افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 18/5/2025
إسرائيل تنجر وراء عملاء الفوضى، تخليصها من غزة منوط بما سمعه ترامب في الخليج
بقلم: عاموس هرئيلِ
في يوم الجمعة الماضي، بالضبط في الوقت الذي غادر فيه دونالد ترامب الشرق الاوسط عائدا الى بلاده، بدأ الجيش الاسرائيلي بتوسيع العملية البرية في قطاع غزة. حسب القوات المشاركة في العملية فانه حتى الآن الحديث لا يدور عن اعادة احتلال القطاع. ومن غير الواضح حتى الآن اذا كانت هذه العملية بتنسيق مع الادارة الامريكية، أو اذا كان ترامب تناقش مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول موعد محدد لانهائها.
زيادة الضغط العسكري ساعدت على اعادة حماس الى طاولة المفاوضات، لكنها لا تضمن بالضرورة تقدم سريع في المفاوضات. العملية انطلقت في الوقت الذي ازدادت فيه التحذيرات من مجاعة جماعية في القطاع، وبعد قتل مئات الفلسطينيين الذين في معظمهم من المدنيين في عمليات القصف الاخيرة لسلاح الجو. في نفس الوقت يتوقع أن يزداد الخطر على حياة الجنود والمخطوفين.
الهجمات الجوية ازدادت بالتحديد في نهاية الاسبوع، واستهدفت المس بالقدرة العسكرية لحماس وبقادتها قبل البدء في العملية. الخطوة الحالية تفتتح بالفعل عملية “عربات جدعون”، التي في اطارها قوات منظمة بدأت تعمل – حتى الآن بشكل بطيء – بالتوازي في شمال ووسط وجنوب القطاع.
خطة العملية في القطاع مرت بعدة نسخ في الاشهر الاخيرة. عندما تسلم رئيس الاركان الجديد ايال زمير منصبه في بداية شهر آذار الماضي، عرض على الحكومة احتمالية القيام بعملية برية واسعة تشمل ست فرق، التي ستدمر بشكل نهائي حكم حماس واحتلال القطاع بشكل كامل. عمليا، الاستعدادات الجارية الآن تستهدف القيام بعملية مقلصة. الجيش الاسرائيلي في الحقيقة اصدر في الفترة الاخيرة أوامر تجنيد لعشرات آلاف رجال الاحتياط، لكن فقط عدد قليل منهم تم ارسالهم الى القطاع، معظم الوحدات تم ارسالها الى الضفة الغربية وعلى الحدود مع سوريا ولبنان، من اجل ارسال من هناك القوات النظامية الى الجنوب.
عائلات المخطوفين المحتجزين في القطاع عبروا مؤخرا عن القلق من القرار الذي يلوح في الافق، البدء في العملية، وآباء المخطوفين حذروا من أن ذلك يمكن أن يعرض للخطر بشكل كبير حياة ابنائهم. وقد قال نتنياهو وترامب مؤخرا بأنه يتم احتجاز في القطاع 20 مخطوف على قيد الحياة من بين الـ 58 مخطوف الذين ما زالوا لدى حماس. الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين بوساطة قطر تم استئنافها أمس في الدوحة، حيث في الخلفية توجد العملية العسكرية الاسرائيلية.
في المستوى السياسي قالوا في الاسبوع الماضي بان استخدام الضغط العسكري والتهديد باحتلال القطاع هي التي اعادت حماس الى طاولة المفاوضات، وهي التي يمكن أن تجعل حماس تلين مواقفها. عمليا، موقف حماس معروف منذ فترة طويلة. كبار قادة حماس يريدون التوصل الى صفقة نهائية، يتم في اطارها انهاء الحرب وانسحاب الجيش الاسرائيلي من القطاع واطلاق سراح جميع المخطوفين مقابل اطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين. بعض الدول العربية، على رأسها السعودية ومصر، تريد اشتراط هذه العملية باقامة نظام جديد في القطاع يرتكز الى تدخل عسكري واقتصادي دولي، ويشمل دور ايضا للسلطة الفلسطينية. نتنياهو يرفض اعطاء أي دور للسلطة الفلسطينية في هذا الاتفاق. الاقتراح العربي يتحدث عن تنازل حماس عن السلطة، لكن يبدو أن بقايا قيادتها في القطاع ترفض في هذه المرحلة نزع سلاح حماس ونفي قادتها الى الخارج.
احتمالية وقف القتال تتعلق في هذه الاثناء بالاساس بترامب وبالامل في أن يواصل اظهار اهتمامه بما يحدث في غزة. الرئيس الامريكي يتحدث مع وسائل الاعلام كل يوم، أحيانا عدة مرات في اليوم. ولكن المشكلة هي في العثور على المعلومة الصحيحة بين التصريحات الكثيرة، المتناقضة احيانا، ومحاولة تقدير النوايا، مع المعرفة بأنها يمكن ان تتغير بين عشية وضحاها. أمس قال ترامب بأنه غير خائب الامل من خطوات نتنياهو، الذي وصفه بأنه “شخص غاضب ويوجد في وضع صعب” منذ المذبحة في 7 اكتوبر. قبل يوم قال الرئيس الامريكي “نحن نتابع غزة ونحن ذاهبون لعلاج هذا الامر. الكثير من الناس يموتون هناك بسبب الجوع”. في حين وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو تحدث في يوم الخميس هاتفيا مع نتنياهو، وبعد ذلك قال إن “الادارة تقلق من المعاناة في غزة”. اقوال روبيو يمكن أن تدل ايضا على خطورة الوضع في القطاع: حتى الان ادارة ترامب تقريبا لا تهتم بهذه القضية.
في المقابل، من الواضح الى أين يريد عملاء الفوضى جر اسرائيل. عضو الكنيست تسفي سوكوت (الصهيونية الدينية) شرح أول امس في مقابلة اجرتها معه اوفيرا ولفنسون في القناة 12 بان “الجميع تعودوا على أنه يمكن قتل 100 غزي في ليلة واحدة اثناء الحرب (كما حدث في اليومين السابقين)، وهذا لا يهم أي أحد”. ذات مرة كان يمكن تجاهل هذه الاقوال، ولكن الآن يتضح أنها تشير الى التوجهات المتطورة والمخيفة في سياسة الحكومة.
الجمهور في اسرائيل وبحق غير مبال في غالبيته بتأثير الحرب على المدنيين في القطاع ومعاناتهم، التي يتوقع أن تزداد ازاء توسيع العملية البرية والقيود الصعبة التي تفرضها اسرائيل على ادخال المساعدات الانسانية. لا يوجد أي مبرر حقيقي لاستئناف القتال، بالتأكيد منذ التوصل الى اتفاق وقف اطلاق النار في منتصف كانون الثاني الماضي. الوحيدون في الطرف الاسرائيلي، الذين لهم ما يكسبونه من الحرب الخالدة، هم نتنياهو الذي يأمل في البقاء هكذا سياسيا، وشركاءه الايديولوجيين في اليمين المتطرف الذين يريدون تحقيق طموحاتهم التوسعية.
في الكابنت وفي جهاز الامن ينشغلون مؤخرا في بلورة خطة جديدة لتوزيع المساعدات الانسانية على الفلسطينيين، تخرج السيطرة عليها من يد حماس. ولكن هذه العملية يتوقع ان تواجه صعوبات كثيرة، وفي الاصل يوجد الآن تفاقم كبير في نقص الغذاء في القطاع. مصادر امنية حذرت في الاسبوع الماضي من أنه خلال عشرة ايام الوضع يمكن أن يتدهور الى كارثة انسانية. واذا لم يوقف ترامب نتنياهو فان اسرائيل متجهة الى تورط دولي آخر، بعيد المدى، الذي يمكن أن يشمل فرض عقوبات عليها.
قرار ترامب حول التدخل والوقت الذي يختاره، سيتأثر بما سمعه في دول الخليج. الرئيس عاد راض من زيارته في السعودية، اتحاد الامارات وقطر، بعد التوقيع معها على صفقات بمبلغ اجمالي يصل الى تريليون دولار. المكاسب المستقبلية للولايات المتحدة وعائلة ترامب لا تقتصر على ذلك. ولكن زعماء الخليج غزة تزعجهم لأن استمرار النزيف والمعاناة هناك يمكن أن يشوش خططهم الكبيرة في ترسيخ نفوذ المحور السني في المنطقة. في الخطة التي ترسمها السعودية وشركاءها توجد بالتأكيد اخطار من ناحية اسرائيل. ولكن هذه الحرب يجب أن تنتهي قبل أن تصل الى كارثة انسانية اخرى، وتقضي بشكل نهائي على احتمالية اعادة المزيد من المخطوفين الاحياء من القطاع.
——————————————-
هآرتس 18/5/2025
الجميع شركاء في تدمير غزة، نتنياهو والجيش ووسائل الاعلام
بقلم: جدعون ليفي
الجيش الاسرائيلي بدأ في نهاية الاسبوع بعملية تدمير في غزة؛ كل اسرائيل شريكة في ذلك، سواء من خلال غض النظر أو التجاهل. لا أحد بريء. في المقام الاول بالطبع، بنيامين نتنياهو. فهو الآن يكتب الفصل الحاسم في سيرته الشخصية السياسية. هكذا سيتم تذكره. ليس الانقلاب النظامي أو انجازاته السابقة، أو حكومته الفاشلة أو محاكمته الجنائية. “عربات الابادة الجماعية” التي يركب عليها الآن الجيش الاسرائيلي بأمر منه هي التي ستحدد ارثه. الى الابد سيتم تذكره كمدمر غزة. وكل ما بقي سينسى له، وسيظهر ناصع كالثلج. بعد خمسين سنة عندما سيقرأ شخص ما كتب عنه في الموسوعة الالكترونية فسيجد: بنيامين نتنياهو مدمر غزة. وزراءه سيتم نسيانهم، لحسن الحظ. لا أحد في مجموعة الخرقة البالية، عديمي الفهم هؤلاء، سيتم تذكره، ولا حتى وزير الدفاع يسرائيل كاتس.
مقاول التنفيذ الرئيسي هو رئيس الاركان ايال زمير. فقد وعد ونفذ ايضا مشروع التدمير هذا. هكذا سيتم تذكر زمير، رئيس اركان التدمير. قائد سلاح الجو تومر بار سيكون شريكه الاكبر. الطيار الاول في سلاح التدمير من الجو، الذي ذبح الطيارين تحت مسؤوليته من الجو عشرات آلاف الاشخاص بدون تمييز أو شفقة، والآن سيواصلون عملهم بشكل اكثر شدة، بدون هدف أو جدوى. لا يمكن غفر جرائمهم، أيديهم ملطخة بالدماء. اذا بقي لدى أي أحد شك، فقد جاءت الـ 19 شهر الاخيرة واثبتت أن الاشرار حقا هم لسلاح الجو.
معهم سيتم تقديم لمحاكمة التاريخ كل اعضاء طاقم القيادة العليا في الجيش الاسرائيلي، الذين لم تكن لأي واحد منهم الشجاعة لفتح فمه أو وضع جانبا رتبته. هكذا سيتم ذكرهم، قادة الجيش الاسرائيلي، حتى لو كانوا الآن هم ابطال الساعة بالنسبة لاسرائيليين كثيرين. سواء تتم تقديمهم للمحاكمة في لاهاي أم لا، هذه ستكون محكمة التاريخ لهم، وهي التي ستقرر. هم لم يرسلوا الجيش الاسرائيلي الى حرب اخرى، لأنه لم يعد هناك أحد يرسلونه اليه، بل ارسلوه الى عملية تدمير واضحة وعلنية. في الفترة الاخيرة تمت ازالة كل شباك التمويه، ليس فقط عن سيارات القتل، بل عن كلمة المفتاح ايضا: اسرائيل تقول ان توجهها هو تدمير غزة بشكل مطلق ونهائي، وتجميع اللاجئين الذين بقوا في منطقة مكتظة واحدة بعد شهرين ونصف على التجويع وجعلهم يستسلمون. هذه ليست حرب، لأنه في الحرب يوجد طرفان متحاربان، بل هذا هجوم بربري على الانقاض وعلى مليوني نازح، في حالة صدمة وتعب واعاقة ومرض، ولا يوجد لهم أي ملجأ. اذا تجرأ الجيش الاسرائيلي على توزيع الاوسمة بعد انتهاء هذه “الحرب” فهذه ستكون اوسمة الابادة الجماعية للقادة المتميزين.
مثل القادة، ايضا الجنود الذين يشاركون في ذلك هم شركاء. البعض منهم سيندمون ذات يوم، آخرون سينفون التهمة. ماذا سيقولون لاولادهم؟ هل سيقولون لهم بأنهم قاموا بتسوية غزة بالارض؟ وأنهم قصفوا المستشفيات والمدارس؟. ليس فقط الحكومة والجيش، فقد كان هناك من قاموا بالتغطية والتشجيع والاخفاء والكذب، أي وسائل الاعلام الاسرائيلية في معظمها. تدمير غزة سيكون مسجل ايضا على اسمهم. هم كانوا شركاء. هذه هي اللحظة الاكثر اهانة في أي وقت. رياح التحريض هبت في الاستوديوهات، بدءا بالمقدمين اللطيفين ومرورا بالمحللين الفاشيين وانتهاء بمعظم “المراسلين” العسكريين. جيش كبير من رجال الدعاية القوميين المتطرفين، الذين قاموا بالتحريض والشرعنة.
وسائل الاعلام الشجاعة والنزيهة كان يمكنها منع العملية. تقريبا لا توجد لدينا وسائل اعلام كهذه. وسائل الاعلام المهنية التي كانت تظهر لنا غزة في الـ 19 شهر الاخيرة، ولا تخفيها بمثل هذه الغطرسة فقط من اجل أن تظهر لطيفة امام المستهلكين، وتقول الحقيقة عن “الحرب” التي تم استئنافها، كانت ستجعل الكثير من الاسرائيليين يخرجون غاضبين الى الشوارع، ليس فقط من اجل المخطوفين، بل ايضا من اجل المليوني شخص الابرياء. ايضا احفاد يونيت ليفي وداني كوشمارو ربما سيسألون في يوم من الايام: هل كنتم مع؟ واذا لم تكونوا فلماذا قمتم بتطبيع كل شيء؟ احفاد نير دبوري واور هيلر وكل الذين قرعوا طبول الحرب لن يسألوا أي شيء، بل سيخجلون.
——————————————-
إسرائيل اليوم 18/5/2025
دعم امريكي مشروط وتغيير إسرائيلي عميق
بقلم: أمنون لورد
هذه هي الحملة التي كل الوقت يعدون لها وكل الوقت يهيئون التربة لها، وبصفتها حملة لم تنفذ بعد يسجل فيها الكثير جدا من الخسائر للعدو – اكثر من حملة تطهير رفح التي بدأت قبل نحو سنة.
حملة “عربات جدعون” يحتمل أن يكون الطريق الصحيح لتحقيقها هو الا تندفع العربات. ما يوجد الان هو الامر الصحيح، المناسب من ناحية إسرائيل، اذا كات تسعى الى انهاء الحرب. إسرائيل تجري مفاوضات وبالتوازي تستخدم النار على مناطق في غزة من كل الاتجاهات، فيما تدعي ان هذا لا يحصل على الاطلاق.
يوجد زخم عسكري من تصفية محمد السنوار، ينجح في ادخال حماس الى مفاوضات جدية. من الجهة الأخرى ما يحصل في الساحة الدولية يمكنه أن يشجع حماس على التمسك بالمخطوفين وعدم التنازل. الرئيس ترامب ظاهرا يعطي ظهرا لإسرائيل في حملة تتواصل حتى تصفية حماس، لكن حتى لدى الأمريكيين تتعاظم الأصوات التي تدعوهم لان يستنفدوا المفاوضات وان يصلوا الى نهاية الحرب.
حماس كسبت مفاوضات مباشرة مع مندوبي الإدارة الامريكية. كسبت توترا ما بين إسرائيل والولايات المتحدة – وان لم يكن هذا شرخ 2023، الذي كان من العوامل من نشوب الحرب؛ وهي تكسب اضطرابات مؤيدة لحماس في الولايات المتحدة تهدد استقرار الحكم، مثلما كان في عهد نيكسون في حرب فيتنام.
في هذه المرحلة استغلت الولايات المتحدة حتى النهاية إنجازات إسرائيل في الحرب: بعد ان ما فعلناه لبنان وسوريا، وغزة باتت عديمة القدرات الهجومية جاء الرئيس ترامب وفرض هيمنة أمريكية في الشرق الأوسط في دوامة صاخبة في اقل من أسبوع. سلوك ترامب بدا كسلوك سيارة مع عجلات متآكلة على بحيرة من الجليد – لكن التعرجات مع ذلك تتحرك باتجاه ما.
من الجيش الإسرائيلي تنطلق أصوات تقول انه كان من الأفضل لإسرائيل أن تصل في غزة الى اتفاق مشابه لما كان في لبنان – انهاء الحرب، برفقة حملة اغتيالات لا تتوقف يقوم بها الجيش الإسرائيلي ضد كل ما يعتبر كاعداد لعملية إرهاب او كبنية تحتية للارهاب. واضح أن الشروط الأساس لانهاء الحرب هي إعادة كل المخطوفين دفعة واحدة وتفكيك حماستان. مجرد تفكيك الدولة الإسلامية التي قامت في غزة على مدى نحو 18 سنة كان إنجازا هائلا.
صحيح أنه سيبقى مخربون مع نوايا قتل لكن حقيقة ان اقليمين، لبنان وغزة تحررا من الإسلاميين الذين اقاموا هناك مثابة سيادة – هي خطوة تاريخية حاسمة. فقد اقيما على ظهر انسحابات إسرائيلية اعتبرها الفلسطينيون واللبنانيون كبداية هزيمة الصهيونية. والان السابقة الهامة: إعادة الدولاب الى الوراء وتفكيك “الدول”.
تكتشف إسرائيل بان لها دعما مشروطا من جانب قوة عظمى واحدة، الولايات المتحدة، لكن تغيير الوقت التكتوني تحدثه هي بقوتها وحدها. ترامب يكسب اتفاقات مع السعودية ومع قطر، والتي تخلق له في أمريكا الاف أماكن العمل في صناعة انتاج الطائرات. سوريا – لأول مرة، وربما في ظروف سهلة جدا تنتقل الى الجانب الأمريكي. حتى الان الاتفاقات ليست على حساب إسرائيل. هذا توقيت جيد للوصول الى كل التفاهمات اللازمة مع الأمريكيين حيال ايران وسوريا.
——————————————
هآرتس 18/5/2025
الفلسطينيون عالقون في مثلث برمودا السياسي
بقلم: جاكي خوري
توجد لحظات يتقلص فيها كل التاريخ ليصبح شعور يتلخص بالعجز. هذه هي اللحظة الحالية بالنسبة للفلسطينيين. لقاءات القمة التي نظمها الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، مع زعماء السعودية، قطر واتحاد الامارات، ظهرت كاحداث ذروة العصر الحديث. مئات مليارات الدولارات استثمرت في صفقات السلاح والبنى التحتية وصفقات اقتصادية. ترامب يواصل القيام بدور رئيسي في تشكيل شرق اوسط جديد، امريكي، الذي هدفه هو ابعاد الصين وتقليص نفوذ ايران. ولكن في كل الاستثمارات الضخمة والحلم الجديد لهذه المنطقة توجد قضية واحدة بقيت في الخارج وهي أنه لم يتم اعداد حتى خطة رئيسية لادخال المساعدات الانسانية الى قطاع غزة.
القمة العربية التي تم افتتاحها أمس في بغداد على شكل القمم للجامعة العربية في العشرين سنة الاخيرة، هي استمرارية مباشرة لتقليد الشعارات والكليشيهات الفارغة التي لم تتم ترجمتها الى افعال. ممثلو الشعوب العربية لا يطرحون أي اداة ضغط حقيقية ولا يفحصون القيام بخطوات عملية تجاه اسرائيل، في حين أن القضية الفلسطينية، التي على الاقل تجاه الخارج كانت مركز الوجود السياسي العربي، تم دفعها الى الهامش واخفاءها وراء خطابات لا معنى لها.
في صورة الوضع الحالية تظهر ثلاثة اخفاقات استراتيجية. الأرجل الثلاثة التي وقف عليها أمل الفلسطينيين انهارت. الكفاح المسلح، الذي تمت صياغته باللغة الدينية والسياسية “الجهاد في سبيل الله”، وباللغة العبرية حسب الرواية الاسرائيلية “الارهاب”، فقد الشرعية الاقليمية والدولية على حد سواء. نضال التنظيمات المختلفة لم تحقق أي انجازات سياسية ولم تعزز الدعم الشعبي، بل بالاساس أدت الى دمار ومعاناة الفلسطينيين.
ايضا مسار المفاوضات، بدءا باتفاقات أوسلو ومرورا بمحادثات كامب ديفيد ولجنة طابا وانتهاء باقتراحات رئيس الحكومة السابق اهود اولمرت، لم تثمر أي تقدم مهم. ففي كل مرة كان يظهر فيها أن اللحظة التي بالامكان فيها اقامة الدولة الفلسطينية تقترب، كانت تحدث ازمة داخلية أو خارجية تدفن هذه الفرصة.
الرجل الثالثة، التي ارتكزت على الايمان بالمجتمع الدولي، مثل قرارات الامم المتحدة والمحاكم في لاهاي والضغط الدبلوماسي من الدول الاوروبية والقنوات الانسانية ومنظمات حقوق الانسان، هي ايضا تآكلت في واقع الاستقطاب الدولي والمصالح الاقليمية وتفضيل مواضيع اخرى. السعي الى العدل من قبل الجهات الدولية اصبح مسرح للتضامن الفارغ، الذي فيه الفلسطينيون مرة تلو الاخرى يجدون انفسهم يقفون لوحدهم على المنصة.
ايضا في اسرائيل، رغم محاولة نشطاء ومفكرين وثلة من سياسيي اليسار العميق، لا يوجد الآن أي اقتراح حقيقي لبديل. القيادة الرئيسية في اسرائيل تثبت الوضع القائم، وتستفيد من التسليم الاقليمي بسياستها، ولا ترى أي حاجة حقيقية للبحث عن حل دائم. الاحتلال اصبح شفاف، وتوقف عن خلق الشعور بالالحاحية والتواجد في الخطاب العام. “الآن انتهت حملة نزع الصفة الانسانية عن الفلسطينيين”، قال عضو الكنيست تسفي سوكوت (الصهيونية الدينية). “100 قتيل في اليوم لا يزعج أي أحد، حتى لو كان الامر يتعلق بالنساء والاطفال”.
الصورة التي تظهر الآن من الميدان تبين أن الفلسطينيين عالقين في مثلث برمودا سياسي. الكفاح المسلح لم يؤد الى أي نتائج، المفاوضات فشلت، والدبلوماسية بقيت بلا اسنان. كل قناة كان يمكن من خلالها ذات يوم تخيل مستقبل مختلف، تم اغلاقها. العالم العربي انتقل الى اجندة جديدة، المجتمع الدولي ينشغل بنفسه، واسرائيل تستمر في ترسيخ سيطرتها الفعلية ونظام الابرتهايد في الضفة الغربية والدفع قدما بخطة الترانسفير في غزة بدون دفع أي ثمن سياسي لذلك، أو يتم تهديدها بأداة ضغط يمكن أن تجعلها تغير الاتجاه.
الشعور بالعجز في اوساط الفلسطينيين غير جديد، لكن خلافا للسابق هو اصبح شعور غير مؤقت، بل جزء لا يتجزأ من الواقع. ومثلما في أي ازمة عميقة فان الوضع الحالي ايضا يمكن أن يؤدي الى استيقاظ لا يمكن توقع ابعاده وتداعياته. ولكن الشعب الفلسطيني ينظر الآن الى تحطم اهدافه الاستراتيجية، بدون حلم أو ظهر، وبقي مع سؤال واحد صارخ وهو الى أين؟.
——————————————-
هآرتس 18/5/2025
في غزة لا يوجد “هجرة طوعية”، اسرائيل مسؤولة عن التطهير العرقي الاجرامي
بقلم: ميخائيل سفارد
في نهاية الاسبوع بدأت اسرائيل في اخراج الى حيز التنفيذ عملية “عربات جدعون”. الجيش الاسرائيلي أمر سكان غزة بالانتقال الى الجنوب. ومثلما نشر ينيف كوفوفيتش في “هآرتس” في 7/5، فان احد اهداف القتال، التي تم تحديدها في أمر العملية، هو “تجميع ونقل السكان”. توقفوا للحظة وقوموا بلفظ التعبير الذي استخدم في الأمر، “تجميع السكان”. يبدو أن هناك شخص ما في مشروع غسل الكلمات في الجيش الاسرائيلي لم يصل الى العمل.
النقطة المهمة هي أن “تجميع ونقل السكان” يعتبر هدف للعملية، وليس وسيلة لتحقيق اهداف اخرى. أي أن الحديث لا يدور عن النقل القسري للسكان الى منطقة اخرى بشكل مؤقت الى حين انتهاء الحرب، بل الحديث يدور عن هدف للتحقق. واذا نجحت العملية في تحقيق اهدافها في نهاية المطاف فان مليوني غزي سيتجمعون في منطقة توجد في جنوب محور موراغ مساحتها اقل من ربع مساحة القطاع.
كما كتب البروفيسور ايال بنفنستي والبروفيسور حاييم غينس فان هذا النقل القسري، الذي ينفذ بحجم كبير كما هو مخطط له في غزة، هو ليس فقط جريمة حرب، بل جريمة ضد الانسانية (“هآرتس”، 11/5). وما الذي سيُفعل بالـ 2 مليون غزي الذين سيتجمعون بين محور فيلادلفيا ومحور موراغ؟. هكذا، الزعماء لدينا يتحدثون عن “التشجيع على الهجرة”، وفي الاسبوع الماضي نشر أن الادارة الامريكية حتى تجري مفاوضات مع ليبيا، الدولة الآخذة في الانهيار تحت الحروب والارهاب الخاصة بها، من اجل استيعاب مليون “مهاجر” من غزة. لا توجد طريقة لوصف موقف بنيامين نتنياهو وعصابته من الناس الذين يعيشون في غزة عدا عن أنهم “قمامة انسانية” نريد تصديرها ورميها في دول اخرى.
أيها الجنود المشاركون في العملية، أنتم بالصدفة تقرأون “هآرتس”، أنا اريد تقديم نصيحة قانونية بالمجان: الطرد الجماعي، الذي هو جريمة ضد الانسانية، يمكن تنفيذه ليس فقط بواسطة تحميل اشخاص في شاحنات بتهديد البنادق. القانون الدولي واضح جدا – حتى استخدام وسائل الضغط التي تجعل الناس يرغبون في الهرب من اماكنهم يعتبر طرد. والدي، الذي كان ناشط في مظاهرات الطلاب في آذار 1968 في وارسو، قامت السلطات في بولندا بطرده من الجامعة وسجن بدون محاكمة. جدي، والد أمي، الذي أيد الاحتجاج، قرروا اقالته من وظيفته كمحاضر في الجامعة.
السكرتير الاول في الحزب الشيوعي في حينه، فلادسلاف غومولكا، قال في خطاب لاسامي للأمة بأن “اليهود، الذين هم غير مخلصين للنظام، مدعوون للمغادرة. السلطات في بولندا “شجعتهم” على الهجرة، بدون تجويع أو تفجير بيوتهم أو تخريب البنى التحتية الصحية والتعليمية والغذاء والمجاري وكل ما مكن من وجود حياة انسانية. بالطبع، لا يوجد مكان للمقارنة بين الضغط السياسي، الاقتصادي – الاجتماعي، الذي استخدم عليهم من اجل المغادرة وبين حملة القتل والتدمير العنيفة التي يشهدها الغزيون. مع ذلك، هم يعتبرون كمن تم طردهم من بولندا.
الغزيون لن يغادروا غزة طواعية. في ظروف غزة لا توجد حياة كهذه، لا يوجد شيء يسمى الهجرة الطوعية. الذين سيغادرون، هذا اذا غادروا، فهم سيفعلون ذلك لأن الجريمة ضد الانسانية نفذت ضدهم. هم لن يهاجروا، بل سيهربون. واسرائيل هي التي ستكون مسؤولة عن التطهير العرقي الاجرامي في القرن الواحد والعشرين.
الحقيقة هي أن الاقوال نفدت. ماذا يمكن أن يقال بعد؟ هل يجب التوضيح بأن ارتكاب جريمة ضد الانسانية هو امر غير قانوني بشكل واضح؟ هذا واضح من تلقاء نفسه. هل يجب القول بأن ضباط وزعماء سياسيين يهود، الذين يتحدثون عن “تجميع” السكان وطرد مئات الآلاف ويسمحون بتجويع الاطفال والنساء والشيوخ والرجال الابرياء، انتزعوا من انفسهم العبر الاخلاقية الاكثر اهمية، التي كان يجب على تاريخ اليهود زرعها في كل واحد منا.
جميعنا نعرف أن استمرار الهدف يهدف الى التمكين من بقاء الحكومة، وفي نهاية المطاف الغاء محاكمة نتنياهو، وأنها ستؤدي الى الموت الفظيع للمخطوفين الذين يناضلون تقريبا منذ 600 يوم في أسر حماس. اجيال من الاسرائيليين ستحمل وصمة العار التي نقشت على جبيننا في هذه الايام، التي نواصل فيها تجويع وطرد اشخاص عاجزين. ما الذي سيحدث لنا؟ كيف يمكننا العيش مع افعالنا؟.
——————————————-
إسرائيل اليوم 18/5/2025
شرق أوسط جديد 2
بقلم: ايال زيسر
الحوثيون لم يتلقوا دعوة الى الاستقبال الاحتفالي الذي اجري على شرف زيارة الرئيس ترامب الى السعودية وقطر، لكنهم تكبدوا عناء تذكير الجميع، وبالتأكيد إسرائيل بان ترامب لعله أعلن بانهم تلقوا ضربة قاسية واضطروا لان يرفعوا علما أبيض، لكن إعلانات النصر في جهة والواقع على الأرض في جهة أخرى: اطلاق ثلاثة صواريخ في يوم واحد باتجاهنا بينما يحتفل ترامب ورفاقه في الخليل.
ترامب منح الحوثيين حبل نجاة، مقابل وعد الا يهاجموا سفينا أمريكية تبحر امام شواطيء اليمن. ولعله بذلك اشترى هدوء لنفسه – لكن هذا هدوء مؤقت لا يساوي المؤتمر الصحفي الفرح الذي عقده وبالتأكيد لن يحل النزاع الدامي في اليمن؛ نزاع يخلق تهديدا ليس فقط على إسرائيل بل قبل كل شيء على السعودية المجاورة. الحوثيون يمكن ويجب هزيمتهم كما هزم داعش في حينه وان كان هذا في ظل رئيس امريكي آخر هو براك أوباما.
ليس فقط في اليمن كانت الولايات المتحدة هي اول من تراجع – بل وأيضا حيال ايران: طهران توجد اليوم امام انهيار اقتصادي، وآيات الله يخشون من أنهم اذا ما واصلوا السير في مسار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل – فان حكمهم سيكون مهددا بشكل لم يشهدوه منذ صعودهم الى الحكم. إحساس الضائقة والتخوف الذي تبثه ايران حقيقي، لكن بدلا من الضرب بكل القوة لنظام الشر في ساعته الصعبة – نظام مصمم على ان يواصل نشر الإرهاب والعنف في المنطقة بل وان يطور النووي في هذه الجبهة أيضا اختار الامريكيون طريق الحوار والمصالحة. قد تنتج هذه السياسة اتفاقا يضمن هدوء للاشهر والسنوات القادمة، لكنه سيبقي النووي الإيراني كقنبلة موقوتة على عتبة الشرق الأوسط كله.
الحوثيون والايرانيون، لم يكونوا في الرياض وفي قطر – ولا إسرائيل أيضا، بالمناسبة – لكن من دعي كضيف شرف كان الرئيس السوري احمد الشرع (أبو محمد الجولاني). بناء على طلب صديقيه الطيبين ابن سلمان واردوغان، هجر ترامب القاعدة الأساس التي تدعو الى “احترمه وشك فيه”، وبدلا هذا نهج “نسمع ونطيع”: بداية نرفع العقوبات ونساعد الشرع، نشيط القاعدة وداعش في ماضيه، على تثبيت حكمه – وبعد ذلك نأمل خيرا.
لكن بعد كل هذا، من المهم أن نذكر ان الشرق الأوسط لم يغير وجهه حقا – للخير وللشر – في ظل الزيارة الرئاسية اليه وفي اعقابها. وهكذا، فان ضجيج الاحتفالات سينتهي، وترامب سيعود الى واشنطن وكلنا سنبقى في منطقة توجد فيها تهديدات ومخاطر لم تنقضي لكن أيضا نافذة فرص لمستقبل افضل.
صحيح أن إسرائيل لم تكن حاضرة في الرياض وفي الدوحة، بل وكادت لا تذكر في خطابات الترحيب، لكن السطر الأخير من كل ما حدث في الخليج في الأسبوع الماضي هو ان اتفاقات إبراهيم ليس فقط بقيت المباراة الوحيدة في المدينة بل وأيضا الطريق الأفضل – وفي واقع الامر الوحيد – لضمان استقرار الامن في المنطقة.
مدهش أن نكتشف بانه بعد نحو عشرين شهرا من 7 أكتوبر، بقيت عموم الدول العربية ملتزمة بهذه الاتفاقات وبدفعها الى الامام، والتغيير الوحيد الذي طرأ هو أنه الى القائمة الطويلة ممن صنعوا حتى الان السلام مع إسرائيل، او ينتظرون دورهم، اضيف لبنان وسوريا أيضا.
حكام العرب يريدون اتفاقات إبراهيم ليس بالذات من اجل إسرائيل او من اجل ترامب، بل بسبب رغبتهم في أن يضمنوا مستقبلا افضل واكثر امانا لهم. وهذا يمكن تحقيقه ليس فقط من خلال الاعتماد على المزاج المتغير لهذا الرئيس الأمريكي او ذاك بل أيضا من خلال منظومة إقليمية تؤسس وتقيم ترتيباتها الأمنية التي يحتاجونها.
الكرة توجد في الملعب الأمريكي، لكن أيضا في الملعب الإسرائيلي، وما نحتاجه هو أن نفهم بان الحرب في غزة هي قصة الماضي وان المستقبل يوجد في فك الارتباط عنها وفي السير الى الامام، نحو اليوم التالي. ينبغي أن نساعد ترامب في هذه الخطوة وبالذات لانه ليس ضد إسرائيل بل هو يريد مصلحتها. وعليه فمن الأفضل ان نكون نحن من نقرر المسار، نصمم اليوم التالي في غزة بشكل يخدم المصالحه الإسرائيلية، ندفع الى الامام بصيغة موسعة ومتطورة من اتفاقات إبراهيم مع العالم العربي المحيط بنا والا ننتظر الاملاء الأمريكي.
——————————————-
هآرتس 18/5/2025
ترامب وابن سلمان وميكرون وجدوا ارض ميعاد جديدة، وليذهب نتنياهو الى الجحيم
بقلم: سيفي هندلر
الاصوات التي تصاعدت في السعودية في مساء يوم الثلاثاء دوت بسرعة في ارجاء العالم. هذا كان تقريبا شاشة مقسمة: في جهة دونالد ترامب مشرق ومسرور ويمتدح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ويعلن عن رفع العقوبات عن سوريا. في جهة اخرى من خلفه يشد على يده عمانويل ميكرون، الذي التقى في السابق مع الرئيس السوري الذي يسمي الحصار الانساني لاسرائيل على غزة بـ “العار”، ويدعو الى فحص فرض عقوبات على اسرائيل.
الاصوات التي تصاعدت من الرياض سمعت في القدس ومرورا بدمشق وحتى باريس، وفقط الكثير من البيبيين من النوع الصلب جدا نجحوا في صم الآذان. في الشرق الاوسط الجديد ابن سلمان، رجب طيب اردوغان وحتى الجهادي السوري المتقاعد احمد الشرع، جميعهم في الداخل، في حين أن بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير في الخارج. ترامب وكل زعماء العالم والمنطقة يبقون الاسرائيليين يتمرغون في مطاردة شقيق يحيى السنوار وابن عم حسن نصر الله. هم انتقلوا الى شيء جديد واكثر جدوى، ومبروك على اسرائيل الحوثيون.
الثمن الذي تدفعه اسرائيل بسبب اختيار نتنياهو، بضعة اشهر اخرى من الائتلاف بدلا من تفضيل استراتيجي لتحالف اقليمي، يمكن أن يكون اعلى من الاهانة العلنية عند مشاهدة طائرة الرئاسة الامريكية وهي تخترق سماء اسرائيل في الطريق الى الصديق السعودي المخلص والثري مثل قارون. لدى ترامب، الذي المح في السابق لنتنياهو بأن المساعدات التي تحصل عليها اسرائيل مرتفعة (جدا تقريبا)، وأنه لا توجد وجبات بالمجان، وفي القريب يمكن أن تواجه اسرائيل ادارة حرب تتكون من سبع جبهات بعد اغلاق حسابها المفتوح لشراء السلاح وقطع الغيار من امريكا.
الجانب الثاني من فكي هذه الكماشة وفرها ميكرون في بث تلفزيوني خاص في يوم الثلاثاء الماضي، الذي استخدم فيه الكلمات الاكثر تشددا ضد اسرائيل منذ 7 اكتوبر. ميكرون اعترف بأن الامريكيين هم الذين لديهم تأثير على نتنياهو، لكن، وهذه لكن كبيرة، اضاف: اعادة فحص اتفاقات التعاون (بين الاتحاد الاوروبي واسرائيل) “توجد على الطاولة”.
الاتحاد الاوروبي هو الشريك التجاري الاكبر لاسرائيل. حجم التجارة بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي هو تقريبا 50 مليار دولار. التعاون العلمي هو شريان حياة الاكاديميا في اسرائيل من خلال منح المجلس الاوروبي للابحاث (إي.آر.سي)، التي يتميز فيها باحثون من اسرائيل باسهامهم.
نتنياهو قفز مثل من لدغته افعى وقال إن “ميكرون اختار الوقوف الى جانب منظمة ارهابية اسلامية قاتلة”. ولكن الحقيقة يجب أن تقال: ايضا في الاسبوع الماضي ميكرون ادان المذبحة التي نفذتها حماس، وحذر من ان يسمي افعال اسرائيل في غزة بـ “ابادة جماعية”، وبالاساس طالب بحلول انسانية. الرد منفلت العقال والمقطوع عن الواقع لنتنياهو بالاساس يدل على أن العصا التي لوح بها ميكرون، الزعيم الاكثر تأثير في اوروبا الآن، هي عصا كبيرة جدا.
ميكرون بالتأكيد لاحظ انه في خطابه الذي القاه في الرياض فان ترامب اغدق مجاملة اخرى على مستضيفه، لكن نهايتها كانت اكثر قسوة تجاه صديقه القديم نتنياهو. الرئيس الامريكي سأل مستضيفه: “محمد، هل تنام في الليل؟”. واضاف: “فقط هو يفكر بالعمل. ويتقلب في الفراش مثل البعض منا طوال الليل ويسأل كيف يمكن تأدية ذلك بشكل افضل. الذين لا يتقلبون في الفراش هم الذين لن يأخذوك أبدا الى الارض الموعودة. اليس كذلك؟”. لقد وجد ترامب وابن سلمان وميكرون ارض ميعاد جديدة. بالنسبة لهم اسرائيل نتنياهو هي بلاد دموية، زعيمها اختار مستقبل قاتم لشعبه. ويبدو أن الاستنتاجات تم التوصل اليها بالفعل.
——————————————-
معاريف 18/5/2025
من المشكوك فيه ان تواصل قيادة حماس تسويف الوقت
بقلم: آنا برسكي
في حماس أيضا يقرأون الصحف، ويشاهدون ندوات المحللين ويستخلصون النتائج. ثبت هذا قبل كثير من الوقت من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى الشرق الأوسط. فداء الاسرى روى كثيرا عن أن المخربين لا يستهلكون فقط الاعلام من انتاج حماس. لكن أساسا، سلوك قيادة المنظمة، قرارات اتخذها مسؤولوها في الماضي وخطوات اتبعوا او لم يتبعوها – تدل على أنه في غير قليل من الحالات، يأخذ تحليل حماس للواقع في الحسبان تفسيرنا. هكذا، كما يتبين، حصل هذه المرة أيضا.
زيارة ترامب الى دول الخليج الثلاثة، الاستقبال المبهر، الكلمات التي قيلت واساسا الاستثمارات الكبرى في الاقتصاد الأمريكي – كل هذا العرض المدوي أدى بقيادة حماس الى الاستنتاج المعاكس للإستنتاج المرغوب فيه: اذا كانت أمريكا هجرت إسرائيل والتركيز والانتباه انتقلا الى عمالقة العالم العربي، فلماذا المسارعة الى التنازل. التقدير في إسرائيل هو ان الظروف لتصفية محمد السنوار ورفاقه الاخرين في قيادة الذراع العسكري لحماس لم تنضج صدفة بالذات في اثناء زيارة ترامب، وليس قبل نصف سنة او شهر. من ناحية مسؤولي حماس، فان مستوى الاسناد الذي تمنحه واشنطن للقدس هو احد المقاييس المصداقة التي يبنون عليها سيناريوهات الموقف.
سلوك ترامب في اثناء الزيارة – الاقوال، التشديدات، سلم الأولويات – دفعت السنوار ورجاله للافتراض بان الحرب في هذه اللحظة الى جانبهم، ومسموح لهم ان يخففوا قليلا مستوى الحذر.
لقد توصلوا الى الاستنتاج بانه اذا لم تتجرأ إسرائيل على بدء ذقتال الشديد، مثلما وعدت قبل نحو شهر، فقط لان ترامب يوجد في المنطقة – فيمكن مرة واحدة عقد جلسة بهدوء، مع وسائل حذر اقل بقليل. فقد اعتقدوا ان ترامب قد لا يكون معنا ولكنه أيضا ليس تماما معهم.
على سوء التقدير هذا دفعت حماس غزة ثمنا باهظا: حياة زعيمها الأساس (هكذا يأملون في إسرائيل).
إذن صحيح، المصلحة الامريكية بالتأكيد لا تتطابق دوما مع المصلحة الإسرائيلية، وبالتأكيد ليس بشكل كامل. لكن في حالة زيارة ترامب، وان كان قفز عن إسرائيل، فان المصلحة الإسرائيلية المركزية لم تتضرر – وحاليا بقيت محمية.
مثلما مع الحوثيين، في القتال ضد حماس أيضا المصلحة الرئيسة لإسرائيل هي الحفاظ على حرية العمل. وهذه المصلحة، حتى الان على الأقل، لم تتضرر. وحتى بعد صفقات المليارات التي عقدت في الرياض، في الدوحة وفي أبو ظبي.
ان محاولة تصفية محمد السنوار وشركائه ومراحل بدء “عربات جدعون” – إعادة حماس الى النقطة التي حاولت الابتعاد عنها في الأيام الأخيرة. الاختيار بين صفقة مخطوفين جزئية، تمنحها شهرين من الهواء للتنفس، ضخ المساعدات وأمل النجاة وبين مناورة برية كثيفة للجيش الإسرائيلي، وهذه المرة بدون تنزيلات.
ما لم يتغير، بل وربما تأكد هو رغبة ترامب في أن يرى نهاية الحرب في قطاع غزة. لا يزال، ليس بكل ثمن، لكن معقول الافتراض ان من ناحيته ليس لإسرائيل كل الزمن الذي في العالم لتحقيق ذاك النصر المطلق الذي يعد به نتنياهو الامة منذ سنة ونصف.
ان خليط حرية العمل الذي تتمتع به إسرائيل اليوم والساعة السياسية التي مع ذلك تدق – سيدفع إسرائيل لان تشدد خطاها، وليس العكس. وعليه فمشكوك ان يكون بوسع قيادة حماس أن تواصل السماح لنفسها بتسويف الوقت على أمل أن تنكسر إسرائيل او احد ما يكسرها، او ما سيأتي قبل الاخر.
وعليه، فان الزمن القريب سيكون حرجا: هو سيجلب صفقة او الحرب الشديدة، وهذه المرة بلا علاوة زمن لاجل اتخاذ القرارات.
——————————————-
يديعوت احرونوت 18/5/2025
على مسافة خطوة من هزيمة سياسية
بقلم: بن درور يميني
نحن نعاني من العمى. ما يراه العالم – يصعب علينا نحن أن نراه. نحن مشغولون – وانا أيضا – بغضب مقدس على العالم مزدوج الوجه، الذي لا يفهم حقنا. لا يفهم اننا نقاتل منظمة إرهاب تريد أن تبيد كل اليهود واذا كان ممكنا المسيحيين أيضا. لا يفهم ان حماس، حتى قبل داعش تتطلع الى احتلال العالم كله، لغرض إقامة خلافة إسلامية ظلماء. لا يفهم ان إسرائيل لم تبادر الى هذه الحرب اللعينة. لا يفهم انها لم تندلع بسبب الاغلاق. لا يفهم ان في اللحظة التي تحرر فيها حماس المخطوفين وتوافق على نزع السلاح – لن يكون اغلاق ولن تكون حرب. لا يفهم ان الحرب هي ليست حرب إسرائيل ضد حماس بل حرب العالم الحر ضد الجهاد بصفته هذه، بما في ذلك داخل الغرب.
يمكن أن نواصل. يوجد أيضا متحدثون ممتازون، أناس الحقيقة، يعرفون قول هذه الأمور وغيرها وغيرها، حتى في القنوات الأكثر اعتبارا في العالم. من بغلس مارييه وحتى عينات ويلف. من نوعا تشفي وحتى غيل ماهر. وكثيرون آخرون يقصر اليراع عن ذكرهم ممن يقومون بعمل مذهل حيال كم هائل من الافتراءات والاكاذيب. وحدة خاصة لاصحاب العمود الفقري، قلة حيال كثرة ممن رغم ذلك – كما ينبغي الاعتراف – لا ينجحون.
في الأسبوع الماضي غضبنا على الرئيس الفرنسي عمانويل ماكرون الذي تحدث عن الجوع في غزة. مرت ثلاثة أيام والان هذا هو الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، الصديق الأهم لإسرائيل الذي هو قلق من الجوع في غزة. فهل سنتهجم عليه هو أيضا؟ هل هو أيضا لاسامي يكره إسرائيل؟ هل يوجد زعيم واحد في العالم، ربما باستثناء فيكتور اوربان، لا يقول الأمور ذاتها؟
نحن في وهم دائم بان الحديث يدور عن “اعلام موجه”. فليسمح لي أن أقول، بالذات كمن كرس جزء هاما من عمله في العقود الأخيرة لدحض الأكاذيب والافتراءات ضد إسرائيل – بان الحديث لا يدور عن “اعلام موجه”. لان أساس الأسس هو السياسة. في الأسابيع الأولى للحرب، كل من دافع عن إسرائيل في قنوات تلفزيونية اجنبية يعرف ان في النصف الثاني من الشاشة عرضت مبان مدمرة واحيانا أيضا جثث أطفال مخلصة من بين الأنقاض. إذن صحيح حماس تستخدم الأطفال والنساء كدرع بشري، حيث أن هكذا كان في كل حرب، وان الصور الافظع كانت في الفالوجه وفي الموصل. لكن هذا لا يجدي نفعا. إسرائيل هي ليست الولايات المتحدة. نحن نبحث، وبخفة لا تطاق نجد أيضا.
في الأسبوع الماضي، في اعقاب العملية لتصفية محمد السنوار في انفاق تحت المستشفى الاوروبي ظهر عنوان في البي.بي.سي: “42 فلسطينيا قتلوا في قصف إسرائيلي على مستشفى”. يوم الجمعة بعد الظهر عنوان رئيس في اعلى زاوية اليسار في الصفحة الأساس لتلك القناة: “خمسين على الأقل قتلوا في هجوم إسرائيلي في شمال غزة”، سرعان ما استبدل بعد وقت قصير الى قرابة “100”. العنوان الثاني في الصفحة: “”فوضى تامة”: طبيب بريطاني يشرك الناس بصور من مستشفى في غزة بعد الهجوم الإسرائيلي الفتاك”. والتقرير الأقسى منها جميعها: “أهالي في غزة يائسون لان أطفالهم جوعى نتيجة للاغلاق الذي فرضته إسرائيل”. التقرير الصحفي المرفق صعب على المشاهدة. أطفال يبدون كالهياكل يستجدون الطعام. لا يوجد بني بشر يبقى لامبالٍ “احد لا يكترث”، قال النائب تسفي سوكوت. لا احد؟ لندع ترامب. هو في بعض النشوة بعد هدية الطائرة من قطر واستثمارات 1.2 تريليون من الدولة إياها، ومن 152 مليار آخر من السعودية، وغيرها وغيرها. لا يزال، ماركو روبيو، وزير الخارجية، هزم المرة تلو الأخرى كل ادعاء من منطقة الاتصال التقدمية. وبالفعل في العنوان الرئيس في اخبار البي.بي.سي عن النزاع في غزة يقول روبيو في نهاية الأسبوع انه “قلق من الوضع الإنساني في غزة”. ترامب يكترث. روبيو يكترث. معظم اليهود يكترثون. انا أيضا اكترث. وفقط اليمين المناهض للصهيونية الذي سيطر على الحكومة هو الذي يعيش في فقاعة ولا يفهم ما الذي يفعله بنا – لا يكترث.
هذا ليس فقط الاخلاق، هذا ضمير. لان أناس التيار الانعزالي في الحزب الجمهوري يضغطون لوقف المساعدات. بسبب سوكوت وامثاله يمكن ان ينجحوا. ادعاءات ضد إسرائيل في المعركة الأولى هي قيود على بيع السلاح في المعركة الثالثة. أصدقاء إسرائيل اكثر فأكثر، لا ينجحون في أن يفهموا ما الذي يفعله نتنياهو بالضبط، ومع كل الرغبة في التمييز، نتنياهو هو إسرائيل. يمكن الافتراض بان لاسامية خفية كانت في الغرب دوما ام الان فهي تتفجر. حماس تتكبد المزيد فالمزيد من الخسائر، سنوار وسنوار آخر، لكنها تحظى بمزيد من الإنجازات في الساحة الدولية. نحن على مسافة خطوة عن الهزيمة. وليس بسبب مشكلة في الاعلام الموجه.
كان يمكن خلاف ذلك ايضا. لا اعلاما موجها، بل سياسة. عروض سخية وعلنية لحماس في أن كل ما تريده إسرائيل يتلخص في تحرير مخطوفين وتجريد القطاع، بالضبط وفقا لاقتراحات الاسرة الدولية. أحيانا يكون من الأفضل المبادرة الى توقفات للنار، وقف النار، لاجل الكشف عن رفض ومسؤولية وحماس، ولاجل عدم فقدان أصدقاء إسرائيل. هم على الأقل. لكن عندما يكون في إسرائيل نفسها توجد اغلبية تعتقد، وعن حق، بان اعتبارات نتنياهو هي اعتبارات الكرسي وليس اعتبارات قومية فكيف بنا نشكو من أن هكذا أيضا يفكر أصدقاء إسرائيل. نحن على مسافة خطوة من الفشل. ليس بسبب العالم. ليس بسبب اللاسامية. بسبب استراتيجية خرقاء تسجل فصلا جديدا لمسيرة السخافة.
——————————————-
هآرتس 18/5/2025
10 أيام على بدء العد التنازلي لحياة مليوني غزي: من يوقف “عربات التطهير العرقي”؟
بقلم: أسرة التحرير
بدأ الجيش الإسرائيلي، الخميس، حملة “عربات جدعون”، ويفترض بها أن تتضمن عملية برية وقصفاً واسعاً. عشرات آلاف جنود الاحتياط جندوا لهذا الغرض، وسنسمع ضباطاً وناطقين يتحدثون عن “تقويض حماس”، و”ضرب بنى تحتية للإرهاب”، و”تصفية مسؤولين”، و”حسم” و”حسم”… من هذه الكلمات الفارغة. بعد سنة ونصف من الحرب وشدة قصف لم يشهد العالم مثلها منذ الحرب العالمية الثانية، لم تعد للحرب جدوى. نتائج العملية الحقيقية قد تكون موت المخطوفين الإسرائيليين الذين على قيد الحياة، وموت جنود وتعميق الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في تاريخ النزاع الإسرائيلي – العربي.
منذ بدء الحملة، قتل الجيش الإسرائيلي في القطاع نحو 300 إنسان. منذ بداية القتال قتل هناك أكثر من 53 ألف إنسان. وهؤلاء رجال ونساء وأطفال قتلوا بإصابة مباشرة من سلاح إسرائيلي. هذا المعطى لا يتضمن أناساً ماتوا مرضاً وجوعاً أو بسبب البرد أو الحر، وبسبب انهيار في الجهاز الصحي. لا يزال يعيش في غزة مليونا مواطن بريء. منذ 75 يوماً، لم يدخل غذاء أو مساعدات إلى القطاع، ومئات الآلاف سيعانون من جوع قاتل ابتداء من الأيام القريبة القادمة، فيما آلاف الأطفال يعانون الآن من أمراض ترتبط بسوء التغذية. معظم سكان القطاع نزحوا من بيوتهم مرات كثيرة، ويسكنون خياماً أو بين الأنقاض في ظروف قاسية جداً في، متعرضين للحر والتلوث دون ماء نقي كاف ودون مأوى مناسب.
الخميس، أغلق المستشفى الأوروبي في جنوب القطاع عقب قصف الجيش الإسرائيلي. كان المستشفى الأخير الذي وفر علاجاً لآلاف مرضى السرطان في القطاع. المريض بالسرطان في غزة اليوم حكمه الموت. تدعي إسرائيل بأنها تملك خطة لاستئناف المساعدات في ظل العملية العسكرية، لكن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والخبراء يحذرون من أنها خطة لن تلبي احتياجات السكان.
“عربات جدعون” لم تأت لتحرير المخطوفين أو منح لمواطني إسرائيل الأمن. هدفها في أفضل الأحوال، الحفاظ على ائتلاف نتنياهو المتطرف من خلال مواصلة الحرب. وهدفها في أسوأ الأحوال -وهو المعقول- دفع الجيش الإسرائيلي إلى ارتكاب جريمة رهيبة من التطهير العرقي في القطاع كله أو جزء منه. لقد تلقى هذا العار الأخلاقي مؤخراً شرعية في الجمهور وفي السياسية الإسرائيلية في شكل خطط ترحيل مختلفة ومتنوعة. في نهاية الأسبوع، تبين أن إدارة ترامب تفحص إمكانية نقل مليون غزي إلى ليبيا. مجرد طرح هذه الأفكار جريمة وعار أخلاقي. لا سبيل آخر غير إنهاء الحرب، وإعادة المخطوفين والعودة إلى مسيرة سياسية مع الفلسطينيين والدول العربية. كل خطوة أخرى ستوقع كارثة على الفلسطينيين وعلى الإسرائيليين أيضاً.
——————————————-
عن «N12»
نتنياهو يدفن مستقبل إسرائيل في رمال غزة
بقلم: عاموس يادلين وأودي أفينتال
تعبّر زيارة ترامب إلى الشرق الأوسط عن رؤية أميركية – عربية مشتركة للتقدم الإقليمي والازدهار الاقتصادي والتطور التكنولوجي المتقدم وازدياد التنسيق السياسي. إسرائيل أمام فرصة تاريخية لتستقل هذا القطار السريع الذي لا ينتظر في المحطة، بعد أن ألحقت إسرائيل ضرراً عسكرياً بالغاً بأعدائها، وبنجاح كبير، وبلغ استخدام الأدوات العسكرية ذروته، خصوصاً في قطاع غزة. والآن، تقف إسرائيل عند نقطة حاسمة لترجمة الإنجازات الميدانية إلى مكاسب استراتيجية توسّع الفجوة في القوة بينها وبين أعدائها، وذلك من خلال خطوات سياسية ترسّخ العلاقات مع الولايات المتحدة، وتعزز اندماجها في المنطقة وشراكاتها، كجزء من نظام إقليمي محدّث يشكل ثقلاً موازناً لإيران.
من أجل اغتنام هذه الفرصة التاريخية، على إسرائيل أن توقف الحرب في غزة، والتي تحققت أهدافها العسكرية منذ وقت طويل، بعد أن تلقت حركة «حماس» ضربة قاسية تمنعها من تكرار هجوم 7 تشرين الأول. سيتيح وقف الحرب لإسرائيل التقدم نحو صفقة شاملة لتحرير المخطوفين، وإعادة التركيز على مسار التطبيع مع السعودية، وضمان انخراط الدول العربية في حلّ مسألة غزة، واستثمار هذا التحول لتعميق التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن المعايير التي ستوقف البرنامج النووي الإيراني وتضمن عدم تمكّن طهران من الوصول إلى سلاح نووي.
في المقابل، إذا أصرّت الحكومة الإسرائيلية على مواصلة الحرب وتوسيعها إلى ما لا نهاية، ومن دون جدوى، بذريعة السعي لتحقيق نصر كامل على «حماس»، أو بهدف إيجاد ضغط من أجل صفقة تبادُل جزئية، فإنها ستفشل في تحقيق أهداف الحرب، وستواصل إضعاف مكانة إسرائيل وتعميق عزلتها، وسيرسّخ نتنياهو موقعه كـ»مُعرقل» إقليمي. وفقاً لهذا السيناريو الذي يتبلور أمام أعيننا، قد تُقدم الولايات المتحدة ودول المنطقة على فرض إنهاء الحرب، بمبادرة منها، أو في المقابل، قد تفقد اهتمامها بقطاع غزة، وتترك إسرائيل تغوص وحيدة في هذه المشكلة، خارج صفقات الاستثمار الضخمة، والمشاريع التكنولوجية الرائدة (في مجالات الذكاء الاصطناعي، والشرائح الإلكترونية، وغيرها)، وخارج المسارات الإقليمية.
في أعقاب إصرار الحكومة على مواصلة الحرب الاختيارية، التي تفتقر إلى أيّ جدوى وطنية في غزة، يبدو أن إسرائيل، بقيادتها، تفقد السيطرة على أمنها القومي، بالتدريج، لدرجة أن حليفتها الكبرى والوحيدة، الولايات المتحدة، تفاجئها بدفع عمليات استراتيجية محورية في القطاع والمنطقة، مع تجاهُل تام للمصالح الإسرائيلية.
وفي ظلّ التخبط في الحرب على غزة، وفي أثناء زيارته للشرق الأوسط، أدار ترامب مفاوضات مباشرة مع حركة «حماس» من وراء ظهر إسرائيل، وبتجاهُل تام لها، من أجل الإفراج عن المواطنين الأميركيين الأسرى في غزة، حتى إنه توصل إلى تفاهمات إضافية مع «حماس». فطريقة الإفراج عن الجندي عِيدان ألكسندر، على الرغم من أنها حدث مُفرح بحد ذاته، فإنها تمثل ذروة جديدة لعملية تهميش إسرائيل وإبعادها عن الخطوات التي يقودها البيت الأبيض في المنطقة، ويُعد ذلك تعبيراً عن رؤية أميركية تعتبر أن السياسة الإسرائيلية لا تساهم في تحقيق الاستراتيجية التي يسعى ترامب لدفعها في الشرق الأوسط، بل تعرقلها.
إن استدعاء نتنياهو إلى البيت الأبيض لتبليغه، في اللحظة الأخيرة، أن الإدارة الأميركية دخلت في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، والقرار الذي فاجأ إسرائيل بخصوص وقف الحرب مع اليمن لتقليل الخسائر، وكذلك فصل مشروع الطاقة النووية المدني في السعودية عن مسار التطبيع بينها وبين إسرائيل، أمور كلها عبارة عن إشارات تحذير ساطعة إلى التدهور المرتقب في متانة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وقد تدخل حكومة نتنياهو في مواجهة مباشرة وصدامية مع ترامب، وهو ما قد يجعله يسرّع خطواته لتشريع المشاريع النووية في كلٍّ من إيران والسعودية، من دون أخذ مواقف إسرائيل ومصالحها في الحسبان، وقد يُقدِم على خطوات ترغم إسرائيل على الانصياع، مثل وقف المساعدات العسكرية الحيوية لحرب طويلة في غزة، أو إيران، وربما يمسّ بجوانب أُخرى من العلاقات بين البلدين، بما في ذلك تآكل الالتزام الأميركي بشأن الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي. وفي هذا السياق، ربما لم تأتِ تصريحات نتنياهو من العدم خلال نقاش في لجنة الخارجية والأمن بشأن ضرورة «الفطام» عن المساعدات الأمنية الأميركية.
في المقابل، إن الموافقة على وقف الحرب في غزة ينطوي على إمكانات أكبر لتحقيق أهدافها عبر وسائل سياسية، مقارنةً باستمرارها العسكري من دون غاية أو جدوى، والذي يجرّ إسرائيل إلى الغرق في القطاع بثمن باهظ من حياة المخطوفين وجنود الجيش وأمن إسرائيل لسنوات طويلة مقبلة. فإلى جانب تحرير الأسرى، تستطيع إسرائيل مطالبة إدارة ترامب، في المقابل، بضمانات جانبية شبيهة بتلك التي حصلت عليها لدى وقف إطلاق النار في لبنان، وتنص على أن إعادة إعمار غزة لن تتم إلا بالتزامن مع نزع سلاحها وإنهاء حُكم «حماس»، مع احتفاظ إسرائيل بحقها في العمل بكافة الوسائل لمنع إعادة بناء «الإرهاب» وتعاظُمه، ومحاسبة منفّذي «مجزرة» 7 تشرين الأول.
أمّا الخطة المصرية – العربية للإدارة في غزة وإعادة إعمارها، والتي تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، فستكون مشروطة بنزع سلاح القطاع، بموافقة دولية وإقليمية، وهو ما يعزز بشدة الضغط الشعبي على «حماس» من طرف سكان غزة. وفي ظل هذه الأوضاع، ستدخل قوات عربية إلى غزة لتحل محل «حماس»، بالتدريج، مستغلةً الضربة التي تلقّتها وضعفها، بدلاً من أن تضطر إسرائيل إلى احتلال القطاع والسيطرة عليه بشكل دائم، بكل ما يحمله ذلك من تبعات عسكرية، واقتصادية، وسياسية وأخلاقية.
في المحصلة، لا يزال في إمكان نتنياهو الظهور كقائد، ويتحرر من قبضة اليمين المتطرف المسيحاني داخل حكومته، من أجل أمن إسرائيل القومي. وعلى النقيض من ذلك، فإن توسيع الحرب في غزة من أجل «إنعاش» هذه الحكومة سياسياً، سيزج بها في عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة، وسيدفع الثمن من حياة الأسرى والقتلى والمصابين في صفوف جنود الجيش، النظاميين والاحتياط، ومن الموارد الوطنية والاقتصاد، ومن مكانة إسرائيل وقوتها.
—————–انتهت النشرة—————–