المسار : بعث تفاقم مأساة قطاع غزة المحاصر في ظل المنخفض الجوي وغرق خيام النازحين نتيجة لحرب الإبادة وما خلفته من دمار واسع للمنازل والعمارات والبنى التحتية البهجة في قلوب جزء من الإسرائيليين الشامتين على الملأ ودون خجل، ومنهم من أطل عبر شاشة القناة 14 العبرية، أمس الأربعاء واليوم الخميس، محتفلاً، بل ومتمنّياً ألا يبقى أحد في القطاع. بالمقابل، انتقد البعض التعامل مع معاناة السكان بسخرية واستهزاء بدلاً من التعاطف معهم.
وتحوّلت وحشية العاملين في القناة وضيوفها إلى منافسة حول من يظهر بمظهر الأكثر قسوة ووحشية وأقل آدمية، وسط إطلاق ضحكات ونكات مريضة إزاء النازحين الغارقين في مياه الأمطار، ومزاعم حول سبب ما يحدث لهم. في مقابلة تابعها “العربي الجديد” على القناة 14 اليوم الخميس، عبّر يحيئيل شابي، الذي يعرّف نفسه بأنه باحث ومحاضر في العلوم السياسية وشؤون الشرق الأوسط، عن سعادته بالكارثة التي تواجهها غزة في ظل المنخفض الجوي، معتبراً ذلك فرصة للتهجير، وقال في ردّه على سؤال حول الطقس وتأثيره على الحرب: “أنا سعيد. ما يُسمى طوفان الأقصى أصبح طوفان البول”.
يشرح بسخرية أنّ مرادف طوفان باللغة العبرية هو “مابول”، قبل أن يتابع، مشتقاً جزءاً من الكلمة ومتلاعباً بالكلمات، وشارحاً “نحن نرى هناك فيضان البول، أي أن القطاع كله يغرق داخل أنابيب الصرف الصحي هذه، ولم يعد هناك شيء يمكنهم السيطرة عليه، كل شيء يتفكك بين أيديهم، وهذا أمر جيد”. وتابع: “من وجهة نظرنا، حماس تُظهر أنها عاجزة، وأن الضربة التي تلقّتها (أي في حرب الإبادة على القطاع) كبيرة جداً”.
وواصل مزاعمه بالقول “نرى أن السكان الآن لا يستطيعون التعامل مع الوضع، وحماس بطبيعة الحال لا تعرف كيف تأتي وتدعمهم في هذا الأمر. لذلك تُسمع الآن أصوات كثيرة تنتقد حماس وما سبّبه لهم الهجوم ضد إسرائيل. وكل تلك العشائر التي تضررت من حماس على مر السنين، وكل تلك المليشيات التي نحن اهتممنا بإنشائها ضد حماس، تحصل اليوم على مزيد من المكانة والقوة. والآن، عندما تكون حماس ضعيفة، يجب على دولة إسرائيل أن تقول بصوت عالٍ: نحن مستعدون أن ننقلكم عبرنا. نحن مستعدون أن ننقلكم إلى منطقة تحت سيطرة إسرائيل ومنها إلى الخارج”.
راصد جوي عن غزة: لا مشكلة إن لم يبق أشخاص هناك
لم تكن تلك الحالة الوحيدة المتعلّقة بالعاصفة، فمساء أمس الأربعاء، أجرى مذيع القناة شمعون ريكلين مقابلة مع خبير إسرائيلي للأرصاد الجوية يُدعى تساحي بيليغ. خلال المقابلة، عرض بيليغ توقعات صعبة للبنية التحتية في القطاع، وتنبأ بأن العاصفة ستلحق أضراراً جسيمة بخيام النازحين في غزة، وقال في بداية حديثه: “أقدّر أنه لن تبقى خيمة واحدة في مكانها”، وأضاف بسخرية: “ليست لدي مشكلة إن لم يبقَ هناك أشخاص أيضاً”، ليردّ المذيع “إنك تُفرحنا”.
وبحسب بيليغ، فإن ذروة العاصفة ستضرب اليوم الخميس، وبشكل أكبر ليلة الخميس إلى الجمعة. ووفقاً لتقديراته، من المتوقع أن يتلقّى القطاع كمية أمطار استثنائية، وأعلن أن “قطاع غزة سيغرق”، مضيفاً: “أتوقع ما بين 100 إلى 170 ملم من الأمطار، وهي كمية تعادل ما يهطل خلال شهر ونصف في فترة قصيرة جداً”. وفي ما يتعلق بتأثير الأمطار على الأنفاق، ولدى سؤاله إن كانت “الأنفاق ستُغمر بالمياه”، أجاب بالإيجاب، وأوضح أن البنية التحتية في القطاع مدمّرة في معظمها وأن أنظمة الصرف لن تتحمل الضغط. وأضاف: “المطر سينظّف هناك الكثير من الأمور خلال فترة اليومين ونصف المقبلة”.
قناة مريضة
رغم تماهي معظم وسائل الإعلام العبرية مع حرب الإبادة، لكن بعضها تنتقد ما يحدث في القناة 14 بشكل عام، ليس بشأن غزة فقط، وإنما حتى حيال القضايا الإسرائيلية الداخلية، وكثير من الصحافيين الإسرائيليين ينكرون أن العاملين في هذه القناة صحافيون، وينزعون عنهم أي شرعية مهنية. أمّا بشأن الحالة العينية، فكتب موقع والاه العبري، اليوم الخميس، أنه “حتى نشرة الطقس في القناة 14 مريضة. يعمل هناك أناس بلا قلب”. وأضاف أن “مقدّمي القناة 14 في غاية السعادة بما يحدث لسكان غزة في العاصفة”. أما في صحيفة هآرتس العبرية، فكتب روجل ألبير مقالاً مطوّلاً تحت عنوان “في العالم المضّطرب للقناة 14، الفيضانات والكوارث في غزة تتحول إلى مادة للضحك الذي لا ينتهي”.
واعتبر أن عروض القسوة والشر تحوّلت في القناة 14 إلى “سمول – توك”، وأن “مشاهدتها تصبح أصعب فأصعب، إذ تثير شعوراً بالغثيان والغضب. الديناميكية متشابهة في كل الحوارات. بمجرد عرض موضوع وصياغة موقف القناة القاسي تجاهه، يتنافس المحللون في ما بينهم لإرضاء المذيع عبر إظهار جرعات أكبر من الشر. هذه المنافسة تُسمّى في القناة نقاشاً”. وأشار الكاتب إلى أن مشهداً لشابين يحاولان تصريف المياه الطينية وسط بركة عكرة جلب سعادة بالغة للمذيعة في القناة ياعرا زرد. كما لفت الكاتب إلى قول المحلل العسكري في القناة نوعام أمير إنه يرى التغطية في وسائل الإعلام، “الألم، العناوين الصارخة عن مصير الغزيين”، لكنه لا يشعر بأي تعاطف ولا ينوي الاعتذار.
وبحسب الكاتب، فإنه بينما استمرت المشاهد بالظهور، لعربات متداعية محمّلة بالبشر وقليل من الممتلكات، غارقة في برك عميقة وواسعة، ولخيام تغرق في المياه، ورجل يبكي على طحين أتلفه المطر، ويقف وسط الفيضان حتى ركبتيه، فإنهم في القناة “سخروا منهم، وفرحوا بمأساتهم. الاستديو امتلأ بالضحكات، كأنهم يستمتعون بعنصريتهم”. وأشار ألبير إلى قول أحد المشاركين في النقاش: “لا أستطيع أن أحرّك أي سنتيمتر في قلبي يظهر تعاطفاً مع العرب في قطاع غزة”، وأن “ما يحدث الآن هو في الواقع تنظيف. الله عاقبهم والآن ينظّف القطاع قليلاً بالماء”. وأكد المتحدّث أنه جاد بحديثه بأن “الله ينظف القطاع. فيضان مطهّر، بدا لي كإبادة جماعية”، فيما استمرت الضحكات. وشرحت المذيعة بدروها قائلة: “عندنا هذه أمطار بركة”، فيما صرخ أحدهم “وأيضاً هناك”، وسط ضحكات، وإيماءات بأن هذه “ليست إبادة جماعية. إنها أمطار بركة”.

