المسار حين يلمّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن الولايات المتحدة تعرف مكان الجثة الإسرائيلية الأخيرة، من دون أن يوجّه اتهامًا مباشرًا لحركة حماس، فإننا لا نكون أمام زلّة لسان، بل أمام إشارة سياسية محسوبة. فالصمت عن الاتهام هنا أبلغ من الاتهام نفسه، ويعكس إدراكًا أميركيًا بأن الجثة ليست في حوزة حماس، بل في نطاق سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، أو في مساحة يتحكّم الاحتلال بمسار الوصول إليها.
هذا التلميح، الذي يفهمه الإسرائيلي جيدًا، يكشف حجم التلاعب الإسرائيلي بملف إنساني بالغ الحساسية، ومحاولة تحويله إلى أداة سياسية لتعطيل تنفيذ الاتفاق، وإبقاء المعابر مغلقة، وعلى رأسها معبر رفح، لمنع الانتقال إلى المرحلة التالية. وفي هذا السياق، تبدو المماطلة الإسرائيلية جزءًا من استراتيجية أوسع لإدامة العدوان والضغط، لا لمعالجة الملف أو إغلاقه.
سبق أن أكدتُ في أكثر من لقاء إعلامي، ولا سيما عبر قناة الجزيرة، أن ملف الجثة الإسرائيلية ينحصر في ثلاثة سيناريوهات فقط، ولا يوجد بينها إطلاقًا احتمال أن تكون حماس تعرف مكانها أو تُخفي معلومات عنها. فحماس معنية بإغلاق هذا الملف، وقد سلّمت أسرى أحياء وجثامين أخرى، ولا مصلحة لها في إبقائه مفتوحًا أو استخدامه سياسيًا.
السيناريو الأول: أن يكون الاحتلال قد سيطر على الجثة وأخفاها عمدًا، لإبقاء الملف ورقة ضغط سياسية مفتوحة.
السيناريو الثاني: أن تكون الجثة قد تحولت إلى أشلاء بفعل القصف الكثيف بالسلاح الأميركي–الإسرائيلي، وهو احتمال واقعي في ظل وجود مئات جثامين الشهداء الفلسطينية التي لم يُعثر عليها حتى الآن بسبب حجم الدمار.
السيناريو الثالث: أن تكون الجثة في منطقة يسيطر عليها الاحتلال، لكنه يمنع وصول الطواقم المختصة إليها، ولا يقوم هو بالبحث الجدي عنها، لإبقاء الملف معلّقًا وقابلًا للتوظيف.
من هنا، يكتسب تلميح ترامب أهمية خاصة، وقد يفضي إلى كشف حقيقة هذا الملف أو فضح الجهة التي تعرقل إغلاقه. فمماطلة الاحتلال ومراوغته تؤكدان أنه الجهة المعطِّلة، بينما المطلوب اليوم واضح وبسيط: فتح المعابر، إغاثة الشعب الفلسطيني، إدخال مستلزمات الإيواء والإعمار، والانتقال إلى مرحلة جديدة من تنفيذ الاتفاق.

