| الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت 15/9/2026
ست ساحات، ومعركة كبرى ضد السياسيين، ما الذي مرّ به رئيس الأركان إيال زمير؟
بقلم: رون بن يشاي المحلل العسكري لصحيفة يديعوت احرونوت
عند محاولة تقييم أداء رئيس الأركان إيال زمير بعد عام ونصف من توليه المنصب، لا بد من مراعاة الظروف الأولية. فمنذ حرب الاستقلال، لم يتولَّ أي رئيس أركان منصبه في ظل مواجهة الجيش الإسرائيلي ست جبهات قتالية مفتوحة، وفي الوقت نفسه يُجبر على خوض معركة احتواء ضد القوى الرئيسية في الائتلاف للحفاظ على ثقة الشعب بالجيش، ومنع تسييس القيادة العليا والعمليات، وتجنيد آلاف المقاتلين الإضافيين الذين يُحدّ غيابهم من قدرة الجيش الإسرائيلي على إنجاز مهامه.
لقد سجل زمير أبرز إنجازاته كرئيس للأركان في الحرب ضد العدو. ووفقًا للبيانات الحالية من أجهزة الاستخبارات والعمليات، ونتيجة لعمليات الجيش الإسرائيلي الأسد الصاعد وزئير الأسد بقيادة زمير، لم تعد إيران دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي، وستبقى على هذا الوضع لعدة سنوات أخرى، كما قيّم زمير ومديرية الاستخبارات مؤخرًا في مناقشات مغلقة. لقد تأخرت “خطة الإبادة” التي وضعها خامنئي الأب وأقرها خامنئي الابن خمس سنوات على الأقل. عاد جميع المختطفين – الأحياء منهم والأموات – من غزة، ولم تعد جيوش حماس والجهاد الإسلامي تشكل تهديدًا للجنوب. بل على العكس، يشن الجيش الإسرائيلي “حصارًا زاحفًا” ضدهم، وحملة اغتيالات مكثفة، وتدميرًا للبنية التحتية تحت الأرض، مما يعيق إعادة تأهيلهم.
وبحسب مسؤولين حاليين وسابقين في الجيش الإسرائيلي، فقد أعاد زمير إلى الجيش البري ثقة كاملة في قدرته على المناورة والتطهير فوق الأرض وتحتها، رغم تهديد الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات المسيّرة، كما تجلى ذلك مؤخرًا في لبنان، لا سيما في عبور الليطاني، والسيطرة على مرتفعات البوفور، والآن مرتفعات علي طاهر. ولا يقل أهمية عن ذلك: أن الجيش الإسرائيلي بقيادة زمير ينجح في تطبيق مفهوم عملياتي هجومي، مع مراعاة التوازن الدقيق بين مطالب الحكومة المتشددة ووزير الدفاع المتشدد، ومطالب البيت الأبيض الذي يسعى إلى وقف إطلاق نار مستقر في غزة ولبنان.
في جميع جبهات القتال، يُسرع زمير في تطبيق مفهوم الأمن الإسرائيلي الجديد. وتتمثل المبادئ الأساسية لهذا المفهوم، المستند إلى دروس أحداث 7 أكتوبر، في الدفاع الاستباقي والوقاية. ورغم أنه لم يُعتمد رسميًا بعد من قبل الحكومة أو مجلس الوزراء، إلا أن الجيش الإسرائيلي يستمد منه بالفعل مفهومه العملياتي. وفي الأوساط الأكاديمية ووزارة المالية، وكذلك في المؤسسة الدفاعية، يشكك البعض في قدرة الجيش الإسرائيلي على تطبيق هذا المفهوم الأمني على المدى الطويل، نظرًا للنقص المتوقع في القوى البشرية والميزانيات، وفي ظل غياب الشرعية الدولية للاستيلاء على مواقع أمنية ومراكز دائمة في الأراضي اللبنانية والسورية ذات السيادة وفي قطاع غزة. حتى اليوم، يسيطر الجيش الإسرائيلي عمليًا على مساحة تقارب 1220 كيلومترًا مربعًا، ويحتفظ بـ 63 موقعًا في غزة ولبنان وسوريا. وقد تم إنشاء فرقة جديدة (فرقة جلعاد) على الحدود السلمية مع الأردن، ويجري العمل على بناء حاجز وسياج، بهدف منع أي هجوم مفاجئ من قبل الميليشيات الجهادية من الشرق. في سوريا، بالإضافة إلى الدفاع عن مستوطنات مرتفعات الجولان، بادرت هيئة الأركان العامة بقيادة زمير (بموافقة مجلس الوزراء) إلى خلق تهديد حقيقي، وحافظت عليه، مما أحبط (مؤقتًا) خطط أردوغان للسيطرة على سوريا، ويضمن سلامة الدروز في قضاء السويداء.
في الضفة الغربية، نجحت قيادة المنطقة وجهاز الأمن العام (الشاباك) في قمع الإرهاب الفلسطيني إلى مستوى منخفض لم نشهده من قبل. لم تُسجل أي حالة إطلاق نار أو هجوم بالقنابل مميتة، وخمسة تفجيرات بزجاجات مولوتوف، وتفجير سيارة مفخخة واحد، ومحاولتا تفجير بسيارتين مفخختين. لكن إلى جانب هذا الإنجاز، في ساحة يهودا والسامرة، سجل زمير والجيش الإسرائيلي فشلاً ذريعاً وخطيراً في حربهم ضد مثيري الشغب اليهود وعجزهم عن منع أو إزالة المزارع والبؤر الاستيطانية التي يتم إنشاؤها بشكل غير قانوني، ولكن بدعم من الحكومة.
قُتل ثلاثة إسرائيليين في الضفة الغربية هذا العام – ضابط قتالي ومدنيان – خلال ما يسميه الجيش الإسرائيلي “حوادث احتكاك” مع الفلسطينيين. وهي في الواقع هجمات عنيفة يشنها إرهابيون يهود على تجمعات فلسطينية، أو “رحلات” استفزازية يقوم بها يهود إلى هذه التجمعات. ويعجز الجيش الإسرائيلي، صاحب السيادة في الضفة الغربية، عن إنفاذ القانون هناك والوفاء بالتزاماته بموجب القانون الدولي.
يُدار كل هذا ويُوجّه من قبل زمير، وينفذه الجيش الإسرائيلي في ظل أربعة قيود. أولها ضرورة تنفيذ أوامر مجلس الوزراء وسياسة رئيس الوزراء نتنياهو، حتى وإن تعارضت أحيانًا مع اعتبارات الاستخبارات العملياتية أو لم ترق لرئيس الأركان وجزء كبير من جنرالات هيئة الأركان العامة. تعلم زمير، بصفته قائدًا للجيش – وهو مستوى عملياتي – كيفية التصرف ضمن إطار توجيهات المستوى السياسي الذي يُحب أن يُعلن “أنا من أصدر التعليمات” أو “أنا من أمرت الجيش الإسرائيلي”، دون المساس بقيم الجيش أو كفاءته المهنية.
أما القيد الثاني فهو القيود التي يفرضها ترامب وسياساته ومبعوثوه على العمليات الهجومية للجيش الإسرائيلي. ومن الأمثلة البارزة على ذلك اعتراض طائرة هجومية تابعة لسلاح الجو في نهاية معركة الأسد الصاعد. لكن هذه القيود الأمريكية عادةً ما تكون أكثر مرونة، ويتحمل رئيس الأركان – وليس المستوى السياسي – مسؤولية التعامل معها بحزم وحذر، مع مراقبة مستمرة لتوجهات البيت الأبيض المتقلبة، وإدراكه أن المستوى السياسي سيسعد بإلقاء اللوم عليه في أي خطأ. ويُعد التعاون مع الأمريكيين في الدفاع والهجوم، وخاصة مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، غير مسبوق في تاريخ دولة إسرائيل من حيث نطاقه وكثافته وعمقه. وقد أتاح هذا أحيانًا لزمير الحصول على معلومات مسبقة يفضل رئيس الوزراء عدم إطلاعه عليها لأسباب مختلفة، كمسألة المختطفين على سبيل المثال.
أما العائق الثالث فهو النقص الحاد في القوى القتالية، مما يُجبر رئيس الأركان على تجنيد الاحتياط مرارًا وتكرارًا لتنفيذ الدفاع الأمامي ومنع اندلاع انتفاضة في الضفة الغربية.
أما العائق الرابع، وهو عائق تقليدي، فهو العائق المالي. فقد اضطر جميع رؤساء الأركان السابقين إلى خوض غمار صراعٍ تُعلن فيه وزارة المالية “عدم توفر أي موارد”، بينما يدّعي الجيش أنه لن يتمكن من مواجهة تهديدات الغد دون زيادة الميزانية اليوم. وقد اضطر رئيس الأركان زمير إلى التعامل مع واقعٍ يُؤخّر فيه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تحويل الميزانيات التي سبق أن وافق عليها رئيس الوزراء ومجلس الوزراء للجيش. وللإنصاف، تجدر الإشارة إلى أن ميزانية الدفاع اليوم تزيد عن ضعف ميزانيتها في السنوات التي سبقت الحرب. يدرك زمير، بصفته مديرًا عامًا سابقًا لوزارة الدفاع، الصعوبات، لكنه يؤكد أن تغير النظرة الأمنية لدولة إسرائيل، والحاجة إلى الاكتفاء الذاتي في مجال الأسلحة، واحتمالية ظهور تهديدات استراتيجية جديدة، كلها أمور تتطلب بنية تحتية واستعدادات وتجهيزات فورية.
العمليات الصناعية
كثيرًا ما يقول زمير إنه تولى هذا المنصب لأنه رآه مهمة. وهو لا ينتقص من قيمة سلفه، هرتسلي هاليفي، الذي أعلن مسؤوليته علنًا عن دور الجيش في كارثة 7 أكتوبر، ولكنه تمكن من مواصلة العمل وقيادة عملية التعافي السريع للجيش. لكن عندما تولى زمير منصبه، كان الجيش يعاني، بحسب المقربين منه، من “أزمة ثقة متفاقمة” نابعة من الصدمة والشعور بالمسؤولية عن الكارثة. وقد تبادل كبار المسؤولين برتبة لواء وعميد، وبين مختلف المجموعات والفروع داخل الجيش، اللوم فيما بينهم، بل إن بعضهم صرّح علنًا بعدم ثقته برئيس الأركان هرتسي هاليفي. كان زمير مصمماً على إخراج الجيش الإسرائيلي من الأزمة، ووضع لنفسه هدفين رئيسيين: إعادة الرهائن إلى ديارهم، وإعداد الجيش والجبهة الداخلية الإسرائيلية لمواجهة إيران.
عندما تولى زمير منصبه في 5 آذار 2025، كان لا يزال هناك 59 رهينة في قطاع غزة، 24 منهم على قيد الحياة، ولم يكن هناك أي اتفاق مطروح. كانت حماس، رغم الضربة التي تلقتها، لا تزال تعيش حالة من النشوة بعد 7 أكتوبر. كانت العلاقات بين القيادة السياسية والجيش الإسرائيلي على شفا العداء، ويرجع ذلك أساساً إلى أن السياسيين، بقيادة نتنياهو ووزير الدفاع كاتس، بذلوا قصارى جهدهم للتنصل من المسؤولية وإلقائها على عاتق كبار مسؤولي هيئة الأركان العامة وجهاز الأمن العام (الشاباك). في الوقت نفسه، سارع نتنياهو وكاتس إلى نسب كل نجاح عسكري لأنفسهم.
لكن ما أزعج رئيس الأركان الجديد أكثر من أي شيء آخر هو مقتل 42 رهينة أو اغتيالهم أثناء الأسر. وقد سُمع زمير يقول في اجتماع لهيئة الأركان العامة: “معنا، لن يحدث هذا”. استدعى اللواء المتقاعد نيتسان ألون، المسؤول عن إدارة شؤون الرهائن، واللواء المتقاعد بولي موردخاي، الذي كان يساعده، وبناءً على طلبه، قدّما له شرحًا وافيًا لأسباب الحادثة والدروس المستفادة من كل رهينة قُتلت. واليوم، يقول زمير بارتياح: “خلال فترة إدارتي، لم يمت أي رهينة”. ويرى أن الضغط العسكري على حماس هو العامل الرئيسي الذي أدى إلى عودة الرهائن المتبقين، أحياءً وأمواتًا، بموجب اتفاق أكتوبر 2025. وقد صرّح ويتكوف بذلك علنًا بعد إبرام الاتفاق.
وقد نُفّذت الحملات العسكرية في غزة – عزم وحراب، وعربات جدعون، وعربات جدعون 2 – وفقًا لاستراتيجية عملياتية جديدة بقيادة رئيس الأركان زمير. انتقل من شنّ “غارات” على الأحياء والخلايا الميدانية إلى أسلوب عمليات أبطأ يُقلّل من الخطر على المقاتلين في المناطق المبنية، ويمنع حماس من العودة والتمركز في المناطق غير المُطهّرة. وقد أوصلت هذه الاستراتيجية الجيش الإسرائيلي إلى وضع يسيطر فيه حاليًا على نحو 67 في المئة من أراضي قطاع غزة حتى الخط الأصفر، مع 42 موقعًا متقدمًا شرق هذا الخط بقليل، ويخوض حرب استنزاف ضد حماس عبر القصف المكثف والاغتيالات.
قبل تولي زمير منصبه، أطلقت إيران صواريخ على إسرائيل مرتين. وكان الرد عبارة عن عمليات صغيرة ومحددة الأهداف، وهو ما اعتبره زمير تشجيعًا للإيرانيين على مواصلة إلحاق الضرر بإسرائيل. وفي حديث خاص، استذكر زمير أنه عندما تولى منصبه واطلع على خطط الهجوم على إيران، أدرك ضرورة إجراء تغيير جذري: الانتقال من الضربات الجراحية على أهداف محددة إلى “عمليات صناعية” من شأنها تعطيل منظومة الدفاع الجوي في غرب إيران، مما يمنع طائرات القوات الجوية من العمل بحرية لأطول فترة ممكنة؛ ومختلف مكونات البرنامج النووي الإيراني، مع التركيز على العلماء، ومنشآت تطوير الأسلحة النووية نفسها، ومنشآت تخصيب اليورانيوم؛ ومجموعة الصواريخ الباليستية والمسيرات التي تهدد الجبهة المدنية في إسرائيل؛ هذا بالإضافة إلى “تصفية” كبار قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني.
وقد نبعت الحاجة إلى تغيير خطة الهجوم من تطورات التهديد الشامل الذي تشكله إيران، والذي لم يكن الرأي العام الإسرائيلي على دراية به. في عام 2011، نشر المرشد الأعلى علي خامنئي في كتابٍ من تأليفه بعنوان “فلسطين” خطةً لتدمير إسرائيل بحلول عام 2040. عُرفت هذه الخطة أيضًا باسم “عقيدة 2040”. تحدثت الخطة عن زوال إسرائيل ومحوها من الخريطة على مراحل. المرحلة الأولى: حصارٌ واستنزافٌ من قِبل حزب الله وحماس والميليشيات في العراق والحوثيين والسوريين، الذين سيُحاصرون إسرائيل بحلقةٍ من النار. المرحلة الثانية: تدهور الحياة اليهودية في إسرائيل وإثارة الذعر لدفعهم إلى الفرار عائدين إلى بلدانهم الأصلية؛ في المرحلة التالية، ستُنقل الأراضي اليهودية إلى الفلسطينيين؛ وأخيرًا، سيُجرى استفتاءٌ بين الفلسطينيين على إقامة دولةٍ إسلامية بدلًا من دولة إسرائيل. من المهم الإشارة إلى أن ابنه وخليفته، مجتبى خامنئي، أكد مجدداً على الخطة، بل وأعلن أن النظام في طهران ملتزم بتحقيق هدف عدم استمرار وجود إسرائيل بعد عام 2040.
وبحلول عام 2023، كانت إيران قد بلغت عتبة امتلاك السلاح النووي. إذ امتلكت نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب (60 في المئة)، والذي كان من الممكن من خلاله إنتاج نواة لنحو عشرة رؤوس نووية في غضون أسابيع قليلة. لكن ما جعل الهجوم على إيران ملحاً هو أن خامنئي (الأب) اتخذ خطوة كان قد امتنع عن اتخاذها حتى ذلك الحين: فقد سمح لعلمائه بالمضي قدماً في “برنامج الأسلحة” الذي من شأنه تحويل اليورانيوم المخصب إلى أسلحة نووية.
وقد روّج الحرس الثوري لمكون آخر من خطة التدمير: إنتاج آلاف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي يمكن إطلاقها في وابل من عشرات أو حتى مئات الصواريخ. كان من الواضح أن أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية والأمريكية وحلفائها لن تتمكن من مواجهة هذا الكم الهائل من الصواريخ، وبالتأكيد ليس بنسبة نجاح تتجاوز 80 في المئة.
في المرحلة الأولى من عملية الأسد الصاعد، لم يُطرح أي حديث عن مشاركة أمريكية في مهاجمة أهداف في إيران. في البداية، اقتصر تنسيق زمير مع القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، الجنرال مايكل كوريلا، على التحضير للدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وقد أُعجب من شهدوا المحادثات مع الأمريكيين بأن كوريلا لم يكن يعتقد أن الجيش الإسرائيلي قادر على شلّ الدفاعات الجوية الإيرانية، وهو أمر بالغ الأهمية لنجاح العملية.
وكانت هناك مشكلة أخرى تتطلب حلاً: فقد أدركت المؤسسة الأمنية أن الجيش الإسرائيلي والموساد لا يستطيعان تعطيل منشأة تخصيب اليورانيوم الضخمة في فوردو، المحفورة في عمق جبل من الجرانيت، وأن الأمريكيين وحدهم يملكون القدرة على تنفيذ المهمة. لكن زمير كان يعتقد خلال التحضيرات أنه إذا نجحت إسرائيل في شلّ الدفاعات الجوية في غرب إيران، فسيكون هناك احتمال حقيقي لموافقة الأمريكيين على مهاجمة فوردو.
في 12 حزيران 2025، وقبل دقائق من موعد إقلاع الطائرات، طلب زمير الإذن بالتحدث في اجتماع مجلس الوزراء الذي كان من المقرر أن يوافق على العملية. وذكّر الوزراء بـ”خطة الإبادة”، التي بدأت إيران ووكلائها بتنفيذها بالفعل، واختتم كلمته قائلاً: “لن يغفر لنا التاريخ اليهودي إذا فشلنا في هذه العملية”.
والباقي معروف. فقد أسفرت تفجيرات الأسد الصاعد أيضاً عن مقتل عدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية. كما استهدفت إيران 13 عالماً نووياً ومنشآت سرية كانوا يطورون ويجرون فيها تجارب تهدف إلى تطوير إنتاج الأسلحة النووية. عندما رأى الأمريكيون نجاح الضربة – إذ قصفت إسرائيل نطنز، ومنشآت أصفهان، ومنشأة الماء الثقيل في أراك، مُلحقةً أضرارًا جسيمة ببرنامج تخصيب اليورانيوم – قرر ترامب الانضمام إلى العملية، كما توقع زمير. مهّد سلاح الجو الإسرائيلي الطريق أمام القاذفات الأمريكية، التي قصفت بدورها منشأة التخصيب في فوردو، مُعطّلةً إياها لفترة طويلة.
تجدر الإشارة إلى أن حرب الأيام الاثني عشر، أو عملية الاسد الصاعد، لم تُدمر البرنامج النووي أو برنامج الصواريخ، بل أخرتهما بضع سنوات فقط. في الواقع، زال الخطر المباشر المتمثل في قدرة إيران على انتاج قنبلة نووية في غضون أسابيع، وامتلاكها آلاف الصواريخ الباليستية في غضون أشهر. لكن زمير كان يعلم أن إيران لا تزال تشكل خطرًا، وأنها قادرة على استعادة هذه القدرات في وقت قصير.
لذا، كانت عملية زئير الأسد والتعاون الكامل مع الأمريكيين ضروريين لـ”صد” البرامج النووية والصاروخية الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية لفترة طويلة. لتدمير معظم مرافق التطوير والإنتاج للصناعات الدفاعية؛ ولإضعاف النظام والحرس الثوري وقوات الباسيج لحث الشعب الإيراني على الانتفاضة والإطاحة بالنظام.
بعد أن قدمت وكالة الاستخبارات والقوات الجوية نتائج مفصلة وموثقة استخباراتياً لنظام “هدير الأسد”، صرّح زمير قائلاً: “لم تعد إيران دولة على حافة امتلاك السلاح النووي. لقد تراجعنا خمس سنوات عن خطة خامنئي التدميرية”. وأضاف: “لا سابقة لاستخدام قوة بهذه الشدة كما استخدمتها إسرائيل والولايات المتحدة في إيران”.
أثار قرار تصفية القيادة الإيرانية، وعلى رأسها خامنئي، انتقادات واسعة، حيث زُعم أننا مُجبرون الآن على التعامل مع نظام يفتقر إلى سرعة ومنهجية اتخاذ القرارات، ويتسم بتطرف وجمود أكبر بكثير من سابقه. لكن القادة في إسرائيل، بمن فيهم زمير، مقتنعون بضرورة تصفية خامنئي الأكبر، لأنه كان الروح الحية والسلطة الروحية وراء خطة تدمير إسرائيل. لا شك أن مجتبى أكثر تطرفاً وتشدداً من والده، لكنه لا يملك السلطة نفسها ولا القدرة التنفيذية ذاتها. علاوة على ذلك، فإن إعدام القيادة يُسرّع من تحقيق هدف إسقاط النظام في طهران.
العرض التقديمي الأخضر
إن العمل الوثيق والعلاقات الشخصية التي بناها زمير مع الأمريكيين عزيزة جدًا على قلبه. في إحدى مراحل عملية “زئير الأسد”، اتصل قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، بزمير عبر خط هاتفي آمن وأخبره أن الحصار الإيراني لمضيق هرمز يُمثل مشكلة خطيرة. وكان قائد البحرية التابعة للحرس الثوري، علي رضا تنكسيري، هو من أدار هذا الحصار بكفاءة عالية.
سأل كوبر زمير عما إذا كان بالإمكان إيقاف تنكسيري عن العمل. فأخبر نظيره الإسرائيلي أن تنكسيري كان متمركزًا في مبنى شاهق في ميناء بندر عباس، لكن الولايات المتحدة لم تكن ترغب في قصف الميناء بأكمله، بل فقط إحباط تنكسيري تحديدًا. واعترف كوبر خلال المكالمة بأن الإسرائيليين وحدهم يمتلكون القدرات الاستخباراتية والعملياتية اللازمة لتنفيذ هذه المهمة.
بعد أسبوع، اتصل زمير بكوبر وأخبره: “تنكسيري لم يعد بيننا”. حقق صاروخ جو-أرض دقيق، اخترق نافذة مكتبه، أمنية الأدميرال الأمريكي.
باختصار، أسفرت عملية “زئير الأسد” عن مقتل نحو 4530 جنديًا من الحرس الثوري، ونحو 430 جنديًا من الباسيج. وقد تأخر البرنامج النووي الإيراني، في معظم مكوناته، ولا سيما تخصيب اليورانيوم، لسنوات. لكن لا تزال هناك مكونات تمتلك إيران القدرة على تطويرها. على سبيل المثال، يُخبأ نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة في ثلاثة مواقع: في أصفهان، وفي فوردو، وفي منشأة جبلية تحت الأرض قرب نطنز. وتخضع هذه المواقع لمراقبة دقيقة مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، بحيث إذا أراد الإيرانيون استخراج هذا اليورانيوم المخصب وتخصيبه إلى مستوى سلاح نووي – 90 في المئة أو أكثر – فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ستلاحظان ذلك. لكن حتى لو تمكن الإيرانيون من الحصول على كميات اليورانيوم المخصب التي بحوزتهم ومعالجتها، فسيستغرق الأمر منهم عامًا كاملًا لإنتاج أول جهاز نووي.
في الأسد الصاعد، قصفت إسرائيل نحو 100 موقع من مواقع الصناعات العسكرية الإيرانية التي تنتج الصواريخ. وفي زئير الأسد، استُهدفت 2600 موقع ومنشأة إنتاجية أخرى، بما في ذلك منشآت لإنتاج الوقود الصلب. أُطلق نحو ألف طائرة مسيّرة باتجاهنا، لكن لم تخترق أي منها دفاعاتنا.
كان الإيرانيون يطمحون إلى امتلاك 4000 صاروخ بحلول نهاية عام 2026 و8000 صاروخ بحلول عام 2027. ويقول مصدر أمني رفيع مطلع على البيانات: “لن ينجحوا في ذلك”. وتشير التقديرات إلى أن إيران لا تزال تمتلك حوالي 1600 صاروخ باليستي بعد عملية “هدير الأسد”. معظم هذه الصواريخ مخزنة في أنفاق، بعضها لا يزال مغلقًا والبعض الآخر أعيد فتحه. ومن بين حوالي 400 منصة إطلاق، لم يتبق لديهم سوى أقل من 200 منصة. لكن المصدر نفسه يحذر من أنه إذا لم يتم تعطيل هذه المنصات، فسوف يصلون إلى هدفهم المتمثل في امتلاك 4000 صاروخ باليستي في غضون عامين تقريبًا.
وقد أعدت إدارة الاستخبارات نظامًا يدرس بالتفصيل مكونات الأنظمة النووية والصاروخية وأنظمة القيادة والسيطرة والصناعات العسكرية الإيرانية التي تضررت، ومدى الضرر الذي لحق بها. وقد تُرجم هذا النظام إلى عرض تقديمي يغلب عليه اللون الأخضر، ما يعني التدمير الكامل. ومن الواضح تمامًا أن الصناعات العسكرية الإيرانية لم تعد قدرة إسرائيل، أي قدرتها على الإنتاج والتطوير العسكري، كما كانت عليه في السابق. فقد دُمِّرت صناعة البصريات، على سبيل المثال، تدميراً كاملاً، وتضررت صناعات الصلب والبتروكيماويات بشكل كبير. ومع ذلك، يُقرّ زمير بأن الصواريخ الإيرانية لا تزال تُشكّل تهديداً، وقد تُشكّل تهديداً أخطر في المستقبل. لذا، يجب أن يستمر التعامل مع هذه المنطقة، بالتعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة.
معركة مضيق بدر
واصل زمير تطوير المفهوم الأمني الجديد الذي تبلور في الجيش الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، والذي يقوم على مبدأي الدفاع الأمامي على الحدود والوقاية. بعبارة أخرى، في أي حالة يرى فيها الجيش الإسرائيلي تهديداً ناشئاً، كبيراً كان أم صغيراً – سواء في نوايا الأعداء أو في قدراتهم – فإنه يتحرك دون تأخير ودون احتواء التهديد، بل على العكس تماماً: تدميره، إن أمكن، في طور التكوين. ونتيجة لهذه الاستراتيجية، يتواجد الجيش الإسرائيلي حالياً في عمق الأراضي في غزة ولبنان وسوريا. وقد زاد عدد القوات المُخصصة لحماية الحدود بنسبة 300 في المئة عما كان عليه في السابق. كان ذلك في السادس من أكتوبر2023. ففي صباح ذلك اليوم، كان الجيش الإسرائيلي قد انتشر بـ 38 كتيبة على الحدود وفي الضفة الغربية. أما اليوم، فقد بلغ عدد كتائبه 89 كتيبة، منها 39 كتيبة احتياطية.
كما تم تكييف المفهوم العملياتي لحماية الحدود مع المفهوم الأمني الجديد. ففي لبنان، على سبيل المثال، يتولى الجيش مهام الدفاع الأمامي والوقاية والردع. ويتجلى الدفاع الأمامي في المناطق والمواقع الدفاعية التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في مناطق توفر السيطرة على النيران والمراقبة على مسافة تتجاوز مدى الصواريخ المضادة للدبابات. وفي هذه المناطق، يقوم الجيش الإسرائيلي بتدمير المباني والمخابئ والأنفاق التي قد يستخدمها حزب الله في حال عودته إلى المنطقة. أما فيما يتعلق بالوقاية والردع، فيرد الجيش الإسرائيلي بالنيران على أي عمل أو حتى مجرد معلومات عن نشاط عسكري يخطط له حزب الله.
وتُعدّ العملية في مرتفعات علي طاهر حالة فريدة من نوعها. ففي مجمعين ضخمين تحت الأرض، وربما أكثر، حفرهما حزب الله تحت المرتفعات بشكل مشترك مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري، تم تحديد مقر القيادة والإمدادات والقوة النارية الثقيلة لمنطقة العمليات الرئيسية (الموازية لقيادتنا) المواجهة لإسرائيل، “بدر”. لا يُفصح الجيش الإسرائيلي عن تفاصيل المعركة، التي يبدو أنها لم تنتهِ بعد، على الرغم من إعلانه أنه “يسيطر عمليًا” على التلال وجزء على الأقل مما يقع أسفله. من المحتمل أن يكون من بين الإرهابيين الذين لم يتمكنوا من الفرار من المجمعات تحت الأرض وقُتلوا عدد من المستشارين والضباط الإيرانيين. على الأقل هذا ما تدعيه وسائل الإعلام العربية واللبنانية، وحتى وكالة رويترز للأنباء. يحاول حزب الله ترهيب إسرائيل وردعها عن تفجير الأنفاق بالتهديد بتجدد القصف الصاروخي من إيران، وهو تهديد لم يتحقق بعد. على أي حال، من الواضح أن حزب الله وداعميه الإيرانيين ينظرون إلى أنفاق علي طاهر كرمز للوعي، وأصل عسكري استراتيجي، واستثمار ستكون خسارته ضربة عسكرية ومعنوية قاسية لكلا الطرفين.
يدرك زمير أن الحالة النفسية الوطنية قد تغيرت بعد السابع من أكتوبر. ففي اجتماع لهيئة الأركان العامة عُقد قبل نحو أسبوعين، سُمع وهو يقول: “لا يمكننا تحمل هجوم إرهابي واحد”. وأضاف: “لا أريد أن يؤثر الوضع الأمني على ما يحدث خلال الأعياد أو على سير الانتخابات أو نتائجها (…) يجب ألا يتنازل الجيش الإسرائيلي عن أي هدف، وعلينا الرد بسرعة على أي هجوم أو هجوم إرهابي”.
ويقول زمير إنه سيكون من الممكن تخفيف الضغط على قوات الاحتياط، من خلال زيادة انتقائية التجنيد وتسريح وحدات الاحتياط. ففي غزة، على سبيل المثال، تعمل فرقتان حاليًا، إحداهما نظامية والأخرى احتياطية. وبعد الانتخابات، يعتزم زمير سحب فرقة الاحتياط من هناك. كما يعتزم – إذا وافقت القيادة السياسية – تقليص نطاق المناطق والمواقع الأمنية في لبنان لتوفير تكاليف قوات الاحتياط والميزانيات، ولمساعدة الحكومة اللبنانية الحالية في رفع مستوى الوعي لديها بشأن التعامل مع حزب الله. وحينها سيتمكن الجيش الإسرائيلي من الاستعداد الأمثل للمواجهة الحاسمة على الساحة الإيرانية، والتي يُرجح حدوثها.
لكن المفهوم الأمني لا يزال على حاله. يقول زمير: “لا أريد الدفاع من خط الحدود، بل من الجبهة، طالما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية”. بعبارة أخرى: يعمل الجيش الإسرائيلي كحاجز بين المدنيين على الحدود والعدو من داخل أراضيه. ويرى زمير أن حجم الجيش الحالي غير كافٍ لمهمة بهذا الحجم.
أنشأ الجيش الإسرائيلي فرقة أخرى، ولواء دبابات آخر، وأعاد تشكيل وحدات مدرعة، وأنشأ العديد من الوحدات القتالية، وكلها تحتاج إلى قوى بشرية. وهنا نصل إلى مسألة تجنيد الحريديم. هذه إحدى القضايا التي تراقب الحكومة الحالية زمير بشأنها وتعتبره عاملاً معادياً. زمير، الذي أكد في كل مناسبة على مدى حاجة الجيش الإسرائيلي إلى تعزيزات من الجنود خلال الحرب، وخاصة المقاتلين النظاميين، أحبط فعلياً فرصة تمرير قانون التجنيد في الكنيست (الذي يسميه الجيش الإسرائيلي علناً “قانون التهرب”).
لم يكتفِ زمير بالمطالبة بتجنيد الحريديم المؤهلين، بل كرّس جزءًا كبيرًا من وقته وجهده لإعداد هياكل فريدة لهم في الجيش تُمكّنهم من الخدمة والحفاظ على نمط حياة أتباع التوراة؛ الأمر الذي أربك تمامًا موقف السياسيين الحريديم الذين زعموا أن الجيش لا يحتاج إلى الحريديم على الإطلاق ولا يرغب في تجنيدهم.
مع ذلك، وضعت مسألة تجنيد الحريديم والحريم القوميين زمير في موقفٍ مُزدوج. فمن جهة، يُطالب بتجنيد الحريديم ويُهيئ لهم ولطلاب مدارس التسوية (“بينيش”) هياكل مُلائمة لنمط حياتهم (والتي تستبعد النساء في الواقع)، ومن جهة أخرى، يُضطر إلى مُحاربة التطرف الديني في صفوف المقاتلين القادمين من هذه الفئات، مما يُؤدي إلى ظواهر مثل رفض مقاتلي مدرسة جفعاتايم المشاركة في العمليات العسكرية مع مسعفة امراة.
أمر زمير بسجن المقاتلين الذين رفضوا أوامره، لكن هذه لم تكن الحالة الوحيدة. فقد سبقتها قصة الرقعة التي تحمل عبارة “المسيح” والتي أمر زمير بإزالتها من بزات المقاتلين، وقصة الجندي الذي حطم تمثال السيد المسيح في لبنان. وأمر زمير القادة الميدانيين (الذين لم يتفقوا معه جميعًا) بالالتزام الصارم بالانضباط العملياتي، ليس فقط لأن مظاهر التطرف الديني التي سلطت عليها وسائل الإعلام العالمية الضوء كانت تقوض شرعية الجيش الإسرائيلي الدولية، التي كانت تتآكل بالفعل، بل أساسًا لمنع انقسام السلطة في الجيش الإسرائيلي بين القادة والحاخامات المدنيين الذين يستشيرهم المقاتلون المتدينون. وهذا مجرد جانب واحد من جوانب العلاقات بين الجيش والمجتمع التي يسعى زمير جاهدًا لتطبيق مبدأ الدولة فيها، والذي يلتزم به الجيش الإسرائيلي بوصفه جيش الشعب.
الفصل المباشر
أما العلاقات مع المستوى السياسي فهي قصة أخرى بحد ذاتها. عندما عرض وزير الدفاع ورئيس الوزراء على زمير منصب رئيس الأركان، وعدهما بتشكيل لجنة لإعادة النظر في تحقيقات أحداث 7 أكتوبر التي أُجريت في عهد سلفه، هرتسلي هاليفي. حتى عندما كان زمير مديرًا عامًا لوزارة الدفاع، ساورته الشكوك حول جودة بعض تحقيقات الجيش الإسرائيلي، ولذلك أراد تشكيل لجنة تحقيق. ولكن يُمكن أيضًا افتراض أنه كان يعلم أن كاتس مهتم شخصيًا بمثل هذا التحقيق، الذي من شأنه أن يُعزز الادعاء بأن كبار ضباط الجيش، وخاصةً إدارة الاستخبارات العسكرية، هم المسؤولون عن إخفاقات 7 أكتوبر، وليس القيادة السياسية. كما طُلب من زمير ضمان استقالة الضباط القلائل برتبة لواء وعميد الذين بقوا في الجيش بعد 7 أكتوبر، بمن فيهم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هغاري.
إذا كان زمير يعتقد أن هذا سيرضي القيادة السياسية، فقد كان مخطئًا. لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ وزير الدفاع كاتس محاولاته لفرض قراراته بشأن تعيينات وإقالة الضباط برتبة لواء وعميد (مع العلم أن التعيينات في الجيش الإسرائيلي تخضع لسلطة رئيس الأركان، أما بالنسبة للتعيينات العليا، من رتبة عميد فما فوق، فيوصي بها رئيس الأركان ويوافق عليها وزير الدفاع). استغل كاتس هذا الوضع لمحاولة تمرير تعييناته الخاصة، وفعل ما فعله الوزراء الآخرون في الحكومة – تعيين المقربين منهم في مناصب تنفيذية عليا حتى لو لم تكن لديهم المؤهلات المناسبة، فالمهم هو أن يكونوا ملزمين بذلك.
وآخر مثال على ذلك كان إعلان يسرائيل كاتس على القناة 14 أن اللواء دادو بار خليفة، سيكون القائد القادم لقيادة المنطقة الوسطى. كان قائد المنطقة الوسطى الحالي، آفي بالوط، وهو نفسه يرتدي الكيباه وخريج مدرسة عاليه، قوميًا أكثر من اللازم بالنسبة للمتطرفين من المستوطنين، الذين يصوت الكثير منهم في الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود، وكان من شأنه أن يؤثر على مستقبل كاتس السياسي لو لم يُدرج اسمه في القائمة. في الواقع، كان هذا عزلًا صريحًا لقائد عام دون تنسيق مع رئيس الأركان. رأى زمير – الذي قرر بالفعل تعيين بار خليفة في المنصب، ولكن بعد انتهاء ولاية بالوط كما هو مخطط – في ذلك، وبحق، تجاوزًا سافرًا لسلطته، لكنه تجنب ردًا من شأنه أن يضعه في مواجهة علنية وغير مجدية مع سياسي فالت العقال.
يشهد المقربون من زمير بأنه عنيد ولا يساوم على شرفه، ولكنه هادئ الأعصاب ولديه خبرة واسعة في التعامل مع السياسيين المعارضين. لذلك، وبعد ساعات قليلة من تصريح كاتس على القناة 14، أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بياناً نيابة عن رئيس الأركان يفيد بأنه لن تكون هناك تعيينات جديدة في المناصب العليا قبل عام 2027. بعبارة أخرى: لن يكون هناك أي تعيينات.
في اجتماعات هيئة الأركان العامة وغيرها من المحافل، أوضح زمير أنه لن يسمح للقيادة السياسية بتعيين الضباط أو التأثير على التعيينات داخل الجيش، وأن ضباط الجيش الإسرائيلي يعملون في خدمة شعب إسرائيل لا في خدمة حزب الليكود الوسطي.
ومن الأساليب الأخرى التي يستخدمها وزراء اليمين لمهاجمة زمير وكبار ضباط الجيش، الملتزمين بالانضباط العملياتي الصارم ولا يقدمون تنازلات للجنود المتدينين، التمييز على وسائل التواصل الاجتماعي وفي نقاشات مغلقة بين القيادة العليا للجيش، التي يُزعم أنها “يسارية متساهلة”، والمقاتلين في الميدان، الذين يُوصفون بأنهم “أبطال مستعدون للقتال”. وقد تجلى ذلك، على سبيل المثال، عندما طالب وزراء اليمين بعملية سريعة للسيطرة على مدينة غزة وقطاع غزة بأكمله، زاعمين أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتحرير جميع الرهائن – مع أنه كان واضحًا للجميع أن وراء هذا المطلب أجندة سياسية-مسيحانية تهدف إلى تجديد الاستيطان اليهودي في قطاع غزة. عارض زمير، مدعيًا أن هجومًا سريعًا على غزة وضواحيها سيؤدي إلى مقتل معظم الرهائن الناجين، ويكلف أرواح العديد من المقاتلين، وسيحقق الأهداف بلا شك. وقدّم بديلًا عمليًا للضغط العسكري البطيء والمؤلم على حماس، والذي نُفّذ في نهاية المطاف وحقق النتيجة المرجوة. ولم يتوقف وزراء الحكومة عن التلميح لأي صحفي يصغي إليهم بأن رئيس الأركان زمير “ليس حازمًا بما فيه الكفاية”. وعندما طُلب منه الرد على هذا الاتهام، قال زمير: “لن أُخاطر بجندي واحد لتنفيذ عملية عسكرية تخدم أهدافًا سياسية، ولن أوافق على التعيينات السياسية داخل الجيش”.
كما ينتقد تيار يسار الوسط المعارض رئيس الأركان، متهمًا إياه بفقدان السيطرة وعدم القيام بما يلزم لوضع حد للتطهير العرقي، كما يصفونه، الذي يرتكبه متطرفون يهود في أراضي يهودا والسامرة. يرى هؤلاء أن زمير يُسهم في تحركات سياسية غير قانونية وغير أخلاقية، مما يُلحق الضرر بما تبقى لإسرائيل من شرعية سياسية وعسكرية ضئيلة على الساحة الدولية، وبالتالي قد يُؤدي إلى انتفاضة فلسطينية.
وفي أحاديث خاصة، يرد رئيس الأركان على هؤلاء المنتقدين بالإشارة إلى العوامل التي تُقيد عمل الجيش الإسرائيلي وقواته الخاصة، وتمنعه من التعامل بفعالية مع مثيري الشغب والإرهاب اليهودي. ويتمثل العامل الرئيسي في نقص المقاتلين. اليوم، خلال أعياد تشري وعشية الانتخابات، تنتشر 26 كتيبة قتالية في الضفة الغربية، ومهمتها الأساسية هي إحباط الإرهاب الفلسطيني. وهي غير مُدربة على مهام حفظ الأمن. ونتيجة لذلك، فإن وجود الجيش الإسرائيلي في كل مركز من مراكز التوتر المتزايدة غير كافٍ لوقف التدهور العنيف. وعندما يكون جنود الاحتياط الذين “يُسرعون” إلى ساحة المعركة من أعضاء وحدات الدفاع الإقليمية “هغمار”، أي المستوطنين الذين يعيشون في المزارع أو في المجتمعات التي ينتمي إليها المحرضون، فإن الوضع يزداد سوءًا بمجرد وصولهم. وبناءً على أوامر زمير، سُرِّح مؤخرًا معظم جنود الاحتياط العاملين في وحدات “هغمار” في الضفة الغربية، ويتقاضون رواتب مجزية.
إضافةً إلى ذلك، فرضت الحكومة ثلاثة توجيهات صارمة على الجيش الإسرائيلي حدّت بشدة من قدرته على التعامل مع البؤر الاستيطانية والمزارع غير القانونية والمخالفين للقانون. وبموجب الاتفاق الائتلافي، نُقلت صلاحيات الإدارة المدنية في الضفة الغربية إلى الوزير سموتريتش، الذي يشغل أيضًا منصب وزير في وزارة الدفاع، بينما جرّد وزير الدفاع كاتس قيادة المنطقة الوسطى من صلاحية إصدار أوامر اعتقال إدارية بحق الإسرائيليين المخالفين للقانون في الأراضي المحتلة. كما يمنع كاتس وسموتريتش الجيش من تفكيك البؤر الاستيطانية أو المزارع التي أُنشئت دون ترخيص، بحجة أنهم بصدد الحصول على ترخيص حكومي. وهكذا، قيّدت الحكومة فعليًا يد الجيش الإسرائيلي في جميع المسائل المتعلقة بإنفاذ القانون على المواطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة. وقد سُمع زمير مؤخرًا يقول: “إن كان هناك ما يُثير استيائي، فهو هذا الأمر”.
ضغط متصاعد
حذّر زمير، الذي استخلص العبر من تجربة سلفه هرتسي هاليفي المريرة مع نتنياهو (“لم يشدوا اهداب معطفي”)، رئيس الوزراء ومجلس الوزراء مرارًا وتكرارًا، كتابيًا وشفهيًا، من أن فترة أعياد تشري وعشية الانتخابات متفجرة وخطيرة في جميع المجالات تقريبًا، لا سيما الساحة الإيرانية، وساحة يهودا والسامرة، والساحة اللبنانية، وساحة الهجمات الخارجية.
ويكمن الخطر الأكبر في يهودا والسامرة. فالوضع الفلسطيني متوتر بالفعل بسبب ضعف أبو مازن وأجهزته، والوضع الاقتصادي الصعب، وانتخابات السلطة الفلسطينية التي قد تُجرى أو لا تُجرى في تشرين الثاني من هذا العام، وتحريض حماس والجهاد الإسلامي بدعم تركي. لكن الشارع الفلسطيني هذه الأيام يغلي ويهدد بالانفجار، ويعود ذلك أساسًا إلى هجمات مثيري الشغب اليهود، التي أصبحت أكثر تواترًا وعنفًا، والرحلات الاستفزازية التي يقوم بها اليهود إلى القرى، والمزارع والبؤر الاستيطانية التي تُقام أسبوعيًا تقريبًا في المنطقتين (أ) و(ب)، غالبًا على أراضٍ خاصة.
ثلاثة سيناريوهات للتصعيد في الضفة الغربية تُقض مضاجع زمير ليلًا: أولها هجوم فلسطيني دموي بشكل خاص من شأنه أن يُشعل غضب الطرفين ويُسبب اشتباكات عنيفة في جميع أنحاء الضفة الغربية. يُطلق زمير على هذا “الهجوم الاستراتيجي”؛ ثانيها سيناريو “قلب الطاولة” حيث تستخدم قوات الأمن الفلسطينية أسلحتها ضد مثيري الشغب اليهود وضد الجيش الإسرائيلي؛ وثالثها أعمال شغب فلسطينية ستتطور إلى هجمات على المستوطنات والبؤر الاستيطانية اليهودية. من المرجح أن يتطور كل سيناريو من هذه السيناريوهات، أو مزيج منها، إلى انتفاضة كبرى تمتد إلى أراضي دولة إسرائيل. لذا، ينصبّ اهتمام رئيس الأركان اليوم على إعداد الجيش الإسرائيلي لاحتمال اندلاع أعمال عنف مفاجئة في واحد أو أكثر من المناطق المتفجرة، مع التركيز على احتواء أي تصعيد سريع في جبهة يهودا والسامرة.
لم يصرح زمير بذلك صراحةً، لكنه يبدو مقتنعاً بأن الجيش الإسرائيلي تحت قيادته يحقق النتائج المرجوة، وأنه نجح بالفعل في تحسين الوضع الأمني القومي بشكل ملحوظ. ويلمّح الآن إلى أن الوقت قد حان لرجال الدولة، قبل أو بعد الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، لإغلاق بعض جبهات القتال المفتوحة على الأقل، وتحويل النجاحات العملياتية للجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة إلى ترتيبات أمنية مستدامة.
حجم الأضرار التي لحقت بإيران
* من أصل هدفٍ يتمثل في امتلاك 4000 صاروخ باليستي بحلول نهاية عام 2026 و8000 بحلول نهاية عام 2027، لم يتبقَّ لدى الإيرانيين سوى حوالي 1600 صاروخ.
* من أصل حوالي 400 منصة إطلاق، تم تدمير 200 منصة.
* تأخر البرنامج النووي الإيراني لسنوات، لكن لا يزال لديه حوالي 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة.
* في عملية هاري، قُتل حوالي 4530 من الحرس الثوري الإيراني، وحوالي 430 من قوات الباسيج.
* تضرر 2600 موقع ومنشأة إنتاجية تابعة للصناعات الدفاعية الإيرانية.
حجم الأضرار التي لحقت بحزب الله
* تم القضاء على ما بين 7000 و9000 عنصر من حزب الله منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
* خلال عملية هاري، فقدت قوات رضوان حوالي 30 في المئة من عناصرها بين قتيل وجريح.
* تسيطر إسرائيل على أكثر من 7 في المئة من الأراضي اللبنانية. نزوح مئات الآلاف
* استنزاف ما يقارب 60 في المئة من صواريخ كاتيوشا، و80 في المئة من الصواريخ متوسطة المدى، و65 في المئة من الصواريخ بعيدة المدى
حجم الخسائر التي لحقت بحماس
* يسيطر الجيش الإسرائيلي على ما يقارب 67 في المئة من قطاع غزة، ويدير 42 موقعًا متقدمًا
* تم تدمير أو تحييد ما يقارب 80 في المئة من الأنفاق
* استنزاف ما يقارب 98 في المئة من مخزونات أسلحة حماس والفصائل
* استنزاف ما يقارب 50 في المئة من مخزونات أسلحة الكتائب الإقليمية
* تم القضاء على ما يقارب 35 في المئة من عناصر حركة النحبة منذ بداية الحملة.
——————————————
يديعوت احرونوت 15/9/2026
السفارة الاسرائيلية في ايطاليا لم تتمكن من منع عرض فيلم “نازا”
بقلم: ايتمار آيخنر
الآن بات واضحًا: كان هناك قصورٌ في المعلومات: عقد رئيس الأركان إيال زمير، والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، ومديرية الإعلام الوطنية، ووزارة الخارجية، اجتماعاتٍ طارئةً مكثفةً الليلة الماضية حول كيفية التعامل مع الضرر الذي سببه فيلم “أضرار جانبية”، وأصدروا سلسلةً من البيانات الحادة. ومع ذلك، يجب القول بصراحةٍ إن هذا كان تقصيرًا من جانب مختلف محافل الدعاية المختلفة. ربما كان من الصعب منع العرض، لكن كان بإمكانهم بالتأكيد الاستعداد مسبقًا. وحقيقة أن المناقشات في وزارة الخارجية بدأت يوم السبت لا تُخفي تأخر الرد.
فقد عُلم أن السفارة الإسرائيلية في روما حذّرت وزارة الخارجية قبل شهر من مشاركة الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي المرموق. حاولت السفارة استخدام نفوذها عبر أصدقائها ومحاميها لمنع عرض فيلم “أضرار جانبية” بحجة تسجيله في المهرجان بشكل متأخر، وغيرها من الحجج، أو على الأقل لتأجيل عرضه إلى 7 أكتوبر. إلا أن مهرجان البندقية السينمائي رفض جميع الضغوط والطلبات.
سلسلة من الإخفاقات
لكن الإخفاق لم ينتهِ عند هذا الحد. فقد عجزت دولة إسرائيل، رغم كل مساعيها، عن الحصول على نسخة من الفيلم أو نص مكتوب له. في الواقع، لم يطلع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على أبرز ملامح الفيلم إلا بعد حضور الممثلة الثقافية للسفارة الإسرائيلية العرض وتقديمها تقريرًا للمتحدث عما شاهدته. ولإثبات ذلك، طلب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي من المخرجين، يوفال أبراهام وراحيل شور، تزويده بنسخة من الفيلم ليتمكنا من الرد على الادعاءات. وزعم مصدر رفيع المستوى في مجال الدعاية أن طلب من المخرجين الحصول على نسخة من الفيلم كان يهدف إلى فضح حقيقة أن المخرجين اللذين يرغبان في عرض الفيلم في إسرائيل لم يكلفا نفسيهما عناء إرسال نسخة إلى إسرائيل، ولم يطلبا تعليقًا رسميًا، مما يكشف نواياهما الحقيقية.
ولا يزال السؤال مطروحًا: أين كانت أجهزة الدعاية الوطنية، ووزارة الخارجية، ووزارة الثقافة، والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي؟ هذا فيلم من إخراج اثنين من الفائزين بجائزة الأوسكار، يُعرض في أحد أهم مهرجانين سينمائيين في العالم – وقد نُشر البرنامج في نهاية آب، وكذلك موضوع الفيلم. لماذا لم يتدخلوا إلا بعد فوات الأوان؟
ويقول مسؤولون كبار في وزارة الخارجية إنه لم يكن هناك أي احتمال لعرقلة مشاركة الفيلم في المهرجان أو فوزه. قالوا: “إنّ الوسط المعادي لإسرائيل يتربّص بهذه الأحداث. لا حيلة لنا. إنه مهرجان مستقل. هذه قوى أكبر من أن نقاومها، فضلاً عن أن روايته تتطابق مع روايات الشخصيات الثقافية الأوروبية”.
في منظومة الدعاية الوطنية، ناقشت وزارة الخارجية والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الليلة الماضية صياغة حملة إعلامية واسعة النطاق ضد الفيلم. وتقرر تنفيذ الحملة على جميع المنصات، مع التركيز على القنوات الرقمية.
وأكد مسؤولون إعلاميون كبار: “نحن منخرطون بعمق في هذا الحدث. الفكرة هي أنه في الديمقراطية الإسرائيلية، يوجد من يكذبون ويشوّهون الحقائق ويبذلون قصارى جهدهم لخلق صورة مناقضة للواقع. لا وجود لإبادة جماعية في غزة، وكل من يدّعي خلاف ذلك إما كاذب أو جاهل بمعنى الإبادة الجماعية”.
أوضح المسؤولون: “يرتبط نشاط الفيلم بجهود الجيش الإسرائيلي الرامية إلى منع إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالمدنيين، مع إلحاق الضرر بحماس والإرهابيين. إن مفهوم “الأضرار الجانبية” برمته يدور حول كيفية تقليل الضرر إلى أدنى حد، وهو عكس ما تسعى إليه حماس من قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، بمن فيهم النساء وكبار السن والأطفال. وعلى الرغم من كل ذلك، يحاول الجيش الإسرائيلي الحد من الضرر الذي يلحق بالأبرياء قدر الإمكان.
“يحتوي هذا الفيلم على أكاذيب صريحة، مثل الإشارة إلى 500 مدني (حيث زُعم في “أضرار جانبية” أنه خلال القتال في غزة، تمت الموافقة على هدف هجوم كان من المتوقع أن يتسبب في “أضرار جانبية” تُقدر بنحو 500 مدني أبرياء، أ.أ.). وقد نفى الجيش الإسرائيلي هذا الادعاء. طلبنا من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إصدار أكبر عدد ممكن من الردود الرسمية. كما ستنشر وزارة الخارجية محتوىً، وذلك بالتنسيق بين جميع الأطراف.” خلاصة القول، نحن منخرطون بعمق في هذا الحدث، وقد بدأت بالفعل الجهود لدحض الأكاذيب وتفنيدها.
إلى جانب التداعيات الدعائية، سيُلحق الفيلم ضرراً سياسياً بالحكومات الصديقة، وهي قليلة العدد. ستتساءل هذه الحكومات، بعد ثلاث سنوات، عما إذا كان هناك سبيل آخر للتعامل مع مشكلة غزة. قادة هذه الدول يُولون اهتماماً للرأي العام، وبعضهم يتعرض بالفعل لانتقادات اليوم بسبب موقفه من الحرب. سيدفعهم الفيلم إلى حافة الهاوية، لأنه لن يكون من الممكن الآن الحديث عن “وسائل الإعلام المعادية”، بل عن فيلم من إنتاج إسرائيليين، يستند إلى شهادات جنود وضباط.
أضرار زوهار الجانبية
تصدر تصريح وزير الثقافة ميكي زوهار، بأنه سيعمل على سحب الجنسية الإسرائيلية من مُنتجي فيلم (“أضرار جانبية”)، يوفال أبراهام وراحيل شور، عناوين الصحف العالمية ليلة أمس. وقال مسؤولون في الدعاية الإسرائيلية ليلة أمس إن دعوة الوزير زوهار ألحقت ضرراً بالغاً بـ إسرائيل. لم تنفِ أيًا من مزاعم صانعي الفيلم، بل سمحت فقط لمنتقدي إسرائيل بالقول إن الدولة تخشى النقد. ووفقًا للمصادر نفسها، فبدلًا من إضعاف موقف “أضرار جانبية”، حوّل الوزير النقاش بعيدًا عن نقاط ضعف الفيلم، وحقق عكس ذلك تمامًا.
ردّ الوزير قائلًا: “لقد أوضحتُ أن احتمال سحب الجنسية يكمن في حال ثبوت ارتكابهم جريمة الخيانة. أعتقد أن المواد المعروضة في الفيلم تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، وأطلب التحقيق في كيفية الحصول عليها. وهل حركة حماس الإرهابية هي التي جلت هذه الافادات، أم جنود من الجيش الإسرائيلي الذين هم مُمنوعون من إجراء مقابلات لهذا الفيلم؟ وإذا تم تنقاقلها بطريقة غير قانونية بين منظمة إرهابية أو جنود، فهذه خيانة. لم أعتقد أن بسبب رسالتي سيحرمون من الجنسية.”
——————————————
هآرتس 15/9/2026
استفزازات اليمين هي حملة التصويت الافضل
بقلم: جاكي خوري
المجمع الذي أقامه مستوطنون شباب في منطقة مجد الكروم يمكن النظر اليه كقضية محددة تتعلق بتخصيص الأراضي للرعي. يمكن الجدال حول الملكية والرخص والجوانب القانونية. ولكن السياسة لا تمارس فقط على أساس ملفات الأراضي، بل تمارس أيضا بالرموز والصور. فعندما يتجمع الشباب اليهود قرب قرية عربية، بشكل يذكر الناس بشبيبة التلال والمزارع والبؤر الاستيطانية المالوفة لديهم في الضفة الغربية، فان الانطباع ليس “مراعي”. تتمثل الرسالة في ترسيخ الحقائق على الأرض، واستفزاز له أساس أيديولوجي واضح. على مر السنين تم تخصيص أراضي للرعي لمزارعين يهود وعرب حتى في المناطق الموجودة بين المجالس الإقليمية والقرى العربية. واذا كان هذا الامر حصل على المباركة أو التجاهل العلني في السابق، فان الصور والسلوك في مجد الكروم الان تؤجج الوضع.
يأتي هذا التحرك في ظل محاولات استبعاد القوائم العربية عن الترشح للكنيست، ونزع الشرعية المستمر عن ممثلي العرب. يمكن تفسير كل حدث على حدة، قانونيا أو إداريا أو سياسيا، ولكن تراكم الاحداث يرسم صورة مختلفة في المجتمع العربي: صراع على الأرض، التمثيل السياسي والشرعية. يكمن الخطر في ان الضغط من قبل اليمين المتطرف يهدف الى إعادة انتاج صورة عملية “حارس الاسوار”: العرب في الشوارع، المواجهات مع رجال الشرطة، الاحتكاك بين اليهود والعرب ومشاهد “فقدان السيطرة”. يمكن لمثل هذه الصور ان تتحول الى وقود سياسي قوي في غضون ساعات. أيضا سلوك الشرطة مثير للقلق. وكل من تابع انتشار القوات في السنوات الأخيرة اثناء المظاهرات في المجتمع العربي وفعاليات يوم الأرض أو احياء ذكرى احداث أكتوبر، لاحظ استعداد الشرطة للمواجهات. ويشعر المجتمع العربي بان هامش احتواء الاحتجاجات قد تقلص بشكل كبير.
لكن هنا ربما يحدث عكس ما يتوقعه المعنيون بالمواجهات. يدرك رؤساء السلطات وأعضاء الكنيست وجزء كبير من الرأي العام العربي جيدا الشرك المحتمل. وهناك أيضا بالطبع عامل الردع. فالمشاهد التي تاتي من غزة والضفة الغربية وصدمة 7 أكتوبر والحرب لها أثر كبير. ولكن الامر لا يقتصر على الردع فقط، بل هو أيضا استنتاج سياسي واقعي. فالمواجهات في الشوارع لن تخدم المجتمع العربي، لذلك قد يكون الحل مختلف كليا: ليس المواجهات، بل التصويت.
يرى كثيرون في المجتمع الإسرائيلي ان 7 أكتوبر كان نقطة تحول دفعت المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين. ولكن من هم على دراية بالشارع العربي والشارع اليهودي والديناميكية السياسية في السنوات الأخيرة، يعرفون ان القصة بدأت قبل ذلك بكثير. احداث “حارس الاسوار” في أيار 2021، لا سيما المواجهات داخل إسرائيل، شكلت لحظة فارقة في وعي قطاعات واسعة في الجمهور اليهودي.
ترسخت اعمال الشغب في المدن المختلطة – اللد، عكا، يافا، الرملة، بات يم وحيفا – وكذلك في النقب والجليل، في الوعي الجماعي، كتهديد داخلي. اثرت صور العنف المتبادل والشعور بان الحياة المشتركة قد تنهار في غضون ساعات على الخطاب العام. وساهمت في تعزيز النزعة القومية والمطالبة بـ “السيطرة” واتخاذ موقف حازم وسياسة اكثر قسوة تجاه المجتمع العربي – وقد انعكس هذا أيضا في صناديق الاقتراع مع تعزز اليمين المتطرف في إسرائيل. هل يوجد الان بين أعضاء الائتلاف من يعرف ان تجدد الصراع مع الجمهور العربي قد يخدم مصالحهم الانتخابية، وبالتالي، لا يخشون التصعيد، بل ربما يتبنون سياسة تزيد من احتمالية حدوثه؟. لا يوجد دليل على وجود خطة منظمة لاشعال مثل هذا الصراع، لكن عند ربط الخيوط يصعب تجاهل هذا التوجه. ولا تقتصر هذه التوجهات على تصريحات بتسلئيل سموتريتش واوريت ستروك وايتمار بن غفير، بل تشمل أيضا الزيارات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة لوزير الامن القومي الى القرى العربية، التي ينظر اليها كثيرون في المجتمع العربي على انها استعراض للقوة واستفزاز اكثر من كونها محاولة جدية لمكافحة الجريمة. وينطبق نفس الشيء على زيارات عضو الكنيست تسفي سوكوت الى مدارس في طوبا الزنغرية وأم الفحم. يضاف الى ذلك سياسة معلنة لتعزيز الاستيطان اليهودي في النقب والجليل، وتصاعد الخطاب السياسي حول قضية الأرض والفضاء.
في الأسابيع الأخيرة واجهت عائلات في القرى العربية في ارجاء البلاد أوامر هدم ومطالبات اخلاء وغرامات باهظة بسبب البناء أو استخدام أراضي تعتبر غير قانونية أو تعد على أراضي الدولة. من ناحية السلطات الامر يتعلق بانفاذ القانون والحوكمة، أما من ناحية السكان الذين يعيشون في بيوت بنيت منذ عقود ويكتشفون فجأة ان بيوتهم على وشك الاخلاء أو ان عليهم دفع غرامات للدولة تبلغ مئات آلاف الشواقل، فان الشعور مختلف كليا، لا سيما مع تأخير الدولة لسنوات للموافقة على المخططات الرئيسية والتباطؤ في توسيع مناطق البناء في التجمعات العربية بوتيرة تناسب النمو السكاني.
الشعور السائد في المجتمع العربي هو ان الصراع لا يقتصر على الأراضي الزراعية في مجد الكروم، وعلى سقف بيت في النقب أو على امر هدم فقط، بل هو يتعلق بوضع المواطنين العرب في البلاد وقدرتهم على ممارسة تاثير سياسي. في ظل هذا الواقع يصبح صندوق الاقتراع هو الساحة الأكثر فعالية للصراع. قد يجد الذين يحاولون تاجيج الوضع ويخلق صور لـ “حارس الاسوار 2″، انهم في الواقع يديرون افضل حملة انتخابات في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة.
——————————————
هآرتس 15/9/2026
الدول العربية كان يجب عليها ان تتحد ضد ايران
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
مدينة الشاطيء صلالة في جنوب سلطنة عمان كان يمكن ان تستضيف أمس قمة استثنائية. وكان وزراء خارجية الدول الخمس الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (أعلنت البحرين مسبقا عن عدم مشاركتها) والعراق ينوون الالتقاء مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للاطلاع عن كثب على الاتفاق الذي يجري العمل على ابرامه بين عُمان وايران بشان ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، وفهم ما اذا كان يوجد أساس لاتفاق شامل. ولكن الحرب في اليمن وسيطرة الحوثيين على مدينة المخا الساحلية وجزيرة البريم، والهجوم الجوي السعودي على معاقل المتمردين واطلاق الصواريخ والمسيرات على السعودية، كل ذلك أدى الى الغاء القمة.
وتعتبر هذه المبادرة الدبلوماسية استمرارية لاتصالات طهران المتكررة مع جيرانها خلال عدة أسابيع، التي تتجاوز مجرد إيجاد حل للازمة المتفاقمة للملاحة في المضيق وما يترتب عليها من آثار على التجارة العالمية. ولكن الاجتماع الذي لم يعقد بعد يعتبر غير عادي، حيث انبثق من فهم يفيد بان الرئيس الأمريكي ترامب لا ينوي الاسهام في الجهود الدبلوماسية في المستقبل القريب. ان العودة الى مذكرة التفاهم التي تسعى ايران بجهد لتحقيقها غير مطروحة على طاولة البيت الأبيض، وقد أوضحت الولايات المتحدة الان بعبارات واضحة وحادة انها لا تنوي المشاركة في الحرب ضد الحوثيين، حتى وانها لا تهدد بمهاجمتهم. يبدو ان ترامب يرى ان اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقعه مع ايران في آيار 2025 ما زال ساري المفعول. واذا كانت لدى السعودية مشكلة فعليها ان تبادر الى حلها بنفسها.
هنا تكمن المعضلة الدبلوماسية الجديدة. فمن ناحية ترامب لا يوجد الا محور دبلوماسي واحد وهو المحور الإيراني – الأمريكي، أما من ناحية دول الخليج فهناك ثلاثة محاور متوازية مترابطة بالفعل، لكن يمكن ادارتها بشكل منفصل: المحور الإيراني – الأمريكي، الذي من المفروض ان يتناول القضية النووية والعقوبات وبنود أخرى في مذكرة التفاهم العالقة؛ والمحور الإيراني – العُماني الذي يعنى بمناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز؛ والمحور السعودي – الحوثي الذي يتعلق بالحرب في اليمن والسيطرة على مضيق باب المندب. نظريا، يمكن لدول الخليج التوصل الى اتفاقيات مع الإيرانيين بشان البندين الأخيرين، شريطة ان لا يضعف ذلك المحور الإيراني – الأمريكي.
المفاوضات بين الحوثيين والسعودية غير جديدة. فقد استمرت بدون انقطاع حتى تموز الماضي عندما تدهورت الأوضاع على خلفية منع هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء وهبوطها الاضطراري في مطار الحديدة. في اعقاب ذلك فرض الحوثيون الحصار على الملاحة السعودية في البحر الأحمر، وهكذا فقد رسخوا مبدأ “الحصار مقابل الحصار”، والحقوا اضرار بناقلات النفط التي تمر الى السعودية، بل وهاجموا بعد ذلك محطة النفط في مدينة ينبع السعودية. حيث يرتبط أنبوب النفط القادم من شرق البلاد بهذا الموقع، الذي يفترض ان يكون البديل لتصدير النفط عبر مضيق هرمز.
في اليومين الأخيرين شنت السعودية هجمات على قواعد ومنشآت الحوثيين، لكنها ما زالت تمتلك أدوات ضغط لاجراء مفاوضات منفصلة معهم. مع ذلك، سيكون الثمن الان اعلى بكثير مما كان يمكن الاتفاق عليه قبل سيطرة المتمردين في اليمن على المضيق. وقد اكتسب المحور الإيراني – العُماني لادارة الملاحة في مضيق هرمز الشرعية والتماسك في مذكرة التفاهم التي وقع عليها ترامب. وقد تضمنت المذكرة بيان ينص على ان ايران ستتفاوض مع عُمان ودول الخليج الأخرى بشأن ترتيبات الملاحة. المفارقة هي ان المذكرة التي انتهت صلاحيتها بعد اعلان ايران والولايات المتحدة عن تعليقها، ما زالت توفر الأساس المشروع للمفاوضات، والافتراض هو انه اذا توصلت ايران وعُمان الى اتفاق فلن يعترض ترامب طريقهما. ومثلما هي الحال مع المحور السعودي – الحوثي فان مسالة الثمن ستحدد ما اذا كان سيتم التوصل الى حل يرضي دول الخليج ويحقق السلام. فهل ستوافق مثلا، على دفع رسوم العبور واشراف ايران على حركة السفن، لا سيما الاعتراف بسيادة ايران على الجزء الشمالي للمضيق؟.
لكن ما يظهر انه خصخصة للتحركات الدبلوماسية ونقل مسؤولية بعضها الى دول الخليج، يكشف عن الخلاف بين الدول التي كان من المفروض ان تعمل مثل كتلة واحدة انطلاقا من المصالح المشتركة. ورغم ان هجمات ايران لم تسلم منها أي دولة، الا ان كل دولة منها لها موقفها الخاص بشان المسار الأمثل للتعامل مع ايران.
نقف دولة البحرين في احد طرفي المعادلة، حيث تعارض المفاوضات مع ايران بذريعة مخاوف امنية. أيضا تصمم على ضرورة فتح مضيق هرمز بدون “تمييز أو رسوم أو تصاريح”، رافضة فكرة اتفاقيات العبور من الأساس. وقد صرحت وزارة الخارجية في البحرين بان الامن والاستقرار في المنطقة لا يمكن الحفاظ عليهما من خلال اتفاق تعتبره سياسة استرضاء. في غضون ذلك جمدت دولة الامارات، التي تحملت وطأة الهجمات الإيرانية، كل الاتفاقيات التجارية مع ايران. ولكن في يوم الاحد، على هامش قمة “بريكس” في نيودلهي، التقى ولي عهد الامارات، خالد بن محمد بن زايد، مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقام بمصافحته، واعلن ان “الطرفين قررا طي صفحة الخلافات والتطلع الى المستقبل”.
لا يجب ان يثير هذا التصريح أي استغراب. وحتى خلال الهجمات الإيرانية حافظت أبو ظبي على علاقات دبلوماسية وتجارية واسعة مع طهران، الى جانب علاقاتها الجيدة مع إسرائيل، والعلاقات المتوترة التي وصلت الى درجة العداء بينها وبين السعودية. وفي خضم هذا التناقض بين موقف البحرين وموقف الامارات وجدت السعودية، التي تدعم القناة الدبلوماسية مع ايران، نفسها في موقف لا تحسد عليه: كان من المفروض ان يجري ممثلوها محادثات مصالحة مع ايران، في حين تتعرض السعودية للهجوم من الحوثيين – وكلاء ايران.
وكان من المستحيل تجاهل اللهجة الساخرة التي اعلن فيها المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، عن الغاء اللقاء. وأوضح: “يجب علينا ان نتذكر ان هذه المسالة لا تقتصر على ايران ودول الخليج فقط، بل هذه الدول أيضا مطالبة بالحوار، لانه معروف انه توجد خلافات جوهرية بينها. الخلافات التي كانت بحد ذاتها الأساس لمشكلات كثيرة في منطقتنا، بما في ذلك اليمن. لذلك، هذا الحوار ليس حاجة لإيران وحدها أو الدول الموجودة على الشاطيء الجنوبي للخليج الفارسي، بل هي حاجة مشتركة لكل هذه الدول”.
وأشار بقائي بشكل أساسي الى ضرورة ان تحل دول الجوار خلافاتها الداخلية قبل الشروع في التفاوض معها، ولكن الاستنتاج الواسع هو ان طهران، التي كان من المفروض ان توحد صفوف العرب ضدها بهجماتها، تعمق الانقسام بين هذه الدول، وبالتحديد في الوقت الذي تطور فيه القناة الدبلوماسية. وهنا يكمن مكسبها السياسي. فبدلا من مواجهة جبهة خليجية – أمريكية موحدة، تستفيد من نظام قنوات مشتت ومن نزاعات ومن حسابات منفصلة، الامر الذي يسمح لها باستخدام الضغط العسكري وتعزيز الدبلوماسية في نفس الوقت، ليس لانهاء الازمة، بل ادارتها بشروط مناسبة لها اكثر.
——————————————
إسرائيل اليوم 15/9/2026
السعودية محاصرة والطريق الى الخارج يمكن أن تمر بالقدس
بقلم: المقدم احتياط أور هوربيتس
يُعنى أحد المقاطع الشهيرة لفرقة “كفيرت” الغنائية بالاهل الذين يحاولون تشجيع ابنهم فيقول: “تشجع يا ابننا، يمكن للوضع ان يكون أسوأ”. فتشجع الابن، والوضع أصبح بالفعل أسوأ. هكذا، الى هذا الحد او ذاك، تشعر السعودية في الأسابيع الأخيرة، في اعقاب سلسلة صدمات تضع المملكة في احدى لحظات الازمة الأكبر التي عايشتها في السنوات الأخيرة.
فوق كل شيء يصدح الحصار على مسارات تصدير النفط: من الشرق، مضيق هرمز – الذي يمر عبره بالاجمال نحو خُمس النفط العالمي – أصبح ساحة مناكفة مباشرة بين الولايات المتحدة وايران. من الغرب مضيق باب المندب يتعرض لخطر سيطرة الحوثيين، وفي الخلفية، تحذير من أنه لم يعد آمنا لسفن سعودية. في الوسط، احد انابيب النفط الهامة في المملكة تعطل بمسيرات أطلقت من العراق، واغلب الظن من قبل ميليشيا مؤيدة لإيران.
ايران ووكلاؤها يحاصرون عمليا السعودية ويهددون مصدر حياتهم الاقتصادي. وحتى قبل الاحداث الأخيرة هبط تصدير النفط الخام السعودي في آب 2026 الى نحو 3 مليون برميل في اليوم، المستوى الأدنى له منذ 2027 على الأقل.
ليس فقط النفط
لا يتلخص الحصار بسوق الطاقة. في الأشهر الأخيرة تعرضت السعودية لنار مباشرة من ايران ومن الحوثيين، والتي جسدت بالملموس حساسيتها للعدوان الخارجي. في كل ما يتعلق بالرد توجد الرياض في فخ: ايران ووكلاؤها يكشفون نقاط ضعفها ويمسون بمواطنيها وبمنشآت الطاقة لديها؛ بالمقابل، فان ردا سعوديا حادا سيرفع فقط حدة الخطوات المضادة، ومشكوك ان يحسن وضعها. من تحت الطاولة تبحث السعودية عن قنوات تهدئة حيال ايران، وبلا نجاح حاليا.
كما أن السند الأمريكي الذي استثمرت فيه السعودية مئات مليارات الدولارات يخيب الامل. وحسب المنشورات، فقد توجه ولي العهد محمد بن سلمان للرئيس ترامب مرتين على الأقل في الأيام الأخيرة كي يقنعه بالعمل ضد الحوثيين، عبثا.
الان، تلطم الحقيقة وجه المملكة: ليس بوسعها أن تتصدى وحدها للعدوان عليها بل انها لا يمكنها أن تعتمد على الولايات المتحدة لان تفعل هذا بدلا منها.
الى هذا ينضم التآكل في العلاقات بين السعودية واتحاد الامارات، الدولتين الأكثر أهمية في المعسكر العربي المعتدل. فقد تعمق الخلاف بينهما في الأشهر الأخيرة فيما ان هذا يتركز على مستقبل اليمن، الموقف من حركة الاخوان المسلمين والصراع على المكانة والنفوذ. هذه ضربة قاسية للسعودية، التي على مدى السنين قادت مع الامارات الاستراتيجية الإقليمية.
استغلال اللحظة
في العلاقات الدولية، يمكن لازمة دولة ما أن تصبح فرصة لدولة أخرى. بخلاف الولايات المتحدة، لا يمكن لإسرائيل ان تختار مغادرة الشرق الأوسط، وهي تتقاسم مع السعودية أعداء مشتركين. في السنوات الثلاثة الأخيرة اثبتت أيضا قدرة عسكرية استثنائية وتصميما على استخدامها. وبقدر ما يخيب السند الأمريكي الامل وتتآكل الشراكة مع الامارات، تصعد قيمة إسرائيل كشريك محتمل. في وضع السعودية الحالي يحتمل حتى ان تكون مستعدة لان تلين في المسألة الفلسطينية – التي شكلت شرطا مركزيا لكل تقدم نحو علاقات علنية مع إسرائيل – لاجل تعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها.
على إسرائيل أن تستغل اللحظة فتمد اليد شرقا وتعزز على الفور علاقاتها مع السعودية في ظل استخدام قدراتها العسكرية والتكنولوجية المميزة التي بوسعها أن تساعد مباشرة في حماية المملكة.
يمكن لتعميق التعاون الأمني ان يشق الطريق الى تعاون في مجالات أخرى ولاحقا حتى بلا اتفاق سلام – الهدف الذي بدا بعيدا حتى وقت أخير مضى لكن يحتمل أن يكون اصبح في الأسابيع الأخيرة واقعيا اكثر. الان بالذات، حين يشتد الطوق حول السعودية، فانها كيفة بان تكتشف بان الطريق الى خارج الحصار الذي تفرضه ايران وحلفائها تمر بالقدس.
——————————————
هآرتس 15/9/2026
من الأرض الى مارزيل: الاحكام التي شكلت على مر السنين استبعاد الاحزاب
بقلم: عوفر اديرت
في أيلول 1965 نشرت صحيفة “هآرتس” تقرير عن حدث تم تدوينه في كتب التاريخ: تم استبعاد قائمة “الأرض” من الترشح للكنيست، هكذا جاء في الصفحة الأولى. هذا كان اول استبعاد لقائمة مرشحة للكنيست. رفضت اللجنة المركزية للانتخابات للكنيست السادسة الموافقة على القائمة بذريعة انها جمعية غير شرعية، وان مؤسسيها ينكرون سلامة الدولة ومجرد وجودها. وأوضحت “هآرتس” ان رئيس اللجنة القاضي موشيه لنداو، أشار الى ان “الامر لا يتعلق باستبعاد قائمة تسعى الى تغيير الوضع في البلاد، بل بنفي وجود الدولة من حيث المبدأ”.
وكتب القاضي جلعاد هيس في مقال بعنوان “الديمقراطية الدفاعية: حول استبعاد القوائم والمرشحين للكنيست” في العام 2023: “ان مسالة استبعاد قائمة أو مرشح من المشاركة في الانتخابات للكنيست تكمن في صميم النقاشات التي يثيرها النظام الديمقراطي، وتتطلب الموازنة بين المصالح المركزية التي يقدسها هذا النظام”. وفي محاولة للإجابة على سؤال ما الذي يبرر الانتهاك الجسيم لحقوق الانسان والحقوق المدنية الكامن في استبعاد المرشحين والأحزاب؟، عاد الى انتخابات 1933 في المانيا، التي وصل فيها النازيون الى السلطة. يرتبط الجواب التقليدي بالانهيار المأساوي لجمهورية فايمار والرغبة في الحفاظ على وجود الدولة وسلامتها. لذلك، في حالة كون مشاركة حزب أو مرشح في الانتخابات تهدد وجود الدولة نفسها فان استبعاده يعتبر حماية للدولة.
كان الوضع في العام 1965 معقد. فلم يتضمن قانون الأساس: الكنيست أي بند يمنع حزب من المشاركة في الانتخابات بسبب مواقفه. وفي الاستئناف الذي قدمته قائمة “الأرض” الى المحكمة العليا ضد استبعادها، قال محاميها يعقوب ياردور ان “لجنة الانتخابات المركزية لا تملك صلاحية فحص عمائل المرشحين أو التشكيك في مواقفهم السياسية”. وفي قرار الحكم رسخ القضيان اغرانات وزوسمان سابقة تفيد بان إسرائيل لديها “ديمقراطية دفاعية”. وبالتالي، حتى في ظل غياب تفويض صريح في القانون، يمكن استبعاد قائمة من المشاركة في الانتخابات اذا كان هدفها “القضاء على الدولة وارتكاب محرقة بحق اغلبية سكانها الذين أنشئت من اجلها والتحالف مع اعدائها”.
مرت تقريبا 20 سنة قبل ان يتم تحدي النظام من جديد. ففي العام 1984 رغبت قائمتان متناقضتان في الطيف السياسي الترشح للكنيست، قائمة اليمين وقائمة التقدميين من اجل السلام في اليسار. استبعدت لجنة الانتخابات القائمتين استنادا الى سابقة تعود للعام 1965. وقدمت للجنة وثيقة أعدتها عضوة الكنيست شولاميت الوني، تضمنت كاريكاتور من صحيفة نازية، يحذر النساء في المانيا من تدنيس انفسهن. وقدم أيضا معها بيان لحركة كاخ، يحذر النساء في إسرائيل من الدنس من الاتصال مع العرب وغير اليهود. في نهاية المطاف رفضت اللجنة الوثيقة لانها تتبنى مباديء عنصرية ومعادية للديمقراطية “تتناقض مع اعلان استقلال إسرائيل وتدعم علنا اعمال الإرهاب وتسعى الى اثارة الكراهية والعداء بين كل فئات السكان في إسرائيل”. بعد ذلك رفضت اللجنة القائمة التقدمية للسلام، التي زعم ان ممثليها “ينفذون اقوال م.ت.ف”.
وانتقد المعلق يوئيل ماركوس في “هآرتس” رفض الأحزاب، ووصفه بانه “سابقة خطيرة”. رغم الاستياء من كليهما. فقد كتب ان لممثليهما الحق الكامل في قول ما يريدون ومتى وأين والدفاع عن مواقفهم ومعتقداتهم طالما ان افعالهم مشروعة. وبالتاكيد اذا أرادوا عرض مواقفهم على الجمهور للحصول على ثقته، وان ينتخبوا بطريقة شرعية تمنحهم منصة شرعية في الكنيست للتعبير عن انفسهم.
الغت المحكمة العليا قرار عدم الاهلية بان القائمتين لم تسعيا الى انكار وجود الدولة ذاتها. وقرر القضاة انه لا ينبغي توسيع نطاق القاعدة القانونية التي ترسخت في العام 1965، لمنع مشاركة قائمة عنصرية تنكر الطبيعة الديمقراطية لإسرائيل. وكتب القاضي شمغار: “الى جانب خطر إساءة استخدام الديمقراطية من قبل الذين يسعون الى القضاء عليها أو اضعافها، هناك أيضا خطر معاكس يتمثل في انه بدافع الخوف على الديمقراطية ستصبح مبادئها نظرية بحتة، وفي نفس الوقت ستفصل عن معانيها العملية وستفرض قيود على معظم الحريات مسبقا”.
نتيجة لذلك، عدلت الكنيست قانون الأساس: الكنيست من العام 1985 وأضافت بند يجيز للجنة الانتخابات استبعاد الأحزاب التي تشمل أهدافها أو افعالها نفي وجود دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، أو نفي الطابع الديمقراطي للدولة أو التحريض على العنصرية. وفي العام 1988 تقدمت الحركة بطلب للمشاركة في الانتخابات مجددا، الا ان لجنة الانتخابات استبعدتها مرة أخرى. هذه المرة بررت المحكمة القرار وقررت ان سماتها الرئيسية تنكر الطابع الديمقراطي للدولة وتحرض على العنصرية.
في العام 2002 تم تعديل القانون مرة أخرى، واضيف سبب جديد لاستبعاد الأحزاب: دعم الكفاح المسلح الذي تقوم به دولة معادية أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل. إضافة الى ذلك تقرر انه يمكن استبعاد مرشح فرد، وليس مجرد قائمة مرشحين. في 2003، قبل انتخابات الكنيست السادسة عشرة، استبعدت لجنة الانتخابات ترشح احمد الطيبي وعزمي بشارة، ولكن المحكمة العليا نقضت قرار الاستبعاد وسمحت بترشحهما. وفي قرار الحكم قال الرئيس اهارون براك بانه لا بد من تطبيق معايير صارمة لاستبعاد أي قائمة أو مرشح، وكتب: “هذه هي الديمقراطية الدفاعية التي لا تمنع قائمة مرشحين من الترشح للانتخابات فقط بسبب اهداف القائمة، بل تدافع عن نفسها ضد أي اعمال موجهة ضدها”. وفي نفس الوقت أشار الى ان الأدلة على استبعاد أي قائمة أو مرشح يجب ان تكون “مقنعة وواضحة ولا لبس فيها”.
في العام 2015 رفضت المحكمة العليا قرار استبعاد حنين الزعبي من الترشح للكنيست، وقضت بان “التطلع الى إقامة دولة لكل مواطنيها والسعي الى انهاء الاحتلال لا يعني بالضرورة نفي الأسس اليهودية لدولة إسرائيل”. في العام 2019 اصبح عضو الكنيست السابق ميخائيل بن آري اول شخص يتم استبعاد ترشحه للكنيست على أساس فردي، وكتب قضاة المحكمة العليا برئاسة القاضي حيوت: “بن آري يحرض بشكل منهجي على مشاعر الكراهية تجاه الشعب العربي ككل من خلال احتقار متواصل”. أيضا تم استبعاد ترشح باروخ مارزل وبنزي غوفشتاين في تلك السنة لاسباب مماثلة.
في مقال نشر في الشهر الماضي في موقع معهد الديمقراطية الإسرائيلية، خلص الدكتور اوفير حداد والدكتور امير فوكس الى ما يلي: “في كل انتخابات نشاهد لنفس الطقوس السياسية المتكررة في اللجنة المركزية للانتخابات، التي تسعى الى منع القوائم أو المرشحين من المشاركة في العملية الديمقراطية لدوافع سياسية. يتطلب هذا الوضع الاشكالي إعادة النظر في دور اللجنة المركزية للانتخابات حول استبعاد القوائم والمرشحين”.
——————————————-
هآرتس 15/9/2026
“لن نسمح لهم”.. ديمقراطية الكهانيين: يجب شطب العرب
بقلم: أسرة التحرير
حملة انتخابات الكنيست في ذروتها، ومعها طقوس دائمة لطلبات شطب الأحزاب العربية عن التنافس في الانتخابات. كان ممكناً التنبؤ بمصيرها بالقدر ذاته من اليقين الذي نتنبأ بالحر صيفاً: لجنة الانتخابات تشطب (لأن القرار يتخذ بتصويت مندوبي الأحزاب، وهناك أغلبية لكتلة نتنياهو)، ومحكمة العدل العليا تشطب الشطب (لأن الشطب ليس دستورياً). نأمل من محكمة العدل العليا أن تقلب قراراتها رأساً على عقب هذه السنة أيضاً إذا ما شطبت اللجنة قوائم ومرشحين عرباً.
أول من يمتثل لطقوس شطب العرب هو حزب “عظمة يهودية” برئاسة الكهاني بن غفير، الذي تقدم للجنة الانتخابات المركزية بطلب لشطب “الموحدة” ومنصور عباس عن التنافس. بعد بضعة أيام من ذلك، سار الليكود في أعقابه، وأعلن بأنه سيطلب شطب “الموحدة” و”القائمة المشتركة”. “لا مكان في كنيست إسرائيل لمن يمس بجنود الجيش الإسرائيلي ولمن هم غير قادرين على وصف حماس وحزب الله بأنهما تنظيمان إرهابيان”، كما جاء في بيان الليكود. ولمن لم يفهم بعد أن الحديث لا يدور فقط عن أناس يحركهم تفوق يهودي وتطلع لتوسيع نظام الأبرتهايد إلى داخل حدود الخط الأخضر، أضاف الليكود في بيانه أيضاً المصلحة الانتخابية الضيقة: “مؤيدو الإرهاب أولئك هم الشركاء الطبيعيون لغادي آيزنكوت الذي معهم يريد أن يقيم حكومة إلى جانب يائير غولان وليبرمان. لن نسمح بحدوث هذا”. بكلمات أخرى، تحاول كتلة نتنياهو تقليص قوة معارضيها السياسية، ومنعها من أي إمكانية لإقامة حكومة. وكل السبل إلى هناك مشروعة.
حسب المادة 7 أ من القانون الأساس: الكنيست- يمكن شطب أي قائمة أو مرشح إذا كان في أحداثهما أو في أفعالهما ما يرفض وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية؛ وتحريض على العنصرية أو تأييد للكفاح المسلح من دولة عدو أو منظمة إرهاب ضد الدولة. عند قراءة هذه المعايير، وفي ضوء العنصرية والصراع المصمم الذي يخوضه مرشحو الائتلاف ضد قيم إسرائيل الديمقراطية، ها هي المفارقة تصرخ. لكنهم يرون أن الخطر على الديمقراطية ليسوا العنصريين والمناهضين للديمقراطية، بل الأقلية العربية.
جدير بنا في إسرائيل 2026 أن نذكر ما هو مفهوم من تلقاء ذاته: لمواطني إسرائيل العرب الحق في أن ينتخبوا ويُنتخبوا. وأي محاولة لمنعهم من ذلك يعد تقويضاً للنظام الديمقراطي. حان الوقت لأن تتوقف المعارضة أيضاً عن التعاون مع هذا التشويه في فهمهما لنزع الشرعية عن مقاعد العرب. متى ستفهم بأن هذا ليس فقط جزءاً حيوياً من التغيير اللازم لإشفاء إسرائيل وضمان مستقبلها كدولة ديمقراطية – “الموحدة” و”المشتركة” تمثلان خُمس سكان إسرائيل – بل وأيضاً شرط ضروري لتغيير الحكم.
——————————————-
هآرتس 15/9/2026
25 دقيقة من التصفيق ..
بقلم: نفتالي غليكسبرغ
أكتب هذه السطور دون أن أشاهد فيلم «نازا»، هذه ليست الظروف المثالية للكتابة عن فيلم، لذلك لن أكتب مراجعة، بل سأتناول ما يدور حول الفيلم وما دار حول فيلم آخر قبل سنة بالضبط.
في السنة الماضية حظي فيلم «صوت هند رجب» بتصفيق استمر 23 دقيقة في مهرجان البندقية.
في هذا الأسبوع حطم فيلم «نازا» الرقم القياسي، 25 دقيقة تصفيق، وهذه أطول مدة تصفيق في تاريخ المهرجان.
للعام الثاني على التوالي أصبح فيلم عن غزة هو الحدث الأبرز في البندقية.
25 دقيقة من التصفيق ليست مراجعة للفيلم، بل هي مجرد احتفال.
لا يقتصر الأمر على إخبارنا برأي الجمهور بالفيلم، بل يكشف لنا أيضا ما أرادوا التعبير عنه من خلاله.
هذا حق مشروع. من حق الجمهور التفاعل مع الفيلم وموضوعه وموقفه الأخلاقي، لكن لا يجب الخلط بين قوة هذا التفاعل وقوة الأدلة.
وهذا الأمر مهم جداً، هذه السنة. فقد قام أكثر من 200 مخرج سينمائي بالتوقيع على رسالة من منظمة «فينيس 4 فلسطين»، ووصف البرتو باربيرا، المدير الفني للمهرجان، نسخة 2026 بأنها الأكثر سياسية في تاريخه.
لكن النقطة التي تقلقني وبحق تكمن في مكان آخر. يعتمد فيلم «نازا» على 24 شاهداً مجهول الهوية.
أصوات معدلة، وجوه مشوشة، صور ليلية على أسطح بيوت في تل أبيب.
وقد أوضح يوفال أبراهام ورحيل شور هذا الخيار في مقال قاما بنشره في موقع «مكالمة محلية»، وكتبا بصراحة أن قرار منح الحماية السرية لشخص، وفقاً لشهادته، شارك في أعمال خطيرة، «لا يعتبر أمراً بديهياً».
مبررهما جدي، الشهود لا يتحدثون فقط عن أنفسهم، بل يدينون نظاماً بأكمله، ونشر أسمائهم قد يعرضهم للخطر. يمكن فهم القرار، لكن يجب أيضاً توضيح ثمنه.
وأرغب في إضافة شيء آخر، وهو أن أبراهام وشور ليسا صحافيين محايدين يطرحان سؤالاً مفتوحاً.
في المقال نفسه كتبا بصراحة انه كانت هناك «حرب إبادة»، واستخدما مصطلح «الإبادة الجماعية».
هذا هو موقفهما وهما لا يخفيانه. لا حرج في ذلك. فالتوثيق الذي يحمل موقفاً يوجد له تاريخ طويل ومشرف. ولكن عندما يكون الموقف واضحاً مسبقاً ويكون الشهود مجهولين وصاحب النشر هو «الغارديان» البريطانية، التي نشرت التقرير أيضاً، تقل فرصة المشاهدة للتوقف والتحقق. هذا لا يجعل الفيلم مزيفاً، بل يجعل التصفيق أقل وضوحاً.
الشاهد المجهول هو شاهد لا يمكن اختباره بطريقة اختبار الشاهد الذي يلتزم بأقواله. لا يمكن التحقق من هويته أو دوافعه أو السياق الكامل لأقواله، أو ما اختار عدم ذكره.
هذا ليس بالضرورة سبباً لاستبعاد الشهادة. في الصحافة الاستقصائية يعتبر إخفاء الهوية أحيانا حلاً وسطاً ضرورياً، لكنه دائماً حل وسط.
كلما كانت الادعاءات أكثر خطراً زادت الحاجة إلى معرفة أساسها، وكلما كانت إمكانية اختبار الشاهد محدودة زادت مسؤولية من يدلي بشهادته.
في نهاية المطاف يطلب من المشاهد أن يثق. وهنا يبدأ التصفيق لمدة 25 دقيقة بإثارة قلقي.
ليس لأن التصفيق ممنوع، أو لأن صناعة فيلم سياسي ممنوعة، بل لأن هناك فرقاً بين قول: «أتعاطف مع ما يرويه الفيلم» وبين قول: «أعتقد أن هذه القصة قد ثبتت صحتها».
الأول يتعلق بالعاطفة والأخلاق والثاني بمسألة واقعية، والفيلم بحكم بنيته يدعونا إلى الدمج بينهما.
هناك طريقة أخرى سنتعرف عليها هنا. في العام 2003 انطلق يوآف شامير، المخرج الشاب في حينه، في رحلة تصوير استمرت سنتين عند حواجز الجيش الإسرائيلي في رام الله وجنين ونابلس.
بنى فيلم «نقاط التفتيش» دون تعليق صوتي أو مقابلات أو إخفاء للوجوه. جنود وفلسطينيون حقيقيون، بأسمائهم ووجوههم، تم تصويرهم في الوقت الفعلي.
لم يطلب منا شامير تصديق الشهود، بل جعلنا نراهم. فاز الفيلم بالجائزة الأولى في مهرجانات «آي.دي.اف.إي» و»هوت دوكس» وفي سان فرنسيسكو، وتم عرضه في عشرات المهرجانات في أرجاء العالم.
لم تشهد القاعة لحظة دراما واحدة تصدرت العناوين، بل كان هناك تقدير مهني تراكم على مدى سنة كاملة.
أنا لا أقول إن فيلم «نقاط تفتيش» صحيح وفيلم «نازا» خاطئ. لقد صور شامير واقعاً مرئياً، في حين يسعى أبراهام وشور إلى توثيق نظام يعمل من وراء الكواليس، ومن الطبيعي أن يكون تصويره مباشرة أكثر صعوبة.
وينبع اختيارهما للشهادة المحمية من هذا أيضاً، وليس من باب التسهيل فقط.
مر أكثر من عشرين سنة على فيلم «نقاط تفتيش» وما زال ذا صلة.
فقد أصبح الواقع وحشياً أكثر، وتوثيقه أكثر صعوبة، ولكن بسبب ذلك بالتحديد يجب أن يبقى هذا الخيار واضحاً للعيان.
إنه ليس شفافاً وليس بديهياً، ولا يختفي لمجرد أن القاعة وقفت على أرجلها.
توجد مسافة بين الحاجة الحقيقية لتوثيق حرب وبين 25 دقيقة تصفيق لشهادة لا يستطيع المشاهد نفسه التحقق منها. مع ذلك، لا تقاس هذه المسافة بالدقائق.
——————————————
معاريف 15/9/2026
مرمى إسرائيل الثقافي.. بلا حارس!
بقلم: ليلاخ سيغان
ماذا كان سيفعل وزير ثقافة جديّ؟ كان سيعمد على الفور إلى تلبية واجب توثيق 7 تشرين الأول في مجال الثقافة وبلورة خطط مع منح غير مسبوقة لتشجيع الإبداع الإسرائيلي، يمكن أن ينشر في العالم وبكل اللغات، كي يروي حقيقة ما حصل هنا.
ماذا يفعل وزير ثقافة فاشل وشعبوي لم يشجع مثل هذا الإبداع الإسرائيلي على مدى ثلاث سنوات؟
ينطلق ضد منتجين إسرائيليين نالوا شرفا مشكوكا فيه في البندقية على منتجهم المناهض لإسرائيل، وهي الموضة التي تعاظمت جدا في أثناء ولايته، بل يلوح بتهديدات بـ «سحب الجنسية»، والتي يعرف هو أنه لا يمكن تنفيذها.
لنبدأ من الواضح من تلقاء نفسه: منتجا فيلم نازا (وهي كلمة عبرية تعني أضراراً جانبية – المحرر) لا «يتحدون الإجماع الإسرائيلي» بل ينضمون إلى رواية الكراهية المفعمة بالأكاذيب، والتي أنتجت موجة لاسامية لم يشهد لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية.
هم ليسوا «أبطالاً»، بل يذكرون باليهود الذين على مدى التاريخ وقفوا ضد شعبهم، وانضموا إلى الكارهين على أمل أن هكذا ينقذون هم أنفسهم من الكراهية.
كلمة «أبطال» نبقيها لأولئك الذين انطلقوا إلى المعركة في 7 تشرين الأول، وليس لمن انضم إلى النوع الثقافي المزيف لكراهية إسرائيل.
نواصل فنطرح ما ليس واضحا بعد لسبب ما: نحن في حرب معلومات.
في العالم تدور رحى معركة روايات ضروس منذ ثلاث سنوات.
ومنتخب إسرائيل ببساطة لا يوجد على الملعب. أعداؤنا يلعبون أمام مرمى فارغ، مرمى نلوح فيه بأقوال شعبوية بدلاً من أن نعظم بالرواية الإسرائيلية العادلة، والذكية، مثلما كان ينبغي لنا أن نفعل ابتداء من 8 تشرين الأول حتى اشعار آخر.
حان الوقت لنعرف كيف نتصدى لهذه الأمور بمهنية وبحكمة.
لعل التباكي ينتج إعجابات على مواقع التواصل، لكن كانت الحكمة الكبرى أن نقول لمهرجان البندقية الحقيقة: خياركم أن تحملوا على الأكتاف الهامشيين الهاذين من إسرائيل ليس اكثر من لاسامية حديثة.
سيأتي يوم ويعرف فيه الجميع أنكم كنتم جزءاً من صناعة النكران لـ 7 تشرين الأول، تماما مثلما توجد في العالم صناعة نكران المحرقة، وأنتم ستخجلون بخياركم الحقير الذي انضم إلى موجة الكراهية.
والأهم من ذلك هو الطريقة التي ينبغي لنا أن نتصرف بها في هذا المجال كدولة. فهل من الأهم لنا أن نندد بالصوت الحقير المناهض لإسرائيل أم أن نسمو ونثني على الصوت الإسرائيلي الواضح الذي يؤمن به معظم الإسرائيليين؟
بدلا من الاستياء من فيلم «نازا»، تعالوا ننشغل بمبدعين شجعان، أكفاء ودقيقين مثل ليئور راز وآفي يسسخاروف، الذين قدموا لنا «فوضى 5». فهم يسمحون لعدد لا يحصى من الناس الذين علقوا في غياهب التعاطف المناهض لإسرائيل أن يروا ما الذي حصل حقا هنا في 7 تشرين الأول ومع من نتعامل.
«فوضى 5» ينتشر في «نتفلكس»، وهو أكثر شعبية بعشرات الأضعاف من فيلم «توثيقي» ما، يستند إلى إفادات مغفلة بأسلوب «نحطم الصمت».
إذاً، هيا نشجع الإبداع المهم جداً لنا والذي سيمثلنا، وندفع قدماً بـ «فوضى 5» كل منا على موقعه في الشبكات، مع معارفه في الخارج وعلى مجموعاته على الواتس اب.
في هذه اللحظة «فوضى 5» هو رقم 7 في «نتفلكس»، ومهمتنا هي أن نساعده على أن يرتفع إلى رقم 1، وتبدأ سنة خير لنا.
——————————————
عن “N12” 15/9/2026
كسر التكتلات: الخطوة الكبرى التي ستغيّر السياسة في إسرائيل
بقلم: دافنا ليئال
وصلتني معلومة ثمينة في آب 2016: التقى رئيس المعارضة، اسحق هرتسوغ، رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، سراً في فـيلّا خاصة في قيسارية. لم يكن ذلك الاجتماع اعتيادياً لتبادل المعلومات، بل كان جزءاً من اتصالات حساسة لضم هرتسوغ إلى الحكومة.
أثار نشر الخبر عاصفة؛ فزملاء هرتسوغ في حزبه هاجموه بشدة بسبب “التسلل المهين” إلى الحكومة، بينما نفى هرتسوغ بشدة وجود مثل هذه الاتصالات. لم تنضج الخطوة، ولم يدخل هرتسوغ الحكومة، لكن بالنسبة إلى نتنياهو فإن مجرد عقد الاجتماع حقق هدفاً مهماً، إذ أرسل إشارة إلى شركائه في الائتلاف بأن لديهم بديلاً. وكانت الرسالة لحزب “البيت اليهودي”، ولأفيغدور ليبرمان، بسيطة: إذا بالغتُم في الابتزاز فستجدون أنفسكم خارج الحكومة؛ اليوم، يبدو هذا كأنه ضرب من الخيال العلمي.
إن أول ما أتمناه لإسرائيل في سنة 5787 العودة إلى سنة 2016، لكن ليس إلى سياسات تلك الولاية، وبالتأكيد ليس إلى بداية إغماض العينين عن تعاظُم قوة “حماس”، بل إلى السياسة التي يستطيع فيها رئيس الحكومة أن يلعب في الملعب بأكمله.
كسر التكتلات
تنافست الأحزاب الإسرائيلية فيما بينها بشدة، على مدى أعوام، لكن إمكانات التعاون كانت دائماً مطروحة في الخلفية. كان رئيس الحكومة يستطيع التفاوض حتى مع مَن خاض الانتخابات ضده. نتنياهو، إيهود باراك، أرئيل شارون، وإيهود أولمرت، كانوا جميعاً خصوماً سياسيين، لكنهم في الوقت نفسه كانوا شركاء محتمَلين؛ جلس الحريديم مع اليسار، وكان نتنياهو يفضّل أحياناً الوسط على اليمين، وبشكل عام كان كلّ شيء مفتوحاً أمام الاحتمالات.
اختفى هذا الواقع، إذ عمّقت شبكات التواصل الاجتماعي الاستقطاب، وأصبحت الهويات السياسية قبليةً أكثر، بينما حوّلت محاكمة نتنياهو، على مدى أعوام، سؤال “فقط بيبي”، أو “فقط ليس بيبي”، إلى المحور الذي انتظم حوله النظام السياسي بأكمله. وكانت النتيجة سياسة تقوم على تكتلات شبه مغلقة، وعندما لا يجد الشريك الائتلافي بديلاً فيمكن أن يتحول حزب صغير إلى صاحب حق الڤيتو؛ فإذا كان رئيس الحكومة يعلم أنه لا يوجد شركاء آخرون له يمكن الاعتماد عليهم، فإن الشركاء هم الذين يديرون الأمور. وهكذا وصلنا إلى واقع حصل فيه الحريديم وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش على قوة هائلة، مقارنةً بحجمهم، وتمكنوا من وضع خطوط حمراء على القضايا الأكثر حساسيةً في الدولة. وحتى عندما دخل بني غانتس إلى الحكومة، فإنه لم يخلق بديلاً حقيقياً من الشركاء الطبيعيين. وظل البناء القائم على التكتلات على ما هو عليه؛ يجب على إسرائيل أن تخرج من هذا الفخ.
يجب أن يمتلك الحزب الحاكم في الحكومة المقبلة مفاتيح القوة الرئيسة؛ فمَن حصل من الجمهور على المسؤولية عن قيادة الدولة، يجب أن يحصل أيضاً على الأدوات اللازمة للقيام بذلك؛ فالشراكات الائتلافية جزء مهم من الديمقراطية، لكنها لا تستطيع إدارة الحكومة بالتهديد الدائم بتفكيكها.
حالياً، تشير كلّ الدلائل إلى احتمال حدوث جمود سياسي جديد، ومأزق آخر. ربما لن يحصل أيّ طرف، مرةً أُخرى، على أغلبية واضحة. وفي نهاية المطاف، ربما تؤلَّف حكومة، لكن إذا بُنيت، مرةً أُخرى، على المقاطعة المطلقة والاعتماد على شركاء لا بديل منهم، فسنحصل على حكومة هشة أُخرى تنهار بعد فترة قصيرة، أو على حكومة متطرفة ومثيرة للجدل.
يجب أن تكون المهمة الأولى للسياسة الإسرائيلية في السنة الجديدة هي كسر التكتلات، وإعادة الشرعية إلى التوافقات، والمفاوضات، والحكومات الواسعة؛ فالخصم السياسي ليس عدواً دائماً، والتعاون من أجل الدولة ليس خيانة للمعسكر، إذا كان البديل جولة أُخرى مدمِّرة من الانتخابات.
التحقيق في “المجزرة”
إن المهمة الثانية أساسية أكثر: التحقيق فيما حدث في 7 تشرين الأول؛ فبعد ثلاثة أعوام على “المجزرة”، لا تستطيع دولة إسرائيل أن تواصل تجاهُل أكبر فشل في تاريخها؛ الدولة التي ترسل أبناءها إلى الجيش يجب أن تكون قادرة على النظر في عيون الأهالي والتعهد لهم بأنه عندما تقع كارثة بهذا الحجم، سيتم فحصها حتى الجذور؛ ليس المطلوب فحص ما حدث في الليلة التي سبقت الهجوم فقط؛ بل فحص الصورة بأكملها – التصوُّر السياسي والأمني الذي بُنيَ على مدى أعوام، والاستخبارات، وبناء القوة، والاستعداد على الحدود، وتقسيم المسؤوليات بين المستويَين السياسي والعسكري، وعمليات اتخاذ القرارات، والساعات الرهيبة التي انتظر فيها المواطنون الدولة، لكنها لم تصل.
إن التحقيق ليس انتقاماً، وليس أداةً لإسقاط الحكومة، ولا محاكمة ميدانية للقادة، إنه آلية أساسية لدولةٍ تريد أن تتعلم وتضمن ألّا يتكرر الفشل. ومن دون فحص خارجي ومستقل يتمتع بالصلاحيات، لا توجد أيضاً طريقة حقيقية لمعرفة إذا ما كانت التصورات التي قادت إلى 7 تشرين الأول تغيّرت فعلاً.
إن غياب التحقيق له ثمن إضافي؛ إذ تدخل نظريات المؤامرة في الفراغ الذي لا تقدم فيه الدولة إجابات؛ لقد رأيناها مجدداً، هذا الأسبوع، وكلما مرّ الوقت، أصبحت أكثر خطورةً وتعقيداً، وطريقة مواجهتها ليست تغريدة أُخرى أو نفياً آخر، بل بالحقائق.
لا يجب أن يكون تشكيل لجنة تحقيق رسمية انتصاراً لمعسكر على آخر، بل يجب أن تكون انتصاراً للدولة على فشلها هي نفسها.
المساواة في تحمّل العبء
المهمة الثالثة هي إعادة بناء العقد الإسرائيلي بشأن مسألة الخدمة العسكرية؛ فطوال أعوام، كانت قضية التجنيد مجرد بند آخر في المفاوضات الائتلافية، لكن بعد 7 تشرين الأول، لم يعُد في الإمكان أن تكون كذلك. تحتاج إسرائيل إلى مزيد من الجنود؛ وقوات الاحتياط مستنزَفة والعائلات تدفع ثمناً هائلاً. والشباب يوقفون دراستهم ومسيرتهم المهنية وحياتهم الشخصية من أجل الخروج، مراراً وتكراراً، إلى مئات الأيام من الخدمة في الاحتياط. لا يمكن مطالبتهم بمواصلة تحمّل العبء، وفي الوقت نفسه، تكريس إعفاء شامل بالقانون لفئة كاملة من السكان.
لا يجب أن تكون هذه الحرب ضد الحريديم، بل بالعكس، يمكن أن تكون فرصة تاريخية لدمجهم في المجتمع الإسرائيلي من دون مطالبتهم بالتخلّي عن هويتهم. ويجب تطبيق المبدأ نفسه أيضاً على المجتمع العربي. ليس المطلوب من الجميع أن يخدموا في المكان نفسه، وليس على الجميع ارتداء الزي العسكري: خدمة عسكرية لمن يستطيع، وخدمة أمنية، أو مدنية، أو وطنية، للآخرين، لكن يجب أن يكون المبدأ واحداً؛ فإلى جانب الحقوق التي تمنحها المواطَنة، توجد أيضاً مسؤولية تجاه الدولة والمجتمع.
لن يحدث هذا في يوم واحد؛ هناك حاجة إلى أهداف تدريجية ومسارات ملائمة وحوافز، وكذلك عقوبات، لكن يجب البدء بالتحرك.
سيتعين على الأحزاب الحريدية والأحزاب العربية، التي ترغب في أن تكون شريكة في الحكومة المقبلة، أن تدرك أن قواعد اللعبة تغيّرت هنا أيضاً. بعد 7 تشرين الأول هناك فرصة تاريخية لبناء شراكة إسرائيلية جديدة، وإذا أضعنا هذه الفرصة أيضاً، فمن المشكوك فيه أن تسنح فرصة مماثلة مرةً أُخرى.
تحديد قواعد اللعبة
تحوم فوق هذا كله مسألة أعمق: ما هي أصلاً قواعد لعبة الديمقراطية الإسرائيلية؟ على مدى عقود، نجحت إسرائيل في إدارة شؤونها من دون دستور كامل؛ كان هناك قوانين أساس، وأعراف، وتوازنات، وكثير جداً من الأمور التي “لا تُفعل”. وطالما كان هناك قدر كافٍ من الثقة بين المعسكرات، كان النظام يستطيع الصمود؛ لقد كُسرت هذه الثقة.
كشفت الأزمة الدستورية في الأعوام الأخيرة مشكلة أعمق من الخلاف بشأن الإصلاح القضائي؛ ببساطة، نحن لا نتفق على حدود السلطة، فما الذي يحق لأغلبية من 61 عضواً في الكنيست أن تفعله؟ ما هو قانون الأساس، ومَن يحق له تغييره؟ متى يجوز للمحكمة إلغاء قانون؟ هل يستطيع الكنيست تجاوُز قرار الإلغاء، وبأيّ أغلبية؟ كيف يتم تعيين القضاة؟ وما هي القواعد التي لا يجوز للائتلاف تغييرها لمجرد أن لديه أغلبية في الوقت الحالي؟
لا تستطيع الدولة أن تدير خلافاً وجودياً بشأن هذه الأسئلة كلّ مرة تتغيّر فيها الحكومة؛ لذلك يجب على الحكومة المقبلة أن تضع هدفاً وطنياً:
دستور مختصر لإسرائيل.
ليس المطلوب مئات البنود التي تحاول حلّ كلّ خلاف بين اليمين واليسار، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين اليهود والعرب، بل وثيقة محدودة تحدد قواعد اللعبة الأساسية: طبيعة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، والحقوق الأساسية، وصلاحيات السلطات، وفصل السلطات، واستقلال الجهاز القضائي، وآليات التوازن والرقابة، وكذلك قاعدة غير مكتوبة، وهي أن قوانين الأساس ليست شيئاً يتم تغييره كلّ يومين وخميس.
يجب أن يكون في صميم ذلك قانون أساس: التشريع؛ فبعد ما يقارب الثمانية عقود، حان الوقت لتحديد ما هو قانون الأساس، وما الأغلبية المطلوبة لسنّه وتغييره، ومتى، وبأيّ أغلبية تستطيع المحكمة العليا إلغاء قانون، وإذا ما كان هناك شروط يستطيع الكنيست بموجبها تجاوُز قرار الإلغاء. يجب أن تكون الأرقام المطلوبة لإقرار مثل هذه القوانين مرتفعة للغاية؛ فالدولة المنقسمة، مثل إسرائيل، تحتاج إلى أن تُدار على أساس توافُق واسع جداً.
لكن الأمر الأساسي ليس فقط ما سيُكتب، بل أيضاً كيف سيُكتب؛ فالترتيب الذي يُفترض أن يصمد عقوداً، يجب أن يستند إلى توافُق واسع بين الائتلاف والمعارضة.
عام إعادة التشغيل
بعد ثلاثة أعوام على ما حدث في 7 تشرين الأول، لا تحتاج إسرائيل إلى سنة أُخرى من إدارة الأزمة، بل إلى سنة إعادة تشغيل؛ فالتحقيق بشجاعة فيما حدث لنا، وإعادة بناء عقد المساواة في تحمّل العبء، والتوصل أخيراً إلى اتفاق بشأن قواعد اللعبة الديمقراطية، وفوق كل شيء، كسر التكتلات التي جعلت كلّ تسوية تبدو كأنها خيانة، وكل شريك ائتلافي كصاحب حق نقض.
تحتاج إسرائيل إلى حكومة قوية بما يكفي للحكم، وإلى منظومة قوية بما يكفي لتقييدها، وإلى حزب حاكم قادر على القيادة، ومعارضة تكون خصماً، وليس عدواً، وإلى دولة يهودية وديمقراطية تعرف كيف تحمي هويتها، وكذلك حقوق مواطنيها، وإلى مجتمع تكون فيه المساهمة في الدولة مرتبطة أيضاً بالاستعداد لتحمّل المسؤولية تجاهها.
لسنا بحاجة إلى العودة إلى سنة 2016، بل إلى المضيّ قدماً، فما نحتاج إلى استعادته هو شيء واحد فقدناه منذ ذلك الحين: القدرة على اللعب في الملعب بأكمله، والفهم أن الحكم ليس أبدياً.
مَن سيفوز، سيتعين عليه أن يتعامل باحترام مع الخاسر، وأن يتذكر أن عجلة الزمن ربما تنقلب مرةً أُخرى.
——————————————
هآرتس 15/9/2026
الصهيونية وصلت طريقاً مسدوداً
بقلم: دافيد زونشاين
يؤدي هوس المعارضة الإسرائيلية بشخصية نتنياهو إلى عمى سياسي خطير. مراراً وتكراراً، يتوافد الجمهور الليبرالي الصهيوني على صناديق الاقتراع بإيمان شبه ديني بأن إزاحة رئيس الحكومة عن منصبه شرط ضروري ويكفي للبدء في “الإصلاح الجذري”. هذا الشعار “أولاً نستبدل وبعد ذلك نصلح”، يتجاهل جوهر المشكلة، وهو أيضا السبب في انجرار كل النظام نحو اليمين، إلى عوالم فاشية ومسيحانية.
الحقيقة الصعبة التي يرفض معظم المعارضة الاعتراف بها هي أن نتنياهو سيئ جدا بالفعل، لكنه ليس هو مصدر الشر. لن يعالج استبداله المرض، لأن المرض هو الذي أوصله إلى الحكم لفترة طويلة، هو العرض والرمز، وليس سبب المرض. يجسد نتنياهو الرغبات والمخاوف والرؤية الحقيقية لمعظم الشعب اليهودي في إسرائيل. هو لم يفرض نفسه على النظام، بل وجد النظام فيه القائد الأمثل من اجل الحفاظ على أسسه: الحفاظ على السيادة اليهودية مثلما تتجسد في قوانين ومؤسسات وأولويات دولة إسرائيل، وتعميق السيطرة على الفلسطينيين، والامتناع عن أي ترتيب سياسي ديمقراطي يقوم على المساواة.
حدثت الانعطافة التاريخية، التي مهدت الطريق لعهد نتنياهو – خلافا لولايته الوحيدة في أعقاب اغتيال رئيس الحكومة اسحق رابين على الفور – في وقت مبكر في العام 2000. كان إيهود باراك، بعد عودته من قمة كامب ديفيد، هو الذي صاغ المقولة المميتة، “لا يوجد شريك”. بهذا التصريح الحاسم، قام رئيس وزراء من معسكر السلام، إذا صح التعبير، ببساطة بطي آخر ما تبقى من تمييز بين اليمين وما كان يسمى “اليسار” بين اليهود في إسرائيل. من اللحظة التي أعلنت فيها قيادة الوسط – اليسار أن الرؤية السياسية التي طرحها رابين لم تعد قابلة للتطبيق، انهار البرج الأيديولوجي، الذي كان هشاً من البداية.
في تلك اللحظة، فتحت الطريق أمام تشكيل كنيست يميني موحد وله نفوذ. تكاد تكون الفوارق الاقتصادية الحقيقية معدومة بين هذه الأحزاب، أيضا يصعب إيجاد خلافات في القضايا الدينية والاجتماعية، وسط ضبابية الاتفاقات الوطنية الجامدة. منذ “كامب ديفيد” تساوق المشهد السياسي اليهودي كله مع تعريف واحد للأمن والسلطة، وأبقى في الخارج فقط الذين يرفضون قبول قواعد اللعب الصهيونية: أحزاب يصوت لها على الأغلب المواطنون العرب في إسرائيل، إلى جانب عدد محدود جدا من المواطنين اليهود. الأحزاب التي كانت القضية الفلسطينية والسياسية على رأس سلم أولوياتها قلصت من شأن هذه القضية بالقول، “هذا ليس الوقت المناسب”، “من الواضح للجميع انه لا يوجد أي احتمالية لذلك”.
على هذه الأرضية الخصبة، برز من يعدون، اليوم، بالبديل. رؤساء قادة المعارضة، بدءا بيائير لابيد وبني غانتس مرورا بنفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان وانتهاء بغادي آيزنكوت، لا يمثلون رؤية مخالفة لرؤية نتنياهو، بل هم استمرارية طبيعية للنظام السياسي والثقافي الذي قاده لأكثر من جيل. لم تكن شراكتهم التاريخية معه فقط عثرات مؤقتة أو تنازلات قسرية. فقد سارع باراك إلى الانضمام لنتنياهو في 2009 وزيراً للدفاع، وشغل لابيد منصب وزير المالية في 2013، وأعلن انه لا يعارض المستوطنات، ودخل غانتس وآيزنكوت دائما إلى إطار “التدخل الطارئ” من اجل ترسيخ حكمه وإدارة الاحتلال والفصل العنصري معه، وكانا شريكين كاملين في سياسة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
لقد شعروا بالراحة في حكوماته، لأنهم شاركوا الرؤية الراسخة ذاتها التي صاغها باراك في العام 2000، وهي إدارة الصراع بالقوة وتعميق امتيازات اليهود وتجنب أي رؤية ديمقراطية حقيقية. بهذا المعنى مثلوا التيار الصهيوني السائد في إسرائيل، باستثناء بداية تحول في المسار، الذي تبين بعد ذلك انه مؤقت في أعقاب اتفاق أوسلو: استمرار اضطهاد الفلسطينيين.
عندما تتوج المعارضة، اليوم، هؤلاء الأشخاص منقذين، فإنها تمارس طمسا تاريخيا وأيديولوجيا. هي لا تعرف انه من المستحيل مواجهة نتنياهو بنسخة مخففة منه. إن اختيار الانضمام إليه فقط من اجل تحقيق “ضبط النفس التكتيكي” أو “كسب الوقت” هو اعتراف بالهزيمة الأيديولوجية، وهو يضمن انه حتى لو تم استبدال نتنياهو نفسه، فإن النظام الذي قام عليه سيبقى على حاله، وسيستمر هذا النظام في التطرف إلى حين انجاب ورثة اكثر تطرفا وظلامية.
إن التصويت الاستراتيجي الحقيقي لا يعتبر تصويتا بـ”أمل ضئيل” بالعودة النظام القديم المعيب. لن يبدأ التصحيح في اليوم التالي لنتنياهو. لأنه دون تغيير جذري في المنظور، سيبدو اليوم التالي بالضبط مثل اليوم الذي سبقه. إن أي شخص غير مستعد لاستيعاب أن النظام الصهيوني الكلاسيكي وصل إلى طريق مسدود، وانه يجب تغييره من جذوره، وان يصبح ديمقراطية حقيقية تقوم على إنهاء الاستعمار والمشاركة الكاملة، فإنه يحكم على نفسه بالعيش في حلقة مفرغة من جولات الانتخابات والحكومات الانتقالية المؤقتة التي تصطدم بالواقع، وفي النهاية الاستسلام الكامل لنسخة اليمين الأكثر ظلامية.
—————-انتهت النشرة—————–

