ألون عيدان
يحاول بنيامين نتنياهو التكفير عن السابع من أكتوبر. بالنسبة له، ليست هذه كفارة سياسية بل كفارة تاريخية. ومن وراء الكلام الذي أصدره بشأن نصيبه من الكارثة — لم يوقظه أحد، ولم يشد أحد بطرف سترته — فهو يدرك جيدًا أن المذبحة مسجلة باسمه. ومن وجهة نظره، كانت الطريق الوحيدة كي لا يتحول إلى بقعة سوداء في كتب تاريخ الشعب اليهودي هي القضاء على التهديدات الوجودية لإسرائيل، وفي مقدمتها إيران. فإذا فعل ذلك، قال لنفسه، قد ينجو من أن يُسجل بوصفه “الرجل المسؤول عن أكبر كارثة للشعب اليهودي منذ المحرقة”.
المعركة التي يخوضها في العامين والنصف الأخيرين هي معركة على الذاكرة. ومحاولة تفسير خطواته تفسيرًا سياسيًا فقط هي محاولة خاطئة. فنتنياهو يعمل اليوم لا لكي يُنتخب مرة أخرى، بل لكي يمحو البقعة التي يُفترض أن تلازم إرثه. هكذا ينبغي فهم الحرب القاسية التي شنها على غزة، بعشرات آلاف قتلاها؛ وهكذا ينبغي فهم العمليات العدوانية ضد حزب الله — وهو تنظيم كان، في فترة حكم نتنياهو نفسها، يجلس على الحدود وينتظر الفرصة لاحتلال أجزاء من الجليل؛ وهكذا ينبغي فهم حرب الأيام الاثني عشر ضد إيران والحرب الحالية ضدها. ليس إيران ولا حزب الله ما يريد نتنياهو تدميره، بل عاره التاريخي.
••• تحكم إيران قيادة قاسية ومتشددة. لكن مشكلة إسرائيل ليست إيران. مشكلتها هي الفلسطينيون؛ هؤلاء الناس الذين، بالمقارنة مع “التهديد الوجودي” أو “التهديد النووي” أو “التهديد الباليستي” القادم من إيران، يظهرون في الخطاب الإسرائيلي كأنهم مسألة صغيرة، هامشية، تكاد تكون بلا وزن. في التصور المشوّه لنتنياهو تؤدي إيران وظيفة واضحة: خطر كبير يُستخدم لإخفاء ما يبدو خطرًا صغيرًا. ظلٌّ ضخم يتيح إنكار جوهر المشكلة وإخفاءها، وهي المشكلة التي تتفرع منها بقية الأزمات.
هذا لا يعني أنه لا ينبغي مواجهة إيران أو التعامل بجدية مع الخطاب المتطرف لقادتها، بل وحتى مهاجمتها إذا إضطررنا. لكن إيران، تحديدًا لأنها تثير خوفًا عميقًا لدى الجمهور الإسرائيلي، تصلح أيضًا كملاذ مريح للهروب من خوف أقدم وأعمق لدى الإسرائيليين — الخوف من الفلسطينيين. إنها عملية إزاحة بالمعنى النفسي للكلمة. وربما لهذا السبب بقي نتنياهو في رئاسة الحكومة أطول من أي سلف له: فهو والإسرائيليون يلتقون في محاولة نقل القلق من “الخطيئة الأصلية” تجاه الفلسطينيين إلى عدو آخر.
••• هذه الخطيئة الأصلية ما زالت تطاردنا. تعود في كل مرة بوجه آخر وبصيغة مختلفة. تطاردنا رغم أننا نفهمها جيدًا: لقد أقمنا دولة على حساب شعب آخر. هذه هي الحقيقة ببساطة. هذا ما ينبغي مواجهته، وهذا ما ينبغي إيجاد حل له. بعد ما يقارب 78 عامًا على قيام الدولة ما زلنا عالقين في مرحلة الإنكار. إنكار يقودنا مرارًا إلى طرق مسدودة، وإلى صدامات لا نجني منها مكسبًا حقيقيًا، بل ندفع أثمانها بدرجات مختلفة. مثل صخرة تتدحرج من أعلى الجبل، لتتسقط على رأسك مرة تلو الاخرى.
هذه المذبحة أطلقت سلسلة من العمليات الإسرائيلية، يُنظر إلى كل واحدة منها على حدة كنجاح: إضعاف حماس، إضعاف حزب الله، إضعاف إيران، وتغيير النظام في سوريا. نتنياهو ودائرة مؤيديه يواصلون النظر إلى هذه الجبهات والتباهي بما يرونه إنجازات، وبالقول إن إسرائيل لم تعد مهدَّدة وجوديًا كما كانت في السادس من أكتوبر. لكن نتنياهو، كعادته، لا يقرأ الخريطة ولا يفهم التاريخ. وإن كان يفهمه فإنه يختار تجاهل الاستنتاج الواضح منه: يحيى السنوار سينتصر عليه، حتى من قبره. سينتصر عليه لأن الطائرات الإسرائيلية، بعد جولات القصف في أنحاء الشرق الأوسط، ستعود في النهاية إلى قواعدها، وسيعود الطيارون الذين استُقبلوا بالتصفيق إلى بيوتهم — بيوت تقع على بُعد أمتار من الضفة، وعلى بُعد أمتار من غزة، وعلى مقربة من ملايين الفلسطينيين المنتشرين بين البحر والنهر.
•• أصبح مصطلح “التهديد النووي” مرادفًا للتهديد الذري. لكن التهديد النووي، بالمعنى الأصلي للكلمة — أي جوهر القلق — هو الخطيئة الأصلية تجاه الفلسطينيين. ونتنياهو هو أكبر من ينكرها؛ لذلك، ما دام حاضرًا على مسرح التاريخ، سيدفع الإسرائيليون جميعًا ثمنًا باهظًا.

