المسار الاخباري : بعد أن طال الحديث عن تفكك التحالف الحكومي المغربي ودخول الأحزاب المكونة له في “تطاحن” ومنافسة على بعد سنة ونصف السنة من الانتخابات التي ستفرز “حكومة المونديال” كما يصطلح عليها في الإعلام المحلي، ظهرت تصدعات كبيرة وجلية في صفوف المعارضة، وباتت حديث الرأي العام، وانهالت التصريحات من كل حدب وصوب من أحزاب مثل “التقدم والاشتراكية” والعدالة والتنمية” و”الحركة الشعبية”، بعد قرار الاتحاد الاشتراكي الانسحاب من تقديم ملتمس الرقابة لإسقاط حكومة عزيز أخنوش.
فلا حديث في المنابر الإعلامية ومعها مواقع التواصل الاجتماعي سوى عن الموعد الذي “أخلفه” الحزب صاحب شعار الوردة مع “محاكمة الحكومة” كما ورد في تصريح الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكية”، فيما وصفه حزب “العدالة والتنمية” بـ “نقض للعهود”، بينما انشغل حزب “الحركة الشعبية” بالردّ على سؤال “من اختلس ملتمس الرقابة”، بقوله على لسان أمينه العام محمد أوزين، “المشروع جماعي ولم نكن على علم بالملكية الحصرية للملتمس”.
الرأي العام من جهته، رغم بعض الاجتهاد في مواكبة النقاش من خلال تدوينات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يفهم السبب الجوهري الذي أدى إلى “وأد” ملتمس الرقابة قبل ميلاده، ويبقى التفسير الوحيد في رأيه هو تلك النقاشات التي شملت “قشور” المبادرة بدل مضمونها، والاختلاف حول من سيقدّم الملتمس أمام البرلمان، حيث تنازعت حولها الفرق والمجموعة النيابية لأحزاب المعارضة داخل البرلمان، لتنتهي كل تلك “الجعجعة بدون طحين” رغم أيام من رفع السقف أمام المشهد السياسي بشكل عام.
وتوحدت ردود أحزاب المعارضة وتعليقاتها حول “استهجان” و”استنكار” قرار “الاتحاد الاشتراكي”، لكن الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكية” وضع بقية أحزاب المعارضة في خانة واحدة متهما إياها بالدخول “في حسابات ثانوية مرتبطة بمن يمكن أن يسجل ربحا سياسيا أو يظهر بمظهر المتزعم للمبادرة”. وأضاف بنعبد الله في تصريح لـ “تيلكيل عربي”، أن حزبه كان يأمل “أن يسمو الجميع، وأن يتم إعطاء الأولوية لأهمية ملتمس الرقابة من الناحية السياسية، باعتباره لحظة فاصلة ومفصلية لمحاسبة هذه الحكومة الفاشلة ومحاكمتها على جميع المستويات، حكومة لم تف بالتزاماتها ولا بوعودها، ولم تكن في مستوى انتظارات الشعب”.
من جهته وصف عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب “العدالة والتنمية”، انسحاب فريق “الاتحاد الاشتراكي” من مبادرة تقديم ملتمس الرقابة بـ “نقض للعهود”، الذي يعكس في رأيه غياب الالتزام والمسؤولية السياسية، مشددا في تصريح لموقع حزبه على أنه لا يعرف “كيف دبر هذا الأمر”، وتساءل بصيغة الاتهام “هل هو نتيجة صفقة ما أو ضغط أو نتيجة (أنا وحدي نضوي البلاد؟)”.
وبالنسبة لمحمد أوزين الأمين العام لحزب “الحركة الشعبية”، فقد أكد أن قرار “الاتحاد الاشتراكي” كان “مفاجئا”، وأن “باقي أطراف المعارضة المعنية بملتمس الرقابة، لم يكن لديه علم مسبق بالخطوة التي اتخذها الفريق الاشتراكي”. واستغرب خلال كلمة في مناسبة حزبية “اتهام الفريق الاشتراكي، مكونات المعارضة بمحاولة اختلاس ملتمس الرقابة”، متسائلا “عن أي اختلاس يتحدثون، فالاختلاس كما هو معروف في اللغة يعني السرقة”.
وأعاد جدل المعارضة إلى الواجهة تماسك أحزابها، لكن يبدو وفق بعض المحللين، أن السباق الانتخابي هو سيد الوقف، وكما سقى أحزاب التحالف الحكومي من ماء الخلاف والتصريحات المضادة، ها هو اليوم يسقي المعارضة بجرعة أقوى تمثلت في ظهور الخلاف بشكل جلي وبين ودخول مكوناتها في صدامات وتصريحات تحاول استقطاب الرأي العام كل من وجهة نظره.
وفي الساحة الرقمية بدت التدوينات المهتمة بخلاف المعارضة حول ملتمس الرقابة باهتة نوعا ما، ربما كما قال مدوّن “الجميع يعلم أن الأحزاب كلما اقتربت الانتخابات أصيبت بمتلازمة صناديق الاقتراع”، وعلى الرغم من ذلك فقد عبر بعض المهتمين عن رأيهم في قرار الانسحاب، ومنهم مدوّن اسمه نور الدين البركاني، قال إن القرار لم يكن مفاجئا له، موضحا “أن مواقف الكاتب الأول (الأمين العام) لحزب (الاتحاد الاشتراكي)، إدريس لشكر، لطالما اتسمت بعدم الثبات وغياب المرجعية المبدئية الواضحة”.
وفي رأيه فإن “الرجل، كما عرف في المشهد السياسي، يحركه منطق المصلحة الشخصية قبل كل شيء، سواء تعلق الأمر بالسعي نحو حقائب وزارية أو بضمان مناصب لأفراد من عائلته والمقرّبين منه”. ويقول صاحب التدوينة، ويضيف في موقع آخر من تدوينته أن “هذا الانسحاب قد يحمل في طياته جانبا إيجابيا لباقي مكونات المعارضة، إذ يتيح لها فرصة إعادة ترتيب الصفوف وتطوير خطاب معارض أكثر انسجاما ومصداقية”.
وتواصل الهجوم على إدريس لشكر الكاتب الأول (أمين عام) حزب “الاتحاد الاشتراكي”، حين قال فؤاد السعدي مدير نشر موقع “المستقل” في تدوينة على صفحته بفيسبوك، إنه “لا يخذل المعارضة فقط، بل يخلف الموعد مع الوطن في كل مرة”. واشتكى صاحب التدوينة من تعرضه لهجوم من طرف أنصار حزب “الاتحاد الاشتراكي”، وذلك “حين يصبح النقد جريمة لدى بعض (الاتحاديين) بمكناس”.
واغتنم إدريس لشكر من جهته فرصة انعقاد الدورة العادية للمجلس الوطني لحزب “الاتحاد الاشتراكي”، ليعلن عن أولى ردوده حول قرار الانسحاب، مؤكدا أن حزبه “رفض تضليل الشعب، والرغبة في أن تكون الحقيقة ناصعة أمام الرأي العام”، مبرزا أنه “بعد سنة ونصف السنة من التأمل الرصين في القوانين والمؤسسات أيقن أنه في ظل التغوّل الحاصل من قبل الحكومة لا نتوفر على الوسائل الرقابية”، لأن “نتائج انتخابات 2021 عطلت مجموعة من هذه الوسائل، بما فيها لجان تقصي الحقائق”.
وبالنسبة للحزب المعني بكل هذا الجدل، فقد واصل مسيرته السياسية وعقد الدورة العادية لمجلسه الوطني السبت، وتوحدت أصوات أعضائه حول تثمين الانسحاب من التنسيق لتقديم ملتمس الرقابة،
كما قرروا دعم مقترح إدريس لشكر بعقد المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب أيام 17 و18 و19 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في مدينة بوزنيقة (القريبة من الدار البيضاء)، وذلك بعد بلوغ الآجال القانونية المنصوص عليها في النظام الأساسي للاتحاد الاشتراكي.