المسار : ينبغي أن لا يكون مفاجئاً للمتابع لأوضاع الأونروا ، إعلان كريستيان سوندرز، المفوض العام بالإنابة لوكالة الغوث الدولية ، لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) ، نيته في تسريح دفعة أخرى من العاملين في المنظمة الدولية ، بذريعة النقص في التمويل . فالقرار ليس صادما ، لأنه جاء بعد سلسلة من الإجراءات والقرارات غير المعهودة في تاريخ هذه المنظمة الدولية ، والتي كانت تنبىء بهذا المآل ، بل يخشى انها سوف تستمر في تصاعد وصولا إلى قرار إنهاء الأونروا ، أو نقل صلاحية الخدمات التي تقدمها إلى الدول المضيفة أو إلى مؤسسات دولية ومحلية ، ما لم يجد هذا النهج موقفا حازما لصدها.
فقد سبق هذا القرار قرار بحسم ٢٠% من رواتب العاملين في كافة الأقطار المضيفة للاجئين، والذي يتجاوز عددهم ثلاثين ألفا ، رافقه إجراء بتخفيض الخدمات التي يقومون على تقديمها بالنسبة ذاتها. وما أسس لهذه الاجراءات ، قرار اتخذ في مطلع العام الجاري ، بوقف ٥٧٠ موظفا عن العمل في قطاع غزة ، بحجة انهم متغيبون في مصر بسبب ظروف الحرب ، في الوقت الذي كانت فيه الإدارة على علم بذلك ، وبأنهم عالقون بسبب إغلاق المعابر ، وأن طريقةً كانت قد نظمت كي يباشروا عملهم عن بعد ، اتساقا مع النظام الذي اتبع في حينه . وما فضح تبريرات الإدارة ان الفصل من الخدمة تم في يناير كانون أول ٢٠٢٦ في الوقت الذي كانت تجري فيه ترتيبات إعادة تشغيل المعابر ، كإجراء نصت عليه اتفاقية وقف إطلاق النار التي وقعت في ١٣ أكتوبر ٢٠٢٥.
التذرع بالعجز المالي ، هو ادعاء وتضليل مكشوف . فالعجز في موازنة الأونروا ، ليس حدثا مستجدا، ويكاد يظهر ويتكرر كل عام ، والعجز الحالي هو مبلغ لا يقاس بعجوزات ظهرت في سنوات سابقة ، وعادة ما كانت تتم معالجتها دون ان تمتد يد الادارة الى وظائف العاملين او الى مستحقاتهم ، أو حتى إلى الخدمات . فقد كانت أكبر أزمة مالية تعرضت لها الأونروا ، حين أوقفت الإدارة الأمريكية عام ٢٠١٨، مساهماتها التي تبلغ اكثر من ربع الموازنة العامة والطارئة للمنظمة ،في بداية الولاية الأولى للرئيس ترامب ، وقت أن وضعت المؤامرة الأمريكية لتقويض الأونروا بتحريض إسرائيلي ملح موضع التنفيذ ، ليس من منطلق وظيفتها الخدمية ، بل استهدافا لوضعها القانوني والسياسي،الذي يرتبط بالسمة السياسية القانونية لحالة اللجوء الفلسطيني ويرتبط بحق العودة للاجئين الفلسطينيين . حينها شرع المفوض الأسبق للأونروا ( السيد بيير كرينبول ) بحملة جمع الدعم الكافي ، وقد نجح في سد العجز بالكامل الذي يتجاوز ٣٠٠ مليون دولار .
وهنا نذكر السيد كريستيان سوندرز، المفوض الحالي بالوكالة، ان مهمته الأساسية المسنده إليه ، والمشتقة من ولاية الأونروا التي اسندتها اليها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٩ ، هي توفير التمويل الكافي لاستمرار المنظمة الدولية في القيام بمسؤولياتها ، ومن ضمنها تشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، وهذه المهمة تشكل أحد شقي نص ولاية الأونروا ، إضافة إلى ضمان تقديم الخدمات ريثما يتم التوصل الى حل عادل لقضيتهم . كما أن على السيد سوندرز ان يتذكر انه بهذا الاجراء، فإنه لا يطال قيم الشرعية الدولية والعدالة الإنسانية فحسب ، بل يمس قيم حقوق الإنسان ، حينما يقذف بآلاف العاملين وأسرهم إلى هامش العوز والفقر .
وتأكيدا على الغرض السياسي من هذا النهج الذي يجري تنفيذ أحد مراحله ، دعونا نتذكر تصريحات السيد ميلادينوف مفوض مجلس السلام في غزة ، والمتكررة بشأن الأونروا ، والتي قال فيها بشكل متكرر انه( لا حاجة لوجود الأونروا في القطاع ، وعلينا الانتقال إلى برامج التنمية بدل انتظار الخدمات ) . يؤكد ذلك تقرير( إيان مارتن ) مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتقصي اوضاع الأونروا،الذي قابل السيد ميلادينوف حصرا ، وخرج بمواقف تصادق بل وتكرر المواقف المعلنة لمجلس السلام ، وخرج باستخلاص (ضرورة نقل الخدمات إلى الدول المضيفة ، ومنظمات دولية ومحلية) .
ويحق لنا أن نتساءل ، هل أن مجلس السلام الذي يترأسه ترامب هو صاحب الولاية القانونية على تاريخ الشعب الفلسطيني ، وحقوقه السياسية والقانونية ذات الشرعية الدولية، أم أن مهمته تنحصر في إدارة وقف الحرب ، وعمليات الاعمار ، ورعاية حياة اكثر من ٢ مليون مواطن ، يعيشون ظروفا إنسانية كارثية ؟! .
إن ما يمكن استقراؤه أن المستهدف بشكل مبدئي بهذا الاجراء الأخير للمفوض العام بالوكالة ، هو قطاع واسع من موظفي القطاع، بمعنى ان خطة تقويض الأونروا في طريق انهائها، تطبق حيثما توفر ظرف سياسي ، فقطاع غزة خاضع لوصاية امريكية ونفوذ اسرائيلي . هذا الاجراء قد تلحقه إجراءات تستهدف كافة العاملين في كافة الأقطار ، وتطال مستحقاتهم المالية وظروف عملهم .
في الخلاصة ، فإن ما تمر به الأونروا من عملية تفكيك هو فعل سياسي ، ولا يتصل بالتمويل من قريب أو بعيد ، بدأ في اروقة الإدارة الأمريكية وقاعات الكونغرس الأمريكي عام ٢٠١٨ ، بوقف التمويل الأمريكي للأونروا ، واستصدار تشريعات تعيد تعريف اللاجيء الفلسطيني ، تهدف إلى محو وجود مفهوم اللجوء في وقت قريب . وبصورة منسقة بين الفعل الأمريكي والفعل الاسرائيلي ، شرعت السلطات الإسرائيلية بترويج ادعاءات ، ثبت عدم صحتها من خلال تحقيقات دولية ، تشيطن المنظمة الدولية، وتتهمها بعدم الحياد بل وبالإرهاب أيضآ ، ثم اتبعتها باجراءات بناء على تشريعات وقرارات أحادية ، ارتكزت إليها من أجل إخراج الأونروا من القدس وعزلها قانونيا وإداريا ، بوقف التعامل معها ، وحرمان المنظمة والعاملين فيها من الامتيازات الدولية التي تتمتع ويتمعون بها . وليس بعيدا عن هذا النهج ، ما حدث في مخيمات شمال الضفة الثلاثة ، والذي يندرج في سيرورة التنفيذ ، بتفكيك البنية الجغرافية والنسيج السكاني للمخيمات الثلاثة ، بهدف محو هوية المخيم ، هذا الفعل الذي قد يمتد إلى مخيمات أخرى في الضفة .
إن هذا التهديد لأسس القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا ، وهذا التعدي الفج على قوانين الشرعية الدولية وقيم العدالة الإنسانية، لا تكفي معه التصريحات والمواقف الإعلامية، بل يستدعي موقفا سياسيا جاداً وحازماً من المجتمع الدولي . للدفاع عن منظومة العمل الجماعي الدولية ، الذي تسعى الفاشيتان الأمريكية والاسرائيلية إلى تفكيكها والتفرد في إدارة العالم .
وكلمة أخيرة للسيد سوندرز ومن قبله السيد غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة الذي يفترض ان يكون راعيا وحاميا للشرعية الدولية ، ان من لا يستطيع أن يكون أمينا على أداء رسالته ، فليغادر .
*مسؤول دائرة اللاجئين في الجبهة الديمقراطية- إقليم الضفة الغربية .

