المسار : يأتي يوم شهيد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في أكثر مراحل التاريخ الفلسطيني دموية، تشهد حرب إبادة متواصلة على قطاع غزة والضفة الغربية يرتقي يومياً شهداء، ليرتفع عددهم إلى نحو 73 ألف شهيد منذ بداية الحرب في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
يوم الشهيد ليس مجرد وقفة تضامنية استذكارية لمن ارتقوا في سبيل الوطن وحريته واستقلاله، بل لنستعرض سيرة بطولاتهم، وعظم تضحياتهم، ولنسأل عن معنى استشهادهم في حاضر ومستقبل يتطلب البقاء على الوفاء لدمائهم بمتابعة مسيرتهم، ولنعيد التأكيد أن الحرية لم تكن يوماً بلا ثمن، ولتعزيز الفهم لطبيعة التضحيات والسياق الذي جاءت به، وترسيخها في الوعي الفلسطيني أن الشهيد ليس رقماً في بيان ولا صورة في أرشيف، بل هي حكاية بطولة باقية في الذاكرة الجماعية تُنقل عبر الأجيال.
على امتداد عشرات السنين من تاريخ الجبهة العسكري المقاوم من الممارسة الكفاحية عمّدتها بدماء أكثر من ثلاثة آلاف شهيد من قادتها وكوادرها وعموم مناضلاتها ومناضليها، بالإضافة إلى العديد من الأسرى والجرحى، تم توثيق الإرث النضالي لشهداء الجبهة الديمقراطية في كتابين «عاشوا من أجل فلسطين»، و«كتائب المقاومة الوطنية» يغطيان 19 سنة من أصل 57 سنة من البذل والعطاء والتضحيات، يحتوي كتاب «عاشوا من أجل فلسطين» سجلاً لألف واثنين وستين شهيداً وشهيدة، من شهداء الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الذين أمكن حصرهم، وليس سجلاً لجميع شهداء الجبهة الديمقراطية الذين ارتقوا في الميدان، يؤرخ لتضحياتهم ومسيرتهم النضالية، ويعيد تقديمهم كمناضلين فاعلين شاركوا في صناعة التاريخ الفلسطيني، تُخلد مآثرهم في ذاكرة الشعب الفلسطيني بأجياله المتعاقبة، لكي يبقى الشهداء منارة للأجيال وقدوة لهم تعكس كل معاني الوفاء والاعتزاز للشهداء الأبطال، ويقدمهم ليس باعتبارهم مجرد أسماء وأرقام، بل مناضلون واكبوا الحركة الوطنية الفلسطينية ومقاومتها المسلحة، وساهموا في بنائها، وقيادتها، كل من موقعه، وفي سياقات سياسية، بما يشكل عرضاً تاريخياً لانطلاقة الجبهة الديمقراطية، وقواتها المسلحة الثورية، ولمسيرة النضال الفلسطيني في مراحلها المختلفة، في تسلسل تاريخي عبر مراحل النضال المتتابعة من التواجد العلني في الأردن إلى التموضع في لبنان في الفترة ما بين 1969- 1982 شكلت 14 سنة من الكفاح، تشمل: شهداء البدايات في الداخل والأغوار. شهداء أحداث الأردن، المواجهات في الجولان المحتل، شهدت محاولات الجبهة الديمقراطية نقل الأعمال القتالية إلى داخل الأراضي المحتلة، بقيادة الرعيل الأول من قيادتها التاريخية، ومنهم عمر القاسم (مانديلا فلسطين)، نفذت الجبهة خلال تلك المرحلة عمليات فدائية، وقدمت خلالها 47 شهيداً، منهم 27 شهيداً في الضفة الفلسطينية المحتلة، و20 شهيداً في شمال مناطق الـ «48».
ومنذ بداية انطلاقة المقاومة الفلسطينية، إلى احتواء وجودها العلني في الضفة الشرقية، كان النظام في الأردن يسعى إلى انهاء أخر ظاهرة علنية لوجود المقاومة في الأردن في تموز /يوليو 1971، وفي هذه المعارك أمكن حصر 79 شهيداً قدمتهم الجبهة الديمقراطية، قضوا دفاعاً عن الثورة والشعب والوطن.
في الجولان بعد أن أسس للجبهة في هذا القطاع القائد الشهيد عمر مسعد (أبو خلدون)، خلفه بعد استشهاده القائد الشهيد سعيد البطل (أبو مشهور)، عضو اللجنة المركزية للجبهة، شكل قطاع الجولان ميداناً رحباً لتنفيذ عمليات على خطوط التماس الممتدة مع العدو بشكل مستمر وتصاعدي، في إطار رؤية وطموح الجبهة لتطوير الكفاح المسلح. من هنا كانت عمليات «النجم الأحمر» و«هو شي منه» و«تشي غيفارا» و«مناجل الشمال» و«الشهيد الشيخ عز الدين القسام» و«الذكرى الأولى لولادة الجبهة».
وفي سياق عسكري آخر كانت عملية الرد على اغتيال القادة الثلاثة: أبو يوسف النجار، وكمال ناصر، وكمال عدوان، وتكريماً لذكرى الشهداء أبطال الصمود في الفاكهاني، الذين أجهضوا العملية الإسرائيلية ضد المقر المركزي للجبهة، يوم 10 نيسان/أبريل 1973، أمكن حصر 21 شهيداً، قدمتهم الجبهة الديمقراطية في تلك المعارك والمواجهات.
ولم يقتصر عمل المقاومة على جبهات الداخل والأغوار والجولان، بل امتد كذلك إلى جنوب لبنان، ونهض هناك على أكتاف أبناء مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم، وجد اللاجئون في لبنان في المقاومة الفلسطينية وفصائلها المتنوعة، تعبيراً عن إرادتهم السياسية وطموحهم الوطني، كما وجدوا فيها مدخلاً لإنهاء الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاضطهاد الأمني الذي لحق بهم على أيدي السلطات اللبنانية منذ لجوئهم القسري إلى لبنان.
منذ مطلع ستينيات القرن الماضي بدأ القائد الشهيد عبد الكريم قيس حمد «أبو عدنان» بناء المجموعات الفدائية الأولى، التي شكلت نواة القوات المسلحة للجبهة الديمقراطية التي تصدت لثلاث عمليات عسكرية قامت بها قوات العدو الإسرائيلي في الجنوب وهي: معركة العرقوب الأولى أيار / مايو 1970، والعرقوب الثانية 1شباط/ فبراير 1972، والعرقوب الثالثة كانون الأول /ديسمبر 1972، والعديد من المعارك المشرفة التي خاضتها قوات الجبهة.
وفي مجال العمليات الخاصة التي نفذها أبطال القوات المسلحة الثورية للجبهة الديمقراطية من 1973 إلى 1975 ارتقى عدد من الشهداء، ففي نابلس نفذت عملية جريئة ضد الحاكم العسكري عقاباً له على جرائمه ضد أبناء الشعب الفلسطيني، إلى عملية «معالوت ترشيحا» في 15 مايو 1974 واستشهد لينين المصلح، وعلي عبد الرحيم أحمد، وزياد عبد الرحيم كعوش، إلى عملية طبريا وهاؤن، وغير ذلك الكثير من العمليات البطولية. وعبر هذه «العمليات الخاصة» قدمت الجبهة 29 شهيداً، في مقدمتهم القائد راسم عليان الحوساني، والقائد ممدوح النجار، وصفّ عريض من ضباط وضباط صف القوات المسلحة الثورية.
ومن هذه العمليات المميزة التي نفذتها قوات الداخل «عملية 15 أيار 1976 (عملية الشهيدة لينا النابلسي)». وكان من أبطالها مشهور العاروري الذي احتجز العدو جثمانه أكثر من 24 سنة، من أيار (مايو) 1976 إلى آب (أغسطس) 2010، حيث استعادته الجبهة الديمقراطية من مقبرة الأرقام.
وفي معارك «حرب السنتين» في لبنان (1975 -1976) والتي شكلت مرحلة صعبة في حياة المقاومة الفلسطينية بشكل عام، قدمت الجبهة 160 شهيداً (من أصل 388 شهيداً) يشكلون 40% من شهدائها في «حرب السنتين»، في مقدمتهم القائد بهيج المجذوب (مراد) والقائد عاطف سرحان (سالم) والقائد يوسف الوزني (بطرس أبو عامر) والقائد إبراهيم أبو زعلان (جورج حداد) فضلاً عن عدد كبير من الكادر المتقدم والوسيط إلى جانب حشد من المقاتلين ذوي الاختصاصات المختلفة والتجربة الواسعة في الميدان، استشهدوا في معارك الشياح وعموم الضاحية الجنوبية، ورأس النبع والأسواق التجارية، والفاكهاني -طريق الجديدة، ومخيمات صبرا -الداعوق -شاتيلا، ومثلث خلدة، وبئر حسن، والدامور، وبحمدون، ومحور عاليه-الكحالة، والمتن، وعينطورة، وصنين، والبقاع، وزحلة، وشمال لبنان، ومدينة صيدا أو في الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني بمن فيهم أبناء مخيم تل الزعتر في 12/8/1976 أثناء محاولة هؤلاء الخروج من المخيم، تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر وفي حمايتها.
خرجت القوات المسلحة للجبهة الديمقراطية من حرب السنتين، أكثر قوة، ونجحت على مدى عامي 1976 – 1978 في التصدي للأعمال العدوانية الإسرائيلية، جنباً الى جنب مع القوات المشتركة الفلسطينية – اللبنانية وخلال هذه الفترة من عمر النضال الوطني الفلسطيني قدمت الجبهة 74 شهيداً، في مقدمتهم القائد محمد شاكر خزعل (فايز أبو حميد) قائد كتيبة صلاح الدين في قوات الجبهة، قائد القوات المشتركة، على محور القنطرة -القعقعية -الطيبة والتي دارت فيها معارك فاصلة، والقائد بشير زقوت، والقائد عبد الله العجوري (أبو سليمان)، وصفّ واسع من ضباط وضباط صف القوات المسلحة الثورية ومقاتليها.
وفي مرحلة شهداء المواجهات المستمرة ،1979-1980، قدمت الجبهة 61 شهيداً. وبعدها وفي حرب الجسور 1981، ضمن حرب أعلنها مناحيم بيغن على منظمة التحرير الفلسطينية، قدمت الجبهة في هذه المرحلة الصاخبة كوكبة ضمت 82 شهيداً في مقدمتهم القائد سامي أبو غوش (الحاج سامي) أمين سر اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية، وزوجته الرفيقة مها، والقائد معروف أبو السعود (أبو محمود الفوريكي) عضو القيادة العسكرية للقوات المسلحة الثورية ونائب قائد القوات في جنوب لبنان، والنقيب محمد عبد الكريم البطاط (أدهم عبد الكريم)، والنقيب عايش عبد الرحمن أحمد (قيس) وعشرات الشهداء من مقاتلي القوات المسلحة والميليشيا الشعبية.
وفي الغارة 17/7/ 1981على المقر القيادي المركزي للجبهة الديمقراطية في الفاكهاني ارتقى 36 شهيداً على رأسهم: القائد عبد الحميد أبو سرور (ابو الغضب)، والنقباء أمين خالد (أبو انطون)، وأحمد عبد الهادي (جلال سلمان)، وأحمد إبراهيم الأحمد (أبو المنذر)، ومحمد ساسي (جياب التونسي)، ويحيى إبراهيم، والمناضل الأممي نيقولا روبيه (فرانسوا)، والكاتب غازي فيصل ذرب (أبو دالية) وفي حينها أعلنت إسرائيل أن ضربتها هذه استهدفت «الرأس السياسي والعسكري المتصلب في قيادة «م.ت.ف.».
وفي حرب عام 1982، خاضت القوات الثورية المسلحة معارك بعد انتشار القوات الإسرائيلية على أرض لبنان (1982 – 1985) في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان: دوار البص، برج الشمالي، قلعة أرنون (النبطية)، مخيم عين الحلوة، دوار الراهبات في صيدا.
وسطرت قوات الجبهة ملاحم بطولية في اجتياح 1982، من أهمها، القتال المستميت في قلعة الشقيف، وعلى محور النبطية – كفر رمان، وغيرها الكثير من الملاحم، وقدمت الجبهة 150 شهيداً، في مقدمتهم القادة صلاح شاهين، فواز التالول (فهد)، محمد عتريس (ناصر)، محمد أبو النصر، فؤاد مصطفى (أبو فادي) وصفّ عريض من ضباط وضباط صفّ القوات المسلحة الثورية ومقاتليها، وصف عريض من مقاتلي كتيبة الأمن الوطني، وقوات المليليشيا الشعبية، والشبيبة العسكرية ومناضلات في صفوف المنظمة النسائية الديمقراطية.
وفي مجزرة صبرا وشاتيلا في 16-18/9/1982 ارتقى في المجزرة للجبهة الديمقراطية وأذرعها الكفاحية ومنظماتها الديمقراطية 36 شهيداً وشهيدة من بينهم الرفاق نور الدين عوض (فرهود صالح) وسمير القاضي (أبو علي) وزياد حسن شرف.
تابعت قوات الجبهة الديمقراطية عملياتها طيلة فترة تسعينيات القرن الماضي في الشريط المحتل بجنوب لبنان، وانطلاقاً منه باتجاه فلسطين، والدليل الملموس على حجم التضحيات الجسام التي قدمتها قوات الجبهة الديمقراطية، جثامين الشهداء الذين سلمتهم إسرائيل إلى حزب الله في سياق عملية التبادل التي أجراها الحزب في شهر تموز (يوليو) 2008 والتي أُطلق من خلالها سراح عدد من المناضلين منهم سمير القنطار، حيث بلغ عدد جثامين الشهداء من مقاتلي الجبهة الديمقراطية 30% من إجمالي عدد الجثامين الذين جرى تسليمهم 42 شهيداً من أصل 151.
وفي مرحلة «انتفاضة الأقصى» في الفترة ما بين 2001 – 2005، يرصد كتاب «كتائب المقاومة الوطنية»، العمليات القتالية التي نفذتها كتائب المقاومة في الضفة والقطاع منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى، وحتى إعلان التهدئة في قمة شرم الشيخ في 8/2/2005. يستعرض الكتاب العمليات العسكرية، والاقتحامات، والتصدي للاحتلال الإسرائيلي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ويصنف شهداء كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية حسب الترتيب التالي:
1- الشهداء الذين جرى اغتيالهم على يد قوات الاحتلال، وهم عزل من السلاح بعمليات اتسمت بالحقد والغدر.
2- الشهداء أبطال عملية «الأنوار» في نابلس تصدى فيها هؤلاء الشهداء لقوات الاحتلال عندما اقتحمت حي الأنوار.
3- الشهداء أبطال العمليات الفدائية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
4- الشهداء الذين واجهوا قوات الاحتلال الإسرائيلية في معارك الدفاع عن الشعب والأرض وكبدوا جيش الاحتلال خسائر في صفوف ضباطه وجنوده.
يوثق الكتاب تضحيات المقاومين وتاريخ نشأة التشكيلات العسكرية للمجموعة، وتخليد أسماء الشهداء الذين حملوا السلاح، بالاعتماد على بيانات كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية، منها العمليات المميزة للرد على جرائم اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى، واغتيال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وعملية «حصن مرغنيت» التي نفذها الفدائيان الشهيدان أمين أبو حطب وهشام أبو جاموس بتاريخ 25 آب /أغسطس 2001، واستهدفت أحد أكثر المواقع المعادية في قطاع غزة تحصيناً وتسليحاً الأمر الذي أحدث هزة في صفوف القيادتين العسكرية والسياسية في إسرائيل، وشكّل منعطفاً في مسار العمل المقاوم، عملت هذه العمليات العسكرية فعلها في تهديم ثقة الجندي الإسرائيلي بنفسه، حيث أدت إلى مقتل 6 جنود بينهم كولونيل.
وعشية إعلان التهدئة في 8/2/2005، نجح أبطال كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية في تنفيذ عملية عسكرية ضد الموقع العسكري الإسرائيلي قرب حاجز «أبو هولي»، مما أوقع إصابات في صفوف العدو، واستشهد أحد أبطال العملية.
لقد كان لشهداء الجبهة الذين انتموا إلى الأذرع الكفاحية المختلفة للجبهة سيراً خالدة ومآثر تستحق أن تخلد، سواء كانوا في القوات المسلحة، أو في قوات الميليشيا الشعبية، أو في فصائل الشبيبة العسكرية، وفي قوات إسناد الداخل، وفي اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني، وفي المنظمة النسائية الديمقراطية الفلسطينية، والتجمعات المهنية الديمقراطية، وفي الهيئات المختصة كالإعلام والإدارة المركزية وغيرها.
بقلم ” أسامة خليفة” 4 حزيران/ يونيو، يوم شهيد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

