هل كانت أزمة مضيق هرمز القشة التي قصمت ظهر التحالف؟ بين التهديد بـ”نهاية الناتو” و”الابتزاز”.. قادة أوروبا يرفضون الانجرار إلى حرب “نتنياهو ترامب” لا يرون مخرجاً منها

المسار  : تشهد العلاقات عبر الأطلسي واحدة من أكثر لحظاتها توتراً منذ عقود، فبعد ثلاثة أسابيع على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب جداراً أوروبياً يرفض تلبية دعوته لإرسال سفن حربية للمشاركة في العدوان وفتح مضيق هرمز، الذي أغلقته طهران ردا على العدوان.

الرئيس الأميركي، الذي اعتاد على انتقاد حلفاء واشنطن لتقاعسهم عن تمويل دفاعاتهم، وجد نفسه هذه المرة في مواجهة رفض غير مسبوق، ليس فقط من خصومه التقليديين، بل حتى من حلفاء مقربين. الرد الأوروبي جاء حاسماً هذه المرة بعد محاولة ترامب توريط أوروبا وحلف الناتو في العدوان: “هذه ليست حربنا”، و”لسنا طرفاً في النزاع”، و”لن نكون تابعين لأحد”.

المحلل السياسي الأعور في لقاء صحفي : للمرة الأولى أوروبا تخرج من عباءة التبعية لواشنطن

في قراءة معمقة للموقف الأوروبي من رفض المشاركة في العدوان على إيران وفتح مضيق هرمز بالقوة، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور علي الأعور، في تصريح صحفي ، إن المشهد الحالي يعكس تحولاً جذرياً في العلاقة عبر الأطلسي، حيث تعلن أوروبا وللمرة الأولى موقفاً مستقلاً لا يدور في فلك واشنطن، ولا يخضع لسياساتها المنحازة لإسرائيل.

وأضاف الأعور: “للمرة الأولى، أوروبا تتخذ موقفاً واضحاً وحاسماً: لا للحرب على إيران. والأسباب واضحة، فالعدوان الذي تشنه أميركا وإسرائيل على طهران لم يأتِ لحماية مصالح أوروبا، بل جاء للدفاع عن مصالح إسرائيل، بينما إيران لم تشكل أي تهديد حقيقي لأميركا. وهذا ما جعل الأوروبيين يقررون أن هذه الحرب ليست حربهم، وأنهم لن يدفعوا ثمنها” .

وتابع: اليوم نرى أوروبا تخرج عن هذا الفلك وتقول لا لسياسات ترامب الخارجية، بعيداً عن منطق القوة والتحوش الذي يقوده الرئيس الأميركي بالشراكة مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو” .

وفي إشارة إلى موقف حلف الناتو، أوضح الأعور أن “حلف الناتو نفسه أعلن بشكل واضح أنه لن يشارك في هذه الحرب، وهو ما يعد سابقة في تاريخ التحالف الذي اعتاد أن يتحرك ككتلة واحدة خلف واشنطن. هذه المرة، أوروبا تعلن عصيانها المدوي، وتقول إنها تعاني من سياسة ترامب الخارجية، وإنها لن تكون بعد اليوم مجرد تابع يلتقط أوامره من البيت الأبيض”.

ترامب بين التهديد والتراجع: “اختبار ولاء” فشل الأصدقاء فيه

“سيكون سيئاً جداً لمستقبل الناتو”

لم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخيلاً في استخدام لغة التهديد لحث الحلفاء الأوروبيين على الانضمام إلى جهود فتح مضيق هرمز. في مقابلة مع صحيفة فاينانشال تايمز نهاية الأسبوع الماضي، حذر قائلاً: “إذا لم يكن هناك رد، أو إذا كان الرد سلبياً، أعتقد أن ذلك سيكون سيئاً جداً لمستقبل الناتو” .

وفي تصريحات أدلى بها على متن الطائرة الرئاسية إير فورس ون، قال ترامب إنه “سيكون من المثير للاهتمام معرفة أي دولة من الحلفاء لن تساعدنا في مضيق هرمز” . وأضاف في منشور على منصة تروث سوشيال: “آمل أن ترسل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وغيرها من الدول سفناً إلى المنطقة” .

“لن نشارك”

بعد أن قوبلت دعوته بالرفض، بدأ الرئيس الأميركي في تبديل لهجته، متناولا بين الاعتراف بأن الرفض الأوروبي “ليس مشكلة كبيرة” واتهام الحلفاء بارتكاب “خطأ أحمق”

الرد الأوروبي “هذه ليست حربنا”

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال في مؤتمر صحفي في برلين: “هذه ليست حربنا، لم نبدأها” . وأضاف بسخرية لافتة: “ماذا يتوقع ترامب من حفنة أو حفنتين من الفرقاطات الأوروبية في مضيق هرمز أن تحقق ما لا يستطيع الأسطول الأميركي القوي تحقيقه بمفرده؟ هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي” .

المستشار الألماني فريدريش ميرتس، كان أكثر حدة في خطابه أمام البرلمان الألماني (البوندستاغ) يوم الأربعاء الماضي. حيث قال: “حتى يومنا هذا، لا توجد خطة مقنعة لكيفية نجاح هذه العملية في إيران.. واشنطن لم تستشرنا منذ البداية”.

فرنسا: ماكرون يرفض المشاركة تحت النار..

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كان واضحاً في تحديد الخط الأحمر، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام فرنسية، قال ماكرون: “فرنسا لم تختار هذه الحرب على إيران وبالتالي لسنا طرفاً في هذا النزاع”.

وأضاف أن بلاده “لن تشارك أبداً في عمليات فتح مضيق هرمز في السياق الحالي”، وهو الأمر الذي دفع ترامب الى مهاجمة ماكرون أمام وسائل إعلامية أمريكية.

ورغم ذلك، أعلن ماكرون عن مبادرة فرنسية لتأمين المضيق بعد انتهاء “المرحلة الأكثر سخونة” من الحرب، قائلاً: “هذا العمل سيتطلب مناقشات وتهدئة مع إيران” . لكنه شدد على أن أي عملية فرنسية ستكون دفاعية بحتة، وهو ما أكدته وزارة الدفاع الفرنسية التي أعلنت أن حاملة الطائرات شارل دوكول و12 سفينة حربية أخرى في المنطقة تؤدي مهام دفاعية فقط .

كالاس: “هذه ليست حرب أوروبا”

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس كانت الأكثر تعبيراً عن الموقف الأوروبي الموحد. في تصريحات متعددة، قالت كالاس: “هذه ليست حرب أوروبا، لكن مصالح أوروبا معرضة للخطر بشكل مباشر” .

وفي مقابلة مع رويترز، أضافت: “الشعور هو أن هذه ليست حرب أوروبا. بالطبع نحن حلفاء مع أميركا، لكننا لا نفهم حقاً تحركاتهم مؤخراً. لم نستشر، ولا نفهم حقاً ما هي أهداف هذه الحرب”.

وعن إمكانية توسيع مهمة “أسبيديس” البحرية الأوروبية في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز، قالت كالاس: “لا توجد رغبة في تغيير الولاية”، مضيفة أنه “لا أحد مستعد لوضع شعبه في دائرة الخطر في الحرب الدائرة بمضيق هرمز”.

مواقف متباينة بين الرفض والترقب

بريطانيا: ستارمر بين ضغوط ترامب واستقلالية القرار

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي تعرض لانتقادات لاذعة من ترامب، حاول التوفيق بين موقف حليف واشنطن التقليدي ورفض الانجرار إلى حرب واسعة. قال ستارمر في مؤتمر صحفي: “لن يتم جر بريطانيا إلى حرب أوسع”.

وأضاف: “قيادتي تقوم على التمسك بالمصلحة البريطانية، مهما كان الضغط” . وفي إشارة إلى الانتقادات الأميركية، شدد على أن حل مضيق هرمز “لم يكن أبداً مهمة لحلف الناتو” .

لكن ستارمر كشف أيضاً عن وجود مشاورات مع الشركاء الأوروبيين والخليجيين لوضع “خطة قابلة للتنفيذ” لاستعادة حرية الملاحة، معترفاً بأن الأمر “ليس مهمة بسيطة”.

إيطاليا: نحن لسنا متورطين..

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني رفض أي مشاركة عسكرية إيطالية في المضيق. قال تاجاني للتلفزيون الإيطالي: “نحن لسنا متورطين في عمليات عسكرية في مضيق هرمز. إيطاليا لم تقل أبداً – وكذلك فرنسا، ولا أي دولة أوروبية أخرى – إنها عرضت إرسال سفن حربية لمضيق هرمز”.

إسبانيا: “لن نكون تابعين لأحد”

الرد الإسباني كان الأكثر حدة في رفض أي ضغوط أميركية. نائبة رئيس الوزراء الإسباني ماريا خوسيه مونتيرو قالت: “بالتأكيد لن نكون تابعين لأحد، ولن نتسامح مع أي تهديدات، وسندافع عن قيمنا” .

جاء ذلك بعد أن هدد ترامب بقطع التجارة مع إسبانيا إذا لم تسمح باستخدام القواعد العسكرية المشتركة في الحرب .

لوكسمبورغ: اتهام صريح بالابتزاز

نائب رئيس وزراء لوكسمبورغ، كزافييه بيتل، ذهب إلى أبعد من ذلك باتهام واشنطن بمحاولة ابتزاز الحلفاء. قال بيتل للصحفيين في بروكسل: “لا تطلبوا منا” إرسال قوات، مضيفاً أن بلاده لن تستسلم “للابتزاز” من واشنطن

البيان المشترك – تنازل رمزي أم اختبار للولاء؟

ست دول ترفض الالتزام العسكري

في محاولة لتهدئة غضب ترامب، أصدرت ست دول وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان، بياناً مشتركاً يدين إغلاق إيران للمضيق، لكن دون أي التزام بتقديم دعم عسكري .

وجاء في البيان: “ندين بأشد العبارات الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل القوات الإيرانية. نحن مستعدون للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق” .

لكن موقع أكسيوس كشف أن البيان كان مجرد “بادرة لاسترضاء الرئيس ترامب” الذي عبر مراراً عن إحباطه من استجابة الحلفاء .

أزمة ثقة تعيد تشكيل الحلف الأطلسي؟

اللواء السير نيك كارتر، رئيس هيئة الأركان البريطانية الأسبق، قدم قراءة جوهرية للأزمة في مقابلة مع بي بي سي. قال كارتر: “حلف الناتو أنشئ كتحالف دفاعي، وجميع موارده موجهة أساساً نحو الدفاع. لم يكن تحالفاً صمم لكي يخوض أحد الحلفاء حرباً اختيارية ثم يلزم الجميع باتباعه”.

الرأي العام الأوروبي: رفض ساحق للحرب

الاستطلاعات التي أجريت في العواصم الأوروبية تكشف عن فجوة عميقة بين الموقفين الأميركي والأوروبي. في بريطانيا، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف أن 49% من البريطانيين يعارضون الهجمات مقابل 28% يؤيدونها

في ألمانيا، كشف استطلاع أجرته ARD DeutschlandTrend أن 58% من الألمان يعارضون الحرب، مقابل 25% فقط يؤيدونها . أما في إسبانيا، فكانت النسبة الأكبر: 68% من الإسبان يعارضون الحرب.

أزمة مضيق هرمز – نهاية الناتو أم ولادة أوروبا استراتيجياً؟

ما يحدث اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد خلاف تكتيكي حول تقسيم الأعباء العسكرية برأي الكثير من المراقبين، إنه مرآة تعكس تحولاً جذرياً في العلاقة عبر الأطلسي. فبينما ترى واشنطن أن الحلفاء ملزمون بالمشاركة في حرب “اختارتها واشنطن وحدها” كما يصف الأوروبيون، ترى العواصم الأوروبية أن حلفاً دفاعياً مشتركا لا يمكن تحويله إلى أداة لحروب اختيارية لدولة واحدة من الدول الأعضاء.

الأزمة الحالية تحمل في طياتها ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، استمرار حالة التوتر مع محاولات واشنطن تشكيل “تحالفات حسب الرغبة” تتجاوز مؤسسات الناتو التقليدية. الثاني، تسريع أوروبا لجهود بناء “استقلالية استراتيجية” في المجالين العسكري والطاقي. والثالث، أن تكون هذه الأزمة مقدمة لتفكك الحلف الأطلسي أو تحوله إلى تحالف شكلي دون مضمون.

أوروبا على مفترق طرق..

في مشهد لم تعتد عليه واشنطن منذ عقود، وقفت أوروبا هذه المرة موقفاً مختلفاً جذرياً. لم تكن العواصم الأوروبية في باريس وبرلين ولندن وروما مجرد “حلفاء ينتظرون التوجيهات” من البيت الأبيض، بل اختارت أن تقول بصوت واحد واضح: “هذه ليست حربنا، ولن نكون تابعين لأمريكا وسياساتها المنحازة لإسرائيل”.

لطالما اعتادت الإدارات الأميركية المتعاقبة أن تجد في أوروبا “شريكاً مطيعاً” يشارك في الحروب التي تقررها واشنطن، من فيتنام إلى العراق إلى أفغانستان. لكن هذه المرة، تبدو المعادلة مختلفة. فرفض المشاركة في فتح مضيق هرمز لم يكن مجرد خلاف لوجستي حول تقسيم المهام، بل جاء بمثابة إعلان سياسي صريح: لأوروبا مصالحها المستقلة، ولها موقفها السيادي الذي لا يُفرض عليها بـ”اختبارات الولاء”.

هذا التحول الأوروبي، الذي تجلى في تصريحات قادة القارة من بيستوريوس إلى ماكرون إلى كالاس، يعكس إدراكاً متنامياً أن الانحياز التلقائي لواشنطن بات يهدد المصالح الأوروبية الاستراتيجية، ويدفع بالقارة العجوز نحو حروب لا تخدم أمنها ولا اقتصادها. وللمرة الأولى برأي الكثيرين، اختارت أوروبا أن لا تكون “تابعاً”، وأن تضع خطاً أحمر أمام سياسات أميركية ترى فيها انحيازاً مطلقاً لإسرائيل على حساب الاستقرار الإقليمي.

يبقى السؤال: هل هذا الموقف الأوروبي الجامع مجرد رد فعل لحظي على إدارة ترامب، أم أنه بداية عهد جديد من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية؟

Share This Article