«إن شعبًا يضطهد شعبًا آخر لا يمكن أن يكون نفسه حرًا»
المسار : تعيش الضفة الغربية تحت وطأة نيران جيش الاحتلال الإسرائيلي وحواجزه العسكرية، في مشهد يعكس اتساع سياسة التضييق على الفلسطينيين وتحويل حياتهم اليومية إلى رحلة عذاب متواصلة. فقد أقدم جيش الاحتلال، اليوم، على رفع درجات التأهب، وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، وإغلاق مداخل القرى والمدن بالحواجز العسكرية والبوابات الحديدية، في إجراءات تحاصر السكان داخل تجمعاتهم السكانية وتقيّد قدرتهم على التنقل والوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم.
ووفقًا لأرقام متداولة لدى مصادر فلسطينية، يصل عدد الحواجز والبوابات والسواتر الترابية إلى نحو 1100، فيما تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى وجود 926 حاجزًا عسكريًا وبوابة. وتعكس هذه الأرقام، رغم اختلافها، حجم منظومة الإغلاق التي تقطّع أوصال الضفة الغربية وتحول البلدات والقرى الفلسطينية إلى جزر معزولة بعضها عن بعض.
إنها سياسة تحويل الجغرافيا الفلسطينية إلى سجون مفتوحة.
ففي ظل إغلاق البوابات الحديدية، يجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم محاصرين داخل قراهم وبلداتهم، فيما تتعطل مصالح مئات الآلاف، ويصبح الوصول إلى العلاج والعمل والتعليم والخدمات الأساسية مرهونًا بقرارات الاحتلال وإجراءاته العسكرية. ولا يقتصر أثر هذه السياسة على تعطيل الحركة، بل يمتد إلى ضرب مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وزرع الخوف والقلق في نفوس الأطفال وكبار السن والمرضى وسائر المواطنين.
إن ما يجري يمثل عقابًا جماعيًا يمس شعبًا بأكمله، لا أفرادًا بعينهم. فكيف يمكن تبرير إغلاق قرية كاملة، أو محاصرة مدينة، أو حرمان مريض من الوصول إلى المستشفى، أو إجبار عامل على البقاء بعيدًا عن مصدر رزقه، بذريعة الإجراءات الأمنية؟ وأي قانون أو منطق إنساني يمكن أن يبرر معاقبة المدنيين جماعيًا وفرض القيود الواسعة على حياتهم؟
إن حرية التنقل ليست امتيازًا تمنحه سلطات الاحتلال متى شاءت وتسلبه متى شاءت، بل حق أساسي من حقوق الإنسان، تكفله المواثيق الدولية، وتفرض قواعد القانون الدولي الإنساني حماية المدنيين من العقوبات الجماعية والمعاملة القاسية.
وكلما اتسعت دائرة الحواجز والإغلاقات، انكشفت حقيقة الاحتلال الذي لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى التحكم في تفاصيل الحياة الفلسطينية، من حركة المواطن إلى لقمة عيشه، ومن وصوله إلى المدرسة إلى قدرته على زيارة أسرته.
إن المقارنة مع أنظمة المعازل والاحتجاز التي عرفها التاريخ، بما فيها معسكرات الاعتقال النازية، تستحضر بشاعة تحويل البشر إلى جماعات محاصرة ومحرومة من حريتها؛ مع ضرورة التمييز بين السياقات التاريخية المختلفة. فالمعيار الأساسي هنا هو ما يتعرض له المدنيون الفلسطينيون من حصار وتقييد للحركة ومعاناة يومية لا يجوز للمجتمع الدولي تجاهلها.
أين المجتمع الدولي؟ وأين المؤسسات التي تتحدث ليل نهار عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب؟
إن الصمت إزاء تحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى مناطق مغلقة لا يشكل حلًا، بل يترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة منظومة من القيود والعقوبات. والمطلوب تحرك دولي جاد لإنهاء الإغلاقات غير القانونية، وضمان حرية الحركة، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
فلا يمكن أن تتحقق الحرية لشعب على حساب حرية شعب آخر، ولا يمكن للاحتلال أن يصنع الأمن من خلال الحصار والإذلال. وستبقى الحقيقة واضحة: الشعب الفلسطيني ليس مجموعة من السجناء، والضفة الغربية ليست سجنًا يحق للاحتلال إغلاق أبوابه متى شاء.
إن حرية الفلسطينيين حق، وإنهاء الاحتلال هو الطريق إلى السلام العادل، أما الحواجز والبوابات الحديدية فلن تمنح الاحتلال شرعية، ولن تحول سلب الحرية إلى أمر مشروع

