المسار :تصل مبكراً، كما تقول لك المنصة.
تصل مبكراً فتكتشف أن “المبكر” مصطلح أدبي، لا علاقة له بالواقع.
أمامك البوابة الحديدية، وخلفك آلاف البشر، وتحت قدميك بركة وحل تشكّلت بعناية من أمطار الليل وإهمال النهار. هنا يبدأ طقس العبور الحقيقي: التعميد الإجباري. من لم يغمس قدميه في الطين، لن يُغمس في الوطن.
الوحل ليس صدفة. هو إعلان مبكر: اترك نظافتك الأخلاقية عند المدخل. ادخل خفيف المبادئ، ثقيل الدفع، واسع الكتفين. معبر الكرامة لا يحب الضعفاء، ولا يعترف بالمواعيد، ولا يفهم معنى “الدور”. يفهم شيئاً واحداً فقط: من يدفع يمرّ… جسدياً أو مالياً.
الملحمة: حين يتحول البشر إلى موجات
يتراكم الناس كما تتراكم الأخبار السيئة: بلا ترتيب.
أطفال يصرخون لأن الخوف لا يعرف الصمت.
كبار سن يتمايلون ثم يسقطون، لأن الجاذبية لا تحترم النوايا الحسنة.
نساء ورجال في تماس بشري قسري لا يريده أحد، لكنه يحدث لأن أحداً قرر أن “الاستعجال” مبرر أخلاقي كافٍ.
لا صفوف. لا مسارات. لا اعتبار لخصوصية أو ضعف.
في هذه اللحظة تفهم أن الفوضى ليست خللاً فنياً، بل ثقافة كاملة. ثقافة ترى في سرقة دور إنسان آخر إنجازاً شخصياً، وفي الالتفاف على النظام “شطارة”، وفي الصراخ حقاً مكتسباً.
العمرة: زمزم حاضر… والأخلاق في إجازة
عاد المعتمرون. وكان يفترض أن تعود معهم السكينة.
لكن السكينة ضاعت بين حقائب زائدة وجالونات زمزم، تُحمَل بعناية تفوق العناية بالبشر.
الماء مقدّس. أما الإنسان؟ قابل للتجاوز.
أحدهم يدفع بعنف. تسأله لماذا.
يجيب بثقة رجل يحمل ماءً مباركاً: “مستعجل”.
الاستعجال هنا تصريح سماوي لتجاوز الآخرين.
سرقة الدور عبادة جديدة.
والضمير—إن وُجد—مؤجل إلى إشعار آخر.
منصة الحجز: فكرة عظيمة… قُتلت اجتماعياً
منصة الحجز، في جوهرها، فكرة ممتازة. تنظيم، عدالة، وقت.
لكننا فعلنا بها ما نفعله بكل فكرة جيدة: حوّلناها إلى سوق سوداء أنيقة.
حجز يُسرق. موعد يُلغى عملياً. من لم يحجز يمرّ. ومن احترم دوره يُعاقَب.
هنا يظهر “فاعلو الخير”: وسطاء الرحمة المدفوعة.
لا يفرضون أنفسهم—نحن نستدعيهم.
ندفع لأن السير المتحرك لا يتحرك بلا مال.
ندفع لأن الحقيبة لا تصل بلا عمولة.
ندفع لأننا صدّقنا أن الحلول الفردية أنقذتنا يوماً.
ثم يمرّ الـVIP.
لا يمرّ لأنه أسرع، بل لأنه أكثر حاجة للشعور بالأهمية.
خدمة الـVIP هنا ليست تسهيلاً، بل علاجاً نفسياً مؤقتاً لنقص اجتماعي مزمن. خمس دقائق فصل طبقي على بوابة حديدية، كافية ليقنع صاحبها نفسه أنه مختلف.
التذكير الضروري—وبنبرة لا تقبل النقاش:
أمام الجندي، لا أحد VIP.
لا بطاقة، لا واسطة، لا مسار ذهبي.
غضب الاحتلال ديمقراطي: ينزل على الجميع بلا تمييز.
لكننا نصرّ أن نمارس الطبقية قبل أن نُهان جماعياً.
الـVIP الفلسطيني لا يعلو فوق الآخرين؛
هو فقط يتجاوزهم… إلى أن يصل إلى الحافلة الإسرائيلية حيث الجميع سواء: أجساد محبوسة داخل علبة معدنية، تُحسب بالدقائق والساعات لا بالأسماء.
البوابة الحديدية: اختبار البقاء للأصلح دفعاً
حين تُفتح البوابة جزئياً، لا تدخل… تُقذف.
الموجة البشرية تتحرك. من في الأمام لا يسير، ومن في الخلف لا يرى.
كبار السن يُدهسون بنوايا حسنة.
الأطفال يُرفعون فوق الرؤوس خوفاً لا احتراماً.
والبركة أمام المدخل تبتلع ما تبقى من أناقة المشهد.
هذا ليس إهمال بنية تحتية فقط؛
إنه مشهد رمزي: من أراد العبور، عليه أن يتّسخ أولاً.
إنصاف واجب: من المسؤول ومن ليس
لنكن دقيقين—وبصراحة لا تعرف المجاملات:
الجانب الأردني الرسمي ليس مسؤولاً عن هذه الفوضى.
الإجراءات واضحة، عالمية، وروتينية.
ما يحدث خارج القاعات ليس قرار دولة، بل نتاج مجتمع لا يؤمن بالدور ولا يحترم النظام.
الفوضى هنا محلية الصنع.
نحن من صدّق أن الدفع أذكى من الوقوف.
ونحن من بارك “المساعدة مقابل المال”.
ونحن من جعل النظام فكرة نظرية لا تصلح للتطبيق.
الحافلة: حين يتولى الاحتلال دوره
ثم تأتي الحافلة.
عشر دقائق مسافة.
ساعة ونصف انتظار في أفضل الأحوال.
وأحياناً أربع ساعات من الاحتجاز داخل علبة معدنية.
هنا لا لبس: هذه مسؤولية الاحتلال.
تعطيل متعمد. احتجاز بلا مبرر. إذلال مقصود.
لكن السؤال المؤلم: لماذا نصل إلى هذه المرحلة ونحن منهكون، غاضبون، مكسورون؟
لأننا أنهكنا بعضنا قبل أن يتدخل الاحتلال.
حلول؟ نعم… لكنها لا تعجب ثقافتنا
الحلول ليست عبقرية، لكنها تتطلب شجاعة أخلاقية:
تطبيق صارم للحجز والوقت: من لا يملك حجزاً لا يدخل—مهما كان اسمه أو لقبه.
إلغاء أو ضبط خدمة VIP: لا مسارات تُهين الآخرين، ولا استعراض نفسي على حساب البشر.
مسارات إلزامية لكبار السن وذوي الإعاقة: حق غير قابل للتفاوض.
تجريم الوساطة والابتزاز علناً: لأن “المساعدة مقابل المال” اسم مهذب للسرقة.
إدارة تدفق بشرية محترفة: بوابات متعددة، ممرات واضحة، وتدخل فوري عند التدافع.
والأهم: تغيير السلوك—لا نظام سينجح مع ثقافة ترى الفوضى بطولة.
نقول : إلى فصائل العمل الوطني… هذه ليست هامشية
وأخيراً، كلمة شخصية لا تحتمل التأجيل:
إلى فصائل العمل الوطني بكل مسمياتها — يمينها ويسارها ووسطها
فشلتم في التحرير، وهذه حقيقة مرة يعرفها الجميع.
لكن إن كنتم عاجزين عن الكبير، فلا تعجزوا عن الصغير.
معبر الكرامة ليس تفصيلاً.
هو حياة يومية لملايين الناس.
هو امتحان كرامة متكرر.
إن لم تستطيعوا إنهاء الاحتلال، اصنعوا شيئاً يحمي الإنسان من الإذلال.
تنظيم، رقابة، ضغط سياسي، حلول عملية—أي شيء.
الكرامة لا تُحرَّر بالشعارات فقط.
أحياناً تبدأ من بوابة،
من دور يُحترم،
ومن إنسان لا يُداس.
أما نحن،
فما لم نعترف أننا تعمّدنا في الوحل بإرادتنا،
سنظل نخرج منه غاضبين…
ونطالب العالم باحترامٍ لم نتفق نحن عليه بعد.
![]()

