كتب وسام زغبر | اللد: مدينة بين الجذور الكنعانية وخرائط التحوّل القسري

المسار : في اللد، لا تُختزل الجغرافيا في خطوطٍ مرسومة على الخرائط، بل تتجسد في طبقاتٍ متراكمة من التاريخ والاقتلاع وإعادة تشكيل المكان. فهي مدينة كنعانية عريقة تعود جذورها إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وتُعدّ من أقدم مدن فلسطين التاريخية وأكثرها أهمية. تقع على بُعد نحو 16 كيلومترًا جنوب شرق يافا، في قلب السهل الساحلي الفلسطيني، الذي منحها عبر القرون موقعًا استراتيجيًا جعلها حلقة وصل بين القدس ويافا ومختلف المراكز التجارية والحضارية.

منذ نشأتها، لعبت اللد دورًا محوريًا في الجغرافيا الفلسطينية؛ فكانت مدينة تعبرها الطرق وتلتقي فيها القوافل، وتتشابك عندها شبكات التجارة والاقتصاد والسياسة. ومع الفتح الإسلامي، اكتسبت مكانة إدارية بارزة عندما أصبحت عاصمة «جند فلسطين» قبل تأسيس مدينة الرملة، ما رسّخ مكانتها كمركز حضاري وتجاري مؤثر في المنطقة.

غير أن التحول الأكثر قسوة في تاريخ المدينة جاء مع النكبة الفلسطينية عام 1948، حين احتُلت اللد وتعرّض سكانها الفلسطينيون لعمليات تهجير جماعي قسري ارتبطت بما عُرف بـ«مسيرة الموت» نحو رام الله. وقد طالت هذه العملية عشرات الآلاف من أبناء اللد والرملة والمناطق المحيطة بهما. ولم يكن ما جرى مجرد تغيير ديموغرافي، بل شكّل إعادة صياغة شاملة لهوية المدينة وتركيبتها السكانية والعمرانية، منتقلةً من فضاء فلسطيني متجذر إلى واقع جديد فرضته التحولات السياسية والعسكرية.

قبل النكبة، كانت اللد مدينة نابضة بالحياة، تحتضن مجتمعًا فلسطينيًا واسعًا وأسواقًا زراعية وتجارية مزدهرة، إلى جانب نسيج عمراني يعكس عمقها التاريخي. أما اليوم، فقد تحولت إلى مدينة مختلطة يشكّل الفلسطينيون فيها أقلية تتراوح نسبتها بين 27 و30 في المئة من السكان، ضمن تعداد يقدَّر بنحو 80 ألف نسمة، في بنية ديموغرافية تشكّلت بفعل سياسات التهجير والاستيطان وإعادة التوطين التي أعقبت عام 1948.

ومن أبرز التحولات المكانية التي شهدتها المدينة أن مطار اللد التاريخي، الذي كان أحد أهم المرافق الاستراتيجية خلال فترة الانتداب البريطاني، أصبح اليوم مطار بن غوريون، أكبر مطار في إسرائيل ومركز النقل الجوي الرئيسي فيها. ويعكس هذا التحول إعادة تعريف المجال الجغرافي والوظيفي للمدينة ضمن السياق السياسي الذي نشأ بعد النكبة.

ورغم هذه التحولات العميقة، ما تزال اللد تحتفظ بجزء من ملامحها التاريخية التي تقاوم التلاشي، وفي مقدمتها كنيسة القديس جورج (مار جرجس)، أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في فلسطين، إضافة إلى عدد من الأحياء والأسواق القديمة التي لا تزال شاهدة على هوية المدينة الفلسطينية قبل التحول الكبير.

اقتصاديًا، تستفيد اللد من موقعها الحيوي وقربها من شبكات النقل الحديثة والبنية التحتية المتطورة، إلا أنها في الوقت نفسه تعيش حالة من التوتر الاجتماعي والسياسي المستمر، نتيجة التباينات الديموغرافية العميقة وتراكمات تاريخ طويل من التحولات القسرية. ومع ذلك، يبقى الحضور الفلسطيني ملموسًا في الحياة اليومية للمدينة، من خلال المؤسسات التعليمية والنشاطات الثقافية والاجتماعية والرياضية، بما يعكس تمسك السكان الأصليين بهويتهم ووجودهم.

اللد ليست مجرد «مدينة مختلطة» كما يُراد اختزالها في بعض السرديات المعاصرة، بل هي مساحة مفتوحة للصراع بين الذاكرة ومحاولات إعادة التشكيل، وبين تاريخ كنعاني وفلسطيني ممتد وواقع سياسي فرضته أحداث القرن العشرين. إنها مدينة تتقاطع فيها الأزمنة وتتزاحم فيها الروايات، لكنها تواصل إنتاج حضورها الخاص رغم كل التحولات.

وفي النهاية، تبقى اللد مدينة عصية على الاختزال في تعريف واحد؛ فهي ليست مجرد مدينة تاريخية عريقة، ولا مجرد مدينة أعادت النكبة تشكيل ملامحها، بل مدينة ما زالت تُكتب فصولها يومًا بعد يوم، بين ذاكرة تصر على البقاء وواقع يحاول إعادة رسمها.

Share This Article