المسار ::في اللحظة التي تنشغل فيها القوى الفلسطينية بمناقشة ترتيبات ما بعد الحرب على غزة، والتي إنعقدت في القاهرة للبحث في المرحلة الثانية لعملية وقف اطلاق النار، وما تفرضه من تحديات سياسية وإنسانية، غابت حركة فتح عن هذه المناقشات المهمة، لاسيما بعد الاعلان الدستوري الاخير الصادر عن الرئيس محمود عباس الذي يقضي بتولي نائبه حسين الشيخ مهامه في حال غيابه، والتي جاءت في توقيت يكشف عن أزمة عميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني، ويضع كل حديث عن “الإصلاح والمصالحة” في مواجهة واقعية مع مسارٍ معاكس على الأرض.
مشهد من الواقعية السياسية
من الواضح أن الجميع يقرأ المرحلة القادمة بميزانٍ جديد. فالقيادة المصرية، التي تقود المسار الإقليمي لإعادة ترتيب غزة، عرضت خريطة طريق متكاملة تشمل تشكيل مجلس سلام عالمي يشرف على الأوضاع في القطاع، وإطار دولي–فلسطيني لإعادة الإعمار، ولجنة إسناد مجتمعي لإدارة الشأن اليومي، إلى جانب قوة دولية لحفظ الاستقرار.
كانت الرسالة المصرية واضحة: لا مجال لعودة الحرب، ولا مفرّ من تثبيت وقف إطلاق النار والانطلاق نحو مسار سياسي جديد، ولو بحدود الممكن، ويكمن في مقدمته حماية المشروع الوطني الذي يمرّ عبر تحقيق الاستقرار الإنساني أولاً، دون التفريط بالثوابت الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.
وشهدت القاهرة أخيراً مشاورات مكثفة بين الفصائل الفلسطينية، انتهت إلى “توافقات مبدئية” بشأن ملفاتٍ مطروحة للنقاش، أبرزها مستقبل إدارة قطاع غزّة بعد الحرب، استندت إلى أفكار ومقترحات مصرية قدمها جهاز المخابرات العامة بعد مشاورات أجراها مع قادة الفصائل الفلسطينية. حيث أن الموقف المصري في مسألة تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة غزّة تجاوز التحفظات السابقة للسلطة الفلسطينية، فلم يعد إصدار مرسوم من الرئيس الفلسطيني محمود عباس شرطاً أساسياً كما كان في مراحل سابقة، وأن القاهرة تتجه إلى تشكيل اللجنة بالتوافق مع الفصائل ومن دون انتظار قرار رسمي من رام الله.
كما ان الفصائل الفلسطينية لم تُبدِ اعتراضاً على الأسماء المقترحة لتشكيل اللجنة، إذ تضم شخصيات من أبناء قطاع غزّة المقيمين فيه، ويتمتعون بتاريخ مهني ووطني نزيه. غير ان “حماس” قد أبدت مرونة كبيرة في القضايا المطروحة، وأعطت مساحة أوسع للفصائل الأخرى للمشاركة في بلورة المخرجات، ما ساهم في إنجاح جولة الحوار الأخيرة.
حماس بين المقاومة والإدارة: لحظة مراجعة
من خلال مراجعة بيانات ومقابلات قياديي حركة حماس، يمكن القول ان حركة حماس تخوض بدورها مراجعة داخلية صعبة. فبعد شهور الحرب المدمّرة، باتت تتحدث بلغة جديدة: قبول ضمني بصيغة “وقف إعمال السلاح”، بحثٌ في ترتيبات القوة الدولية، وانفتاحٌ على دور مصري وعربي أوسع في إدارة المرحلة. لكنّ الثابت الوحيد هو رفض نزع السلاح، باعتباره خطاً أحمر يرتبط بمفهوم “السلاح الوطني لا الفصائلي”.
تلك المرونة الجديدة لدى حماس ليست تنازلاً بقدر ما هي تعبير عن إدراك واقعي لمتغيرات الميدان. فحركة حماس تدرك أن المعركة السياسية المقبلة قد لا تُحسم في الأنفاق أو عبر الصواريخ، بل في طاولة الترتيبات التي تُصاغ اليوم من القاهرة إلى نيويورك.
بين فتح وحماس: الانقسام كعقيدة سياسية
إن الانقسام لم يعد مجرّد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى عقيدة سياسية لدى بعض الأطراف الفلسطينية، حيث لاتزال حركة فتح ترفض أي شراكة حقيقية مع حماس، وحماس تشكّ في نوايا السلطة، فيما تتفرّج بقية القوى الوطنية على المشهد وكأنها عاجزة عن كسر الحلقة المغلقة.
لكن الحقيقة أن هذا الانقسام بات المسوّغ الأهم لبقاء النظام القائم. فكل طرف يستخدمه لتبرير سلطته، وكل مبادرة للحوار تُجهض في اللحظة التي تقترب فيها من المسّ بمصالح النخب المسيطرة في الضفة أو في غزة.
الإعلان الدستوري: من شرعية الثورة إلى شرعية الوراثة
وسط هذا الجمود السياسي، جاء إعلان الرئيس محمود عباس ليثبت أن الأزمة ليست فقط في الانقسام، بل في طبيعة السلطة نفسها. فعندما منح صلاحية تولي الرئاسة إلى نائبه حسين الشيخ — بعد أن منحها لروحي فتوح — ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل محاولة لتوريث السلطة داخل النظام السياسي الفلسطيني.
هذا القرار الذي وُصف بأنه “غير دستوري” و”تجاوز خطير للقانون الأساسي”، يكشف أن السلطة باتت ترى في الشعب الفلسطيني جمهوراً يُدار، لا شريكاً يُنتخب.
الحديث عن “الاستقرار المؤسسي” لم يعد سوى غطاءٍ لسياسة “الاستمرار في الكرسي”، وغياب المجلس التشريعي تحوّل إلى فرصة لإصدار مراسيم تُعيد هندسة السلطة على مقاس الفرد لا المؤسسة.
بل يمكن القول إن هذا الإعلان يُشكّل عمليًا إلغاءً لأي أفق للانتخابات، وترسيخًا لما يشبه “نظام الوراثة السياسية”، حيث تنتقل الشرعية بقرار إداري لا بصندوق اقتراع.
بين غزة ورام الله: مشروعان بلا جسور
تبدو المفارقة صارخة: في الوقت الذي تسعى فيه الفصائل والقوى الوطنية إلى بناء ترتيبات جديدة في غزة تضمن إدارة جماعية ومسؤولية وطنية، تمضي السلطة في رام الله إلى تركيز السلطة في يد شخص واحد وفريق واحد.
بهذه المعادلة، لا يبدو أن المصالحة قريبة، ولا أن الحديث عن وحدة وطنية يمكن أن يتحقق دون تجديد شامل للنظام السياسي من جذوره.
قراءة أعمق: السلطة حين تخاف من المستقبل
الإعلان الدستوري الأخير ليس سوى تعبير عن خوفٍ عميق من المستقبل.
فالقيادة الحالية تدرك أن أي انتخابات نزيهة ستكشف حجم التآكل في شعبيتها، وأن بروز شخصيات وطنية جديدة سيعيد خلط الأوراق داخل حركة فتح نفسها.
ولأن التغيير بات حتميًا، فإن الاستراتيجية المعتمدة هي تأجيله إلى ما لا نهاية: لا انتخابات، لا تجديد شرعية، ولا شراكة وطنية حقيقية.
لكن ما لا تدركه هذه القيادة أن الشرعية لا تُصنع بمرسوم، وأن السلطة التي تفقد ثقة شعبها تتحول بمرور الوقت إلى إدارة بلا شرعية، ودولة بلا مواطنين.
مسؤولية القوى الوطنية
في هذا السياق المضطرب، تبرز مسؤولية سائر القوى الوطنية أكثر من أي وقت مضى. فالدفاع عن المشروع الوطني لم يعد يقتصر على مقاومة الاحتلال، بل يمتد إلى مقاومة التدهور الداخلي في بنية النظام السياسي الفلسطيني.
المطلوب اليوم هو موقف وطني شجاع يربط بين إنهاء الحرب في غزة وإطلاق مسار إصلاح سياسي شامل، يعيد للشعب الفلسطيني حقه في الاختيار والمساءلة.
إن التهدئة التي تُصاغ في القاهرة لن تكون ذات معنى إذا لم تُترجم إلى هدنة سياسية داخلية تُنهي الانقسام وتفتح الباب أمام انتخابات حقيقية، تشارك فيها كل القوى دون إقصاء أو وصاية.
خاتمة: لحظة الحقيقة
لقد وصل النظام السياسي الفلسطيني إلى لحظة الحقيقة وهي ان الشرعية الداخلية تتآكل يوماً بعد يوم. وإذا لم تُواجَه هذه الحالة بإرادة وطنية صادقة — من سائر القوى الحية في المجتمع — فإن فلسطين قد تستيقظ قريبًا على واقعٍ جديد: سلطة بلا شرعية، وفصائل بلا مشروع، وشعبٌ يُدار دون أن يُستشار.
الطريق إلى الإنقاذ يبدأ من العودة إلى الشعب، لا من فوقه. ومن رحم الألم، يمكن أن تولد قيادة وطنية جديدة تُعيد الاعتبار للحرية، وللديمقراطية، وللحق الفلسطيني في تقرير المصير دون وصاية أو توريث.
كتب فؤاد بكر ..
27/10/2025

