المسار: نشرت صحيفة “إندبندنت” افتتاحية قالت فيها إن الرئيس دونالد ترامب أعلن النصر في حربه ضد إيران، لكن الحملة العسكرية التي شنها فاشلة على كل الجبهات.
وقالت إن أسلوب تعامل الولايات المتحدة مع إيران، أيا كان عسكريا أم دبلوماسيا، وما يتعلق بمفاوضات لتأمين اتفاق بشأن الأسلحة النووية، أدى إلى الكارثة التي تمثل الوضع الحالي في الشرق الأوسط. وأضافت أن أحدا لم يتوقع أن تنتهي الحرب التي استمرت ستة أسابيع، بتسوية شاملة ومستدامة لمواجهة مستمرة منذ 47 عاما، وفي جلسة واحدة استمرت فقط 21 ساعة، وعقدت خلال عطلة نهاية أسبوع في العاصمة الباكستانية إسلام أباد.
ولم يكن أحد يفكر جديا بأن الحل ممكن، ولكن فرص تحقيق انفراجة مبكرة تضاءلت بشكل كبير بسبب قرار دونالد ترامب إرسال شخصين فشلا في مثل هذه المفاوضات إلى المحادثات مع إيران: ستيف ويتكوف، رجل العقارات المتفائل أكثر من اللازم، وجاريد كوشنر، الذي لا يملك من المؤهلات سوى كونه صهر الرئيس.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها تهميش وزارة الخارجية الأمريكية ووزير الخارجية ماركو روبيو في دورهما الأساسي في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا لم يكن في صالحهم. كما أن تكليف نائب الرئيس جيه دي فانس برئاسة الوفد الأمريكي كان خطأ فادحا.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها تهميش وزارة الخارجية الأمريكية ووزير الخارجية ماركو روبيو في دورهما الأساسي في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا لم يكن في صالحهم
فقد كان بإمكان فانس، من حيث المبدأ، كرئيس محتمل في المستقبل، وبدعم من قاعدته الشعبية، أن يضفي نفوذا سياسيا كبيرا على المحادثات مع الإيرانيين في إسلام أباد. فليست لديه أي مصلحة شخصية في مساعدة ترامب على الخروج من مأزق صنعه بنفسه، وهو مأزق حذره فانس من الوقوع فيه. ورغم أن منصب نائب رئيس الولايات المتحدة معروف بقلة مهامه، فإنه لم يكن من العملي أن يقضي فانس أسابيع في باكستان محاولا التوسط للسلام.
وربما دار في ذهن فانس أن ترامب أرسله لكي يحمله مسؤولية الفشل شبه الحتمي للمحادثات. وقد يكون هذا تفسيرا مبالغا فيه للتطورات الأخيرة، لكن لا شك أن الضغوط السياسية الداخلية والمناورات الحادة داخل الحزب الجمهوري وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (ماغا) قد زادت الوضع تعقيدا.
وعاجلا أم آجلا، سيتعين على الكونغرس المتشكك أن يقرر ما إذا كان سيمنح ترامب “صلاحيات الحرب” لمواصلة الصراع، فيما تلوح في الأفق انتخابات كارثية محتملة في تشرين الثاني/نوفمبر، مما يزيد من إرباك إدارة مضطربة أصلا.
وعلقت الصحيفة أن وقف إطلاق النار المفترض قد لا يستمر لمدة أسبوعين، مع عواقب وخيمة على المدنيين في المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي. وفي الواقع، يبذل الإسرائيليون قصارى جهدهم لتقويض أي جهود سلام.
وتضيف الصحيفة أن فانس، وبدون بذل أي جهد للتسوية، أعلن انتهاء المحادثات بشكل مفاجئ وعاد إلى بلاده.
وترى أن دافع الأمريكيين للبحث عن تسوية ضعيفة، وهذا هو المهم، نابع من موقفهم التفاوضي الضعيف. فالاتفاق يعني التنازلات والتسويات، وترامب ورفاقه المتغطرسون لا يستطيعون الاعتراف بما يبدو جليا أنه هزيمة.
ولو كان ترامب صريحا هذه المرة، لاعترف بأن طهران تملك الآن معظم أوراق اللعبة، وذلك لأن واشنطن أخطأت في اختيار أوراقها. فقبل أن يقنع بنيامين نتنياهو وبعض الجمهوريين المتهورين في الكونغرس ترامب بشن هذه الحرب، كان مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة البحرية الدولية، وكانت دول الخليج ملتزمة بالسلام والازدهار والسعي وراء السعادة، ولم يكن لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي الفعلي، مما كان سيخلق مشكلة أخرى مستعصية لمجموعة أخرى من المفاوضين في واشنطن.
الاتفاق يعني التنازلات والتسويات، وترامب ورفاقه المتغطرسون لا يستطيعون الاعتراف بما يبدو جليا أنه هزيمة
والأهم من ذلك، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية نجت من الحرب الشرسة، ولا تزال تمتلك مخزونا من اليورانيوم المخصب جزئيا، ولا يزال مخفيا بشكل جيد، ويمكنها استخدامه لتطوير سلاح نووي، وهو ما يعد نصرا. ومع ذلك، يعلق ترامب على المحادثات: “بغض النظر عما سيحدث، فنحن منتصرون، لنرى ما سيحدث، ربما يتوصلون إلى اتفاق، وربما لا، لا يهم، من وجهة نظر أمريكا، نحن المنتصرون”.
وتعلق الصحيفة قائلة إن هذا الكلام غير صحيح تماما، فمهما حدث الآن، فقد خسرت أمريكا هذه الحرب، سواء انتهت باتفاق ما أو قرر ترامب تصعيد الجهد العسكري.
وفي صراع غير متكافئ كهذا، حيث تسيطر إيران على الاقتصاد العالمي وترهب جيرانها، لا يمكن لأمريكا أن “تنتصر” بأي شكل من الأشكال، حتى لو، وبخاصة إذا، نشرت قوات برية، أو كما أشار ترامب في وقت متأخر من مساء السبت، أو حاولت هذه القوات فتح مضيق هرمز المليء بالألغام.
وللأسباب نفسها، ستضطر أمريكا عاجلا أم آجلا إلى الموافقة على شروط مذلة تفرضها طهران أو سحب جميع قواتها وترك حل المشاكل لبقية العالم: أوروبا والصين ودول الخليج.
وسيكون ذلك بمثابة إذلال كبير لأمريكا لا يقل عن إجلاء سايغون عام 1975 أو الانسحاب من كابول عام 2021، وإن كان أكثر تنظيما.
وتقول الصحيفة إن ما هو مأساوي جدا في كل هذا أن أمريكا في عهد الرئيس ترامب تخلت من جانب واحد عن اتفاقيتين دبلوماسيتين سلميتين كانتا ستحققان معظم، إن لم يكن كل، الأهداف الاستراتيجية الأمريكية التي باتت الآن بعيدة المنال.
فالاتفاق النووي الإيراني الأصلي، الذي أبرم قبل عقد من الزمن، والمعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، والذي وقعت عليه أيضا المملكة المتحدة وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا، قيد بشدة البرنامج النووي الإيراني وأخضعه لإشراف دولي دقيق ومنتظم، وخلال فترة سريانه لم تطور إيران ولو صاروخا نوويا.
وكما كان متوقعا، مزق ترامب هذا الاتفاق خلال ولايته الأولى بدافع الحسد، لأن من تفاوض عليه كان “باراك حسين أوباما”.
أما الاتفاق الأحدث بين إيران والولايات المتحدة، والذي وافقت فيه إيران على عدم بناء مخزون نووي، وتوسط فيه عمانيون وكان جاهزا للتوقيع، حين قرر ترامب في أواخر شباط/فبراير أن القوة خيار أفضل، ولم يكن كذلك حينها، وليس كذلك الآن.
وتنهي بالقول: لقد حان الوقت لكي يتذكر ترامب الكلمات الشهيرة لبطله السير ونستون تشرشل التي تقول: “الجدال الطويل والممل أفضل من الحرب”.

