المسحراتي في غزة… صوت رمضان يتردد بين الركام والخيام

المسار : لم يعد المسحراتي في غزة يجوب شوارع مضاءة ويطرق أبواب بيوت تعج بالحياة كما في الأعوام الماضية، بل يسير اليوم بين ركام المنازل المدمرة وصفوف الخيام التي لجأ إليها آلاف السكان بعد الحرب، حاملاً طبلته الصغيرة وصوته الذي يحاول أن يوقظ الذاكرة قبل أن يوقظ الناس للسحور.

وفي ظل الدمار الواسع الذي طال أحياء عديدة في القطاع، بات المسحراتي يقطع طرقات وعرة تتناثر فيها الحجارة وقطع الإسمنت، وينادي في فضاء مفتوح بعدما اختفت الجدران والنوافذ التي كانت تردّد صوته في ليالي رمضان السابقة.

ويقول محمود عاشور (27 عاماً)، وهو مسحراتي يجوب أنقاض حي الشاطئ غربي مدينة غزة، إن عمله هذا العام مختلف تماماً عما كان عليه في السابق. ويوضح أنه بات يسير بحذر شديد بين الركام والحفر، خصوصاً في ظل الظلام الناتج عن انقطاع الكهرباء، مضيفاً: “كنت أعرف كل بيت في الحي وأنادي الناس بأسمائهم، وكان الأطفال ينتظرونني عند النوافذ، أما اليوم فأمشي في الشوارع نفسها ولا أجد بيوتاً، بل ركاماً فقط”.

ويشير عاشور إلى أن من أصعب اللحظات التي يمر بها وقوفه أمام منازل مدمرة كان أصحابها يستقبلونه كل عام، مؤكداً أنه يشعر أحياناً بأنه ينادي الذكريات، لكنه يواصل جولاته لأن “رمضان يجب أن يبقى حياً في غزة”.

من جهته، يواصل يوسف البياري (41 عاماً) جولاته الليلية حاملاً طبلته التي ترافقه منذ أكثر من عشر سنوات. ويقول إن مهمته هذا العام أصبحت أكثر ثقلاً، ليس بسبب طول المسافات فقط، بل بسبب المشاعر التي ترافقه وهو يسير بين خيام لعائلات نزحت من أحياء مختلفة وجمعتها الحرب.

أما أحمد زقوت (34 عاماً)، الذي يعمل مسحراتياً في أحد مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، فيوضح أن طبيعة عمله تغيرت بالكامل بعد أن انتقل السكان من البيوت إلى الخيام. ويقول: “في السابق كنت أنادي على الناس من بين البيوت، وكانوا يفتحون النوافذ أو الشرفات ويردون التحية، أما اليوم فأنادي على خيام فقدت ساكنوها كل شيء”.

ورغم المخاطر والظروف الصعبة التي يواجهها المسحراتية في غزة، يواصلون جولاتهم الليلية بين الركام والخيام، حاملين طبلاتهم وأصواتهم كأنها ذاكرة حية لطقوس رمضان، ومحاولة لإبقاء شعور الحياة والأمل حاضراً لدى السكان رغم قسوة الواقع.

Share This Article