السيد شبل: كاتب مصري
أثبتت التجربة الإيرانية أن “الندية” مع الغرب هي المسار الوحيد لانتزاع الاعتراف، وأن التراجع أمام الطغيان لا يجلب السلام، بل يجلب مزيداً من التوحش الاستعماري.
المسار: لطالما كان الهجوم على جمال عبد الناصر، في الوعي العربي المعاصر، بمنزلة “شيفرة” أو مؤشر سياسي يتجاوز مجرد قراءة التاريخ.
فالمراقب للمشهد الإعلامي العربي في الأسابيع الأخيرة، يلحظ بوضوح أن كل صوت إعلامي (سواء كان مصرياً أو لبنانياً أو خليجياً) انبرى لمهاجمة إيران والدفاع، صراحةً أو ضمناً، عن العدوان الأميركي الإسرائيلي، وجد نفسه مضطراً للتعريج على التجربة الناصرية بالقدح والتجريح.
هذا الربط ليس عفوياً، بل هو نتاج وعي عميق لدى هؤلاء بالجوهر المشترك الذي يجمع بين المشروع الناصري والمشروع الإيراني ما بعد عام 1979؛ جوهرٌ يرتكز على ثلاثية: التحرر من الاستعمار، التنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية.
اللافت أنه حتى الأنظمة الخليجية المتورطة اليوم في دعم عدوان ترامب ونتنياهو على إيران، هي ذاتها الأنظمة التي حاربت الدولة المصرية تحت قيادة عبد الناصر؛ لأنها ببساطة لا يحركها شيء سوى مصالحها المرتبطة بالقوى الاستعمارية الغربية، وبالتالي فهي تعمل على تخريب أي مشروع يتحدى تلك القوى، عربياً كان أو غير ذلك.
وحدة المشروعين: من القاهرة إلى طهران
رغم التباين الأيديولوجي والزمني، يلتقي المشروعان في نقطة الصدام الحتمي مع المركزية الغربية. إن التنمية المستقلة التي نادى بها عبد الناصر، والتي سعت لبناء قاعدة صناعية واقتصادية لا ترتهن للبنك الدولي أو الإملاءات الأميركية، هي ذاتها الروح التي تحرك صمود الاقتصاد الإيراني تحت وطأة العقوبات.
ما بناه ناصر بالسد العالي وأكثر من ألف مصنع وإصلاح زراعي شامل، هو نفسه ما حققته إيران اليوم رغم أقسى عقوبات التاريخ. لقد تحولت إيران من دولة تعتمد على النفط إلى اقتصاد مقاوم ينتج ٨٦٨ وحدة صناعية جديدة، ويحقق نمواً غير نفطي يتجاوز ١١٦ مليار دولار سنوياً. كلا التجربتين أثبتا أن الاستقلال السياسي وهمٌ بدون استقلال اقتصادي، وأن كرامة الشعب تبدأ بإشراك الكادحين في بناء الدولة بدلاً من تحويلها إلى وكيل للمصارف الدولية.
لقد التقط الإعلام المحسوب على محور المقاومة هذا الخيط بذكاء؛ ففي الوقت الذي كان فيه “إعلام التبعية” يشوه صورة ناصر، كمحاولة لضرب ثقة الجماهير في خيار التحرر بشكل عام، كانت شاشات المقاومة تُعيد بث خطاباته التي هاجم فيها شاه إيران، محمد رضا بهلوي (حليف أميركا آنذاك)، بالإضافة إلى أغاني عبد الحليم حافظ التي تؤصل للوحدة والتصدي للمشروع الإمبريالي.
هذا الاستحضار ليس مجرد “نوستالجيا”، بل هو تأكيد على أن المعركة واحدة، وأن العدو الذي حاربه ناصر في الخمسينيات هو نفسه الذي يحاصر طهران ويقصفها ويغتال قادتها، ويهدد بإعادتها إلى “العصر الحجري”، قبل أن يتراجع مدحوراً.
فلسطين.. الخيط الذي يربط ناصر بإيران ويفضح المطبّعين
الخيط الأقوى الذي يربط عبد الناصر بإيران هو قضية فلسطين. كان شاه إيران حليف “إسرائيل” الأول في المنطقة، إذ اعترف بها رسمياً عام 1960 وفتح أبواب بلاده للتعاون العسكري والاستخباراتي مع الكيان الصهيوني. أما ناصر فكان رائد الدعم العربي للمقاومة الفلسطينية، يسلّح الفدائيين ويفتح معسكرات التدريب ويعلن أن “معركة مصر هي معركة فلسطين”، ويدعم المعارضة الإيرانية ضد الشاه، منذ الستينيات.
واليوم تواصل إيران هذا النهج بصمود أسطوري، فتدعم حزب الله وأنصار الله وحماس بالسلاح والصواريخ والعقيدة، فتجعل فلسطين قضية محور المقاومة. هذا الدعم نفسه هو ما يدفع الأنظمة المطبّعة إلى مهاجمة ناصر وإيران معاً؛ لأنهما يمثلان الخيار الوحيد الذي يرفض أن يرى فلسطين كـ”قضية ماتت وانتهى الحديث عنها”.
وكما قال السيد حسن نصر الله مراراً: “الأنظمة الخليجية لطالما هاجمت عبد الناصر، فهل كان عبد الناصر شيعياً عندما تآمروا عليه؟!. إن مشكلة تلك الأنظمة هو أنها تؤمن بأن ضمان بقاءها على العرش هو وجود إسرائيل وفي خدمة أهدافها”.
الطغيان الأميركي: من فنزويلا إلى غرب آسيا
إن الطغيان الأميركي لا يكتفي بمحاربة الدول عسكرياً، بل يمارس نوعاً من “الإبادة السياسية” لكل من يخرج عن طوعه. وخير دليل على ذلك هو ما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقبله مع فيديل كاسترو في كوبا، والجبهة الساندينية في نيكاراغوا.
فنزويلا، التي تملك أكبر احتياطيات نفط في العالم، تعرضت لمحاولة خنق شاملة، ليس لأنها تفتقر للديمقراطية كما يروج الإعلام الغربي، بل لأنها اختارت مسار التنمية المستقلة الذي رسمه هةجة تشافيز وسار عليه مادورو، بعيداً عن هيمنة الشركات الأميركية.
الحرب الأميركية على فنزويلا، كما هي على إيران، تحمل جانباً انتقامياً سافراً. الغرب لا يغفر لمن يتجرأ على قول “لا”. الانتقام هنا يستهدف تحطيم النموذج؛ يريدون إثبات أن ثمن الكرامة هو الجوع والدمار، لكي يرتدع الآخرون. ما فعله الأمريكي بمادورو كان محاولة لترهيب أي زعيم في أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط أو غرب آسيا يفكر في تأميم قراره الوطني.
بيد أن صمود إيران وانتصارها في معركتها الراهنة، وفرضها شروطها لوقف إطلاق النار، يمثل نوعاً من الثأر المؤجل للزعيم الفنزويلي المختطف. إذ نأمل بصدق أن تبلغ مسامع مادورو أنباء انكسار الغطرسة العسكرية الأمريكية في مياه الخليج، لعل في تهاوي تلك “الشوكة” الإمبريالية ما يمنحه السكينة والتعزية في محبسه وضيق حصاره.
راهنية المشروع الناصري وانتصار الشعب الإيراني
إن انتصار إيران اليوم، وقدرتها على فرض معادلات ردع عسكرية معقدة، يثبت أن رؤية عبد الناصر، وغيره من قادة العالم الثالث على مر التاريخ، لم تكن “أحلاماً مستحيلة” أو “مغامرات طائشة”. فالتحدي العسكري للغرب ممكن إذا ما توفرت الإرادة الشعبية والقاعدة الإنتاجية والعقيدة الإيمانية السليمة.
لقد أثبتت التجربة الإيرانية أن “الندية” مع الغرب هي المسار الوحيد لانتزاع الاعتراف، وأن التراجع أمام الطغيان لا يجلب السلام، بل يجلب مزيداً من التوحش الاستعماري. إن الهجوم المتزامن على ناصر وإيران في الإعلام العربي اليوم هو اعتراف ضمني بأن “الناصرية” لم تمت، بل هي حية في كل بندقية تقاوم، وفي كل مصنع يُبنى بعيداً عن هيمنة الدولار.
نقلا عن الميادين
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المسار الإخباري وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

