المسار : نشرت وحدة الأبحاث والمعلومات في الكنيست، في شهر أيار/مايو الماضي، تقريرًا مفصّلًا حول واقع قطاع السياحة في إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023. يركّز التقرير على القطاعات الرئيسة في مجال السياحة، وتحديدًا قطاع الضيافة (الفنادق) وقطاع الطيران، اللذين يساهمان بما يقارب نصف الإيرادات الكلية للقطاع. ففي عام 2023 شكل الدخل في فرع الضيافة نحو 26% من مجمل دخل قطاع السياحة، وفرع الطيران 18%. لا يتناول التقرير القطاعات الأخرى مثل وكالات السفر، الأغذية، المواصلات، والأنشطة الترفيهية.
أهمية قطاع السياحة في الاقتصاد الإسرائيلي
يُعَدّ قطاع السياحة مكوّنًا مهمًا – وإن لم يكن كبيرًا نسبيًا – في الاقتصاد الإسرائيلي. إذ يسهم بما يقارب 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفّر نحو 150 ألف وظيفة مباشرة، أي ما نسبته 3.8% من مجمل الوظائف في سوق العمل. في عام 2019، أي قبل أزمة كورونا، بلغ حجم الإنفاق السياحي للأجانب في إسرائيل حوالي 25.9 مليار شيكل، فيما وصل حجم الصادرات السياحية إلى 6.7 مليار دولار، وشكّل نحو 6.3% من مجمل صادرات الخدمات.
آثار الحرب على السياحة الوافدة
أثّرت أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من حالة حرب متواصلة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بشكل فوري ومباشر على قطاع السياحة الوافدة إلى إسرائيل، حيث سجّل هذا القطاع تراجعًا حادًا مقارنة بالسنوات السابقة.
بلغ عدد السياح الوافدين إلى إسرائيل نحو 3.1 مليون زائر في عام 2015، وارتفع إلى 3.9 مليون في عام 2017، ثم إلى 4.1 مليون في عام 2018، وصولًا إلى 4.9 مليون في عام 2019 قبيل أزمة كورونا. غير أنّ عام 2020، الذي تزامن مع جائحة كورونا، شهد انخفاضًا حادًا في أعداد الزوار. وفي الفترة الممتدة بين 2021–2023 سُجّل تعافٍ جزئي مع وصول العدد إلى نحو 3.2 مليون، أي حوالي 65% من مستويات عام 2019، وبمعدل يقلّ عن مليون زائر سنويًا. أمّا في عام 2024، وبعد اندلاع الحرب على غزة، فقد تراجع عدد الوافدين ليصل الى مليون سائح، وهو مستوى مشابه لما كان عليه في عام 2020. وانخفضت رحلات الطيران الأجنبية القادمة الى إسرائيل بنسبة 70% نتيجة تعليق شركات طيران عديدة رحلاتها إلى إسرائيل.
قطاع الإيواء والفنادق
شهد قطاع الإيواء والفنادق في إسرائيل خلال عام 2024 تراجعًا ملحوظًا في الإيرادات، حيث انخفضت بنسبة 18% عن المستوى المتوقع وقرابة 25% مقارنة بعام 2023. ولم تتجاوز مساهمة السياحة الأجنبية في إيرادات الفنادق 10% فقط في عام 2024، بعد أن كانت تشكّل نحو 43% في عام 2019. كما تراجع إجمالي عدد ليالي المبيت. غير أنّ ارتفاع حجم استضافة النازحين من بلدات الجنوب والشمال ساهم في التخفيف من حدّة الانخفاض. وقد تكبّدت مناطق مثل القدس وتل أبيب خسائر فادحة، باعتبارهما كانتا تستحوذان سابقًا على نحو 60% من ليالي المبيت الخاصة بالسياح الأجانب. في المقابل، استفادت مناطق الشمال والجنوب نسبيًا من إشغال الفنادق لإيواء النازحين.
التوظيف
شهد قطاع الفنادق في عام 2024 تراجعًا في عدد العاملين المباشرين بنسبة 14.7%، في حين انخفض عدد العاملين عبر شركات القوى البشرية بنسبة 8.2%. بالمقابل، ارتفع متوسط الأجور في القطاع بنسبة 10% نتيجة النقص في العمالة، مقارنة بزيادة بلغت نحو 6.2% فقط في باقي الفروع الاقتصادية.
قطاع الطيران
أوقفت معظم شركات الطيران الأجنبية رحلاتها إلى إسرائيل، خاصة بعد تحذيرات الاتحاد الأوروبي للطيران في أيلول/سبتمبر 2024 من الطيران إلى إسرائيل. ونتيجة لذلك، استفادت شركات الطيران الإسرائيلية (إل-عال، أركيع، يسرائير) من زيادة الطلب، إذ ارتفع عدد ركابها بنسبة 25% (من 7.2 مليون في عام 2023 إلى 9.1 مليون في عام 2024). كما شهدت أسعار التذاكر ارتفاعًا ملحوظًا، الأمر الذي انعكس مباشرة على أرباح الشركات الإسرائيلية، حيث تضاعفت أرباح شركة “إل-عال” بأكثر من 400% مقارنة بعام 2023.
الدعم الحكومي لقطاع السياحة
قدّمت الحكومة الإسرائيلية حزمة واسعة من أدوات الدعم الموجّهة لقطاع السياحة، شملت تعويضات عبر “صندوق الأضرار” لإصلاح الأضرار التي لحقت بالممتلكات أو لتعويض خسائر الأرباح. كما وفّرت إعانات بطالة مخفّفة الشروط، وخصوصًا للعاملين الذين تم تسريحهم أو أُجبروا على الخروج في إجازة غير مدفوعة الأجر. بالإضافة إلى ذلك، منحت الحكومة منحًا تحفيزية للعودة إلى العمل تصل قيمتها إلى 3,000 شيكل شهريًا للعاملين القادمين من المناطق التي تعرّضت للإخلاء.
خصصت الحكومة الإسرائيلية قروضًا خاصة لقطاع السياحة، إضافة إلى تمويل تكاليف استضافة النازحين بقيمة 175 مليون شيكل. كما رُصد مبلغ 70 مليون شيكل لدعم السياحة الوافدة عبر حملات التسويق والترويج، إلى جانب 10 ملايين شيكل لتعزيز السياحة الداخلية. كذلك، قُدّمت تعويضات لأصحاب المصالح السياحية عن الأضرار الناجمة عن منع دخول العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلي.
مقارنة بأزمات سابقة
ليست هذه الأزمة الأولى التي يمر بها قطاع السياحة في إسرائيل نتيجة الحروب أو الأزمات الأمنية. ففي حرب لبنان الثانية عام 2006 وعملية “الجرف الصامد” عام 2014 سُجّل انخفاض كبير في أعداد السياح، لكن فترة التراجع كانت قصيرة نسبيًا، وتبعها تعافٍ سريع مقارنة بالوضع الراهن. أمّا جائحة كورونا فقد تسببت بانهيار شبه كامل للقطاع، واستغرق التعافي منها عدة سنوات، وهو ما يبرز بوضوح مدى هشاشة السياحة أمام الأزمات العالمية والمحلية.
تسببت الحرب الراهنة في أزمة مركبة داخل قطاع السياحة. فمن جهة، سُجّل تراجع حاد في أعداد السياح الأجانب الوافدين، وفي المقابل شهد القطاع ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب المحلي نتيجة إخلاء بلدات عديدة في الجنوب والشمال، الأمر الذي جعل الفنادق تعتمد بدرجة كبيرة على السوق المحلي والنازحين بدلًا من السياحة الخارجية. وما يميز هذه الحرب عن الأزمات السابقة هو طول مدتها، وتعدد جبهاتها، وحدّتها، وهو ما يزيد من مستويات عدم الاستقرار وعدم اليقين في القطاع وفي الاقتصاد الإسرائيلي عمومًا.
إمكانيات التعافي
تُظهر التجارب السابقة أن قطاع السياحة يمتلك قدرة على التكيّف والتعافي بعد الأزمات، كما حدث في محطات سابقة. غير أنّ الوضع الراهن يطرح تحديات غير مسبوقة أمام إمكانية التعافي، نظرًا إلى استمرار الحرب وإطالة أمدها، إضافة إلى تواصل حالة التوترات الأمنية التي تقوّض ثقة الأسواق والسياح على حدّ سواء.
من أبرز مستخلصات التقرير
– يخلص التقرير إلى أنّ قطاع السياحة هو الأكثر تأثرًا بالأزمات الأمنية، إذ يتوقف تدفّق السياح الأجانب بشكل شبه فوري مع اندلاع المواجهات.
– التعويض الجزئي: إشغال الفنادق بالنازحين وجنود الاحتياط وفّر دخلًا محدودًا، لكنه لا يعوّض خسارة العوائد السياحية الأجنبية.
– في حين شهدت السياحة الوافدة انهيارًا كاملًا، سجّلت شركات الطيران الإسرائيلية، إلى جانب الفنادق التي خصّصت خدماتها لاستضافة النازحين، أرباحًا استثنائية.
خلص التقرير إلى أن حرب الإبادة على غزة، وما رافقها من فتح جبهات أخرى في لبنان وإيران، شكّلت ضربة غير مسبوقة لقطاع السياحة الإسرائيلي، تفوق في شدتها تأثير الحروب والتوترات الأمنية السابقة. فقد شهد القطاع تراجعًا حادًا في أعداد السياح، وفي الإيرادات والصادرات السياحية، الأمر الذي دفعه للاعتماد على حلول مؤقتة مثل إيواء النازحين والدعم الحكومي، بدل الاستناد إلى استدامة النشاط السياحي الطبيعي. كما يؤكد التقرير أن مستقبل السياحة في إسرائيل مرهون باستقرار الأوضاع الأمنية، وبالسياسات الحكومية الهادفة إلى الترويج لإسرائيل كوجهة آمنة للسياحة، وهو ما يبدو بعيد المنال في المدى القريب في ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية.