المسار : يأتي موسم الزيتون هذا العام، والفلسطينيون يعيشون واحدة من أصعب مراحل تاريخهم الحديث. موسم يفترض أن يكون موسم الخير والبركة والفرح، فإذا به يأتي محمّلاً بالخوف على الأرض والشجرة والإنسان والمحصول.
فالزيتون في فلسطين ليس مجرد محصول زراعي، وليس شجرة تزرع ثم ننتظر ثمرها في نهاية الموسم. الزيتون حكاية وطن، وذاكرة شعب، وهوية أرض، ومصدر رزق لآلاف الأسر الفلسطينية.
إنها الشجرة التي باركها الله، والتي ارتبط اسمها بالقرآن الكريم، وجاء القسم بها في قوله تعالى: «والتين والزيتون، وطور سينين». وهي شجرة عرفها الفلسطينيون منذ آلاف السنين، وعاشوا معها وتحت ظلالها، وغرسوها بأيديهم، وحافظوا عليها جيلاً بعد جيل.
ولطالما قلت: تخيلوا فلسطين من دون أشجار الزيتون.
إن مجرد تخيل هذا المشهد يدعو إلى القلق. ماذا يبقى من جبال فلسطين وسهولها وريفها إذا اختفت أشجار الزيتون؟ وماذا يبقى من اقتصاد آلاف الأسر التي تعتمد على هذا المحصول؟ وماذا يبقى من الذاكرة التي تختزنها هذه الأشجار؟
فالزيتون بالنسبة للفلسطينيين هو «الذهب الأخضر». وفي المواسم الجيدة تنتج فلسطين عشرات آلاف الأطنان من زيت الزيتون، ويصل الإنتاج إلى نحو 46 ألف طن من الزيت، وهو إنتاج يشكل رافعة مهمة للاقتصاد الزراعي الفلسطيني.
شجرة ينتظرها الفلاح عاماً بعد عام
الفلاح الفلسطيني لا ينتظر موسم الزيتون كما ينتظر أي موسم زراعي آخر. إنه ينتظره بقلبه وذاكرته وتعبه.
قد يمر عام ضعيف الحمل، فينتظر عاماً آخر. وقد تنتظر العائلة موسمين حتى يعود الخير إلى أشجارها. ولهذا ارتبط الزيتون في الوجدان الشعبي الفلسطيني بالصبر والأمل والرزق.
والفلاح يعرف شجرته شجرة شجرة. يعرف متى تحتاج إلى تقليم، ومتى تحتاج إلى حراثة، ومتى تبدأ الثمرة بالتشكل، وكيف سيكون حملها.
بل إن علاقة الفلسطيني بالزيتونة وصلت إلى حد أنه «يكلمها»، ويعتني بها كما يعتني بأحد أفراد أسرته.
وهذا ليس غريباً؛ فهذه الشجرة قد تكون زرعها الجد، وحصد ثمرها الأب، ويأتي الابن اليوم ليواصل العناية بها.
أمثال الفلاح تختزن علم أجيال
حتى الأمثال الشعبية الفلسطينية المتعلقة بالزيتون والمطر ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي خلاصة خبرة زراعية تراكمت عبر أجيال.
ومن بينها القول:
«سيل الزيتون من سيل كانون، إن أظهر بآذار جهزوا الجرار، وإن أظهر بشباط حضروا الأبطال».
هكذا كان الفلاح يراقب السماء والمطر وحالة الأشجار، ويقرأ الموسم قبل أن يبدأ، ويستعد للخير القادم.
وهذا العام، جاءت الأمطار بصورة جيدة، فاستبشر المزارعون بموسم أفضل، وبدأت الأشجار تحمل ثمارها، وبدأت العائلات تستعد للقطاف والمعاصر.
لكن فرحة المزارع الفلسطيني لا تكتمل.
ففي الجهة الأخرى، هناك الاحتلال وجرافاته.
حين تصبح الجرافة عدواً للزيتونة
ما الذي يمكن أن يفعله الاحتلال بشجرة زيتون عمرها عشرات أو مئات السنين؟
يمكنه أن يقتلعها في دقائق.
يمكن لجرافة أن تهدم في ساعة ما احتاجت إليه عائلة فلسطينية لأجيال حتى تحافظ عليه.
وهنا تكمن الجريمة الحقيقية.
فالاحتلال حين يقتلع الزيتون لا يدمر محصول سنة واحدة فقط، بل يدمر سنوات من العمل، وذاكرة عائلة، ومصدراً للرزق، وجزءاً من البيئة الفلسطينية.
والأخطر من ذلك أن استهداف الزيتون يضرب علاقة الفلسطيني بأرضه؛ فالشجرة التي ارتبطت بالأرض تصبح هدفاً لأنها تثبت أن هناك إنساناً هنا، وأن هناك عائلة زرعت وحصدت وعاشت وحافظت على هذه الأرض.
ماذا لو أصبحت فلسطين بلا زيتون؟
هذا السؤال يجب ألا يكون مجرد عنوان أدبي.
ماذا لو أصبحت فلسطين بلا زيتون؟
سنفقد جزءاً كبيراً من اقتصادنا الزراعي، وسنفقد تنوعنا البيئي، وسنفقد مشهداً ارتبط بفلسطين في وجدان العالم.
سنفقد أشجاراً كانت شاهدة على ولادات ووفاة وأعراس وأعياد ومواسم قطاف، وشاهدة على الفلاح الفلسطيني وهو يحمل سلته أو عصاه أو أدواته، ويعود في نهاية اليوم متعباً، لكنه سعيد بما أعطته الأرض.
والأخطر أننا قد نخسر أشجاراً لا يمكن تعويضها في سنوات قليلة.
فالزيتونة ليست كأي محصول يمكن زراعته اليوم وحصاده غداً. إنها تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تصبح شجرة منتجة، وقد تحتاج إلى عقود حتى تصبح جزءاً من المشهد الزراعي والبيئي والتاريخي للمكان.
موسم الخير في مهب الريح
اليوم، بينما يستعد الفلسطينيون لموسم القطاف، تبدو الصورة مؤلمة.
حبات الزيتون التي امتلأت بها الأغصان بعد أشهر من الانتظار أصبحت في بعض المناطق في مهب الريح، وفي مهب غبار الجرافات.
المزارع الذي كان يحلم بأن يملأ جراره بالزيت، أصبح يخشى أن يصل إلى أرضه أصلاً.
والعائلة التي كانت تنتظر موسم الزيتون لتسديد بعض ديونها أو تأمين احتياجات أبنائها، قد تجد نفسها أمام أشجار مقتلعة وأرض مدمرة.
لهذا فإن حماية الزيتون ليست مسؤولية المزارع وحده.
إنها مسؤولية وطنية وبيئية واقتصادية وثقافية.
علينا أن نوثق كل شجرة تُقتلع، وكل أرض تُجرف، وكل موسم يُحرم منه المزارع. وعلينا أن ننظر إلى شجرة الزيتون باعتبارها جزءاً من الأمن الغذائي والاقتصادي والبيئي الفلسطيني.
الزيتونة ستبقى شاهدة
قد يقتلع الاحتلال شجرة.
وقد يدمر حقلاً.
وقد يجرف أرضاً.
لكن من الصعب أن يقتلع الزيتون من ذاكرة الفلسطيني.
فالزيتون ليس جذراً في الأرض فقط؛ إنه جذر في الذاكرة.
وكل زيتونة اقتلعت، ستبقى شاهدة على أن هنا كان مزارع فلسطيني، وهنا كانت أرض، وهنا كان بيت وعائلة وحياة.
ولهذا أرى أن موسم الزيتون هذا العام يجب ألا يكون مجرد موسم للقطاف والعصر والتخزين، بل يجب أن يكون أيضاً موسم دفاع عن الأرض والشجرة.
فإذا كانت شجرة الزيتون هي ذهبنا الأخضر، فإن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من فلسطين نفسها.
فلنحمِ الزيتون، ولنحافظ على أرضنا، ولنزرع المزيد.
لأن المعركة ليست على ثمر الزيتون وحده؛
المعركة على الشجرة، والشجرة على الأرض، والأر

