تحذيرات في إسرائيل من الرهان على دعم ترامب ووضع قضاياها الإستراتيجية بين يديه

المسار : يجتمع الكابنيت الإسرائيلي اليوم الأحد للمصادقة النهائية على الخطط العملياتية التفصيلية الخاصة باحتلال مدينة غزة. ورغم تحفّظات الجيش منها ومن تبعاتها، يمضي نتنياهو بها مستفيدا من دعم أمريكي مفتوح ومن ضعف الانتقادات الخارجية والداخليه له، وتشارك أبواقه جهات إسرائيلية في محاولات توظيف “اغتيال أبو عبيدّة” لتثبيط عزائم المقاومة.

وفيما تغيب عن اجتماع الكابنيت الصفقة المعطلة من قبل حكومة الاحتلال التي لم ترد حتى على مقترح مصر وقطر بعد موافقة حركة حماس قبل أسبوعين ونيّف، سيتم التداول بخطة “القبضة الحديدية” ويتجّه جيش الاحتلال لشن هذه الحملة قريبا بعدما فشلت الحملة السابقة “مراكب جدعون” في إخضاع الحركة واستعادة المحتجزين.

وبالتزامن، تتواصل التسريبات والتقديرات الإسرائيلية التي توضح أن الجيش غير معني بالخطة ويفضل الذهاب إلى صفقة. على خلفية فرض الحملة عليه ومخاوفه من أثمانها، فإن جيش الاحتلال يخطّط للتقدّم بحركة بطيئة وحذرة ترافقها عمليات قصف مكثف لتقليل حجم المخاطر المتربصة بالجنود، كما يكشف المحلل السعكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل.

بيد أن هارئيل أيضا وعلى غرار مراقبين إسرائيليين، لا يستبعد أن تصطدم عملية التقدم هذه بمشاكل بسبب ازدحام غزة بالمدنيين، خاصة أنهم يرفضون النزوح. وفي تحذير مبطّن من نتائج مثل هذه الحملة العسكرية على غزة، يقول هارئيل إن نتنياهو وترامب يراهنان على أن الضغط العسكري من خلالها سيدفع حماس للرضوخ. ويضيف: “لكن الجيش لا يلاحظ مؤشرات انكسار أو تراجع الدافعية للقتال لدى حماس. وستستغرق العملية وقتا أطول مما يرد في مزاعم نتنياهو لترامب. وعندما تتضح الفجوة بين الوعود وبين الواقع أي عدم تقدم الحملة ربما، نشهد أزمة مع واشنطن، وعندئذ ستتهم الحكومة زامير بالتلكؤ كما يتجلى في تصريحات أبواق نتنياهو منذ أيام”.

دعم أمريكي وانتقادات دولية مخففة

وتستفيد حكومة الاحتلال من الانتقادات الدولية المخففّة وبقائها مجرد أقوال أو وعود وتهديدات بالاعتراف بدولة فلسطين، بعكس الخطوات الفعلية ضد روسيا وإيران على سبيل المثال. وهذا ما يقرّ به مراقبون إسرائيليون أيضا أمثال الباحث في الشؤون الفلسطينية في جامعة تل أبيب دكتور ميخائيل ميليشتاين الذي يقول في مقاله الأسبوعي اليوم الأحد في صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن إسرائيل لا تكترث بالانتقادات الدولية وتسخر من كل جهة في العالم عدا الولايات المتحدة.

ويحذّر ميليشتاين من أن الرهان على أن ترامب سيقف إلى جانب إسرائيل دوما مقابل كل ضغط دولي هي مغامرة استراتيجية خطيرة. ويمضي في تحذيراته: “عندما تكون قضايانا المصيرية متعلقة بمزاج البيت الأبيض، يميل ترامب فجأة لتغيير رأيه. نحن أمام مفهوم خاطئ خطير جديد”.

ويتبعه زميله المعلق السياسي في الصحيفة بن درور يميني، بقوله في هذا السياق، إنه “من ناحية الرأي العام في أمريكا، فإن إسرائيل موجودة في الحضيض الأخطر، ويرعبني التفكير في ماذا سيحدث بحال اقتحام مدينة غزة”. يدلل بن يميني على صدقية تحذيراته من مغبة حملة احتلال مدينة غزة بالقول إن جاك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، وأحد أبرز أصدقاء إسرائيل، قال قبل أيام إنه يدعم حظر تصدير السلاح لإسرائيل.

الرئيس عباس والأمم المتحدة

ويتجلّى الضوء الأخضر الأمريكي المفتوح للاحتلال بإعلان واشنطن قرارها منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دخول البلاد للمشاركة في اجتماعات “الجمعية العامة” خلال أيلول المقبل. وهو ضوء أخضر يعتبره مراقبون إسرائيليون أيضا نجاحا لنتنياهو في التغرير بترامب واللعب عليه، كما سبق وقال رئيس حكومة الاحتلال السابق إيهود باراك.

وفي افتتاحيتها، تدعو “هآرتس” الأمم المتحدة لعدم الرضوخ للإدارة الأمريكية التي تتنكر لالتزامات تاريخية بعدم منع أي جهة من دخول البلاد بغية المشاركة في اجتماعاتها. تستذكر “هآرتس” في هذا المضمار العام 1988 عندما رفضت واشنطن منح تأشيرة دخول للرئيس الراحل لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في محاولة لخنق الصوت الفلسطيني، غير أن الجمعية العامة انتقلت إلى جنيف مما تسبّب في حالة إرباك للولايات المتحدة.

وتخلص “هآرتس” للقول: “على الأمم المتحدة التوضيح لأمريكا أنها ليست صاحبة قرار هنا فهي دولة مضيفة فقط لمقر الأمم المتحدة. الطريق لمساعدة إسرائيل ليست بتعزيز المتطرفين ومواصلة الحرب، بل بالدفع لمائدة المفاوضات نحو تسوية تاريخية مع الشعب الفلسطيني”.

الإسرائيليون صامتون

كذلك، وبالتزامن، تستفيد حكومة نتنياهو من ضعف احتجاجات في الشارع الإسرائيلي، ويبدو أن ذلك ليس نتيجة تعب أو يأس وغيره، بل هو تأييد لمحاولة الإجهاز على المقاومة الفلسطينية والظفر بانتصار واضح. في المقابل، تزيد بعض الأوساط المعارضة للحرب حدة موقفها، لكنها خارج التيار المركزي، ومنها قائد لواء الشمال في الجيش الإسرائيلي عميرام ليفين الذي يواصل نشر إعلان كبير على نفقته في صحيفة “هآرتس” منذ يوم الجمعة الماضي، يدعو فيه قيادة الجيش للتمرّد على المستوى السياسي.

في الإعلان، يعلل ليفين دعوته بالقول إذا لم نوقف هذه الحملة العسكرية وتستمر الحرب، سيذهب كل شيء إلى الجحيم: المختطفون، والجنود، والاقتصاد، والبيت، والعمل، والعائلة والدعم الدولي”. وهذا ما تدعو له أديبة ومعلقة صحافية إسرائيلية بارزة تحّث الإسرائيليين على الإشادة بالجنود الرافضين للمشاركة في الحرب.

وفي مقال تنشره “هآرتس” اليوم، تقول الأديبة إيريس لعال، إن “مَن يرفض المشاركة في حرب الإجرام هذه بطل، وطالما لا يعتبر المجتمع الإسرائيلي الجنود الرافضين للمشاركة في حرب الإبادة هذه كأبطال ستستمر الحرب، ونتنياهو سيبقى رئيسا للوزراء، وسموتريتش وبن غفير سيصوغان سياساتها”.

نصف أخلاقي

وهذا ما يؤكده المعلق السياسي الذي يغرّد خارج السرب جدعون ليفي الذي ينتقد هو الآخر صمت الإسرائيليين على مذبحة المدنيين الفلسطينيين. ليفي الذي قال في محاضرة أمام جمهور عربي في مدينة الناصرة قبل أيام إن الإعلام الإسرائيلي شريك في الجريمة، ويشبه الإعلام النازي قبل الحرب العالمية الثانية، وإنه أسوأ من الإعلام السوفياتي، يتوقف في مقاله اليوم عند لامبالاة الإسرائيلين والتي تصب الماء على طاحونة حكومة الاحتلال وتشجعها فعليا على مواصلة حرب الإبادة: “أخلاقيات الاحتجاج مبتورة… ولو كانت كاملة لرفعت شعارات في مظاهرات تل أبيب ضد الإبادة الجماعية إلى جانب النضال لاستعادة المخطوفين. هناك 20 مختطفا أحياء، وهناك مليونا فلسطيني يعيشون في الجحيم. القلب لا يستطيع إلا أن يكون مع هؤلاء ومع هؤلاء”.

سفاح عيون قارة

يشار إلى أن استطلاع مركز “أكورد” الإسرائيلي قد أظهر يوم الأربعاء الفائت أن 76% من الإسرائيليين لا يجدون فارقا بين عسكريين ومدنيين في غزة، مما يعني أنهم يحلّلون قتل الأبرياء الفلسطينيين. ويستفيد نتنياهو أيضا من موقف رئاسة الدولة الذي طالم ترك أثرا على موقف الإسرائيلين في الأزمات والحروب، كما تدلل تجارب الماضي. إذ كشف النقاب اليوم أن رئيس إسرائيل الحالي (العمالي الأصل) يتسحاق هرتسوغ يدرس إمكانية العفو عن سفاح مذبحة “عيون قارة” عام 1990 عامي بوبر.

وتوضح “يديعوت أحرونوت” أنه مقابل صفقة (معطلّة) لم تولد بعد ومن أجل “المصالحة” و”الموازنة” يفكّر هرتسوغ بالعفو عن عامي بوبر. يشار إلى أن بوبر جندي إسرائيلي قد هاجم عمالا من غزة قدموا للعمل في منطقة تل أبيب وفتح عليهم بالنار ببندقيته الرشاشة وهم يقفون على قارعة الطريق في مستوطنة “ريشون لتسيون” (عيون قارة الفلسطينية المهجّرة منذ النكبة) فقتل سبعة وأصاب عشرة منهم وحكم بالمؤبد.

Share This Article