بقلم: د. ماهر عامر : المجلس الوطني: استعادة المرجعية وتجديد الشرعية في مواجهة التجهير والضم و التهميش والتفكيك

المسار : تكتسب مسألة إعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية أهمية استثنائية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، ليس فقط بسبب الحاجة إلى تجديد الشرعيات السياسية والمؤسساتية، وإنما أيضاً بسبب حجم التحديات الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، في ظل استمرار الاحتلال الاستعماري الاستيطاني، وتصاعد سياسات الضم والتهويد والفصل العنصري والتطهير العرقي، ومحاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني وفق أجندات خارجية لا تنطلق بالضرورة من الأولويات الوطنية الفلسطينية.

وفي خضم النقاش الدائر حول الانتخابات الفلسطينية، تبرز ضرورة العودة إلى الأساس الدستوري والسياسي الذي قامت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، والمتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية الوطنية العليا الجامعة لجميع الفلسطينيين أينما وجدوا.

لقد جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 لعام 2012، الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، ليؤكد بصورة واضحة أن هذا التطور في المكانة القانونية الدولية لدولة فلسطين لا يمس بالدور التاريخي والقانوني والسياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل المعترف به للشعب الفلسطيني. كما أن القرار الأممي ES-10/23 لعام 2024، الذي اعتبر دولة فلسطين مؤهلة للعضوية الكاملة في الأمم المتحدة ومنحها صلاحيات إضافية داخل المنظمة الدولية، لم يتضمن أي تعديل أو انتقاص من هذه المكانة، بل جاء في سياق تعزيز الشخصية القانونية الدولية للشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية.

ومن هنا فإن أي عملية إصلاح أو تطوير للمؤسسات الوطنية يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة الجوهرية: منظمة التحرير الفلسطينية ليست مؤسسة من مؤسسات السلطة الفلسطينية، بل هي الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني بأكمله، وهي المرجعية السياسية والقانونية والوطنية العليا التي تستمد شرعيتها من تمثيلها لجميع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي مخيمات اللجوء والشتات ودول المهجر.

وانطلاقاً من ذلك، فإن المجلس الوطني الفلسطيني يحتل مكانة مركزية في البنيان الوطني الفلسطيني باعتباره السلطة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، والهيئة التمثيلية الجامعة التي تعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته ووحدة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف. فالمجلس الوطني ليس مؤسسة تخص جزءاً من الشعب الفلسطيني دون غيره، وليس برلماناً محلياً مرتبطاً بحدود جغرافية مؤقتة فرضتها اتفاقيات انتقالية، وإنما هو برلمان الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده.

لقد نشأ المجلس التشريعي الفلسطيني في سياق اتفاق أوسلو باعتباره أحد مخرجات المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تقود خلال سنوات محدودة إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة. إلا أن التجربة التاريخية أثبتت أن إسرائيل استخدمت الاتفاقات الانتقالية كغطاء لتعميق الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية، حتى وصل الأمر إلى انهيار الأسس السياسية التي قامت عليها تلك الاتفاقات دون أن يتحقق للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال. وبالتالي، فإن أي مقاربة وطنية جديدة لا يمكن أن تجعل من المؤسسات التي أفرزتها المرحلة الانتقالية بديلاً عن المؤسسات الوطنية الجامعة التي تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله. بل إن المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للمجلس الوطني الفلسطيني بوصفه المؤسسة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية تضمن مشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، فإن الانتخابات المقررة للمجلس الوطني الفلسطيني تمثل من حيث المبدأ استحقاقاً وطنياً مهماً ومطلباً طال انتظاره، غير أن نجاحها يتوقف على وضعها ضمن رؤية وطنية شاملة تستهدف تجديد المشروع الوطني الفلسطيني وليس مجرد الاستجابة لضغوط خارجية أو متطلبات سياسية مرتبطة بما يسمى برامج الإصلاح المطلوبة دولياً.

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إعادة ترتيب البنية الإدارية للسلطة الفلسطينية، وإنما يبدأ من معالجة جوهر المشكلة المتمثل باستمرار الاحتلال الإسرائيلي الذي يشكل العقبة الرئيسية أمام ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، ويعطل بصورة منهجية عمل المؤسسات الوطنية الفلسطينية، ويمنع إجراء انتخابات حرة وشاملة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن هنا فإن أي عملية انتخابية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يجب أن يُنظر إليها باعتبارها معركة سياسية ووطنية مع الاحتلال قبل أن تكون مجرد استحقاق إجرائي. فتمكين الفلسطينيين من انتخاب ممثليهم بحرية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة يشكل تجسيداً عملياً لحق تقرير المصير، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني.

كما أن انتخاب أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الأراضي المحتلة يجب أن يتم باعتبارهم جزءاً أصيلاً من التكوين الشامل للمجلس الوطني، وليس باعتبارهم إطاراً منفصلاً أو بديلاً عنه. فالفلسطينيون في الوطن والشتات يشكلون وحدة سياسية ووطنية واحدة، والمجلس الوطني هو التعبير المؤسسي عن هذه الوحدة.

وفي الوقت ذاته، فإن الانتخابات في الشتات ودول المهجر تمثل ركناً أساسياً من أركان إعادة بناء الشرعية الوطنية، لأن ملايين الفلسطينيين خارج الوطن ليسوا مجرد جاليات أو تجمعات سكانية، بل هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني ومن أصحاب الحق في تقرير مصيرهم واختيار ممثليهم في مؤسساتهم الوطنية.

غير أن نجاح أي عملية انتخابية وطنية يتطلب أولاً التوافق على استراتيجية وطنية جامعة تستند إلى حوار وطني شامل يشارك فيه الجميع دون إقصاء أو استثناء. فالديمقراطية في مرحلة التحرر الوطني لا يمكن أن تكون أداة لتعميق الانقسام أو تكريس الهيمنة، بل يجب أن تكون وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وتوسيع الشراكة السياسية وبناء توافق وطني قادر على مواجهة التحديات المصيرية.

كما أن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تتركز على مواجهة المخاطر الوجودية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها مشاريع التهجير والضم والتهويد، والعدوان المستمر على قطاع غزة، وما خلفه من مآسٍ إنسانية غير مسبوقة. فإعادة إعمار غزة، ووقف العدوان، وانسحاب قوات الاحتلال، وتمكين أبناء شعبنا من الحياة الكريمة فوق أرضهم، تشكل متطلبات وطنية عاجلة لا يمكن فصلها عن أي عملية سياسية أو انتخابية مستقبلية.

لقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وضرورة إنهائه بأسرع وقت ممكن. كما أكدت قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة عدم شرعية الاستيطان ووجوب احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ولذلك فإن أي إصلاح سياسي فلسطيني حقيقي يجب أن ينطلق من مواجهة الاحتلال باعتباره أصل الأزمة، لا من التعامل مع نتائجه بوصفها المشكلة الرئيسية.

إن تجديد المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يكون خطوة نحو استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لا مدخلاً لإضعافها أو تجاوزها أو إعادة هندسة التمثيل الوطني الفلسطيني وفق اعتبارات خارجية. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست معركة إجراءات أو هياكل إدارية، وإنما معركة حماية الهوية الوطنية الفلسطينية، وصون وحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني، وتجديد مؤسساته على أسس ديمقراطية ووطنية تمكنه من مواصلة نضاله المشروع من أجل الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس وجهة نظر المسار الاخباري

Share This Article