المسار : في آخر مؤتمر صحافي للأمين العام للأمم المتحدة، قبيل افتتاح أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى للجمعية العامة في دورتها الحادية والثمانين، ركز أنطونيو غوتيريش في ملاحظاته الافتتاحية، الأربعاء، على مستقبل المنظمة والعالم بدل النظر إلى الوراء.
وقال إن زعماء العالم سيجتمعون في الأمم المتحدة في عصر من عدم اليقين العميق. السلطة تتغير. العالم يتغير. ويجب أن تتغير مؤسساتنا معه. الأمم المتحدة ليست مجرد منصة، بل هي وعد. لذا فإن رسالتي للقادة تكمن في هذا: التزموا بوعودكم. وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. كونوا صادقين مع القيم التي تعهدتم بالدفاع عنها. دافعوا عن القانون الدولي. احمِوا حقوق الإنسان. استثمروا في التنمية المستدامة والشامل.. ادفعوا نحو السلام. الآن أكثر من أي وقت مضى”.
وحول الأوضاع في الشرق الأوسط، دعا غوتيريش إلى أن تكون الأولية الأولى والثانية والثالثة هي التهدئة.
وقال: “يجب على جميع الأطراف وقف أي أعمال تضر بالمدنيين وضمان تمكن العمليات الإنسانية من الاستمرار بأمان وبدون عوائق. يجب استعادة واحترام حقوق وحريات الملاحة في وحول مضيق هرمز ومضيق باب المندب بالكامل من قبل الجميع، وفقًا للقانون الدولي. الطريق الوحيد للمضي قدمًا هو التهدئة والدبلوماسية والحوار”.
وأضاف: “في ظل الاضطرابات في الشرق الأوسط، يجب ألا ننسى أبدًا المعاناة الشديدة للشعب الفلسطيني – سواء في غزة أو الضفة الغربية. يجب تنفيذ خطة السلام لغزة بالكامل”.
وأكد الأمين العام، في ملاحظاته الافتتاحية، أنه “يجب وقف زحف الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، ووقف استهداف المدنيين في غزة، والسماح للمساعدات الإنسانية بالتدفق إلى القطاع دون قيود”.
وفي ما يتعلق بالحرب في السودان، سُئل الأمين العام عن مسؤولية الدول التي تزود الأطراف المتحاربة بالسلاح والدعم، وما إذا كان ينبغي أن تواجه عواقب بسبب استمرار تدفق الأسلحة التي تساهم في إطالة أمد حرب أفرزت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ووصف غوتيريش الوضع الإنساني في السودان بأنه “مدمر”، مؤكداً أن مستوى معاناة الشعب السوداني “لا يُحتمل”.
وأشار إلى مسؤولية الأطراف السودانية المنخرطة في القتال، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحرب “تُغذّى” أيضاً من جانب عدد من الدول من الخارج. وقال إن هذه المسألة جرى تحليلها من قبل فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن، وإن استنتاجاته واضحة، مضيفاً أنه يرى ضرورة وجود مساءلة عن هذا النوع من التدخل عندما تقدم دول أسلحة إلى أطراف في نزاع وتُستخدم تلك الأسلحة على نطاق واسع ضد المدنيين.
وفي سؤال آخر، طُلب من غوتيريش أن يتوجه مباشرة إلى الأشخاص الذين لم تتمكن الأمم المتحدة من وقف معاناتهم، والذين كانوا يعقدون آمالاً على المنظمة، من غزة ولبنان إلى السودان، وسُئل عما إذا كان يشعر بأنه مدين لهم باعتذار.
وقال غوتيريش إنه لا يرى المسألة باعتبارها مسؤولية شخصية عما يحدث لهؤلاء، مشيراً إلى أنه ظل بصورة متواصلة يدافع عن حقوقهم. لكنه قال إن هناك، “نيابة عن المجتمع الدولي”، اعتذاراً ينبغي التعبير عنه، لأن المجتمع الدولي كان في مناسبات كثيرة غير مبالٍ بمعاناة هؤلاء الناس، واصفاً ذلك بأنه أمر “لا يُحتمل”.
وأكد أن الأزمات المتعددة لا ينبغي أن تؤدي إلى نسيان القضية الفلسطينية، مشدداً على أن موقف الأمم المتحدة واضح: “لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط من دون حل للأزمة الفلسطينية-الإسرائيلية”، كما أنه “لن يكون هناك سلام في قلب أفريقيا” ما لم تتم تسوية الأزمة السودانية.
وحول أوكرانيا، دعا الأمين العام إلى وقف إطلاق النار فورًا كخطوة أولى نحو سلام عادل ودائم وشامل – بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وحول التهديدات المستجدة، تحدث غوتيريش عن المخاوف المتزايدة بشأن تقدم الذكاء الاصطناعي. وقال إن “للذكاء الاصطناعي إمكانات هائلة – لتسريع التنمية المستدامة، وتحسين التعليم، وتقوية الأنظمة الصحية، وزيادة القدرة على التكيف مع المناخ، لكن يجب وضع ضوابط. لا يمكننا التغاضي عن المخاوف التي أُثيرت. يجب على الحكومات أن تتحمل مسؤولياتها”.
وأوضح أن “المسؤولية الأولى لأي حكومة هي حماية مواطنيها – بما في ذلك من تهديدات الذكاء الاصطناعي. العمل الوطني ضروري، لكن التنسيق العالمي لا غنى عنه. لأن الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند الحدود. نحن بحاجة إلى فهم مشترك حول كيفية تعزيز تطوير الذكاء الاصطناعي بأمان وأمانة ومسؤولية – مع تحديد متى قد تتطلب الأنظمة الأكثر قوة تدابير حماية أقوى أو إجراءات إضافية لإدارة المخاطر المحتملة. وهذا يحتاج إلى تعاون دولي حقيقي وجهد عالمي منسق”.
وأكد غوتيريش على أنه “يجب وضع الكرامة الإنسانية في المقام الأول. سيكون لي المزيد لأقوله عن كل هذا في كلمتي أمام الجمعية العامة الأسبوع المقبل. في وقت يواجه فيه العالم ثلاث تهديدات وجودية – الذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة، أزمة المناخ، والتفاقم غير المقبول لللامساواة – التعاون الدولي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى”.

