المسار : ما يُطرح اليوم تحت عنوان “مجلس السلام” الأميركي لغزة لا يمكن قراءته كمبادرة لإنهاء الصراع (كما يحلو للبعض تسمية الاحتلال) أو كمدخل جدي لمرحلة ما بعد الاحتلال، بل كصيغة جديدة لإدارة الصراع، تُعيد إنتاج منطق الانتداب بأدوات معاصرة. تغيّرت اللغة وتبدّلت الهياكل، لكن الجوهر واحد: سلطة خارجية تمسك بمفاتيح القرار، وشعب يُطلب منه التكيّف مع واقع مفروض.
التجربة الفلسطينية مع هذا النمط من الترتيبات ليست جديدة. الانتداب البريطاني دخل فلسطين كوصاية “مؤقتة” بذريعة بناء المؤسسات والتهيئة للاستقلال، لكنه تحوّل عمليًا إلى إطار دائم لإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني، تفكيك قيادته الوطنية، وتهيئة الأرض لمشروع استيطاني انتهى بنكبة لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل من الحكم بلا سيادة.
اليوم، تتكرر الفكرة ذاتها في غزة. منظومة من المجالس الدولية واللجان التنفيذية والممثلين السامين والقوى الأمنية متعددة الجنسيات، تتولى إدارة البشر والأمن والمال والإعمار، فيما يُرحَّل السؤال الجوهري إلى أجل غير مسمى: كيف ينتهي الاحتلال؟ لا يُطرح إنهاؤه شرطًا، بل يُدار الواقع في ظله، ويُعاد تعريف “الاستقرار” بوصفه ضبطًا أمنيًا لا تحررًا وطنيًا.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الإرث الثقيل لاتفاقيات أوسلو، التي كرّست نهج التجزئة والتدرّج، وقدّمت إدارة محدودة بدل السيادة. لم تفشل أوسلو بعامل الزمن، بل لأنها فصلت الأرض عن الشعب، والحقوق عن أدوات حمايتها. والنتيجة اليوم ماثلة في الضفة الغربية والقدس: توسّع استيطاني متسارع، إضعاف منهجي للوجود الفلسطيني، واستنزاف متواصل للحقوق.
قد يكون وجود جسم فلسطيني لإدارة الشؤون اليومية في غزة اليوم واقعًا مفروضًا في هذه المرحلة(وهو كذلك)، وهو ايضا انعكاس مباشر للانقسام الداخلي. الخطر يكمن في تطبيع هذا الواقع وتحويله إلى صيغة دائمة تُكرّس الفصل، وتعيد إنتاج حكم بلا سيادة.
بعد حرب إبادة مستمرة، لم تعد الوصاية مقبولة، ولا يمكن تسويق “مجلس السلام” كحلا امثل. ما يجري اليوم هو إدارة للاحتلال لا تفكيك له.
انتداب على غزة: تسويق للاحتلال ومنع للحرية.
المطلب واضح: إنهاء الاحتلال، لا إدارته.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

