جماهيرنا تذهب لانتخاب ممثليها أمام الدولة وليس في مؤسسات الدولة

المسار : أيام معدودة على موعد الانتخابات الإسرائيلية، ولا يوجد في الأفق ما يبشر أو ينذر بحسم المعركة لأي من المعسكرين المتنافسين، في ضوء تكرّس إجماع إسرائيلي على عدم شرعية أصوات العرب، التي تشكّل وفق الاستطلاعات الأخيرة 14-15 مقعدًا، وإخراجها من اللعبة السياسية، ما يضعف من فرص إحداث انقلاب في الواقع السياسي الإسرائيلي.

من جهتنا، إذا ما سلّمنا بواقع أن هناك أغلبية بين جماهيرنا تشارك في الانتخابات الإسرائيلية، فمن الجدير التأكيد أن مفهوم المشاركة بالنسبة لنا كجماعة، تعتبر البقية الباقية من شعب هُجّر من أرضه التي أقام عليها المشروع الاستعماري الصهيوني دولته عام 1948، ينحصر وفق تعريفنا المتعارف عليه، بمسألة انتخاب ممثلينا أمام الدولة وليس ممثلينا في الدولة أسوة بباقي القطاعات.

وهذا التعريف المشتق من طبيعة هذه الدولة وواقعها المتجدد، تتأكد صحته مع كل بند أو تعديل قانوني جديد يؤكد يهودية الدولة، ومع كل عملية شطب حزب أو مرشح عربي فلسطيني، ومع كل تصريح ينطلق من صفوف اليمين أو اليسار الصهيوني، بعدم شرعية الصوت العربي -حتى لو كان مذنبًا- للأحزاب الصهيونية.

ومن الجدير التذكير أن حكومة رابين “اليسارية” كانت قد رفضت، في حينه، طلب عبد الوهاب دراوشة بتعيين وزير عربي من حزب العمل، وليس من الحزب العربي الديمقراطي، في إطار صفقة الكتلة المانعة عام 1992، لذلك لا نستغرب أن تُقابل مظاهر الاستجداء والخنوع والانبطاح السياسي لمنصور عباس، من قبل “المستقتلين” على إسقاط حكومة نتنياهو، بالإمعان في الصد والنفور الذي يصل حد “التقزز”، رغم أن الأخير كان قد تجاوز امتحان الطاعة والولاء السياسي بانضمامه لائتلاف حكومة بينيت-لبيد، ولم يشكّل وجوده حجر عثرة أمام تنفيذ سياساتها الاستيطانية والعنصرية والعدوانية تجاه شعبنا في كل مكان.

نحن نذهب، إذا ما فعلنا ذلك، لنمثّل جماهير شعبنا ونطرح قضاياها أمام برلمان الدولة التي تعتدي على هذه الحقوق وتصادرها، مثلما فعلت العديد من طلائع الشعوب المستعمرة والأقليات القومية الأصيلة في أنحاء مختلفة من العالم، والتي خاضت انتخابات برلمان المستعمر كوسيلة لإعلاء صوت شعوبها وجماهيرها ودفاعًا عن حقوقها، دون أن تجعل من هذه المنصة وسيلة دفاعها الوحيدة.

عملية بلورة هذا المفهوم وتثبيته استغرقت سنوات طويلة من العمل والنضال السياسي، نقلت جماهيرنا من الوصاية لأحزاب السلطة، وفي مقدمتها حزب “مباي” الحاكم عبر قوائم عربية تابعة، ومن نسبة تصويت 90% تحت ضغط سياط القمع والترهيب في الخمسينيات، إلى تعددية سياسية تعبّر بشكل أو بآخر عن واقعنا الوطني وعن حقوق وتطلعات جماهيرنا وشعبنا الفلسطيني.

وإذا ما تجاوزنا سقطات وانحرافات السنوات الأخيرة التي أفضى إليها نهج “التأثير والتغيير”، نستطيع القول إن التنوع الذي يميز ساحتنا السياسية هو امتداد للواقع الفلسطيني وانعكاس للبعد القومي العربي والإسلامي والأممي في هويتنا، فيما تعتبر مفرداته الوطنية، إن كانت مشاركة أو مقاطعة لانتخابات الكنيست، مركّبات أصيلة في فسيفسائه الوطني.

من هنا، فعندما يجري الحديث عن “المقاطعة” ويُقصد بها حركة أبناء البلد والحركة الإسلامية الشمالية (المحظورة)، يجب ألّا ننسى أننا أمام حركات سياسية عريقة تعمّدت مسيرتها بالنضالات والتضحيات، لها رؤيتها وإستراتيجية عملها ووسائل نضالها الخاصة بها، والتي لا يدخل ضمنها العمل البرلماني تحديدًا، ولكنها تتقاطع وتشكّل جزءًا فاعلًا من حركة شعبنا السياسية وهيئاته ومؤسساته الوطنية.

لذلك من الأجدر بالبعض توجيه سهام نشاطه باتجاه ذيول الأحزاب الصهيونية وتوابعها، عوضًا عن صب جهوده بهذا الاتجاه دون طائل، خاصة أننا لا نرى أن “المقاطعين” يشنّون حملة انتخابية أو لا انتخابية شعواء على المصوّتين، بل يقتصر نشاطهم على التعبير عن موقفهم السياسي الذي يحظى بشرعية في الشارع ليس من مصلحة أحد نزعها.

وعودة على بدء، فإننا عندما نقول إن مفهومنا للانتخابات هو انتخاب ممثلينا أمام برلمان الدولة وليس في برلمانها، فإن ما يُفترض أن يترتب على ذلك هو خوض معركة انتخابية داخلية موازية تتمحور حول من يمثل جماهيرنا، وهي معركة على كنس الأحزاب الصهيونية وذيولها من شارعنا أولًا، وثانيًا تقليص تمثيل النهج الانهزامي الذي يقوده منصور عباس ودحره.

Share This Article