تحرير بلال ضاهر… عرب 48
التحولات في الصهيونية الدينية أصبحت تتمثل بمجموعات أصولية يمينية متطرفة تسير على خطى حاخامات متطرفين، من أمثال كهانا وغينزبورغ، الذين يقدسون الانتقام ويعتبرون أنه “الفضيلة الأسمى والعمل الروحاني الأسمى”…
تعالت بعد سنّ القانون تحليلات وتقديرات حول إمكانية إلغاء القانون من جانب المحكمة العليا، أو تعديله، لكن هذا ليس مؤكدًا، وفق خبراء قانون، بينهم رئيس مركز عدالة، المحامي حسن جبارين، في حديثه لـ”عرب 48″. وليس واضحًا الآن كيف سيكون موقف المحكمة العليا في ظل الأجواء المعادية لها في إسرائيل، وكيف ستتأثر المحكمة من تأييد قسم كبير من الإسرائيليين للقانون بسبب العداء للفلسطينيين، وللأسرى الفلسطينيين بشكل خاص.
فقد جرت في السنوات الماضية محاولات لسنّ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وفي العام 2015، أيدت أغلبية عظمى من أعضاء الكنيست من أحزاب اليمين مشروع قانون إعدام كهذا لدى التصويت عليه بالقراءة التمهيدية؛ وفي بداية العام 2018، صادق الكنيست بالقراءة التمهيدية أيضًا على مشروع قانون مشابه قدمه حزب “يسرائيل بيتينو” برئاسة أفيغدور ليبرمان، الذي أيد القانون الحالي.
قانون فرض عقوبة الإعدام الحالي قدمه حزب “عوتسما يهوديت” برئاسة وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، وأيده 62 عضو كنيست، من أحزاب الليكود وشاس و”عوتسما يهوديت” والصهيونية الدينية و”يسرائيل بيتينو” وعضو كنيست واحد من “يهدوت هتوراة”، وبينهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وعارضه 47 عضوًا. والقانون الحالي متشدد أكثر من مشاريع القوانين السابقة، ولا يسمح للقضاة بترجيح رأي، ولا يسمح بتخفيف عقوبة الإعدام بعد صدور الحكم.
سواء تم إجراء تغييرات على القانون أم لا، فإن اليمين الديني الإسرائيلي لن يتوقف عن دفع قوانين ومخططات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك داخل إسرائيل. ويرى باحثون إسرائيليون أنه ستكون هناك خطوات من جانب اليمين الديني ضد اليهود العلمانيين أيضًا، وذلك وفقًا للأفكار التي يتبناها اليمين الديني الأصولي.
فقد أدت تطورات اجتماعية وفكرية داخل حركة الصهيونية الدينية، منذ العقد الأول من القرن الحالي، إلى نشوء مجموعات متطرفة تعتنق أفكارًا أصولية من التراث اليهودي، وترفض سلطة الدولة ومكانتها الرفيعة في العقيدة الصهيونية الدينية في العقود الأخيرة.
وهناك اختلافات بين هذه المجموعات، “لكن هدفها النهائي هو القضاء على إسرائيل كدولة ديمقراطية يوجد فيها حيز عام علماني وليبرالي، بالاستناد إلى مفاهيم دينية – أصولية. ونموها داخل الصهيونية الدينية يرمز إلى أزمة هوية داخلية، وهي تتحدى باستمرار الأغلبية البرجوازية في جمهور الصهيونية الدينية”، وفق دراسة تضمنها كتاب صدر في إسرائيل مؤخرًا بعنوان “إلى يمين الصهيونية”.
هذه الأصولية اليهودية ترفض قيم حركة التنوير الغربية واستقلالية الفرد وخطاب الحقوق والديمقراطية، كما ترفض القيم الإنسانية الشمولية والمساواة بين جميع البشر. واليمين المتطرف في إسرائيل يتغذى ويتأثر من حركات مشابهة في العالم.
تحولات داخل الصهيونية الدينية
في المرحلة الأولى، كانت الصهيونية الدينية حركة معتدلة سياسيًا، وقادة حزب “المفدال” الذي كان يمثل هذه الحركة داخل الحكومة عارضوا شن الحرب، في حزيران/يونيو 1967، وأيدوا بعد ذلك تقسيم البلاد و”تدويل القدس”.
المرحلة الثانية بدأت بعد تغير قيادة الصهيونية الدينية وصعود قيادة جديدة، إلى جانب تأثير حرب 1967 واحتلال الأراضي الفلسطينية والعربية، وأدى في بداية السبعينيات إلى صعود الجناح الديني الخلاصي بقيادة الحاخام تسفي كوك، وتفسيره لأفكار والده، الحاخام أبراهام كوك، التي اعتبرت أن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية تعبير عن “مشيئة الرب” من خلال سيطرة اليهود على “الأرض الموعودة”.
ولاقت هذه الحركة شعبية واسعة، وتعهدت بعدم انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. لكن تأثيرها كحركة خلاصية بدأ يتراجع بعد انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء، في أعقاب معاهدة السلام مع مصر، وتراجع أكثر بعد انسحاب إسرائيل من التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، في أعقاب اتفاقيات أوسلو، ثم من جنوب لبنان، وأخيرًا من قطاع غزة وهدم المستوطنات هناك في إطار خطة فك الارتباط، في العام 2005.
الانسحاب من قطاع غزة حوّل “دولة إسرائيل الديمقراطية والليبرالية إلى مشتبهة وأحيانًا مرفوضة، بنظر الجمهور الصهيوني الديني. وعقيدة الحاخام كوك لم تعد إطارًا أيديولوجيًا موجودًا، ولم يصعد مكانه إطار آخر”.
تيارات الصهيونية الدينية الحالية
أصبح هناك ثلاثة تيارات في الصهيونية الدينية الجديدة: الرسمي، وما بعد الرسمي، والمعادي للرسمية. التيار الرسمي يشمل ييشيفوت (معاهد تدريس توراة) عليا وييشيفوت يدرس فيها الذين سيخدمون في الجيش.
ويشمل التيار ما بعد الرسمي جمهورًا واسعًا في الصهيونية الدينية يميل إلى الحريدية القومية، وينتمي إليه وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، ومجموعات تنشط في اقتحامات المسجد الأقصى وصلاة اليهود فيه.
ويضم التيار المعادي للرسمية حزب “عوتسما يهوديت” وحركة “ليهافا” العنصرية وتنظيم “شبيبة التلال”.
وتوجد أفكار مشتركة بين هذه المجموعات، بينها العداء للقيم الغربية المعاصرة؛ توق إلى الماضي الأسطوري والتطلع إلى استعادته؛ تعظيم غريزة الانتقام؛ تفوق اليهود؛ وتحويل إسرائيل إلى دولة دينية.
انسحاب إسرائيل من قطاع غزة أدى إلى أن يطور التيار ما بعد الرسمي “شكوكًا مبدئية، وحتى عداء” تجاه الدولة، ولم تعد تعتبر “عرش الرب” في العالم، ولا يتوقع أن تشكل “أداة للخلاص”. وبدلًا من ذلك، باتت توجه انتقادات شديدة تجاه مؤسسات الدولة، وبضمنها الجيش الإسرائيلي والشرطة والأكاديميا ورئيس الدولة والوزارات والموظفين العامين والنيابة العامة والمحاكم.
ويتمسك هذا التيار بمفهوم أصولي يتميز بتفسير حرفي للكتب المقدسة وبالرغبة بتطبيقها على الواقع الحالي. ومثال على ذلك الوثيقة التي نشرها زعيم هذا التيار سموتريتش بعنوان “خطة الحسم”، واستعرض فيها رؤيته لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وجاء فيها أن أمام الفلسطينيين ثلاثة خيارات: الهجرة، صراع عنيف أو الاستسلام والعيش كسكان بلا حقوق.
الانتقام كعقيدة سامية
التيار المعادي للرسمية الذي انبثق من حركة “كاخ” التي أسسها الحاخام الفاشي مئير كهانا، يستعرض أصولية متشددة تعتبر “دولة إسرائيل أنها كيان علماني، ولذلك فإنها بلا شرعية أو مستقبل. وبدلًا من إسرائيل الحالية، يريد هذا التيار إقامة دولة إكراه ديني، انطلاقًا من أن ما كان سائدًا في فترة التوراة هو الذي يفترض أن يكون سائدًا في أيامنا. وفي هذه الأثناء، يتصرف هذا التيار بموجب عقيدة دينية في مركزها مبدأ الانتقام”.
وأشارت الدراسة إلى أن “الحركات التي انبثقت من شظايا حركة ’كاخ’ (التي صُنفت رسميًا كحركة إرهابية في العام 1994)، وخاصة حزب ’عوتسما يهوديت’ وحركة ’ليهافا’، تستند إلى المبادئ الثلاثة التي استندت إليها حركة ’كاخ’: نظرية الأعراق التي تدمج بين تفوق يهودي واستخفاف بحياة غير اليهود؛ رفض قيم العصرنة، وبضمنها الليبرالية والعلمانية والديمقراطية؛ والتطلع إلى الانتقام من الأغيار (غير اليهود). وهذه المبادئ تستند إلى قراءة حرفية وانتقائية للكتب المقدسة”.
بن غفير هو أرفع ممثل للأصولية الكهانية في إسرائيل، وبعد توليه منصب وزير أصبح حذرًا ويمتنع عن تجاوز ما يحظره قانون منع التحريض، لكن قبل ذلك كان يتحدث بحرية حيال مبادئ الكهانية الثلاثة، أي المفاهيم العنصرية ورهاب المثلية ومعاداة الديمقراطية، وعبر عنها بأفعاله وأقواله.
الانتقام هو فكرة وقيمة مركزية في عقيدة كهانا، وفق ما أكدت الدراسة. واعتبر كهانا في أحد كتبه أنه “لا توجد فضيلة أسمى وأعدل من فضيلة الانتقام”، وذلك لأن “عظمة الانتقام تحيي الرب”. وحسب كهانا فإن “الرب ضعيف ومنطفئ، والمطلوب هو انتقام شديد من أجل إعادته إلى الحياة الكاملة”.
وهذا هو هدف “السيادة اليهودية”. على دولة إسرائيل أن تنتقم من الأغيار. ومن يتراجع عن الانتقام من أعداء إسرائيل، يتنازل عمليًا عن الانتقام للرب. وبدون ضحايا غير يهود مذبوحين ونازفين لا يمكن أن يأتي الخلاص”.
ووفقًا للدراسة، فإنه لهذا السبب أقدم السفاح باروخ غولدشتاين على ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي وقتل 29 فلسطينيًا وأصاب بجروح أكثر من مئة آخرين، ولهذا السبب أيضًا مُعلّقة صورة غولدشتاين في صالون منزل بن غفير، وفوقها الآية التوراتية “فَيَكُونُ لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِيثَاقَ كَهَنُوتٍ أَبَدِيٍّ، لأَجْلِ أَنَّهُ غَارَ للهِ وَكَفَّرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ”. كما أن بن غفير دعا إلى الانتقام مرارًا وتكرارًا قبل تعيينه وزيرًا.
رفض القيم المعاصرة وعدم تقبل شرعية دولة إسرائيل وتمجيد الانتقام العنيف هي أفكار يتبناها عناصر تنظيم “شبيبة التلال” الإرهابي وطلاب الحاخام يتسحاق غينزبورغ، الذين يشكلون ذراعًا أخرى للتيار المعادي للرسمية.
وحسب غينزبورغ، فإن العودة إلى الطبيعة التي يطبقها “شبيبة التلال” لن تكون كاملة بدون العودة إلى الطبيعة الداخلية للفرد، التي يتم التعبير عنها بعفوية الفرد ورغباته الطبيعية، وفي مقدمتها الانتقام، “وفي إسرائيل يكون للانتقام عمق خاص لانتقام الرب”.
ولفتت الدراسة إلى أن المفهوم الذي يتغلغل في صفوف “شبيبة التلال” هو أن “العنف العفوي تجاه غير اليهود مقدس ويعتبر العمل الروحاني الأسمى”.

