية ذاتها
بقلم: دافيد زونشاين
يؤدي هوس المعارضة الإسرائيلية بشخصية نتنياهو إلى عمى سياسي خطير. مراراً وتكراراً يتوافد الجمهور الليبرالي الصهيوني على صناديق الاقتراع بإيمان شبه ديني بأن إزاحة رئيس الحكومة عن منصبه شرط ضروري ويكفي للبدء في “الإصلاح الجذري”. هذا الشعار “أولاً نستبدل، ثم نصلح”، يتجاهل جوهر المشكلة، وهو السبب في انجرار النظام نحو اليمين، إلى عوالم فاشية ومسيحانية.
الحقيقة الصعبة التي يرفض معظم المعارضة الاعتراف بها هي أن نتنياهو سيئ جداً بالفعل، لكنه ليس مصدر الشر. لن يعالج استبداله المرض، لأن المرض هو الذي أوصله إلى الحكم لفترة طويلة، هو العرض والرمز، وليس سبب المرض. يجسد نتنياهو رغبات ومخاوف والرؤية الحقيقية لمعظم الشعب اليهودي في إسرائيل. هو لم يفرض نفسه على النظام، بل وجد النظام فيه القائد الأمثل للحفاظ على أسسه: الحفاظ على السيادة اليهودية مثلما تتجسد في قوانين ومؤسسات وأولويات دولة إسرائيل، وتعميق السيطرة على الفلسطينيين، والامتناع عن أي ترتيب سياسي ديمقراطي يقوم على المساواة.
حدثت الانعطافة التاريخية التي مهدت الطريق لعهد نتنياهو – خلافاً لولايته الوحيدة في أعقاب اغتيال رئيس الحكومة إسحق رابين على الفور – في وقت مبكر في العام 2000. إيهود باراك، عند عودته من قمة كامب ديفيد كان هو الذي صاغ المقولة المميتة “لا يوجد شريك”. بهذا التصريح الحاسم، قام رئيس وزراء من معسكر السلام، إذا صح التعبير، بطي آخر ما تبقى من تمييز بين اليمين وما كان يسمى “اليسار” بين اليهود في إسرائيل. من اللحظة التي أعلنت فيها قيادة الوسط – يسار أن الرؤية السياسية التي طرحها رابين لم تعد قابلة للتطبيق، انهار البرج الأيديولوجي، الذي كان هشاً من البداية.
في تلك اللحظة، فتحت الطريق أمام تشكيل كنيست يمينية موحدة ولها نفوذ. تكاد تكون الفوارق الاقتصادية الحقيقية معدومة بين هذه الأحزاب، ويصعب إيجاد خلافات في القضايا الدينية والاجتماعية، وسط ضبابية الاتفاقات الوطنية الجامدة. منذ “كامب ديفيد” تساوق المشهد السياسي اليهودي كله مع تعريف واحد للأمن والسلطة، وأبقى في الخارج فقط الذين يرفضون قبول قواعد اللعب الصهيونية: أحزاب يصوت لها المواطنون العرب في إسرائيل على الأغلب، إلى جانب عدد محدود جداً من المواطنين اليهود. الأحزاب التي كانت القضية الفلسطينية والسياسية على رأس سلم أولوياتها، قلصت من شأن هذه القضية بالقول: “هذا ليس الوقت المناسب”، “واضح للجميع أنه لا توجد أي احتمالية لذلك”.
قادة المعارضة، بدءاً بيئير لبيد وبني غانتس ومروراً بنفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان وانتهاء بغادي آيزنكوت، لا يمثلون رؤية مخالفة لرؤية نتنياهو، بل هم استمرارية طبيعية للنظام السياسي والثقافي الذي قاده لأكثر من جيل.
برز من يعدون اليوم بالبديل على هذه الأرضية الخصبة. قادة المعارضة، بدءاً بيئير لبيد وبني غانتس ومروراً بنفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان وانتهاء بغادي آيزنكوت، لا يمثلون رؤية مخالفة لرؤية نتنياهو، بل هم استمرارية طبيعية للنظام السياسي والثقافي الذي قاده لأكثر من جيل. لم تكن شراكتهم التاريخية معه فقط عثرات مؤقتة أو تنازلات قسرية. فقد سارع باراك إلى الانضمام لنتنياهو في 2009 كوزير للدفاع، وشغل لبيد منصب وزير المالية في 2013، وأعلن أنه لا يعارض المستوطنات، ودخل غانتس وآيزنكوت دائماً إلى إطار “التدخل الطارئ” من أجل ترسيخ حكمه وإدارة الاحتلال والفصل العنصري معه، وكانا شريكين كاملين في سياسة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
لقد شعروا بالراحة في حكوماته، لأنهم شاركوا نفس الرؤية الراسخة التي صاغها باراك في العام 2000، وهي إدارة الصراع بالقوة وتعميق امتيازات اليهود وتجنب أي رؤية ديمقراطية حقيقية. بهذا المعنى، مثلوا التيار الصهيوني السائد في إسرائيل، باستثناء بداية تحول في المسار، الذي تبين بعد ذلك أنه مؤقت عقب اتفاق أوسلو: استمرار اضطهاد الفلسطينيين.
عندما تتوج المعارضة اليوم هؤلاء الأشخاص كمنقذين، فإنها تمارس طمساً تاريخياً وأيديولوجياً. هي لا تعرف أنه من المستحيل مواجهة نتنياهو بنسخة مخففة منه. إن اختيار الانضمام إليه فقط من أجل تحقيق “ضبط النفس التكتيكي” أو “كسب الوقت” هو اعتراف بالهزيمة الأيديولوجية، وهو يضمن أنه حتى لو تم استبدال نتنياهو نفسه، فالنظام الذي قام عليه سيبقى على حاله، وسيستمر في التطرف إلى حين إنجاب ورثة أكثر تطرفاً وظلامية.
إن التصويت الاستراتيجي الحقيقي لا يعتبر تصويتاً بـ “أمل ضئيل” بالعودة النظام القديم المعيب. لن يبدأ التصحيح في اليوم التالي لنتنياهو. لأنه من دون تغيير جذري في المنظور، سيبدو اليوم التالي بالضبط مثل اليوم الذي سبقه. إن أي شخص غير مستعد لاستيعاب أن النظام الصهيوني الكلاسيكي وصل إلى طريق مسدود، وأنه يجب تغييره من جذوره، وأن يصبح ديمقراطية حقيقية تقوم على إنهاء الاستعمار والمشاركة الكاملة، فإنه يحكم على نفسه بالعيش في حلقة مفرغة من جولات الانتخابات والحكومات الانتقالية المؤقتة التي تصطدم بالواقع، وفي النهاية الاستسلام الكامل لنسخة اليمين الأكثر ظلامية.
——————————————-
عن موقع “واللا” 14/9/2026
إسرائيل تستعدّ لإعادة احتلال الضفة
بقلم: أمير بوخبوط
رغم التقديرات الأمنية الإسرائيلية، التي تفيد بوجود انخفاض في العمليات ضد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، والذي وصل لأدنى مستوى له منذ العام 2011، بفضل النشاط المشترك لفرقة الضفة الغربية بقيادة العميد كوبي هيلر، وجهاز الأمن العام “الشاباك”، والشرطة و”حرس الحدود”، فمن المرجح بحسب مزاعم مصادر أمنية إسرائيلية أن تحاول قيادات “حماس” الدفع نحو مخططات لتنفيذ هجمات ضد المستوطنين وجنود الجيش الإسرائيلي.
عمليات وقائية
وبناءً على ما سبق، ومع اقتراب الأعياد اليهودية، نفذت فرقة الضفة الغربية عمليات وقائية واسعة النطاق، ليس فقط ضد المشتبه في ضلوعهم في بعض الأنشطة، وإنما أيضاً ضد بؤر التحريض، بهدف تقليص إمكانيات الهجمات في المنطقة إلى الحد الأدنى.
وقال مسؤولون أمنيون: يتمتع الجيش الإسرائيلي بحرية حركة واسعة في الضفة الغربية، ولاسيما بعد أن احتل مخيمات لاجئين هناك (جنين نموذجاً)، ورسّخ وجوده فيها وأنشأ بنى تحتية داعمة لتنفيذ نشاط سريع، وإضافة إلى ذلك، يجري إنشاء مواقع عسكرية من شأنها تعزيز إحكام السيطرة والوجود.
هناك تطور آخر جدير بالملاحظة يتمثل في الحجم الواسع جداً لعمليات إحباط الهجمات من البر والجو، وبحسب معطيات للجيش الإسرائيلي، اغتيل 5 مسلحين خلال الأسبوع الماضي على أيدي قواته في حوادث مختلفة، لكن مصدر القلق يتمثل في تصاعد الاحتكاك على الأرض.
وأشار مسؤولون أمنيون إلى أن “اتجاه الاحتكاك آخذ في الازدياد، من بين أمور أخرى بسبب الزيادة الكبيرة في عدد المستوطنات الجديدة، وكذلك المزارع المعزولة، التي يبلغ عددها نحو 140، والبؤر الاستيطانية “غير القانونية” التي يزيد عددها على 100.
تفرض هذه الحقيقة الأمنية على الجيش الإسرائيلي إعادة التفكير وتحديث مفهومه الأمني تجاه المستوطنات والمزارع الاستيطانية التي حصلت على موافقة الدولة، حتى لا تكون في حالة ضعف أو فجوة أمام الجهات المعادية في المنطقة.
مسارات مؤثرة
ومع ذلك، تؤكد المنظومة الأمنية أن التنسيق الأمني مع الأجهزة الفلسطينية مستمر، إلى جانب أحداث استثنائية توجب المتابعة المستمرة واليقظة، إضافة إلى ذلك، توجد كميات كبيرة من الأسلحة بحوزة السلطة الفلسطينية، إلى جانب عمليات تهريب للأسلحة عبر الحدود الأردنية.
هناك سيناريو “انقلاب فوهات البنادق”؛ وهو سيناريو متطرف تدخل فيه السلطة الفلسطينية في صراعات على خلافة أبو مازن، وفي إطار هذه المواجهات تُوجَّه فوهات البنادق نحو جنود الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الإسرائيليين؛ وقد طالب المستوى السياسي برفع مستوى الاستعداد لهذا السيناريو.
عملية برية واسعة النطاق
وتستند تقديرات الجيش الإسرائيلي بشأن زيادة النشاط في الضفة الغربية إلى تزامن عدة مسارات مؤثرة في المنطقة، من بينها الانتخابات في إسرائيل، والانتخابات في السلطة الفلسطينية، والأعياد اليهودية، المعروفة بأنها فترة يتوافد فيها عدد كبير من الإسرائيليين والزوار إلى المنطقة، وتكون خلالها قابلية الاشتعال مرتفعة جدا في مواجهة السكان الفلسطينيين، واتجاه تزايد ظاهرة “المنفذ الفرد”، وحوادث احتكاك كبيرة قد تتطور إلى هجمات عفوية، وتصاعد جرائم المستوطنين والإرهاب اليهودي، التي تحظى بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الدولية، إضافة إلى التدخل الأميركي، ولاسيما مع انتهاء المرحلة المكثفة من العمليات في غزة ولبنان.
وبحسب مصادر أمنية،”قد يضغط وزير الأمن، إسرائيل كاتس، على الجيش الإسرائيلي لاحتلال مخيمات لاجئين إضافية وتنفيذ عمليات واسعة النطاق، مع التركيز على الضفة الغربية بهدف الحد من الهجمات.
——————————————-
هآرتس 14/9/2026
نتنياهو ارتكب جناية بإهماله التحذيرات الإماراتية والمصرية
بقلم: إيهود باراك – رئيس وزراء إسرائيلي أسبق
حذّر زعيم دولة الإمارات، محمد بن زايد، بنيامين نتنياهو، شخصياً وبصوته، قبل نحو عشرة أيام من «مجزرة» السابع من تشرين الأول، خلال محادثة استمرت 45 دقيقة، من أن يحيى السنوار يُعدّ في غزة لتحرُّك كبير سيؤدي إلى إراقة الدماء، وسيهزّ المنطقة بأسرها. وفي تلك الأيام نفسها وصلت إلى مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تحذيرات مماثلة، في جوهرها، من مسؤول استخبارات مصري رفيع المستوى، موجهة إلى نتنياهو.
إن غرور نتنياهو وغطرسته وثقته بالمفهوم القائل، إن «حماس هي رصيد» – وهو المفهوم الذي كان هو الأب المؤسس له – أمور دفعته إلى تجاهُل هذين التحذيرين. والأسوأ من ذلك أنه أخفى وجود هذين التحذيرَين الحاسمَين عن وزير الدفاع، يوآف غالانت، ورئيس الأركان، هرتسي هليفي، ورئيس جهاز «الشاباك»، رونين بار.
وكَوني تولّيت في الماضي منصب رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، لمدة تراكمية بلغت 15 عاماً، أقول بمسؤولية، إن مجرد تجاهُل التحذيرات يشكل، في الحد الأدنى، إهمالاً جسيماً؛ أمّا إخفاء التحذيرَين عن جميع رؤساء المنظومة الأمنية والاستخباراتية، من وزير الدفاع وحتى رئيس «الشاباك»، فهو فعلاً يدخل في نطاق الإهمال الجنائي. نعم، الإهمال الجنائي بالمعنى السياسي والجماهيري، وكذلك بالمعنى الذي يحدده القانون. وهذا الإهمال الجنائي له، بحسب رأيي، علاقة سببية مباشرة بـ»مجزرة» السابع من تشرين الأول، وبالثمن الذي دُفع، وبنتائجها.
إن الدولة التي تريد البقاء، وتعمل في منطقة صعبة كالشرق الأوسط، مُلزمة بالتحرك بحزمٍ لإبعاد قيادة خطِرة كهذه عن سدة الحكم. ونتنياهو نفسه هو الذي سمعناه يسأل: هل كنتم ستسافرون مع سائق حافلة مسؤول عن سلسلة من الحوادث القاتلة، أو تبحرون مع قبطان سفينة تايتانيك لو كان نجا من غرقها؟ واليوم، تتعلق الإجابة به هو.
منذ السابع من تشرين الأول، ووفق نمطٍ من السلوك يعرفه علماء النفس جيداً، والذي عبّر عنه الحكماء بقولهم، «يعيب على غيره بما فيه»، نرى نتنياهو يتهم، طوال الوقت، رئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات ورئيس «الشاباك» بأنهم «لم يوقظوه».
لكن الحقيقة هي أنه وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة مواد استخباراتية في الساعة الثالثة فجراً تقريباً، وأن العاملين في مكتبه هم الذين لم يوقظوه، ولم يُطلعوه عليها.
علاوةً على ذلك، فإن تلميحاته إلى مؤامرة وخيانة، فضلاً عن ادّعائه المتبجح أنهم لم يريدوا إيقاظه، لأنهم كانوا يعرفون أنه لو استيقظ فسيأمر فوراً برفع الجيش إلى حالة تأهُّب قصوى وسحق «حماس»، منافية للواقع، لأنه حتى عندما أيقظوه في الساعة 6:29، كان سؤاله الأول: «لماذا يطلقون النار؟»
ذلك «المجنون الجريء» لم يُصدر أيّ أمر عملياتي، واستغرق الأمر أكثر من ثلاث ساعات إضافية (!) قبل أن يتحدث لأول مرة مع رئيس الأركان، وهو وحده يملك إصدار الأوامر التي تحرّك الجيش.
تخيّلوا لحظة أن نتنياهو أطلع غالانت في 1 تشرين الأول على التحذيرات الخطِرة التي نقلها أمير أبوظبي والاستخبارات المصرية؛ فمن الواضح أنه كان سيعقد نقاشاً أمنياً واستخباراتياً بشأن التطورات المحتملة، ولكانت اتُّخذت إجراءات للردع، أو المنع، أو إحباط الخطة.
بل أكثر من ذلك، فحتى من دون عقد أيّ نقاش، فإن مجرد معرفة وجود تحذيرات من هذا النوع كانت ستؤدي، على الأرجح، إلى تحليلٍ أكثر تشدداً، في الليلة التي سبقت «المجزرة»، لـ»المؤشرات الدالة» التي فشل رئيس الأركان وكبار مسؤولي الاستخبارات وقيادة المنطقة الجنوبية ورئيس «الشاباك» في فهمها.
مَن لم يُطلعهم على الواقع الذي حُذّر منه شخصياً هو نتنياهو نفسه؛ إذاً، قولوا من الآن فصاعداً: لم يكن هرتسي هليفي ورونين بار، اللذان يُقال إنهما «لم يوقظاه» في ساعات فجر السابع من تشرين الأول، هما اللذان جلبا «المجزرة»، بل إن نتنياهو، بإهماله، هو الذي لم يوقظهما، ولم يوقظ وزير الدفاع قبل ذلك بأسبوع، في 1 تشرين الأول، لمنع، أو إحباط أسوأ «مجزرة» في تاريخنا.
ينفي نتنياهو الأمر برمته طبعاً، ومن غير المستبعد أن يحصل أيضاً على نفي متلعثم من بن زايد، أو من أحد مساعديه، أو على رفضٍ للتعليق.
لكنني، كشخص يتابع هذه القضية منذ أشهر طويلة، عبر مراحل كشفها المتعددة، أقول بمسؤولية، إن هذه الحقيقة صحيحة بكل تفاصيلها، وهذه التفاصيل معروفة أيضاً بصورة دقيقة لدى جهات استخباراتية في الولايات المتحدة، ولدى عدد محدود جداً من المسؤولين الكبار في أبوظبي، وعدد من الأشخاص في إسرائيل. وهذا هو سبب خوف نتنياهو الشديد من تشكيل لجنة تحقيق رسمية؛ لأنه يدرك أنها تستطيع إجبار الإسرائيليين على المثول أمامها والإدلاء بشهاداتهم تحت القسم، والحصول على كلّ وثيقة موجودة، بل إصدار أوامر بالتحقيق في تزوير الأدلة، أو إخفائها. ويدرك نتنياهو أن إنكاره سيتلاشى بسرعة، وأن مصيره السياسي سيكون محسوماً من دونه.
أمّا بشأن الخيانة، فإن المحاولة الخرقاء التي قام بها نتنياهو، بمشاركة أفراد من عائلته المقربين والمتملقين المحيطين به، لاتهام يائير غولان بالخيانة، وزوج شكما برسلر، وهرتسي هليفي، ورونين بار، وكاتب هذه السطور، وعشرات آخرين من كبار المسؤولين، هي أيضاً جزء من متلازمة «يعيب على غيره بما فيه»، وجرت هذه الحملة بروحية التوصية الشهيرة المنسوبة إلى غوبلز: اتّهم خصومك دائماً بالشيء الذي لك ذنب في ارتكابه.
إذا حدث أمر يمكن وصفه بالخيانة، فإنه جرى داخل مكتب نتنياهو نفسه؛ فالأشخاص الأقرب إليه، داخل «الأكواريوم»، أي قدس أقداس السلطة التنفيذية في إسرائيل، التي يترأسها رئيس الحكومة، عملوا قبل الحرب وأثناءها، في مقابل أجر سخي، لمصلحة دولة خارجية؛ وضمن هذا الإطار قاموا بإخراج مواد استخباراتية تعرّض حياة أشخاص للخطر، وتسريبها إلى وسائل إعلام أجنبية، من أجل هندسة وعي المواطنين الإسرائيليين بشأن خطوات نتنياهو المتعثرة في أثناء تخلّيه عن الرهائن.
إن أيّ رئيس حكومة طبيعي، ما إن تُكشَف أمامه حقيقة أن رجاله كانوا يخدمون دولة خارجية في أثناء الحرب، كان سيقيلهم فوراً للاشتباه بالخيانة، ويتأكد من تطبيق القانون عليهم حتى النهاية.
لكن الاحتضان والدعم غير المحدودَين اللذين يمنحهم إياهما نتنياهو يقودان إلى استنتاج واحد لا مفرّ منه، وهو أنه كان على عِلم بطريقة عملهم، وأنه يدرك أن سقوطهم سيؤدي إلى سقوطه هو؛ إذاً، قولوا من الآن فصاعداً: إذا كانت هناك خيانة، فإنها لم تكن خيانة خصوم نتنياهو، بل خيانة رجاله هو، وبعلمه، على الأقل وفق ما تشير إليه الظروف. وبناءً على ذلك، لا يوجد غفران، ولا مسامحة.
لم يتبقَّ على الانتخابات سوى ستة أسابيع، وهي فعلاً انتخابات مصيرية في تاريخ إسرائيل؛ وإذا كنا نريد البقاء فعلينا أن نبدأ فوراً بعملية «إصلاح يهودي» كبيرة في جميع منظومات حياتنا.
الخطوة الأولى هي إعادة الحقيقة والثقة إلى حياتنا، ولن تصلَّح الأمور من دون قرارات صحيحة وعمل؛ أولاً، من جانب الناخبين، ثم من جانب الحكومة التي يجب أن تُؤلَّف بعد الانتخابات.
لذلك، تذكّروا أيها الناخبون أن مَن لم يُوقظ المنظومة الأمنية والاستخباراتية، بإهمالٍ جسيم وغير مسبوق، هو نتنياهو نفسه. والسؤال هل كانت هناك خيانة؟ ربما، وإذا كانت هناك خيانة، فإنها حدثت في مكتبه، وبحسب الظروف، بعِلمه. وهذان الأمران يجب ألّا ننساهما.
——————————————-
العقوبات البريطانية تعيد طرح خيار الحسم السياسي في الضفة المحتلة
رأى الكاتب في صحيفة “إسرائيل هيوم” إيال زيسر أن العقوبات التي فرضتها بريطانيا على المستوطنات “الإسرائيلية” في الضفة الغربية والجولان قد تؤدي إلى تصعيد أوسع، معتبرًا أنها تشجع التيارات المتطرفة لدى الفلسطينيين وتعزز الاعتقاد بأن المجتمع الدولي يمارس ضغطًا على “إسرائيل” لدفعها إلى تقديم تنازلات.
واعتبر زيسر أن الضغوط الدولية والإجراءات العقابية ضد “إسرائيل” لم تسهم في دفع التسوية السياسية، بل أدت إلى تشدد المواقف الفلسطينية وتراجع الاستعداد للحوار والتفاوض، في ظل اعتقاد بأن الضغوط الخارجية يمكن أن تحقق نتائج أكبر من تلك التي يمكن الحصول عليها عبر المفاوضات.
وأشار إلى أن العقوبات البريطانية أعادت تسليط الضوء على الوضع في الضفة الغربية، حيث تواجه السلطة الفلسطينية ضعفًا متزايدًا، فيما يستمر نشاط حركة حماس، إلى جانب تنفيذ أفراد ومجموعات غير مرتبطة بتنظيمات عمليات في مناطق مختلفة.
ولفت الكاتب إلى عامل آخر يزيد التوتر، يتمثل في اعتداءات المستوطنين والمتطرفين اليهود، معتبرًا أنها تعرقل عمل قوات الأمن وتضر بالسكان الفلسطينيين غير المشاركين في العمليات، كما تلحق الضرر بصورة مشروع الاستيطان. وأشار إلى أن هذه الممارسات تثير انتقادات حتى لدى جهات أميركية مؤيدة للاستيطان، مستشهدًا بالسفير الأميركي لدى “إسرائيل” مايك هاكابي.
وأوضح زيسر أن “إسرائيل” تسيطر على الضفة الغربية منذ حرب الأيام الستة عام 1967، فيما توسع مشروع الاستيطان منذ وصول مناحيم بيغن إلى السلطة، من دون أن تقدم الحكومات الإسرائيلية على اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبل المنطقة. واتبعت “إسرائيل” خلال العقود الماضية سياسة توسيع الاستيطان تدريجيًا، بالتوازي مع الحفاظ على السيطرة الأمنية ومواجهة الانتفاضات والعمليات الفلسطينية.
وأضاف أن محاولات التسوية السياسية المتعاقبة لم تؤد إلى اتفاق نهائي، مشيرًا إلى اتفاق “أوسلو”، ومقترحات إيهود باراك وإيهود أولمرت، وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أن الفجوة بين المواقف “الإسرائيلية” والفلسطينية بقيت واسعة.
وبحسب زيسر، يمكن لـ”إسرائيل” مواصلة إدارة الوضع القائم، لكن ذلك يتطلب ضبطًا أكبر للتوتر ومنع المتطرفين اليهود من التسبب بأزمات مع الفلسطينيين أو المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، بما قد ينعكس على مستقبل مشروع الاستيطان.
ودعا الكاتب في ختام مقاله إلى ما وصفه بـ”الحسم” في قضية الضفة الغربية، موضحًا أن المقصود ليس حسمًا عسكريًا للقضية الفلسطينية، وإنما اتخاذ قرار سياسي بشأن مستقبل المنطقة بعد عقود من السيطرة والاستيطان وإدارة الصراع.
وخلص زيسر إلى أن استمرار الوضع القائم يبقي مستقبل الضفة الغربية مفتوحًا على احتمالات التصعيد والتوتر، فيما يتطلب خيار “الحسم” تحديد الوجهة السياسية التي ستسلكها “إسرائيل” تجاه المنطقة بدل مواصلة تأجيل القرار.
—————-انتهت النشرة—————–

