المسار : بعد نحو ثلاثة عقود على الإبادة الجماعية التي ارتكبها متطرفون من الهوتو ضدّ أقلية التوتسي في رواندا عام 1994، والتي أودت بحياة نحو مليون شخص؛ ما تزال الأسئلة المتعلقة بالدور الذي لعبته فرنسا- سياسياً وعسكرياً ومالياً- خلال واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في القرن العشرين، تتردد بقوة.
التحقيق: بنك فرنسا كان يُفترض أن يمتلك إجراءات رقابية كافية لتنبيه موظفيه بخطورة تلك التحويلات، ولا سيما في ظل التغطية الإعلامية العالمية للمجازر
فقد كشف تحقيق مشترك لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية والقسم الاستقصائي في “راديو فرانس” عن تقديم شكاية جديدة، يوم الرابع من ديسمبر الجاري، أمام قاضي التحقيق المختص بالجرائم ضد الإنسانية في محكمة باريس، تتهم بنك فرنسا بالتواطؤ في الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية عبر تسهيل تحويلات مالية مشبوهة لصالح النظام الرواندي الذي قاد المجازر قبل نحو ثلاثة عقود.
الشكاية، قدّمها محاميان فرنسيان باسم ثلاث جهات مدنية، وتستند إلى وثائق تفيد بأن سبع تحويلات مصدرها حساب البنك الوطني الرواندي (BNR) لدى بنك فرنسا، نُفذت بين شهري مايو/أيار وأغسطس/آب 1994. وتبلغ قيمة هذه التحويلات مجتمعة 3.172 ملايين فرنك فرنسي في حينه (نحو 486 ألف يورو).
أول هذه التحويلات تم في الخامس من مايو 1994، ووجّه إلى شركة ألكاتيل، مقابل معدات اتصالات عبر الأقمار الصناعية، وتمّت تحويلات أخرى إلى سفارات رواندا في إثيوبيا وجنوب أفريقيا ومصر، ويُعتقد أنها ساهمت في تمويل عمليات شراء أسلحة، رغم أن الأمم المتحدة كانت قد فرضت في 17 مايو 1994 حظرًا على بيع السلاح لرواندا.
تستند الشكوى أيضاً إلى شهادة الخبيرة الدولية كاثي لين أوستن، التي حققت بعد الإبادة في شبكات تهريب السلاح التي اعتمد عليها قادة الهوتو. وتشير الشهادة إلى أن مسؤولين روانديين أكدوا أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أن تعليمات واضحة صدرت منذ بداية المجازر تطالب البنوك الرواندية بتحويل الأموال من حساباتها الخارجية إلى البنك الوطني الرواندي، ولا سيما حسابه المفتوح لدى بنك فرنسا في باريس.
وتوضح الخبيرة الدولية أن بنك فرنسا كان يُفترض أن يمتلك إجراءات رقابية كافية لتنبيه موظفيه بخطورة تلك التحويلات، ولا سيما في ظل التغطية الإعلامية العالمية للمجازر، وسيطرة حكومة مؤقتة غير دستورية على حسابات الدولة الرواندية، بالإضافة إلى وجود حظر دولي على توريد الأسلحة. وكان يجب اعتبار بعض هذه العمليات غير قانوني، أو على الأقل مريباً.
وأكدت “ليبراسيون” أنها سألت وزير الخارجية الفرنسي في ذلك الوقت، ألان جوبيه، حول طبيعة الرقابة المفروضة على التحويلات المالية آنذاك، لكنه رفض التعليق، رغم كونه من أوائل المسؤولين الذين نددوا بالإبادة في مايو 1994.
بنك فرنسا ردّ موضحاً أنه لم يعثر على أي أثر لتلك التحويلات بعد ما وصفه ببحث “سريع”، مشيراً إلى أن الوثائق المصرفية تُتلف بعد عشر سنوات
كذلك، سألت الصحيفة بنك فرنسا، الذي ردّ موضحاً أنه لم يعثر على أي أثر لتلك التحويلات بعد ما وصفه ببحث “سريع”، مشيراً إلى أن الوثائق المصرفية تُتلف بعد عشر سنوات بموجب القانون. وأضاف أن مبالغ التحويلات ـ بمتوسط نحو 50 ألف يورو للحوالة ـ “قد تكون متوافقة مع نفقات تشغيل عادية”، في غياب أدلة أخرى.
ألان غوتييه، أحد مقدمي الشكوى، ومدافع بارز عن قضايا محاسبة مرتكبي الإبادة، اعتبر أن التقدم القضائي بطيء للغاية. فقد قدمت شكوى مماثلة عام 2017 ضد بنك BNP Paribas بتهمة تمويل شراء أسلحة للنظام الرواندي، لكن التحقيق ما يزال مجمداً منذ سنوات.
وراء هذه القضايا تقف أيضاً جهود الباحثة مرياما كيتا، المقربة من الناشط الراحل فرانسوا-كزافييه فيرشاف، أحد أوائل من نددوا بعلاقات فرنسا مع الأنظمة الأفريقية المتهمة بالانتهاكات. وتقول كيتا إنها تواصل العمل على ملف “تواطؤ البنوك الفرنسية”، في إشارة إلى أن مؤسسات مالية أخرى قد تجد نفسها قريباً في مرمى العدالة.

