كتبت رسل جمال : كيف تصنع أمريكا القوة الناعمة لأعدائها؟

المسار: كما هو معروف بأبجديات السياسة أن القوة الناعمة هي قدرة الدولة على التأثير، والجذب، والإقناع لتحقيق أهدافها السياسية دون اللجوء للإكراه العسكري أو الاقتصادي، وفق مفهوم (القوة الصلبة). لكن أمريكا أجادت الدور العكسي للقوة الناعمة إذ أبرزت خلال صراعها مع الدول التي اعتبرتها ضمن لائحة الدول المارقة، أهم القوة الناعمة لتلك الدول وهو دور عكسي لإبراز القوة الناعمة للعدو بدلًا من إظهارها من خلال الصراع.

ففي اليوم الـ12 للصراع الإيراني من جهة والأمريكي والإسرائيلي من جهة أخرى الذي جرى في حزيران من العام الماضي، أظهرت إيران قوة عسكرية أبهرت العالم من حيث المواجهة والتصدي للعدوان، على أراضيها ومنشآتها وردّت بالمثل بل وأقوى، وصمدت وكان من المحتمل أن تصمد أكثر لو استمر الهجوم عليها، إلا أن أمريكا لم تفهم الدرس جيدًا كعادتها ولم تحسن دراسة الموقف وتحترم خصومها، فتورطت بحرب أخرى مستمرة للآن ولأكثر من شهر، وهي تئن تحت وطأة الصواريخ الإيرانية التي زارت كل المنطقة وفق حركة عسكرية فاجأت الكل من الذين اعتادوا على تلقي الاعتداء ولم يجدوا من يتصدى لاعتداءاتهم، فدول الخليج امتعضت لأن إيران ردّت على الهجوم بهجوم أعنف ولم تمتعض من استخدام أراضيها وسماءها لعقود للاعتداء على العراق ودول المنطقة وحماية أمريكا ومصالحها وإسرائيل، ولكن لنعد لأصل الموضوع: كيف صنعت أمريكا وروّجت للقوة الناعمة في إيران، فالموضوع تشابك وصار واضحًا للعالم أجمع ويمكن أن نلخصها بعدة جوانب منها:

أولًا: أمريكا أثبتت للعالم أنها تخترع الأكاذيب لتسويغ اعتدائها وهو ما أعاد للأذهان ادعاءاتها امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وما تبعته من أزمات عصفت بالمنطقة بل وغيرت القشرة الحاكمة للدول العربية وهو ما أسمته الربيع العربي!

ثانيًا: في خضم الصراع الإيراني-الأمريكي أثبتت إيران أنها دولة مؤسساتية من الطراز الأول قائمة على نظام يحترم التراتبية وهو معد ومهيأ نفسيًا لكل السيناريوهات المتوقعة وغير المتوقعة وهذه النقطة قد غابت عن مراكز البحوث الأمريكية التي تصورت أن باستشهاد المرشد الأعلى قد ينهار النظام ويسقط. إيران كذلك أعطت درسًا في القيادة والسيطرة، وهي اتساع الدائرة القائدة وإعداد قادة ظل مهيئين لتولي زمام الأمور في أي وقت وتحت أي ظرف ولم تهتم بإبرازهم إعلاميًا ولم تستهلكهم بالتصريحات لكن أثبتت أنها رائدة بفنون القيادة بالأفعال لا بالأقوال.

ثالثًا: وحدة الخطاب؛ فعلى اختلاف الطوائف والمذاهب الإيرانية لم يختلف الخطاب الإعلامي للدولة والشعب بل وجاء أقوى من الصواريخ البالستية في وحدة قلّ مثيلها بل وجعلت تلك الخطابات والثبات الإعلامي من بعضهم أيقونة بالتحدي والصمود مثل وزير الخارجية الإيراني عرقجي التي جاءت تصريحاته بنسق موزون وثابت يعبر عن إيمان مطلق بالمشروع.

رابعًا: وأجزم أنها أهم نقطة حيث أثبت الصراع الصهيوأمريكي مع إيران أن الغلبة لمن يملك العقيدة الحقة والسردية غير المحرفة وهذا ما تفتقد له أمريكا وإسرائيل التي لطالما حرفتا وتلاعبتا بالتاريخ لتبييض ساحاتهما الملطخة بدماء الشهداء.

خامسًا: إن الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا تشبه الحروب السابقة التي عرفها التاريخ، إذ سبقتها حرب إعلامية وصناعة لرأي عام موجهة بالضد من الجمهورية عملت على تغذيته أمريكا وإسرائيل لسنوات عبر وسائل التواصل والإعلام الموجه والمؤدلج والتي صورت الجمهورية كدولة تضطهد مواطنيها وتخنق عليهم وهم يعيشون في ظلام الجهل والتعتيم، وقد أظهرت الحرب العكس تمامًا.

سادسًا: هذه الحرب جعلت العالم كله يتمنى لو كان إيرانيًا، لما أظهر الشعب الإيراني حكومة وشعبًا صمودًا وتكاتفًا ورفضًا قاطعًا للظلم والعدوان ومواجهة أعتى دول، بل وإسقاط أسطورة الدولة العظمى التي تتعالى على غيرها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر  المسار

المصدر  وطن للانباء

Share This Article